FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

الإجراءات اللسانية و رصد المعنى داخل البنية الروائية

ذاكرة الجسد  نموذجا

                                                

أ/زنينة كلثوم

جامعة سطيف (الجزائر) 

 

الملخص:

تتمحور مداخلتي حول متابعة دور لسانيات النص في تتبع المعاني والدلالات داخل البنية النصية للرواية بعدها واحدة من محاضن التصورات المختلفة للعالم، وذلك عبر تقديم قراءة  لبعض الخيارات على مستوى اللغة ودلالاتها المختلفة في روايتي (ذاكرة الجسد وفوضى الحواس لأحلام مستغانمي) سعيا لرصد مفهوم رؤية العالم بعده مصطلحا فلسفيا أولا تداوله معظم الفلاسفة المعاصرون، وتحديدا دلثاي، غير أن فهمه واتخاذه آلية لتفسير علاقات الإنسان بالوجود ومواقفه من التاريخ والزمان، ثم ارتباطه بالمكان قد اختلف باختلاف توجهات كل ناقد. غير أن الأمر الذي لا خلاف فيه هو أن اللغة هي القادرة على ترجمة مختلف الرؤى والأفكار، إنها خيوط نسج للنص خارجيا وهي في الآن نفسه منطقه الداخلي، وحاملة معانيه ودلالاته. ومنطق النص الداخلي هو منطق اللغة بوصفها إنتاجاً للمعنى، ومنطق اللغة هو تلك المبادئ والأسس والعلاقات القابلة لا لإنتاج معاني مختلفة فحسب، بل لإنتاج منظومات فكرية وأيديولوجية مختلفة لكل منها منطقها الخاص المستند إلى منطق اللغة العام. وتلك الإيديولوجيات هي رؤيته للعالم وموقفه منه.

 

تعتبر الرواية هي الجنس الأدبي المعاصر بامتياز، فقد احتلت مساحة واسعة من اهتمام النقاد، والاتجاهات النقدية المعاصرة، لما لها من قدرة على استثمار المواد الابداعية؛ اللغة والأسلوب والأفكار، والعواطف، وتصوير للشخصيات وعرض مواقفها من المجتمع والحياة، وعلاقاتها بجميع المستويات الثقافية والأخلاقية والدينية والسياسية.....، ولكن قبل هذا وذاك، فالرواية نص أدبي، أي أنه نسيج لغوي كما ذهب إلى ذلك معظم النقاد المعاصرون؛ كريستيفا، وبارث في تعريفهم ؛ "كلمة نص texte تعني نسيجا tissu، لكن طالما تم حتى الآن اعتبار هذا النسيج على أنه منتوج وحجاب جاهز يكمن وراءه مختفيا، نوعا ما، المعنى (الحقيقة)، فإننا سنشدد الآن داخل النسيج على الفكرة التوليدية القائلة إن النص يتكون ويصنع نفسه من خلال تشابك مستمر، والذات الضائعة في هذا النسيج -هذا النسج- تتفكك كأنها عنكب يذوب من تلقاء نفسه داخل الافرازات المشيدة لشبكته. ولو أحببنا عمليات استحداث الألفاظ Neologismes لاستطعنا أن نعرف نظرية النص بكونها علم نسيج العنكبوت Hyphologie"(1)، فكل رواية هي نص، إذن فهي نسيج متشابك من المكونات السردية التي تحملها اللغة، لأن اللغة هي خيوط هذا النسيج الفني، ومادته الخام، حاملة معانيه، وحاجبتها في الآن نفسه، تغري القارئ بظهورها المتستر، وتراوده على نفسه ليلج عالم النص برغبة عارمة للوقوع في ملذاته وطابوهاته المتسترة بخيوط رفيعة تجعل القارئ يشعر أنه في حلم، يرى أشباحا تتناوبه بين الوضوح والتخفي، بشخصيات خيالية تشبه الواقع أكثر من الواقع نفسه، وأحداث تتحرك نحو المستقبل المنتظر لا المفترض...إن الرواية مكسب إبداعي، وإنساني، لما لها من قدرة على فتح قنوات التواصل بين المكونات السردية داخل النص في حد ذاته؛ الشخصيات، الوصف المكاني، والسيرورة الزمنية، البناء اللغوى والحوار، أو بين المبدع والمتلقي الذي يجد نفسه أما آفاق واسعة للتعاطي مع النص والنفاذ إليه من عدة مداخل يتوفر عليها أي نص سردي، ذلك أن الرواية تعد "أكثر الأجناس الأدبية قدرة على تحقيق التواصل وإشاعته على نطاق واسع......تتحمل الهيئات السردية بدءا بالراوي الخيالي، فالمروي له فالممثلين، أعباء التلفظ والتواصل السردي من أجل تحقيق المسارات السردية ومقاصدها وغاياتها."(2)، فلكل عمل روائي مقصد وغاية يجري إلى تحقيقها، ومعتمدا على ما يتوفر له مكونات سردية يكون للمبدع، أو المؤلف فضل النسج لخيوطها وقصد الربط لمسارات تواصلية بينه وبين الملقي الذي يبدأ معه النص الرحلة الثانية، في سبيل رصد المعنى وإنتاجه، لأن المبدع أو المؤلف لا يملك القدرة على إنتاج معنى للنص بعيدا عن القارئ، حيث أن عملية القراءة إنما هي "نشاط إنتاجي يقوم أساسا على فعل بناء المعنى، لذلك تجمع أدبيات القراءة على الدور الهام الذي يضطلع به القارئ في هذا النشاط مادام الأمر لا يقتضي استخلاص معنى موجود مسبقا، وإنما المراد هو منح القارئ معنى حيا لهذا النص اعتمادا على جرد المؤشرات النصية وعلى وضع فرضيات حول دلالة ممكنة من دلالته، ثم القيام بالتحقيق من هذه الفرضيات في النص"(3) . هذا لأن النص الأدبي، والروائي تحديدا لا يحمل معنى واحدا واضحا، ولا تحيل بنياته السردية ومكوناتها إلى دلالة أحادية بل إلى بنيات دلالية يضطلع القارئ بتأويلها وتقديم تفسير وقراءة محتملة لها، فتختلف القراءات والتأويلات باختلاف القراء.

ولعل ما يمنح القارئ هذه الصلاحيات في قراءة النصوص الروائية هو خصوصيتها الإبداعية وذلك في اعتبارها نوعا من الكذب الجميل، والكاتب "إنسان يعيش على حافة الحقيقة لكنه لا يحترفها بالضرورة، ذلك اختصاص المؤرخين لا غير....إنه في الحقيقة يحترف الحلم.... أي يحترف نوعا من الكذب المهذب، والروائي الناجح هو رجل يكذب بصدق مدهش، أو هو كائن يقول أشياء حقيقية...."(4) ، يتداول هذا التعريف كثيرا عند محاولة وضع مفهوم عام للسرد الأدبي وفيه إشارة إلى البنية الخارجية للنص السردي والنسيج الداخلي له أي صدق الخبر الذي ينقله ومدى مطابقته للواقع، مطابقة زمانية أو مكانية، أحداثا وشخصيات. ومقارنتها بقدرات الكاتب على استخدام البنى اللغوية والأسلوبية لبناء عالم خاص داخل نصه يوازي الواقع أو يناقضه، يعالجه، وينتقده، يعكس صورته في نظر المؤلف، وموقف الجماعة منه، لأن الرؤية والموقف الذي غالبا ما تتخذه الرواية من العالم أو المجتمع إنما هو رؤية جمعية تشير إلى موقف "نحن" رغم أنها تأتي على لسان "الأنا" الفرد الراوي، لكنها في الحقيقة تتحدث بصوت مجتمع كامل، ويعبر عن واقع جيل أو كتلة سياسية، أو مذهب ديني، وربما تيار فكري، أو حتى وطن بأكمله...، ومع ذلك فبنية الرواية مهما كان موضوعها ورسالتها، فهي إنما تلاعب الروائي باللغة، فالنص الأدبي هو نسيج من الأداء الذي تنتجه اللغة كأداة تحدد تشكيلته و معماريته كآلية لإنتاج المعنى، أي أن اللغة تأتي بمثابة الأداة لهدف الوصول إلى الدلالة التي تظل محدودة وغير منجزة ما لم يتم ربطها بالسياق الاجتماعي الذي ولد النص. من هذا المطلق تعددت المناهج النقدية في محاولة قراءة النصوص السردية باحثة داخل العمل الروائي عن المعنى أو الدلالة التي يحيل إليها، وتعددت بذلك أدوات كل منهج واختلفت منطلقاته، رغم أن هدفها واحد.

الدراسات النقدية وإشكالية المعنى:

 تزاحمت على الساحة الأدبية المعاصرة مصطلحات نقدية كثيرة، أفرزتها اتجاهات ورؤى حديثة راحت تحاول استنادا إلى خلفيات فلسفية، أن تحدد ماهية الابداع الادبي، سعيا لرصد وظائفه وآثاره على الحياة، وعلاقته بالكون والوجود والانسان، فمنها من انطلقت من المبدع، أو المؤلف، ومنها من رأى في النص بنية مغلقة على نفسها لا علاقة لها بكل ما سواها، فيما يذهب اتجاه آخر ليرى في المتلقي أو القارئ سبيلا لفك شفرات النص وبلوغ معناه. فمن المناهج السياقية (النفسية، الاجتماعية، التاريخية....) إلى البنيوية واتجاهاتها المختلفة، وصولا إلى نظرية التلقي واستراتيجية التفكيك، والتأويل...ولكل منها قارئ يمتلك من وسائل منهجه ما يتيح له ولوج عالم النص الأدبي، فلا وجود لأي نص دون متلقي، فعلي او ضمني، يضطلع بإرادته ووعيه الخاص باقتناص المعنى، ذلك أن المعنى في حد ذاته، قد صار متفلتا مراوغا يأبى الظهور، والانصياع لقراءة سطحية مكتفية بجزئية من جزئيات النص.

غير أن الحقيقة التي لا تختلف فيها كل تلك الاتجاهات النقدية أو المرجعيات الفلسفية هي أن منطلق الدراسة الأدبية هو اللغة؛ الوعاء الفعلي للمعاني الحقيقية والافتراضية، والمحتملة لأن اللغة هي إنتاج للمعنى وإعادة إنتاجه في آن. وبما أن اللغة هي إنتاج الجماعة اللغوية فهي مرتبطة بالبيئة التي أنتجتها وبالجماعة التي تمارسها وبالمحيط الذي توظف في إطاره، من هذا المنطلق نستطيع القول ان البنيوية التوليدية أو ما يسمى التكوينية بعدها "البحث عن العلاقات الرابطة بين الأثر الأدبي وسياقه الاجتماعي، الاقتصادي الذي سبق تكوينه"(5) ،هي المنهج الأقرب للبحث عن "رؤية العالم" في الرواية. لأنها تنطلق من البنية اللغوية للنص وعلاقاتها الداخلية ثم تربطها بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي ولد هذه البنية النصية ومن خلال تلك العلاقة تتوضح الرؤية التي يبغي النص تصويرها و التعبير عنها بالصريح أو التلميح، لذلك نجد جابر عصفور يعرف هذا المنهج بأنه "المنهج الذي يتناول النص الأدبي بوصفه بنية إبداعية متولدة عن بنية اجتماعية"(6) وكغيره من المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة، فإن النبوية بمختلف اتجاهاتها إنما هي وليدة الشكلانية الروسية التي كان لها الفضل في التنبيه إلى فكرة الأدبية أو الشعرية أي ما يجعل نصا ما نصا أدبيا، وفرقوا بين الأدوار التي تضطلع اللغة بادئها تبعا لاستعمالها، فقد "حاولوا أن يقفوا على أدبية النص الأدبي من خلال المقارنة بين حكم اللغة في الخطاب العادي وحكمها في الخطاب الأدبي، فوظيفتها في الخطاب العادي إبلاغية أساسا، وفي الخطاب الأدبي إبلاغية جمالية معا، ولذلك رأى الشكلانيون أن موطن الأهمية في الأدب ليس الأفكار وإنما الوقائع التعبيرية"(7)، فعن هذا المنطلق تفرعت مختلف الاتجاهات اللسانية التي انبثقت عن البنيوية بفروعها المختلفة، ويعد الناقد الروماني لوسيان غولدمان من أهم أتباع لوكاتش، فيما يسمى المدرسة الهيجلية الجديدة في النقد الماركسي، ويهتم غولدمان بدراسة بنية النص الأدبي دراسة تكشف الدرجة التي يجسد بها النص بنية الفكر "رؤية العالم" عند طبقة أو مجموعة اجتماعية ينتمي إليها الكاتب، ويطلق غولدمان على منهجه النقدي اسم "البنيوية التوليدية" لاهتمامها ببنية المقولات التي تكشف عن رؤية خاصة للعالم، ثم يركز على الكيفية التي تتولد بها هذه الأبنية العقلية على مختلف المستويات التاريخية والاجتماعية وحتى السياسية والاقتصادية. لقد جمع غولدمان بين الفكر الماركسي في اهتمامه بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية وأثرها في النتاج الأدبي، وبين البنيوي من جهة ثانية في اهتماماه ببناء النص وشكله.

وقد شهدت البنيوية التكوينية انتشارا واسعا في الساحة النقدية العربية، واسالت كثيرا من حبر النقاد العرب تنظيرا وممارسة، ويأتي في مقدمتهم الناقد المغربي "محمد بنيس" في كتابه "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب؛ مقاربة بنيوية تكوينية"، حيث قام الناقد بربط الشعر العربي المعاصر بالظواهر الاجتماعية السائدة، مستخلصا العلاقة بينهما، ثم مدى بلورتها لرؤيا العالم، بالإضافة إلى يمنى العيد بكتابها "في معرفة النص، دراسات في النقد الأدبي"، ثم الدراسة التي قدمها إدريس بلمليح في كتابه "الرؤية البنائية عند الجاحظ"؛ والتي قام من خلالها بتطبيق مفهوم رؤية العالم سعيا لتمثل فلسفته في تصور العالم رابطا ذلك بالفكر المعتزلي الذي آمن به الجاحظ، كل ذلك في ضوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي عاشها الجاحظ.

والحديث عن البنيوية التكوينية يجب أن يحط بنا عند أهم مفاهيمها، إنه مفهوم "رؤية العالم" ذلك أنه يعتبر من المفاهيم المتجذرة في منهج غولدمان النقدي، فبالنسبة لغولدمان هناك تطابق بين رؤية العالم كواقع معيش ورؤية الكون ضمن الإبداع، بين الكون الحقيقي والكون ذي العوالم الشكلية المتحقق بالوسائل الفنية المحضة، ومصطلح "رؤية العالم" من أهم المصطلحات التي تعين الناقد على إجراء المقاربة السوسيولوجية للنص الأدبي ويعني "أننا لا نستطيع أن نفهم النص الأدبي إلا في سياق بعده الاجتماعي إلى جانب البعد الفردي المنطلق من خيال المبدع، دون الفصل بينهما"(8)، فالمبدع ما هو إلا فرد من المجتمع يحمل أفكارهم ومواقفهم يدافع عن مبادئهم ويصور حياتهم بخياله، محاكيا شخوصهم، وظروفهم، إما تلميحا أو تصريحا، فما العمل الروائي إلا محاولة لفهم ظواهر اجتماعية أو مواقف نفسية، وربما حتى مراحل تاريخية، ذلك ان كل تصور للعالم ينتج عن صلة بالعالم، صلة مشاهدة أو ألفة ومعايشة تتدرج إلى أن تصير فلسفة في الحياة، ويعود أصل هذا المصطلح إلى الفلسفة الألمانية، ويشير إلى طريقة الإحساس وفهم العالم بأكمله، وبالتالي يمثل الإطار الذي يقوم من خلاله كل فرد برؤية، وتفسير العالم المحيط والتفاعل معه ومع مكوناته (9).

من هذا المنطلق تركز الدراسات النقدية الراصدة لمفهوم رؤية العالم في النص السردي على مستويين إثنين، متلاحمين ومتكاملين، وهما مستوى البنية السردية؛ وتتعلق بالمكونات السردية للبنية النصية كالثنائيات الضدية، والتناص، التذكر، والوصف، والبنية الدلالية وتتعلق بالبنى العميقة في النص، عبر ربط الوعي الفردي للراوي او السارد بالوعي الجماعي وعلاقاته السوسيولوجية، "فكل عمل إبداعي هو تجسيد لرؤية العالم التي تضعها الذات المجاوزة للفرد، وذلك بالمعنى الذي ينقل هذه الرؤية من مستوى الوعي الفعلي الذي بلغته إلى مستوى الوعي الممكن"(10)، فالرؤية التي يقتنصها الناقد من النص لا تعبر بالضرورة عما هو كائن، فقد تتجاوزه لتعبر عما يجب أن يكون وعما تريد الجماعة ان يكون، وقد تعبر عن رفض، أو تذمر تخشى التصريح به فيظهر بالنقيض النصي. كل ذلك تمنحه اللغة للنص، فيصبح المعنى حالة من التفلت الدائم والمراوغة المستعصية على القبض والتقييد، ذلك أن "المعرفة التي نملكها كمستعملين للغة تتعلق بالتفاعل الاجتماعي.... اللغة ليست إلا جزءا من معرفتنا الاجتماعية -الثقافية- إن هذه المعرفة العامة للعالم لا تدعم فقط تأويلنا للخطاب، وإنما تدعم أيضا تأويلنا لكل مظاهر تجربتنا، حتى إن دوبوكراند ذهب إلى أن التساؤل حول كيفية معرفة الناس لما يتحرك في نص ما ليس إلا حالة خاصة للتساؤل عن كيفية معرفة الناس لما يجري في العالم....."(11)، وكأن النصوص الروائية ماهي إلا مرايا عاكسة لمواقفنا، ناطقة على ألسنة الأجيال شخوصها، منبر لفلسفات الحياة ولمفاهيم الوجود والكون، شاخصة بماهية الإنسان وما يسعى إليه...

ومن أمثلة توظيف مفهوم رؤية العالم في القراءة النقدية عربيا ما قام به التونسي "الطاهر لبيب" وهو في الصل عالم اجتماع وليس ناقدا، وقد قدر الباحث رسالة دكتوراه تحت إشراف غولدمان نفسه، دراسته كانت في ظاهرة الغزل العذري الذي شاع في العصر الأموي، درس الناقد الظاهرة من حيث تعبيرها عن رؤية العالم لدى فئة اجتماعية هم الشعراء العذريون، وحاول ان يقيم علاقة بين هذه الظاهرة وطبيعة البنى الاجتماعية والاقتصادية لدى هؤلاء الشعراء، وفي عصرهم، ومدى نجاحهم في تقديم رؤية للعالم تعبر عن واقعهم .

وليس بعيدا عن المناهج النقدية الراصد ة للمعنى ضمن بنية النص الأدبي كانت اللسانيات تتوسع وتتفرع بتفرع توجهاتها ومنطلقاتها ومواقفها من اللغة، فبعد التحول الذي شهدته العلاقة بين الدال والملول تنوعت منطلقات البحث اللساني، لكنا هنا بصدد الحديث عن لسانيات النص، والتي تضطلع بقراءة النصوص الإبداعية المطولة من جنس الرواية متجاوزة بذلك لسانيات الجملة، من جهة ومنطلقة من مبدئها من جهة ثانية، حيث تعمل لسانيات النص على تجزيء  النص إلى وحدات صغرى ثم تعود بإعادة بنائه لإنتاج معنى. وقد شاعت في مجال لسانيات النص عدة طرق ووسائل لتحليل النصوص المختلفة، فمنها من يوظف تقنيات خاصة بقطاع تحليل الخطاب، ومنها من يستعين بالنظرية التداولية، ومنها من يتوجه للسيميائيات ونظريات التلقي والاتصال، والسوسيولسانيات...ذلك أن لسانيات النص ليست منهجا مغلقا، بل إنها تحمل أبعادا غير لغوية نفسية واجتماعية، وغيرها.

شهدت لسانيات النص تحولا كبيرا في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بفضل المدارس الجديدة كالتاريخية الجديدة، الماركسية الجديدة، والمادية الثقافية، والنقد النسوي، النقد الثقافي.... تقوم لسانيات النص برط الصلة بين العلامة اللغوية والمتلقي الذي يمتلك مرجعية اجتماعية، فكرية يحاول من خلالها بلوغ دلالتها ومقصدها التداولي، ويتجاوب معها، فالمتلقي وفق لسانيات النص يمتلك نطاق توقعات، يستهل بها اعتمادا على تأويل العلامات النصية عملية فهم النصوص، لكن ذلك يلزمه ببعض الشروط التي يمكن إجمالها في:

-        وجوب امتلاك المتلقي لشفرة تأويل ملائمة للنص

-        ربطه لعلاقة النص برؤية العالم والفرضيات النظرية، والتجربة الذاتية

-        منحه الدلالة مشروعية تأويلية على المستوى النقدي

-        قدرته على ملء الفراغات في النص وإكمال معناه

فمهمة لسانيا النص هي تقصي الوسائل التي تقنن تفسير الخطابات المتنوعة، فالتحليل اللساني مزيج بين الذاتية والموضوعية، فهي تنطلق من مقاربة وصفية شكلية لتنتقل بعد ذلك إلى المضامين النصية والبنى العميقة مستندة إلى المرجعية الاجتماعية التي ولدت هذه البنية، وقد ركز "كثير من الباحثين في أثناء تحليلهم للغة على الجانب الاجتماعي لها، وأكدوا على أهميته، كما أثنوا كثيرا على تأثير علم الاجتماع في ذلك بعده الأس في هذا التفكير"(12)، لأن دور اللسانيات الاجتماعية هو دور رئيسي من جهة ومكمل من جهة ثانية لدور الدراسات اللسانية العامة،وقد حدد  بعض علماء اللغة في إطار علم اللسانيات الاجتماعية "كل الدراسات والبحوث التي تعالج العلاقات الموجودة بين الظواهر اللغوية والاجتماعية, فمن النادر أن نجد تعريفاً للغة خالياً من التطرق إلى الجانب الاجتماعي , ذلك أن كل لغة تفترض وجود بيئة اجتماعية يلمس من خلالها وجود حاجة ملحة للتواصل بين أفرادها وهكذا فإننا لا يمكننا أن نعزل الظواهر اللغوية عن مقاماتها الاجتماعية ولا عن دلالاتها الاجتماعية"(13)، لكونه ذو طابع وصفي يهتم بالقضايا ذات البعد السوسيو ثقافي لكل المجتمعات وكل لغاتها وأساليب تواصلها. ويكون عالم الاجتماع المهتم بالظاهرة اللغوية في مجتمع معين, بعيد كل البعد عن دراسة اللغة بذاتها ولذاتها, وإنما يأخذها على أنها مادة ثرية لها أهميتها في توضيح الظواهر الاجتماعية وتفسيرها بصورة أدق وأعمق, حيث إن السلوك اللغوي هو ضرب من السلوك اجتماعي, وبينهما تفاعل دائم وتبادل في الكشف عن هوية الأفراد ومواقفهم في مجتمعهم الكبير, ذلك أن مهمة علماء الإجتماع في هذه الحالة توجه في الأساس إلى إلقاء الضوء على مشكلاتهم بالاعتماد على اللغة وطرائق توظيفها،(14).

رؤية العالم من خلال رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي:

تقوم هذه الدراسة على مستويين؛ مستوى البنية السردية، ومستوى البنية الدلالية، لذلك لابد من اختيار البنى السردية والحاملة بين ثناياها رؤية العالم في هذه الرواية.

منذ البداية يستوقفنا العنوان في هذه الرواية "ذاكرة الجسد"، ليهيئنا قبل أن ندخل في هذه المغامرة الروائية باحثين عن رؤية العالم التي تنقلها لنا هذه المغامرة الأدبية، فالكلام عن الذاكرة يحيلنا إلى أن هذا النص إنما هو مرتبط بالتاريخ، علاقته بالماضي ظلت شاخصة حتى تركت له ذاكرة جسدية، إذن نحن بصدد اكتشاف رؤية للعالم تعكس موقفا من التاريخ، من الذكريات، لكن ذاكرة من ستنبش هذه الرواية، وأي جسد هذا الذي يستعرض أمامنا ذاكرته، آثار ماضيه؟

لطالما ارتبطت كلمة "ذاكرة" بالحزن، بالفراق، بالألم ، لأننا عندما نتذكر يعني أننا فقدنا، ولا يحب الانسان بطبعه الفقدان والخسارة يحب دائما أن  يكسب ويربح المزيد من الأصدقاء، من الأحباب، من الأموال، من النفوذ....... إذن نستطيع أن نتحسس من بنية العنوان المختصرة في كلمتين، الجو النفسي الذي يطغى عل النص، إننا سوف نصطدم بالفراق، وبالحزن. و لكن الجسد يبقى غامضا مجهولا، لأنه جاء بصيغة المعرفة في العنوان "الجسد" حكما مطلقا كأني به جسدي وجسدك وجسد الجميع...لذلك يصلح ان يكون العنوان ذاكرة الجميع، والجميع هنا هم الشعب الجزائري، لأن الرواية كما سنرى تتحدث عن الجزائر، وبطلها مجاهد في ثورة التحرير الجزائرية تعطينا هذه البنية إشعارا بأن نصنا يحمل موقفا من التاريخ ورؤيته للعالم ترتبط بعلاقة هذا الشعب بتاريخه، بثورته، علاقة جيل الاستقلال بجيل الثورة التحريرية.

وبحثا في البنى السردية أيضا لهذا النص تستوقفنا الثنائيات التي تؤثث النص من بدايته إلى نهايته، وأول ومظاهر هذا التضاد تجسدها بنية الرواية التي كانت نهاية القصة فيها هي بداية الحكي: " مازلت اذكر قولك ذات يوم: الحب هو ما حدث بيننا، والدب هو كل ما لم يحدث............وها أنت تدخلين إلي، من النافذة نفسها التي سبق أن دخلت منها منذ سنوات........" لقد بدأت الرواية بعد نهاية الحكاية، حكاية الحب المحمومة بين "خالد" بطل القصة، المجاهد الجزائري البطل، العاشق المهزوم أمام "حياة" بطلة القصة والقصص الآتية، شابة من جيل الاستقلال تجري في عرقها دماء طاهرة، دماء شهيد مات من أجل حياة الوطن، معشوقة مات في سبيلها الشاعر، ويموت كل يوم رسام بيد واحدة على ذكرى حبهما الأسطوري...هكذا اتخذ السرد بنية التذكر مسارا لأحداثه فكانت القصة كلها استرجاعية متلائمة مع العنوان "الذاكرة".

للتتهاطل الثنائيات الضدية في هذا النص معلنة حالة من الفوضى العارمة في فضائها، ثورة من الرفض والتمرد على هذا الوضع الذي لا يستقر على حال: بطلة القصة اسمها حياة ومدار القصة كلها عن الموت؛ موت سي الطاهر، موت زياد ، موت حسان، الكثير من الجمل في هذا النص تقوم على تقابل المتضادات "الحب هو ما حدث بيننا. والأدب هو ما لم يحدث.....كان حتى الحزن وليمة في هذه المدينة....... بعضها مسودات قديمة، وأخرى أوراق بيضاء تنتظر.....أجتاز بها الصمت إلى الكلام، والذاكرة إلى النسيان......يبث الصور بالأبيض والأسود.......لقد أصبحوا لا يأتونها إلا في الأعراس المآتم.....مرة لأحضر عرسك ومرة لأدفن أخي...)، تكتظ الرواية بالثنائيات الضدية بنية سردية تحيل إلى الكثير من الدلالات، لقد أصبح هذا الوطن يجمع بين الكثير من المتناقضات، إنه وطن لشعب يسير مع سلطته على طرفي نقيض، وطن يعد لأبنائه ذاكرة مفخخة، ووليمة من الأكاذيب حتى يغتاله باسم الوطن، باسم الوفاء للأسماء النضالية "...بل إني فاجأت نفسي، أركض إلى تلك التفاصيل وأكاد أبدأ بها، وكان أمر الجسر لم يعد يعنيني، في النهاية، بقدر ما تعنيني الحجارة والصخور، التي يقف عليها، وتلك النباتات التي تبعثرت أسفله، مستفيدة من رطوبة (عفونة) الأعماق، وتلك الممرات السرية التي حفرتها خطى الإنسان وسط المسالك الصخرية منذ أيام ماسينيسا وحتى اليوم، في غفلة من الجسر العجوز الذي لا يمكن له في شموخه الشاهق، أن يرى ما يحدث على علو 700 متر من أقدامه...أليس التحايل على الجسور هو الهدف الأزلي الأول للإنسان الذي يولد بين المنحدرات... والقمم؟..." يتحدث البطل "خالد" عن الجسور التي كانت تسكن غربته وهو كل ما تبقى له من وطن تنكر له بعد أن بتر على أرضه ذراعه، لقد صار الوطن بالنسبة له لوحة يرسمها بما بقي له من هذا الوطن "ذراعه الثانية"، وطن يجد سبيل الوصل إليه في جسر، والجسر هنا بنية لغوية تحمل دلالة الذاكرة، دلالة التاريخ، وهو ما أرده الراوي إنه يعبر عن رؤية مشككة في تاريخ هذه الأمة الشامخ، تاريخ علقت به الطفيليات والنباتات المتطفلة التي تعيش في ظل التعفن والفساد، في سراديب الكذب والخداع تتستر بالصخر العظيمة التي حملت هذا التاريخ العريق، و تخلق لنفسها ممرات سرية على غفلة من الزمن، إنه شأن هؤلاء المتشدقين الساعين إلى السلطة الركضين خلف الشهرة والنفوذ حتى ولى كان الثمن هو التلاعب بتاريخ شعب كامل، وتشويه مستقبل أمة. وهو الموقف ذاته الذي تعترف به البطلة "حياة" بعد أن تسلم نفسها لواحد من المتطفلين:  "أنت لست امرأة فقط، أنت وطن، أفلا يهمك ما سيكتبه التاريخ يوما؟ "فترد عليه بسخرية جارحة "التاريخ لم يعد يكتب شيئا ، انه يمحو فقط" وهذه حقيقة ماثلة في مجتمعاتنا الضائعة ما بين ماض زاهر وواقع يصيب الكل بالغثيان – إن التاريخ لدينا يمحو فقط "المجد" الذي كان وجميع رموزه وقيمه ويزرع مكانها "العدم" فقط وقيم الفئات الطفيلية المنتشرة كورم خبيث والمسيطرة على كل شيء حتى "الأحلام". لقد سيطرت هذه الفكرة على الوعي الجمعي للمجتمع الجزائري، حتى أفقدته أي رغبة في المقاومة، لقد استسلمت "حياة"، الوطن بكل أبعاده ومكوناته لسطوة هؤلاء المتطفلين على الثورة الطامعين في أحلام الشعب، محتلين استقلاله، مستغلين في ذلك دخول الوطن في محنة جديدة كانت سنوات الدم والجمر التي عاشها جيل الاستقلال بكل مرارة، بداية من  أحداث أكتوبر 1988، نهاية هذه القصة، والتي كانت بدية ألم جديد عند "خالد" الذي فقد في ثورة التحرير ذراعه، وفقد في هذه الأزمة شقيقه الوحيد "ذراعه الثانية" مخلفا له مسؤولية أبائه وزوجته، وشعبه....

من البنيات السردية التي تحيل إلى بنيات دلالية تعكس لنا قدرة هذه الرواية على نقل رؤية العالم لدى جماعتها وجيلها هي بنية الأسماء، فلم تكن أسماء الشخصيات في هذا النص وليدة الصدفة، أو الاعتباطية،  بل كان اختيارا محملا بالدلالات بما ينسجم والدور الذي تضطلع به كل شخصية من دور في بناء حركية السرد وتطور الأحداث، وترجمة الموقف والرؤية الجمعية لكل فئة اجتماعية، من ذلك نقرأ كل شخصية من اسمها:

خالد بطل القصة، الراوي، مجاهد من زمن ثورة التحرير، معطوب فقد ذراعه خلال الثورة، لم يمنعه ذلك ليكون رساما، مثقفا، مثقلا بهموم وطنه وشعبه، رفض التآمر على هذا الوطن لنيل النفوذ ومراتب السلطة، كان يبغي البناء في الظل، لأنه يحب وطنه دون ثمن يرجوه، "فقسنطينة مدينة منافقة، لا تعترف بالشهوة ولا تجيز الشوق، إنما تأخذ خلسة كل شيء، حرصا على صيتها، كما تفعل المدن العريقة. ولذلك فهي تبارك مع أوليائها الصالحين... الزانين أيضا...السراق، ولم أكن سارقا، ولا كنت وليا، ولا شيخا يدعي البركات، لتباركني قسنطينة. كنت فقط، رجلا عاشقا، أحبك بجنون رسام، بتطرف وحماقة رسام، خلقك هكذا كما يخلق الجاهليون آلهتهم بيدهم، ثم يجلسون لعبادتها، وتقديم القرابين لها". ألا يستحق هذا الرجل ان يكو ن خالدا في ذاكرتنا، خالدا بكبريائه ووفائه للوطن في هذا الوطن....

حياة البطلة المخاطبة في الرواية الطرف الثاني من القصة، المرأة الشابة الجميلة الممتلئة بالأحلام، المغرية بجمالها، فتاة من زمن الاستقلال، تحمل معنى الحياة معنى المستقبل والأمل المشرق، إنها أيضا الوطن، وطن حارب من أجله الرجال، فاستشهدوا، وعطبوا، ودفعوا ثمنه بالدم الحياة، ليقع بعد كل هذه التضحيات في يد أشباه الرجال، الطامعين إلى السلطة النهمين إلى النفوذ والتسلط، لقد كانت حياة الفتاة معشوقة المجاهد المعطوب، ومغرية الثائر الفلسطيني، وحلم الشهيد "سي الطاهر" لكنها أخيرا صارت زوجة "سي شريف" رجل مشبوه يبيع التاريخ والوطن ليشتري القصور النفوذ...

سي الطاهر شهيد الثورة التحريرية، ألم تسقى الجزائر بالدماء الطاهرة لهذا الرجل وامثاله ممن ألا يستحق الشهيد اسم الطاهر النزيه.

حسان وعتيقة، ناصر وزياد أسماء تتزاحم على عتبات حروفها الدلالات المترابطة بالدور الذي يضلع به كل اسم منها في البينية السردية للنص.

تحمل الرواية كذلك من المكونات السردية التي تقدم لنا رؤية للعالم تعكسه الرواية، المسكوت عنه الذي يحيل عنه المنطوق، فمعظم جمل الرواية وحواراتها، مساراتها السردية وعلاقات شخصياتها انما تخفي بين ثناياها الكثر من الكلام؛ نجد من ذلك: "وها أنت تدخلين إلي من النافذة نفسها التي سبق أن دخلت منها منذ سنوات مع صوت المآذن نفسه , وصوت الباعة , وخطي النساء الملتحفات بالسواد والأغاني القادمة من مذياع لا يتعب …. أتابع في نظرة غائبة , خطواته المتجهة نحو المسجد المجاور, وما يليها من خطوات , لمارة آخرين , بعضها كسلى , وأخرى عجلى ، متجهة جميعها نحو المكان نفسه .

الوطن كله ذاهب إلي الصلاة. و المذياع يمجد التفاحة وأكثر من جهاز هوائي على السطوح يقف مقابلاً المآذن يرصد القنوات الأجنبية, التي تقدم لك كل ليلة على شاشة تلفزيونك أكثر من طريقة – عصرية - لأكل التفاحة". المقصود بالوطن الشعب، الذي انخرط جله إن لم يكن كله، في تنظيم إسلامي له منهج موحد، وقيادة موحدة، في جملة المذياع يمجد التفاحة فالمذياع هو السلطة، أو النظام الحاكم، الذي انحسر في الشرطة والجيش. فإذا كان الوطن, الشعب, يعلن عن نفسه عن طريق، الجامع وفي أصوات المآذن، فإن المذياع (السلطة) يعلن عن نفسه، عن طريق الإذاعتين المسموعة، والمرئية. فماذا يقول كل منهما للشارع الذي يتسع للجميع السلطة وجل الشعب (الإسلاميين).

المطوق هو جيران تتوجه للصلاة بين مسرع ومتثاقل، مدرك لما يسير بانتهاجه، وبين من يتبع التيار بغير وعي ولا فهم لما يحصل من تحولات داخل المجتمع.

والمذياع يمثل صوت السلطة والتفاحة هي إغواء الشعب بالخطايا حتى تلهيه عما يحصل حوله من تدنيس للتاريخ وتحريف لمسار شعب وثورة. وهو موقف سياسي عبرت عنه الرواية بالإيحاء، لأنه كلام من الطابوهات، المحرمات التصريح بها في ذلك الزمان، وهي تعكس رؤية العالم من منظور المثقف، مشخصا في شخصية خالد الذي كان يقف إلى شرفته متفرجا عما يحدث لها الوطن، وألى ما يزج فيه هذا الشعب.

"... يسألني جمركي عصبي في عمر الاستقلال لم يستوقفه حزني ولا استوقفته ذراعي... فراح يصرخ في وجهي، بلهجة من أقنعوه أننا نغترب فقط لنغنى، وأننا نهرب دائما شيئا في حقائب غربتنا..

-        بماذا تصرح أنت؟

كان جسدي ينتصب ذاكرة أمامه ... ولكنه لم يقرأني. يحدث للوطن ان يصبح أميا.

كان آخرون لحظتها يدخلون من الأبواب الشرفية بحقائب أنيقة دبلوماسية. وكانت يداه تنبشان في حقيبة زياد المتواضعة، وتقع على حزمة من الأوراق....

-        أصرح بالذاكرة... يا بني"

يبدو المنطوق في هذه القطعة السردية هو ما يتعرض له خاد من سوء معاملة في مطار الجزائر على يد جمركي شاب من زمن الاستقلال، ويتألم خالد أن هذا الشاب لم يحترم عطبه، وذراعه المبتورة من أجل الوطن، لكن المسكوت عنه هو دخول الجزائر مرحلة جديدة، من عدم الاستقرار، وانعدام الأمن، إنها بداية سنوات الدم والجمر، الارهاب في الجزائر. كما ان تفتيش الجمركي في حقائب خالد ماهي إلا عملية مسح في السجل التاريخي لهذا الوطن واختيار ما يسمح له بالدخول لوعي المواطن وذهنه وما يستأصل ويحجز قبل دخوله أرض الوطن وكتب التاريخ.

يمثل النص في مجموعه بنية سردية تحيل على الكثير من البنيات الدلالية المصرحة برؤية للعالم، لوطن كامل بشعبه وأجياله، بتاريخه ومستقبله. 

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11