FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides
  • 30 ieme ukmo
  • Ramadhan karim

    بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، يتقدم رئيس جامعة قاصدي مرباح ورقلة  لكافة الأسرة الجامعية  بأبلغ التهاني الودية و أصدق الأماني داعياً المولى عز و جل أن يعيد هذه المناسبة الكريمة علينا وعليكم بموفور الصحة و مزيد من الإيمان.

    Ferienhaus Ostsee

اللّغة ورؤية العالم في الخطاب الروائي

 

د/ سيدي محمّد بن مالك

جامعة تلمسان ( الجزائر)

 

يتّسم خطاب الرواية بتعدّد اللغات والأساليب والأصوات وتداخل الأجناس والأنواع الأدبية سواء أكانت ذات قيمة جمالية ومعرفية (الأدب الرسمي المكتوب) أم كانت مجرَّدة من تلك القيمة كما يزعم معظم النّقاد والدارسين (الأدب الشعبيّ الشفهي)؛ فهو؛ أي خطاب الرواية، يستمد وجوده من لغة الواقع الّتي تنضح بلُسُن مختلفة وتعبيرات متباينة وحوارات متمايزة ينهض بها متكلّمون يصبون إلى التّعريف بأغراضهم ومواقفهم ورؤاهم. ومن ثمّ، فإنّ خطاب الرواية ليس خطابا شكليا أجوفا يخلو من المعنى، بل هو خطاب شكليّ يمتلئ دلالة، وهي، لا شكّ، دلالة اجتماعية باعتبار أنّ "الكلمة ظاهرة إيديولوجية بامتياز"(1).

غير أنّ هذه الدلالة الاجتماعية لا تُقدَّم عبر خطاب روائيّ يحتكره الكاتب بلغته وأسلوبه وصوته، بحيث تغدو لغات الشّخصيات وأساليبها وأصواتها صدى لكلامه كما تغدو إيديولوجياتها انعكاسا أمينا لإيديولوجيته، بل إنّ التّنوع اللّغوي والصوتي والإيديولوجي القائم، أصلاً، في الواقع يلج إلى الكون الدلالي للرواية عبر الحوارية الّتي تسمح للشّخصيات بالانعتاق من سلطة الكاتب اللغوية والفكرية؛ فتنطق بكلامها وتُبين عن رؤاها للعالم بكلّ حرية واستقلالية. وهذا ما أدركه "دويستوفسكي" حين تمكّن من أن يجمع، في رواياته، بين سيرته الذّاتية المضطربة إيديولوجياً وبين الإيديولوجيات الماثلة في مجتمعه بشكل قلّما يتّفق لكاتب آخر. وقد رأى "باختين"، في روايات هذا الروائي الفذّ، نموذجا رائعا للرواية المتعدّدة الأصوات الّتي تشخّص واقعا اجتماعيا تتصارع فيه الأفكار والأهواء والمصائر من خلال شخصيّات مفردة من حيث الكلام الّذي تتلفّظ به، لكن يظلّ محتوى كلامها أو الملفوظ في حدّ ذاته اجتماعيا، لأنّ اللّغة نسق من الدلائل يتواضع عليه مجموعة من الأفراد في نطاق ثقافة محدَّدة. 

إنّ "باختين" يشدّد على أدبيّة الرواية وعلى وظيفتها الاجتماعيّة في الآن نفسه، لكنّه لا يفصِل بين الشكل والمضمون أثناء العملية النّقدية مثلما يفعل الشّكليون حين يحتفون بالخصائص النّوعية للأدب وينصرفون عن مقاربة موضوعاته ومدلولاته الاجتماعيّة، وما يقوم به البنيويون التّكوينيون الّذين يفتّشون عن تجليات الماديّة الجدلية والتّاريخية في طيّات الكتابة الروائية رغم إقرار "غولدمان" بالطّبيعة اللّغوية للرواية واصطناعه لمصطلح "الفهم" كأداة إجرائية تسمح بمعرفة بنية النّص بوصفها بنية جمالية صغرى تُماثل ما يحدث في المجتمع، كبنية ذهنية كبرى، من صراع طبقيّ. لقد أراد "باختين" التّأليف بين نظريتيْن منفصلتيْن معرفياً ومتناقضتيْن غائياً في سبيل مقاربة أسلوبية الرواية كوحدة تندغم فيها المادة الكلاميّة ومحتواها الاجتماعي؛ إذ "إنّ الشّكل والمضمون شيء واحد داخل الخطاب المُعتَبَر بمثابة ظاهرة اجتماعية: هو اجتماعيّ في مجموع مجالات وجوده وعناصره، ابتداءً من الصّورة السمعية ووصولا إلى التّصنيفات الدلالية الأكثر تجريداً"(2).

1 – النّص الروائي ورؤى العالم:

تعدّ الدراسة السوسيو لسانية للرواية، الّتي وضع باختين منهجها وآلياتها ومصطلحاتها، الطّريقة المثلى لتحليل مجموع الأصوات المتعارضة والإيديولوجيات المتصارعة في نصّ يستلهم جوّ الكرنفال الّذي ينهض على التّفاعل بين فئات وشرائح اجتماعيّة مختلفة تنزع عن نفسها رداء التّصنّع اللّغوي والالتزام الإيديولوجي وتُفصِح عن ثقافتها ورؤيتها للعالم بلغاتها ولهجاتها الخاصّة بعفوية وسخريّة معاً. وبالتّالي، فإنّ الهدف من هذه الدراسة ليس هو اقتطاع ملفوظات بعينها من هذه الرواية أو تلك لإثبات وجود صراع طبقيّ بين بطل إيجابي يبشّر بقيم الاشتراكيّة و"خصمٍ" يتّصف بالدناءة والخسّة والانتهازية ويعمل على استمرار النّظام البرجوازي بتلفيق التّهم وشراء الذّمم، ممّا يرسّخ فكرا تصنيفيا يقابل بين نقاء البطل الإيجابي وسموّ رسالته وسماجة "المعتدي" ووضاعة رجائه. 

لقد أصبحت الرّواية، في كنف السوسيو لسانيات، محفلاً للحريّة اللغوية والتعبيرية والفكـرية، وأضحت إيجابية الشّخصية تعني قدرتَها على التّواصل الكلامي مع الشخصيّات الأخرى من أجل الذّود عن إيديولوجيتها وإقناع "الخصوم" بجدوى رؤيتها للعالم والمغزى من الحياة في ظلّ العقيدة الّتي تتبنّاها؛ فالشّخصية المتكلّمة، في الرواية، تمتحن مصداقيّة إيديولوجيتها بالحديث والجدال والمقارنة بين وعيها وأنماط الوعي الأخرى، ويتواصل الكاتب، من جهته، مع هذه الشّخصيات جميعها؛ فيُنافح عن إيديولوجيّته ويدأب على دحض مزاعم الكائنات الورقية الّتي أنشأها؛ إنّه يستخدم لغات الشّخصيات ورؤاها للعالم ليختبر صحّة رؤيته وقدرتها على الحِجاج والتّأثير.

حينئذ، نكون حيال شخصيات تنتج إيديولوجيات تزاحم إيديولوجية الكاتب الّذي، عادة ما، يتخفّى وراء صورة مثالية لبطل لا يعرف الملل ولا الكلل في طلب حياة "كريمة" تسودها لغة وحيدة ورؤية مركزيّة تشِيان بانسجام البطل – الكاتب – المثقّف مع المجتمع. وعلى هذا الأساس، تمتلك الشّخصيات الحقّ في الوجود داخل العالم الروائيّ تلفظاً (أسلوباً) وملفوظا (فكراً)؛ فهي لم تعد شخصيات هامشية أو ثانوية أو ظرفيّة تدور في فلك شخصية بطلة؛ فتبارك سعيها أو تثبّط عزيمتها أو تنتظر الخلاص على يدها، إنّما أصبحت فاعلة بكلامها ومؤثّرة ببلاغتها ومقنعة بدمْغ حجّتها.

من هنا، يُمكن أن نتصوّر حضورَ جملة من رؤى العالم تُكسِب الرواية ثراءً إيديولوجياً يحثّ المتلقّي على استنباط الفروق بين أصوات الشخصيّات ووجهات نظرها تجاه المجتمع والكون؛ فقد تُنتِج الشّخصية إيديولوجيا سياسيّة تبثّ وعيا مثاليا أو نفعيّا في ذهن المخاطَب الّذي قد يكون شخصيّة "مضادة" أو المتلقّي نفسَه إذا ما عزم أمره على استنتاج المعنى الوحيد الّذي يَرومُه سلفا، وقد تنتج إيديولوجيا هي أدنى إلى تلك الرؤية للعالم الّتي لا تنفي حريّة الآخر في التّعبير عن رأيه وشعوره وطموحه. إنّ الإيديولوجيا السياسيّة تجنح إلى الشّمولية والانتهازية والإقصاء، بينما تنزع رؤية العالم نحو التّواصل والمثاقَفة، حيث "يتمّ وضع الإيديولوجيا في جانب المصالح والرّؤية إلى العالم في جانب الرّؤية الموضوعية، ذلك أنّه لا يُمكن لأيّ رؤية تأمليّة أن تضع نفسَها في هذا المستوى إلاّ إذا وقفت من صراع الإيديولوجيات وهي متجرِّدة من أيّ نزعة بركماتية، عندها فقط ستتحوّل إلى رؤية العالم"(3).    

1 – 1 – الرؤية الإشكالية:

يعتقد "لوكاتش" أنّ ظهور جنس الرواية قد ارتبط بصعود البرجوازيّة في المجتمع الغربيّ وما صاحبه من شيوع وساطة المال والاستغلال المُشين والملكيّة المجحِفة، حيث لم يعد أمام الفرد سوى البحث عن قيم أصيلة يعوّض بها قيم السّوق في عالم متدهور أصبح ينقطع عنه شيئا فشيئا. ويتميّز بحث البطل عن القيم الأصيلة بصفة الإشكالية الّتي تعني اضطراب الشّخصية بين الرغبة في تغيير الواقع المتشيّء وعدم القدرة على تجسيد تلك الرغبة عمليّاً لأسباب ذاتية ترتبط بمثاليّة الذات وحساسيتها المفرطة وأسباب موضوعيّة تتعلّق بقدرة الواقع على قهر محاولات الإصلاح المتدرّج أو التّغيير الجذريّ.

ولا شكّ أنّ هذه القيم الّتي ينشُد البطل الإشكالي تحقيقها تختلف من نصّ لآخر؛ فقد ألفى "لوكاتش" تبايناً بين الروايات الغربية من حيث القيم الأصيلة الّتي تؤسّس متنها؛ فأفضى به ذلك إلى تصنيف الرواية إلى ثلاثة أنواع؛ رواية المثاليّة المجرَّدة ويمثّلها نصّ "دون كيشوت" لميغيل دي سرفانتس، والرواية النّفسية وتمثّلها رواية "التربية العاطفية" لغوستاف فلوبير، والرواية التّربوية ويمثّلها نصّ "ويلهلم ميستر" ليوهان غوته. إنّ شخصيات هذه الروايات تشترك في رفض الواقع الجديد الّذي "يُشخِّص الأشياء ويُشيِّء الأشخاص" رغم اختلاف القيم الأصيلة الّتي ترنو إليها.

1 – 2 – الرؤية الثّورية:

إذا كانت الروايات السّابقة تمثّل "النّوع الأدبي النّموذجي للمجتمع البرجوازي"(4)، فإنّ لوكاتش قد عثر في رواية "الكوميديا البشرية" لبلزاك على علامات توحي بالماديّة التّاريخية، كما وجد غولدمان في بعض نصوص مالرو أثراً للرّؤية الثّورية الّتي يُجسّدها بطل يلتحِم بجماعته فكراً وممارسةً ويسعى إلى الانتقال بها من وعيٍ فعليٍّ متْخمٍ بالزّيف والحيف والوهم والأثَرَة إلى وعيٍ ممكنٍ يعبّر عن الانسجام الاجتماعي بطريقة بطوليّة تذكّر بالبطل الملحمي الّذي يحيا في تناغم تامّ مع مجتمع يحدِّد مستقبله وقدَره وأفعاله.

إنّ البطل الروائي الإيجابي، الّذي لم يعد يشكو انفصاما بين الرغبة والفعل، شخصيّة جاهزة يُحمِّلها الكاتب توقه إلى إعادة اللُّحمة مع المجتمع الّذي خاصمه طويلاً، حيث يمثّل هذا الصّنف من الشّخصيات الرؤية الثّورية القادرة، في نظر دعاة الالتزام الإيديولوجي بالنّظرية الماركسية، على تحطيم الطّبقية الاجتماعية الّتي أرساها الفكر البرجوازي الغربي وتشكيل نظام جديد تسوده هيمنة الطّبقة العاملة.

1 – 3 – الرؤية المأساوية:

ينبني مفهوم هذه الرؤية، الّتي ألفاها غولدمان متضمَّنةً في "أفكار" باسكال ومسرحيّات راسين، على ثلاثية "الله والعالم والإنسان" الّتي تركن إليها جماعة دينية مسيحيّة تدعى "الجانسينية" (نسبة إلى الأسقف جانسينوس) في موقفها من الوجود الّذي يفتقر، حسبها، إلى الأصالة والحقيقة والإخلاص، وهو ما دفع هذه الجماعة، الّتي لاذت بدير "بور روايال" بباريس، إلى تأسيس إيديولوجيا مأساوية تدّعي "أنّ العالم لغز عجيب؛ فهو لا يشكّل شيئا للإنسان من جهة، بسبب اللّه الحاضر الّذي يتعارض تماماً مع العالم، وهو يشكّل كلّ شيء؛ إذ عندما يكون اللّه غائبا، لا يبقى للإنسان إلاّ حقيقة واحدة هي العالم، لذا يترتّب على الإنسان، حسب هذه الرؤية، أن يعيش في العالم دون أن يشعر فيه بلذّة أو متعة أو بهجة"(5).

وإلى جانب هذه الرؤى للعالم، الّتي أومأ أو أسهب في تحليلها كلّ من لوكاتش وغولدمان في إطار ما عُرِف بالمنهج البنيويّ التكوينيّ، يمكن أن نعثر على رؤى أخرى لا تقلّ أهميةً  وحضوراً في الواقع الموضوعي والواقع الروائي على حدّ سواء، من ذلك، مثلاً، الرؤية الدّينية الّتي تتراوح بين النّص (النّقل) والواقع (العقل)، والرؤية القوميّة الّتي ينشد مُمثِّلوها مجتمعا قائما على وحدة التّاريخ واللّغة والمصير، والرؤية الأسطورية الّتي هيمنت وما زالت تهيمن على تفكير البشر عامّة، والرؤية التّقنية الّتي تركن إلى العلم في فهم العالم وإدراكه؛ إذ إنّ "داعية التّقنية لا يحسّ بأيّ حاجة لتفسير المعتقد أو تحويله عن معناه التّقليدي، بل هو يتجاهله بكلّ بساطة، بما أنّه لا يُقرّر في الواقع قوّة ولا ضعفا"(6)،...  

2 – أسلوبيّة النص الروائي:

إنّ الانفتاح على الطّبيعة اللغوية للرواية ووظيفتها الاجتماعية معاً من شأنه أن يسِم القراءة السّوسيو لسانية بميسَم النّفي الثنائي لتجريدية الشكلية الروسية ويقينية (دغمائية) النّقد الاجتماعي، ذلك أنّ الرؤية التّوفيقية الّتي يقوم عليها هذا الضّرب من القراءة تروم تجاوز النّزوع المفرط نحو أدبية الأدب الّذي عرف به الشّكليون سواء في وضعهم لأسس النّظرية الشكلية أو في بحوثهم التّطبيقية الّتي كرّسوها للفلكلور والشعر والقصّة والرواية والسينما؛ فالخصائص النّوعية الّتي تجعل من الأدب أدباً، من قبيل الإيقاع والوزن والصّورة الشعرية بالنّسبة للشعر والحافز والتّحفيز والعقدة بالنّسبة للقصّة، تمثّل محور اهتمام هذه المدرسة الّتي أضحى الشّكل، في نظرها، المقوّم الرئيس للأدب؛ فهو استخدام خاصّ للّغة المستوحاة من الحياة، حيث لا يهمّ انتقاء تلك اللّغة والتّحول الّذي تنتجه عملية البناء الفنيّ، إنّما يهمّ بقاء وظيفة الأدب، الّتي أوجدها الواقع، كطريقة Procédé أدبية تحتفظ بدلالتها بعيداً عن أيّ جدل مع الحياة(7).

كما تبتغي القراءة السّوسيو لسانية، من جهة أخرى، تجاوز شطط النّقاد الاجتماعيّين في الاعتناء بالأثر الإيديولوجي في الفنّ والأدب الّذي اتّخذ منظوريْن مختلفيْن هما: نظرية الانعكاس Reflet ونظرية التّماثل  Analogie؛ فبينما مثّلت الرواية، لدى بوشكين وتورغينيف وغوغول ودوستويفسكي وتولستوي، "الانعكاس الحقيقي للتّغيرات الجديدة في المجتمع الروسي واهتمّت، على الأخصّ، بعلاقة الفرد بمجتمعه، وأبرزت الحالة الفكرية للإنسان؛ فأضحت، بذلك، مرآة حقيقية للحياة الرّوسية ولتطوّرها التاريخي. ومن هنا، ارتبطت بعلاقة وثيقة مع الواقعية وشكّلت أساساً للواقعية النقديّة الّتي ازدهرت في ذلك الوقت، ولا سيما في فرنسا وروسيا، وكذلك طُبِعت بصبغة إنسانية نظراً لاهتمامها بالإنسان وحياته وهمومه"(8)، رأى غولدمان، الّذي كان متشبّعاً بالفكر الاشتراكي، أنّ الرواية ليست انعكاساً "غير موارب" للواقع بعد أن أصبح للوعي تأثير في الحياة الاجتماعيّة وفي حركة التّاريخ، ومن ثمّ لم يعد الجدل من نصيب المادة أو البنية التّحتية فقط، بل أصبح متبادلاً بين المادة والوعي. وهو ما حدا بغولدمان إلى اعتبار العلاقة بين النّص الروائي والواقع علاقة تماثل بين بنية لغوية صغرى تمثّل دال العمل الأدبي وبنية ذهنية كبرى تمثّل أفكار الجماعة ومشاعرها وطموحاتها، بحيث لا يمكن تفسير رؤية العالم، الّتي ينقلها الكاتب بوصفه فرداً منخرطاً أو غير منخرطٍ في تلك الجماعة، إلاّ بفهم البنية اللّغوية.  

وعلى أساس الرؤية التّوفيقية النّافية لمظهريْ التّجريد والدغمائية، شرع باختين يختبر أهميّة رؤيته النّقدية وجدواها عبر تحليل استقصائيّ لجملة من النّصوص الروائية، نظير "دون كيشوت" لسرفانتس و"دوريت الصغيرة" لديكنز و"بعث" لتولستوي وأعمال دويستوفسكي "الاستثنائيّة"؛ فخلص إلى أنّ الخاصية النوعية، بتعبير الشّكليين، الّتي يختصّ بها جنس الرواية هي الحوارية الّتي تعدّ مفهوماً عامّاً يحيل إلى فلسفة اللّغة ويحدّد علاقة الأنا المتكلّمة بالآخر؛ فالأنا لا تقوم سوى بإعادة صياغة كلام الآخرين أثناء تلفّظها. ويشبه مفهوم الحوارية هذا، إلى حدّ كبير، مقولة "عدم أصالة الإنسان" الّتي وضعها رينيه جيرار في ضوء الدّراسة الفلسفيّة الّتي تناول فيها روايات "دون كيشوت" لسرفانتس و"مدام بوفاري" لفلوبير و"الأحمر والأسود" لستندال و"البحث عن الزّمن الضّائع" لبروست ونصوص دويستوفسكي؛ "فعنده أنّ مردّ عدم أصالتنا، ككائنات إنسانية، أنّنا لا نخلق رغباتنا وهي، بالتّالي، لا تنبع من ذواتنا، ولكنّها دائماً مستعارة من الآخرين. شيء أشبه بالأصل والصّورة، أو النّسخة الأصلية والنّسخ بالكربون؛ فكلّ واحد منّا صورة باهتة للآخر. هذا "الآخر" هو الّذي يوحي لنا برغباتنا، وهو الّذي يتحكّم في أهوائنا وأمزجتنا، وما نسعى للحصول عليه. هذا "الآخر" هو ما يطلق عليه جيرار "الوسيط" Médiateur؛ فعنده أنّه باستثناء حاجاتنا العضوية الخالصة، كالجوع والعطش، فكلّ رغباتنا، حتّى منها البالغة الخصوصية، مستعارة من "الآخر". وهي رغبات مفروضة علينا من الخارج، عن طريق "الوسيط" الّذي قد يكون شخصيّة مرئية حقّاً أو خفية"(9).

وبهذا الشّكل، تمثّل الحوارية المظهر اّللفظي الكاشف لعدم أصالة الكائن الإنساني من حيث تعبيرها عن نسخ رغبات الآخر وأهوائه وأمزجته وتطلّعاته ومآربه؛ فهي أداة متميّزة تؤكّد حضور الآخر في الأنا بكيفية تتلاشى فيها الذّات في الآخر الّذي ليس سوى الذّات الجماعية الّتي تحدّد إرادة الأنا أو الذّات الفردية، وإن كان جيرار لا يقصد بالآخر ذلك المدلول الّذي رامه باختين وهو الجماعة. في حين، يمثّل الفعل Le faire المظهر المادي الّذي يجسّد به الإنسان تلك التّفضيلات؛ فيثبت به، من ثمّ، اجتماعيته. وتبقى الإيديولوجيا السياسية ورؤية العالم، بوصفهما تصوّرات ومفاهيم يجود بها العقل، مصدر التّفضيلات (أو الإكراهات إذا ما اتّصفت الرغبات والأهواء والأمزجة والتطلّعات والمآرب المنتَسخة بالمثالية أو النّفعية) الّتي يبوح بها الكلام ويحققها الفعل. ومثال ذلك أنّ الرأسمالية تصبو إلى توجيه رغبات الفرد وطموحاته؛ فتحصرها في تحقيق الرفاهية والحظوة الاجتماعيتيْن عن طريق الإشهار الّذي يروّج لبضائع تثير وعياً خاطئاً في الأذهان وشعوراً زائفاً في النّفوس.

ولأنّ الشخصية في الرواية، في نظر باختين، شخصية متكلّمة، فإنّ الحوارية الّتي تدمغ حديثها تتجلّى، خطابيا، في التّعدد اللساني الّذي يمثّل "خطاب الآخرين داخل لغة الآخرين، وهو يُفيد في تكسير التّعبير عن نوايا الكاتب. وهذا الخطاب يقدم التّفرّد في أن يكون ثنائي الصّوت. إنّه يخدم، بتآنٍ، متكلّميْن ويعبر عن نيتيْن مختلفتيْن: نية مباشرة – هي نية الشخصية الّتي تتكلّم، ونية – مكسَّرة – هي نية الكاتب"(10). ومن مظاهر التّعدد اللساني ما يأتي:

2 – 1 – الأسلبة:

وهي تقاطع لغتيْن مختلفتيْن وإيديولوجيتيْن متباينتيْن؛ لغة الكاتب وإيديولوجيته ولغة الشّخصية وإيديولوجيتها، بحيث تكون الأسلبة إمّا محايدة وإيجابية عندما "يحالف" أسلوبُ الكاتب أسلوبَ الشّخصية و"يباركه" أو ساخرة (أسلبة بارودية) عندما يُعارض أسلوبُه أسلوبَها ويحطّمه تحطيماً عميقاً وخلاّقاً. ويُمكن أن تتمظهر الأسلبة في الخطابات الّتي يروي فيها الكاتب – الراوي أقوال الشّخصيات، وهو ما يسمّيه جيرار جينيت "الخطاب المُسرَّد أو المرويّ" الّذي ينهض على "اتّساع المسافة بين الكلام كما قالته الشّخصية وما نقله الراوي عنها نقلاً ينحرف به تماماً عن أصله، حتّى إنّ القول ليتحوّل إلى مجرّد حدث يُسرَد؛ فما كان، في الأصل، كلاماً يصبح حدثاً يُروى"(11)، مثل قول الراوي المشارك في رواية "دمية النّار" لبشير مفتي: "جلست قبالة رضا شاوش فسلّم عليّ، وطلب لي قهوة، تكلّم إلاّ في أشياء غير مهمّة كجمال الطقس، وحلاوة العيش في هذه المدينة؛ فبدا لي الأمر غريباً أن يدعوك إنسان لكي يتحدّث إليك عن أمور بلا أهميّة، لكنّه سرعان ما سألني عن كتاباتي الأدبية؛ فرحت، كعادتي، أطنب في شرح الأشياء الّتي لا تشرح في الحقيقة، وأخبرته عن قراءاتي أكثر وحبي للأدب..."(12).

2 – 2 – الخطاب المباشر:

قد يكون خطاباً داخلياً فورياً لا يقرّ بالحدود التعبيرية الّتي تفصل أسلوب الشخصية عن أسلوب الراوي؛ فالشخصية لا تستأذن الراوي حين تروم التّوجه إلى نفسها بالحديث والحجاج والتّسويغ وربّما بالعتاب أو التّثمين. وقد يكون خطاباً داخلياً يمهّد له الراوي بمفردات وعبارات نظير "قال" و"قال في نفسه" و"حدّث نفسه". يقول الراوي في رواية "المباءة" لمحمّد عزّ الدين التازي: "يده على مقود السيّارة وهو شارد يفكر في الرشاوى الّتي يتلقّاها الحراس من السجناء أو ممّن يزورونهم مقابل إدخال الممنوعات. وفكّر في أنّه لن يصلح العالم. وقال: أنا لم أختر أن أكون مديراً لسجن، ولكنّ التحوّلات الّتي عرفها استقلال المغرب قد طوّقتني بهذه المهمة، وكنت أعلم أنّ السجون لن تكون إلاّ للمجرمين والقتلة وأصحاب الجنايات. ولذلك، فحماية المجتمع من أخطارهم ومحاولة إصلاحهم هي مهمة السجون، ولم أكن أعلم أنّ السّجون بعد استقلال المغرب سوف تصبح لمعتقلي الرأي من حزبيين معارضين للسّلطة ومن طلبة ومثقفين"(13).

ويعدّ الحوار الخارجي أو الخطاب المنقول، لدى جينيت، الّذي قد تعتوره، هو الآخر، تدخّلات الراوي، أداة لغوية تفصح، عكس الخطاب المرويّ والخطاب الداخلي الفوري أو المعروض ، عن التّقاطب الإيديولوجي الّذي يطبَع الصّراع بين الشخصيات وبينها وبين الراوي؛ فهو "يتّسم بالديـمومة واللاّاكتـمال؛ إنّـه غير قابل للنّفاد؛ فهو انعكاس للنزاع، للحـوار اللّـغوي – الإيديولوجي في المجتمع"(14). 

2 – 3 – التّهجين:

هو مزج، داخل ملفوظ واحد، بين أسلوبيْن ورؤيتيْن للعالم يضطلع به الكاتب عمداً أثناء إنجازه للتّلفظ؛ إذ يريد به إقامة تواصل لغويّ وإيديولوجيّ بين الشّخصيات والراوي من أجل تقديم أحكام قيمة بشأن إيديولوجية الشخصيات الّتي  تشي بها بضع مفردات أو عبارات؛ فالراوي المشارك في رواية "دمية النّار"، على سبيل المثال، يمتدح معلّمته الّتي بذرت فيه حب القراءة، حيث يقول: "كانت معلّمة العربية امرأة ودودة للغاية، وتتكلّم كما لو أنّها نبيّة أرسلت لإخراجنا من الظّلمات إلى النّور. على عكس المعلّمين الآخرين، لم تكن تستعمل العنف قط. كانت طريقتها أن تجعلنا نحب ما نقرأ، ونعجب بكلّ ما نفعله. وكانت في كلّ خميس تهدينا كتباً للقراءة، كتباً صرنا نتلذّذ بها، وهي تعدنا بمغريات كثيرة إن نحن قرأناها كما يجب. كانت تبدو متحرّرة من الخارج، أنيقة وهادئة الجمال، بارعة في اللّباس، ترتدي سروال الجينز وتسرّح شعرها للوراء كما الأوربيات تقريباً، وتضع بعض المساحيق على وجهها. بالنّسبة لي كانت بمثابة الملاك الصافي الّذي يفرحني النّظر إليه أطول وقت ممكن"(15).

2 – 4 – الأجناس المتخلِّلة:

من النّافل القول إنّ النّص الروائي، تحديداً، هو فضاء تتداخل فيه نصوص سابقة وكتابات متقدّمة مع النّص الوليد فيما أصبح يدعى بالتّناص الّذي يعدّ مظهراً من مظاهر التّعدد اللساني المشخِّص لظاهرة الحوارية الّتي تقتضي أن "نُدخل إلى كيان (الرواية) جميع أنواع الأجناس التعبيريّة، سواء كانت أدبية (قصص، وأشعار، وقصائد، ومقاطع كوميدية) أو خارج – أدبية (دراسات عن السّلوكات، ونصوص بلاغية وعلمية، ودينية، الخ). نظرياً، فإنّ أيّ جنس تعبيريّ يمكنه أن يدخل إلى بنية الرواية، وليس من السّهل العثور على جنس تعبيريّ واحد لم يسبق له، في يوم ما، أن أَلْحَقَهُ كاتب أو آخر بالرواية. وتحتفظ تلك الأجناس، عادة، بمرونتها واستقلالها وأصالتها اللسانية والأسلوبية. أكثر من ذلك، فإنّه توجد فئة من الأجناس التّعبيرية الخاصّة الّتي تلعب دوراً بنّاءً جدّ هام داخل الروايات، بل إنّها، أحياناً، تحدّد حتّى بنية المجموع خالقة، بذلك، مغايرات للجنس الروائي. تلك الأجناس هي الاعتراف، والمذكرات الخاصة، ومحكي الأسفار، والبيوغرافيا، والرسائل، الخ"(16). وتسهم هذه الأجناس الّتي تلج جسد النّص الروائي في وضع صنافة Taxinomie لجنس الرواية تتضمّن الأنواع الروائية جميعها من قبيل الرواية النّفسية والرواية الواقعية والرواية البوليسية والرواية السير ذاتية ورواية الأطروحة...

ولا بأس أن نسوق هذا الملفوظ من رواية "يصحو الحرير" لأمين الزّاوي نبيّن فيه توظيف الراوي لمقطع من رواية "أمريكا" لفرانز كافكا تستظهره إحدى الشخصيّات: "قال كافكا يا سيّداتي ويا سادة: بدا له كما لو كانت أشعّة الشّمس قد أضاءت فجأة تمثال الحرية، وعلى هذا فقد رآه في ضوء جديد، مع أنّه كان قد تطلّع إليه قبل وقت طويل. كانت الذراع القابضة على السيف قد ارتفعت وكأنّها قد انفردت لتوّها مرفوعة إلى أعلى، وكانت رياح الأعالي المنطلقة تهبّ حول التمثال"(17).

خاتمة:

لقد حاولت، في هذه القراءة الوصفية لمنجزات النظرية السّوسيو لسانية، التّعريف بالعلاقة بين التّعدد اللساني وبين تعدّد الإيديولوجيات ورؤى العالم في الخطاب الروائي؛ فالتعدد اللساني، الّذي يشخِّص الحوارية عبر الكلام ذي الطّبيعة الاجتماعية، يُنتج أنماطاً من الوعي؛ فقد تكون الرؤية إشكالية أو ثورية أو مأساوية أو دينية أو قوميّة أو أسطورية أو تقنية... ولا أزعم أنّني ألممت بكلّ ما جادت به قريحة باختين من رؤى ومصطلحات ومفاهيم مؤسِّسة لمنهجه التّأليفي والتّوفيقي بين الشكل الجمالي والمضمون الاجتماعي؛ فحسبي أنّني أشرت إلى أهمّها من أجل استمالة القارئ إلى أهميّة هذه النّظرية وجدواها في مقاربة النّص الروائي.     

 

تحميل المقال

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11