FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides
  • 30 ieme ukmo
  • Ramadhan karim

    بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، يتقدم رئيس جامعة قاصدي مرباح ورقلة  لكافة الأسرة الجامعية  بأبلغ التهاني الودية و أصدق الأماني داعياً المولى عز و جل أن يعيد هذه المناسبة الكريمة علينا وعليكم بموفور الصحة و مزيد من الإيمان.

    Ferienhaus Ostsee

 

الفضاء اللغوي - الدلالي -

في رواية السماء الثامنة لأمين الزاوي

 

أ/ حمزة قريرة

أ/ فائزة خمقاني  

جامعة ورقلة(الجزائر)

 

ملخّص المداخلة:

يظهر الفضاء في الرواية بتشكيلات مختلفة منها ما هو جغرافي ومنها ماهو نصي شكلي، ومن أنماط الفضاء الروائي كذلك نجد الفضاء اللغوي أو الدلالي الذي يخضع للغة ومجازاتها وتجاوزاتها، حيث يُعتبر ما تخلقه اللغة من تجاوز المحرّك لخلق فضاء ذي اتساع معيّن قد يكبر أو يصغر حسب طبيعة وقوة التجاوز، فالمجاز مثلا يخلق فضاء دلالي يختلف عن الفضاء الذي يخلقه الرمز، وسنحاول خلال هذه الدراسة التركيز على تشكّل الفضاء اللغوي في رواية جزائرية معاصرة-رواية السماء الثامنة لأمين الزاوي- حيث نبحث في حضور الفضاء اللغوي بشكل كيفي كما نبيّن مداه واتساعه حسب المفاصل الروائية، ونختم بدور هذا النمط من الفضاء في تقديم الرواية بشكل عام.

 

تمهيد:

يمثل الفضاء الروائي بشكل عام الامتداد، فهو" موجود على امتداد الخط السردي"1حاملا معه مختلف مكونات السرد من شخصيات وزمن، منصهرةً في لغة روائية خاصة، فتعمل مختلف المكونات في تناغم خاص يجد توجيهه من الفضاء، بهذا يؤثر على إيقاع الرواية عموما2. وباختلاف تجليات الفضاء؛ من الفضاء الجغرافي الذي يعد المكان نواته، إلى الفضاء النصي – الشكلي- نجده يعمل كوسط جامع لبقية المكونات، ومتفاعل معها، وعليه فدوره مهم في ربط شبكة من العلاقات بين مكونات السرد، كما يمكن رصد أشكال ومظاهر أخرى للفضاء الروائي أساسها اللغة وما تخلقه من اتساع دلالي يوحي بتشكّل فضاء خاص، وهذا ما سنركّز عليه في هذه الدراسة حيث نرصد دور اللغة في تشكيل فضائها الخاص، حيث لا شيء في الرواية يمكنه تجاوز اللغة، فهي لسان الرواية الناطق، ومن دونها بقية المكونات صماء، فتقدّم لنا الشخصيات وتميّز لنا تجليات الزمن، وتعطينا مسوّغات لندرك ما يريده الراوي، كما تفرّق لنا بين أشكال الفضاء وتحدّد طبيعته. كما يعد الفضاء اللغوي - الدلالي - فضاء معنوي، فلا يتم إدراكه إلا عبر علاقات يُنشئها الذهن انطلاقا من اللغة، ورغم أنه حاضر بالفعل؛ أي بوجوده النصي الملاحَظ، إلا أنه يختلف عن الفضاء الجغرافي والنصي اللذان يحملان طبيعة مادية في إدراكهما، فطبيعة حضوره كيفية، لهذا لن نقوم بإحصائه كميا عبر رواية السماء الثامنة بل سنقدّم نماذج منه عبر مسارها.

 الفضاء اللغوي وتشكّله:

   من خلال لغة رواية السماء الثامنة نلاحظ مدى التجاوز الذي تُحدثه مجازاتها وتكثيفها الذي يقترب من لغة الشعر، فعبر المسافة التي تخلقها اللغة بين المدلول الحقيقي والمدلول المجازي يتأسس الفضاء اللغوي - الدلالي- فالكلمة حسب البلاغة تحمل معنيين أحدهما حقيقي والآخر مجازي3، وبينهما مسافة محدّدة تتّسع أو تضيق حسب طبيعة المجاز، وعليه فلغة الأدب لا تقوم بوظيفتها بطريقة بسيطة ومباشرة إلا نادرا، فالتعبير الأدبي لا يستقر في معنى واحد، بل يستمر في التضاعف والتعدّد4، وعبر هذا الانتقال يتم خلق الفضاء اللغوي. ومن خلال تتبّع مفاصل الرواية يمكننا الإشارة لطبيعة تشكّل هذا النمط من الفضاء من خلال نماذج محدّدة عنه، وهي عبارة عن عيّنات كيفيّة تمّ اختيارها من كل مفصل، حيث نصنّفها حسب طبيعة التجاوز الذي تُحدثه لغتها؛ خصوصا في مظهرها الشعري، حيث تتجلى اللغة الشعرية في الرواية بمظاهر عدة  منها المجاز بأنواعه ولغة الوصف والتشبيه5، وكلها مظاهر ومستويات للتجاوز، يمكننا اختيار بعضها - فقط- داخل الرواية، لأننا نراها تمثّل أهم الحالات المولّدة للفضاء اللغوي بمستوياته المختلفة، لهذا سنرصد ثلاثة مستويات فقط للتجاوز؛ الأول والثاني منها يعد من باب البلاغة والثالث من باب السيميولوجيا ونصنّفها كالتالي:

1-   التجاوز عبر التشبيه وتوابعه:

يحدث هذا النمط من التجاوز انطلاقا من الحقيقة المجسّدة في المستوى السطحي لِلُغة النص، إلى المجاز الذي يحيلنا إليه النص الحاضر، ويتم ذلك عبر التشبيه بمختلف أنماطه، وما يتبعه من استعارات، ويدخل هذا النمط في باب البلاغة، والتشبيه كمايتضح من الأصل اللغوي للكلمة يعتبر مقارنةً وإلحاق شيء بشيء آخر6، وعبر التشبيه يتم تقديم المستوى السطحي للغة، وذلك من خلال عبارات محدّدة تحمل علامات نصية خاصة، كأداة التشبيه والمشبه والمشبه به وغيرها من الأدوات والعناصر التي تبيّن نمط التشبيه أو الاستعارة، فيقوم المتلقي مبدئيا باستقبال النص الحامل للتشبيه، ثم يربطه بما يحيل إليه في مستوى أعمق، فتنشأ مسافة بين النص الأول والثاني وهي ما تُعرف بالفضاء اللغوي، وهو خاص بهذا النمط من التجاوز، الذي نعتبره متوسّط الاتساع، فالهوّة التي يُحدثها التشبيه أو الاستعارة* ليست كبيرة بين الحقيقة والمجاز، وذلك لوجود قرينة لفظية أو مقامية - حالية - تجعلنا نُدرك المسافة بين الحقيقة والمجاز - فيهما - بصورة أكثر حسية، وهذا يجعل من هذا النمط من التجاوز متوسط الاتساع، لأنه مدرك بالحواس أكثر.

2-    التجاوز عبر الكناية:

تعد الكناية من أبواب البيان في البلاغة، فهي لفظ أُطلق وأريد به لازم معناه7 مع قرينة لا تمنع من إرادة المعنى الأصلي منه8، وقد تم اختيارها لتمثّل أحد مستويات التجاوز، لأنها تخلق مسافة واضحة بين ما يُقدّمه نصها السطحي وما تؤوّل إليه، فمن خلال تلك المسافة يتولّد الفضاء اللغوي، لكنه هذه المرة ليس متوسط الاتساع، بل نعتبره متسعا أكثر من سابقه، وذلك بسبب عدم وجود قرائن تمنع وتحد من اتساعه، فتأويله أكثر انفتاحا من التشبيه، لهذا يتولّد عنه فضاء متسعٌ.

3-   التجاوز عبر العلامة:

تدخل العلامة اللغوية وغير اللغوية في باب السيميولوجيا أو ما يُعرف بعلم العلامة وانطلاقا من أنماطها المختلفة؛ من رمز وإشارة أيقون، فهي تحتاج للتأويل، فمظهرها النصي المعطى سطحيٌّ، ولا يحمل أي قرائن واضحة، فيبدو غامضا مما يحتاج للتأويل، فيعْبر من خلاله المتلقي إلى العمق بحثا عما يوحي به، لتتولّد بذلك مسافة عبر هذا التجاوز فينتج الفضاء اللغوي، ويُعد في هذه الحالة الأكثر اتساعامن سابقيْه لأنه ينفتح عن التلقي والتأويل، وهو فضاء منفتح لا يعرف الحدود، لهذا يولّد لنا أكثر الفضاءات اللغوية اتساعا.

كما نشير قبل تتبّع هذه المستويات أن التجاوز لا يشمل كل لغة الرواية، لأن الرواية بحكم طبيعتها الفنية تقبل في بعض جوانبها البعد التوصيلي9، الذي لا نجد فيه تجاوزا من الحقيقة للمجاز، كذلك الطبيعة الكيفية لهذا الفضاء اللغوي تجعلنا نختار ونرصد - فقط- عيّنات عنه ونبيّن نمط تجاوزها بلاغيا أو سيميولوجيا -علاميا- كما نوضّح مدى اتساع كل عيّنة، وعلاقة ذلك بالمفصل الذي تنتمي إليه، ونلخّص ما تم رصده في الجدول التالي:

الجدول رقم (01)(جدول يقدّم عينات من العبارات الحاملة للفضاء اللغوي ونمط تجاوزها في رواية السماء الثامنة)

 

المفصل الروائي

عينات من العبارات الحاملة

للفضاء اللغوي في الرواية

رقم

الصفحة

نمط ومستوى التجاوز الذي أحدثه الفضاء اللغوي (بلاغي- علامي)

مدى اتساعالفضاء اللغوي

العنوان"السماء الثامنة"

السماء الثامنة

01/03

علامة توحي بالفضاء الحر واللامحدود – فضاء الكذب-

الأكثر اتساعا

المفصل الأول

"الشيطان وأنا"

سماء يركبها شيطان الكذب

08

استعارة مكنية

متوسطة الاتساع

المفصل الثاني

"بسملة المغامرة"

أحدّثها عن جدي طارق بن زياد

11

علامة تحيل إلى رمز من رموز التاريخ الإسلامي، وجاء به للاعتزاز بالماضي والأمجاد.

الأكثر اتساعا

المفصل الثالث

"ثكنة واسعة كخرم الإبرة"

 

ثكنة واسعة كخرم الإبرة

15

تشبيه

متوسط الاتساع

عيون المتحلقات والمتحلقين مغروزة فيّ

18

استعارة مكنية

متوسطة الاتساع

النساء حرب دائمة

33

تشبيه بليغ (لا وجود لأداة التشبيه ولا وجه الشبه)

متوسطة الاتساع

المفصل الرابع

"البيرة والسلحفاة"

في فرانكفورت يسقط الليل بسرعة

54

استعارة مكنية

متوسطة الاتساع

حزن أصفر اللون

54

علامة، فاللون الأصفر بارتباطه بالحزن يمثل رمزا.

الأكثر اتساعا

المفصل الخامس

"مصطفى"ص

 

رسوم آسيوية خرافية، أسد يفترس غزالة

82

علامة، فالرسوم تعد أيقون، لتتحول مع العبارة إلى رمز للفتك

الأكثر اتساعا

من عيون مصطفى تشع براءة

84

استعارة مكنية

متوسطة الاتساع

المفصل السادس

"عمر الخيام

أم عمر المختار؟"

"عمر الخيام أم عمر المختار؟"

85

علامة، فأسماء الأعلام تمثّل رموزا تحيل إلى مستويات أخرى

الأكثر اتساعا

 يجب أن يكون طريق الحكاية كطريق هروب القط ...

86

تشبيه

متوسطة الاتساع

كي أخرج كالحلزون

87

تشبيه

متوسطة الاتساع

أُسودّ لون وجهها

95

كناية

متسع

لقد هرب للفور عني النعاس

 

96

استعارة مكنية

متوسطة الاتساع

سقط عليّ الظلام الذي بداخل الضريح

96

استعارة مكنية

متوسطة الاتساع

داخل القبر قبر سيدي ميمون صاحب الكرامات

99

علامة تحيلنا للآخر وهو الرجل الصوفي الذي يتصل بالعالم الغيبي

الأكثر اتساعا

المفصل السابع

"أختي وعمتي"

كثرت الصراصير في المدن

117

كناية على كثرة الانتهازيين

متسع

جسدها اللهوب كجسد عمتي

121

تشبيه

متوسط الاتساع

كيف هي أفريقيا يا عطيل

124

علامة تحيلنا للرجل الإفريقي الذي صوّرته أحد مسرحيات شكسبير.

الأكثر اتساعا

المفصل الثامن

"المارلبورو، واليهود والحنين"

ترتخي عضلاته، كأنما يمارس طقوس اليوغا

129

تشبيه

متوسط الاتساع

المفصل التاسع

"فقه الكذب"

يخرج كلاما كالسحاب

145

تشبيه

متوسط الاتساع

الأسئلة التي تُدخل أنفها في بساتين الآخرين.

147

استعارة مكنية

متوسط الاتساع

المفصل العاشر

"اليوم الأخير"

 باب الثكنة يبدو الآن ونحن وقوف في ساحة العلم كباب الجنة

151

تشبيه

متوسط الاتساع

المفصل الحادي عشر

"أنا"

سأشحذ، بكل الطرق، ثمن تذكرة إلى الأندلس

158

علامة تحيلنا إلى الوطن الضائع

الأكثر اتساعا

 

التعليق:

من خلال الجدول (01) تتّضح طبيعة حضور الفضاء اللغوي، حيث وفّرت اللغة مساحة كبيرة للتجلي الفضائي المختلف الأنماط والمستويات كما حدّدنا سابقا، حيث نلاحظ الغلبة للفضاء المتوسّط الاتساع ممثّلا في التشبيه والاستعارة، ويليه الفضاء الأكثر اتساعا مجسدا في العلامة بمختلف تجلياتها، ثم الفضاء المتسع الذي نجده في الكناية وهي الأقل حضورا** وعليه فالفضاء المتّسع يحتل المرتبة الدنيا في تجليّات الفضاء اللغوي، ويمكن اعتباره مركزا يتقابل من خلاله الفضاء الأكثر اتساعا والمتوسط، ويمكن التمثيل لذلك بالشكل التالي:

الشكل رقم (01) يوضح أنماط الفضاء اللغوي حسب مدى اتساعها

 

 

نلاحظ أن الفضاء الأكثر اتساعا يقابل الفضاء المتوسط اتساعا؛ أي هناك حدّين من الفضاء اللغوي يقف كل منهما موقف النقيض من الآخر، أحدهما متسع جدا، والآخر متوسط من حيث مدى الاتساع، أما الفضاء الذي يقع في الوسط من حيث الاتساع، فهو الفضاء المتسع، فيعتبر فضاء مفتوحا يحتل موقع المنتصف، والمتوسّط من حيث الحضور.

من خلال تتبع العيّنات التي تم اختيارها من مفاصل الرواية يمكننا التعرّف على طبيعة حضور هذه الأنماط والمستويات المختلفة للفضاء اللغوي، حسب نمطه، فعبر التشبيه نلاحظ الفضاء المتوسّط الاتساع، ونصل إليه عبر تفكيك التشبيه وملاحظة أدواته وقرائنه، فالمشبّه يرتبط بالمشبه به عبر أداة محدّدة وقد يُذكر وجه الشبه، وعبر هذا التركيب يتم الانتقال من مستوى لغوي سطحي لآخر أكثر عمقا، فالمشبه يبني في ذهن المتلقي مستوى محدّد ودلالة خاصة، ولما نربطه بالمشبه به نقوم بنقله إلى مستوى أعمق، ونُمثّل لذلك بما جاء في الجدول (01) ففي قوله : "ثكنة واسعة كخرم الإبرة"10، نجده يشبه الثكنة التي يقضي فيها أيامه العسكرية، بخرم الإبرة، فيحمل دلالة الثكنة من مستوى أوّلي سطحي، إلى مستوى أعمق بعد جعلها تشبه - تحتل مكان- خرم الإبرة، فينتقل الفكر من مستوى لآخر قاطعا مسافة فضائية متوسطة الاتساع – مقارنة بغيرها- هي التي نعرفها بالفضاء اللغوي وفق هذا النمط، بهذا فالتشبيه يربط بين مستويين عبر فضاء محدّد، فينقل النفس من ما هو معقول إلى المحسوس من الغموض إلى البديهة11، ويمكن التمثيل له بتوظيف المثال السابق، من خلال الشكل التالي:

الشكل (02)شكل يوضّح طبيعة تشكّل الفضاء اللغوي في نمط التجاوز عبر التشبيه

 

كما نلاحظ أن أنواع التشبيه وتوابعه المختلفة تمارس نفس الدور في خلق فضاء متوسط الاتساع، ونذكر منها الاستعارة التي تخلق فضاء متميّزا نتيجة لربطها بين وسطين بعيدين مع إسقاط بعض قرائن وأدوات التشبيه، لتقدّم نمطا خاصا يعرض النص عبر مستوياتمختلفة فيجمع بين وسطين أو عالمين متباعدين، فيقفز من سطحية النص إلى مستوى أعمق، بهذا يظهر أن "أفقية النص ليست إلا وجها واحدا لكائن متعدد الوجوه"12، تستطيع الاستعارة الكشف عنها، مما يولّد الفضاء اللغوي عبر المسافة التي تخلقها حركة الذهن من المعطى السطحي إلى المستوى المتعدّد العميق، بهذا تظهر القيمة الكبيرة للاستعارة في تجسيد وعي معين وبعث رؤية خاصة، فهي أداة معرفيّة13 بالدرجة الأولى. ونمثّل للاستعارة بما ذكرناه في الجدول (01) فقوله :" سماء يركبها شيطان الكذب"14، استعارة مكنية حيث شبه السماء بما يُركب كالحصان، وحذف المشبه به، وكنّى عليه بأحد لوازمه وهو الركوب، فالاستعارة ربطت بين مستويين أحدهما سطحي والآخر عميق، فالسماء في المستوى الأول تحمل دلالة محدّدة في وسطها، ثم ترتبط عبر الاستعارة بالحصان أو أي مركب من مستوى آخر، فيحدث انتقال من مستوى لآخر مولّدا فضاء لغويا متوسط الاتساع، الذي لا يختلف بشكل كبير عما رأيناه في التشبيه المباشر عبر الأدوات، ويمكن تتبّع مختلف الاستعارات التي رصدناها في الجدول للوصول إلى ذات الطبيعة في تجلي الفضاء اللغوي المتوسط الاتساع.

أما عبر الكناية فالفضاء متّسع بشكل أكبر من التشبيه، وذلك لأنه مع الكناية تسقط القرائن التي يمكن أن تحد من الفضاء بوضعها لعلامات خاصة بمداه، كذلك تعد الكناية حواريّة وتبعث على الصراع بشكل أكثر مما تنحو للاطمئنان والاكتفاء بالتلميح15 وهذا يولّد نزوعا نحو التأويل مما يخلق مسافة يظهر من خلالها الفضاء اللغوي، ومن نماذج ذلك مما رصدناه في الجدول(01) ففي قوله :" كثرت الصراصير في المدن"16، يكني على كثرة نوع معيّن من الناس الانتهازيين في أوساط المجتمعات المدنية، كما يجوز اعتبار كثرة الصراصير حقيقة؛ أي جواز إرادة المعنى الحقيقي، وعبر هذه الكناية يتم الانتقال من مستوى مباشر سطحي إلى مستوى أكثر عمقا وبعدا عنه، فربط التركيب المباشر للكناية بدلالتها النهائية يتم عبر مدى فضائي متسع، فالصراصير في مثالنا تحيلنا لنوع معين من الناس، دون أن يُقدّم لنا التركيب قرائن لفظية تربط بينهما كما في التشبيه والاستعارة، وهذا ما يزيد الهوّة بين المستويين اتساعا، فنحن ننتقل من مستوى لآخر عبر الدلالة وما يحمله السياق، لتنفتح آفاق الفضاء وتتسع أكثر، ويمكننا ملاحظة ذات الشكل والطبيعة لتجلي الفضاء المتسع عبر الكناية، من خلال مختلف ما تم رصده في الجدول السابق، أو مختلف ما نجده عبر مفاصل الرواية.

أما النمط الأكثر اتساعا للفضاء اللغوي، فنرصده عبر العلامة التي تربط بين عالمين مختلفين تماما، ففي صورتها اللغوية الأولى تقدّم المستوى السطحي المباشر، وبعد تلقيها تبدأ في خلق المستوى الثاني العميق جدا، لأنه مرتبط بالمتلقي والتأويل، بهذا لم تعد لغة الرواية تطابقا بين الدال والمدلول، أو ذات بعد توصيلي فحسب، بل صارت تمتاز بخاصية تعبيرية خيالية17، تتجاوز مستوى البعد التواصلي إلى مستوى رمزي أكثر تعقيدا، يقوم المتلقي بتأويله، وهذا يقدّم للعلامة قدرة ومجالا واسعا للتجلي، وذلك لاتساع التأويل واختلافه حسب المتلقي، مما يخلق مسافة كبيرة بين المستويين، فيتولّد نتيجة لذلك فضاء لغويّ أكثر اتساعا من غيره، فلا يكاد يُحد بشيء، ومن خلال الجدول (01) نقدّم عينة عنه، ففي قول الراوي/ الشخصية :" أحدثها عن جدي طارق بن زياد "18، نلاحظ أن العبارة تحمل اسم شخصية تاريخية وهي شخصية طارق بن زياد التي تتحوّل إلى علامة بتوظيفها في هذا الموضع، فهي إشارة للماضي التليد والقوة التي تمتّع بها البربر والعرب في زمن فتح الأندلس، فالراوي/الشخصية يستحضر شخصية طارق بن زياد ليشير إلى ماضي أمته ويُحاول إعادته، ولو في الخيال لمقاومة الشعور بالذل الذي عاناه منذ أن رمته السلطات الإسبانية إلى الجزائر"مكبلا كالكلب"19، لهذا تحوّلت العبارة التي حملت الاسم إلى علامة، فربطت بين مستويين أحدهما سطحي، والآخر جد عميق، فهو مرتبط بالزمن والماضي البعيد، وبصورة شخصية تبدو خرافية أسطورية، لا يمكن أن تتحقّق أو نراها في الواقع، فوجودها مقتصر على مخيلة الشخصية، وما زاد عمق المسافة بين المستويين عدم وجود أي إشار حسية مباشرة تربط بينهما، فوصولنا للمستوى العميق كان حسب تلقينا، وقد يختلف ذلك من متلق لآخر، وهذا التنوع في التلقي يجعل المسافة جدّ كبيرة بين العالمين، مما يولّد أكثر أنواع الفضاء اللغوي اتساعا. ويمكن رصد هذا النمط من الفضاء من خلال مختلف العبارات اللغوية الحاملة لعلامات كما حدّدناها في الجدول السابق، أو نعثر عليها من خلال مفاصل الرواية. 

خاتمة

مما تقدّم نلاحظ التفاوت في اتساع الفضاء اللغوي، من نمط تجاوزي لآخر، وهذا بسبب ما منحته اللغة للراوي من قدرة على تشكيل فضائه اللغوي عبر مجازاتها المختلفة، بهذا يتضح أن هذا النمط من الفضاء اللفظي"لا يوجد إلا من خلال اللغة"20 التي تمكّن الراوي، حتى في مستوى آخر متعلّق بالفضاء الجغرافي، من تحقيق عالمه الروائي عبرها وبعيدا عن كل القوانين الهندسية21. ويأتي بعد اللغة، في دورها، المتلقي الذي يمنح الفضاء اللغوي شكله ومداه.

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11