FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

 

الانسجام والاتساق النصي المفهوم والأشكال

 

د/ حمودي السعيــد

جامعة المسيلة(الجزائر)

 

كانت المناهج قبل الدراسات اللغوية الحديثة تقوم على الأحكام القيمية والنظرة الجزئية  لكن سرعان ما ظهرت دعوة تهتم بالعمل الأدبي في حد ذاته ،وكان الهدف هو تحليل العناصر المكونة للنص وإيجاد القواعد التي بني عليها، وبمعنى أدق الوصف العلمي للنص ،وإيجاد العلاقة التي تكون عناصره ، فلقد حاولت مختلف المناهج اللغوية منذ نشأتها التخلص من بعض النقائص فكان كل منهج يظهر يعمل على تجاوز سلبيات المنهج الذي قبله ليكتسب موضوعية وعلمية أكثر في مقاربة النصوص ،فالأسلوبية مثلا نظرت إلى الجملة على أنها أكبر وحدة، وكان تحليل الأسلوبيين تحليلا جزئيا ،لا يهتم بالبنية الموحدة لكل النص.

بينما أن السيميائية ترى أن النص علامة متكاملة ،أو مجموعة متوالية من العلامات  فاستطاعت بذلك أن تقتحم مجال النص ،وتؤسس لمفهومه ،ويبدو التحليل الشامل للنص بشكل واضح من خلال التحليل بالمقومات السياقية التي تهتم بسياق النص ،لكن يعاب على هذا التحليل أن المقومات ليست منحصرة بصفة نهائية ،وليست ثابتة ،وتفرض معرفة موسوعية.(1)

كذلك بدأ الاهتمام واضحا بتماسك عناصر النص في السيميائية السردية لأنها تنظر إلى الحكي recit باعتباره أحداثا مترابطة فيما بينها « وهكذا بدأ الحديث عن النحو الأصولي، والنحو السردي، والنحو النصي»(2) ، الأمر الذي مهد لظهور لسانيات النص، وجعلها تستفيد من مكتسبات العلوم اللسانية وإنجازاتها، وقد استفادت من السيميائية في تحديد مستويات النص حتى أنها حافظت على بعض مصطلحاتها: البنية السطحية، والبنية العميقة.

تجاوزت لسانيات النص التحليل الجزئي واستفادت في هذا الشأن من بعض منجزات الأسلوبية، والبنيوية، واكتشفت بذلك التنظيم الداخلي للوحدات " structure " .

كان بذلك لا بد من تطوير الوسائل المنهجية لوصف النص كله وتحليله، لأن المناهج الأخرى بدت قاصرة في تجاوز حدود الجملة إلى ما فوقها، والوقوف على دلالة النصوص والبنية التي تحكمها، خاصة أن مفهوم البنية متوقف على السياق والعلاقات داخل النص.

علم النص:

لم يجمع الباحثون على مصطلح واحد لتعريف هذا العلم، فيطلق عليه علم النص، وعلم اللغة النصي، ولسانيات النص linguistique du texte ونحو النص  grammaire de texte  ونظرية النص أيضا .

وبهذا تعددت مصطلحات لتسمية علم النص وكانت الإرهاصات الأولى لظهور هذا العلم في 1952 على يد الأمريكي " هاريس " في كتابه " تجليل الخطاب" ، وكان قد ركز فيه على الجوانب النحوية البنيوية، ربما لأن الرجل كان احد تلاميذ العالم :" بلوم فيلد " البنيوي، ثم تطورت الدراسات النصية وتبلورت النظرية مع " فان دايك" وتكامل العلم مع الأمريكي " روبرت دي بوجراند" الذي في عهده دكت كثير من الحواجز، وأصبح علم اللغة النصي يستفيد من كثير من العلوم منها ما هو لغوي، ومنها ما هو غير لغوي، ويهتم علم النص بالقواعد التي تجعل النص نصا، في أن نحو النص لا يعنيه إلا أن يدرس الجمل مفردة .

النص لغة:

النص في العربية يعني الظهور والبروز والارتفاع ذلك أننا إذا عدنا إلى المعاجم العربية فإننا نجد لمادة (نص) عدة معان منها: نص الحديث رفعه، ونصت الدابة جيدها إذا رفعته، ونصت العروس إذا رفع مكانها وأبرزت، وناقته استخرج أقصى ما عندها من السير، والشيء حركه، ومنه فلان ينص أنفه غضبا، وهو نصاص، المتاع: جعل بعضه فوق بعض، وفلان استقصى مسألته عن الشيء والشيء أظهره (3).

أما في الثقافة الغربية فإن لفظ texte في المعجم الفرنسي مأخوذ من مادة(textus) اللاتينية، التي تعني النسيج، كما تطلق كلمة texte على الكتاب المقدس أو كتاب القداس ... كما تعني ترابط حكاية أو نص، والذي نلاحظه في المعنى اللغوي لمادة texte أنها تدل دلالة صريحة على التمساك والترابط والتلاحم بين أجزاء النص وذلك من خلال معنى كلمة (النسيج) التي تؤشر إلى الانسجام والتضام والتماسك بين مكونات الشيء المنسوج ماديا، كما تؤشر معنويا أيضا إلى علاقات الترابط والتماسك من خلال حبك أجزاء الحكاية.

وعنى النسيج، وهذا المفهوم ليس بعيدا عن الثقافة العربية، إذ نجد أن هناك من يستعمل هذا المفهوم نفسه، فهذا ابن خلدون في المقدمة يقول ما نصه :« أعلم أنها – يقصد صناعة الشعر – عبارة عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يفرغ فيه ... ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عن العرب باعتبار الإعراب والبيان، فيرصها فيه رصا، كما يفعله البناء في القالب أو النساج في المنوال، حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام »(4) ، كما نجد أن عبد القاهر الجرجاني قبله قد وصف النص بالوشي والنسج .

النص اصطلاحا:

  ينطلق بارت roland bartes في تعريفه للنص من الدلالة الاشتقاقية لمصطلح texte، أي النص والتي تعني في اللاتينية (النسج) فيقول: « النص نسيج كلمات منسقة في تأليف معين، بحيث هو يفرض شكلا يكون على قدر المستطاع ثابتا، ووحيدا. ثم بشرح ذلك فيقول: إن النص من حيث أنه نسيج فهو مرتبط بالكتابة ويشاطر التأليف المنجز به هالته الروحية (علو المصدر) وذلك بأنه بصفته رسما بالحروف، فهو إيحاء بالكلام (الظهور) وأيضا بتشابك النسيج وذلك يكسبه صفة الاستمرارية (التركيب والترتيب) (5)

أما مفهومه عند يلمسلاف : يستعمل العالم الألسني الدانمركي لويس يلمسلاف مصطلح النص بمعنى واسع إذ يطلقه على أي ملفوظ، منفذ قديما أو حديثا، مكتوبا أو محكيا، قصيرا أو طويلا، فكلمة (قف) مثلا عنده نصا كاملا.

مفهوم النص عند هالي داي  ورقية حسن: اللذان يمثلان المدرسة الإنجليزية يظهر ذلك المفهوم من خلال كتابهما عن الاتساق في اللغة الإنجليزية (cahesion in english) والذي تحددت فيه بعض المفاهيم مثل: النص ، النصية، الاتساق، وتحدثا فيه عن مظاهر الاتساق وكانت كالتالي: الإحالة ، الاستبدال، الحذف، الوصل ، الاتساق المعجمي، ومعنى الاتساق (6).

وبجعل هاليداي ورقية حسن الاتساق متضمنا علاقات المعنى العام لكل طبقات النص، والذي يميز النص اللا نص، ويمكن القول أن أهم عمل قام به هاليداي ورقية حسن يتمثل في عملية البحث عن ظواهر الاتساق في النصوص (7).

أما مفهومه من خلال جهود هاريس وجهود تشومسكي وإنهما من أبرز المهتمين بعلم النص إذ يقترحان نموذجا غنيا فيه بالنظام اللغوي ونظام النص، حيث وضع معايير النصية تحدث من خلالها عن عملية تلقي النص، واعتبر النص تشكيلة لغوية ذات معنى تستهدف الاتصال .

مفهوم النص في الدراسات العربية:

في الدراسات العربية القديمة نجد أن قول الأصوليين (لا اجتهاد مع النص) يجسد هذا المفهوم، ولما جاء الإمام الشافعي أعطى تعريفا للنص فقال : « المستغني بالتنزيل عن التأويل» أما الشريف الجرجاني فقال : « النص ما زاد وضوحا على الظاهر».

النص عند إبراهيم الفقي: 

ففي دراسته للتماسك النصي يعيد إبراهيم الفقي آراء العالم اللغوي روبارت دي بوجرند الذي يرى أن النص حدث تواصلي يلزم لكونه نصا أن تتوافر له شروط سبعة، لا يكون النص نصا إلا إذا تواجدت جميعا وهذه الشروط هي:

-     السبك: أو الربط النحوي.

-     الحبك: أو التماسك الدلالي وقد سماها تمام حسان الالتحام.

-     القصد: وهو الهدف من ميلاد هذا النص.

-     القبول: ويتعلق بموقف المتلقي.

-     الإعلام:

-     المقام: وهو متعلق بمناسبة النص للموقف والمقام.

-     التناص: وهو تقاطع عدة نصوص بعضها ببعض .

وهذا التعريف الذي يتبناه الفقي تعريف شامل لا يلغي أحد أطراف الحدث الكلامي في التحليل، فهو يجمع المرسل والمتلقي والسياق وأدوات الربط اللغوية، هو تحليل ذو رؤية شاملة حيث كل العناصر النصية حاضرة، المرسل ، المتلقي، السياق، عناصر الربط اللغوي... تحت مجهر التحليل النصي، و لا يضخم نظرته لعنصر على حساب آخر، كما تضخم البنيوية بنية النص على التاريخ، والقارئ فيها مجرد متلق سلبي لا أثر له أمام النص وكما تضخم التفكيكية شخصية القارئ وسلطته على النص والتاريخ واللغة نفسها.

الاتساق النصي مفهومه وأشكاله:

  النص حدث اتصالي و(وحدة لغوية مهيكلة تجمع بين عناصرها علاقات وروابط معينة، وهذا ما يجعل من النص كلا مترابطا منسجما) (8) ، يتميز بجملة من القواعد يطلق عليها مصطلح النصية وهي التي تمثل المباحث الأساسية للسانيات النص والنصية هي التي تميز النص عما ليس نصا إذ تحقق للنص وحدته الشاملة .

  فذا رجعنا إلى القواميس وأمات الكتب العربية باحثين عن المعنى الذي يمكن أن نتلمسه من خلال الجذر (وسق) فإننا نجده يدور حول مفهوم الاكتمال والتمام، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور (ت 711 هـ) في الجذر (وسق): وسقت النخلة إذا حملت، فإذا كثر حملها قيل أوسقت أي حملت وسقا – وسقت الناقة وغيرها تسِقُ أي حملت وأغلقت رحمها على الماء فهي واسق ، ونوق وِساقُ – وسقت عيني على الماء أي ما حملته – الوسوق، ما دخل فيه الليل وما ضم ، وقد وسق الليل، واتسق – والطريق يتسق ينظم، واتساق القمر امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة – واستوسقت الإبل: اجتمعت – والاتساق: الانتظام (9)

أما الفيروز أبادي (ت 817 هـ) في القاموس المحيط فيقول: « وسقه يسُقه: جمعه وحمله ومنه: (والليل وما وسق) وطرده ومنه الوسيقة وهي من الإبل كالرفقة من الناس، فإذا سرقت طردت معا، والناقة حملت وأغلقت على الماء رحمها فهي واسق، واستوسقت الإبل : اجتمعت، واتسق انتظم، والميساق: الطائر يصفق بجناحيه إذا طار» (10) ، والطائر إذا طار وكان مصفقا بجناحيه كان في ذلك اتساق كبير وانتظام ظاهر، كما يقول السيوطي (ت 911 هـ): اتسق القمر إذا تم وامتلأ ليلة أربع عشرة ، ووزنُ اتسق : افتعل وهو مشتق من الوسوق، ويقال اتسق: استوى (11) ، والملاحظ في الذي ذكر ابن منظور والفيروز أبادي ، والسيوطي أن المعنى الذي يكاد يتكرر حول الجذر (وسق) هو الاجتماع والانتظام والاكتمال ، وهذا لا يبتعد أبدا عن المعنى الذي يدور الآن في كتب الاختصاص في لسانيات النص.

هذا من حيث المصطلح والمفهوم، أما من حيث الاهتمام العلمي فقد عني البلاغيون العرب بهذا الموضوع عناية كبيرة، لما له من أهمية في الدراسات اللغوية التي كانوا بصدد إنجازها ، أو التعامل معها، ويسجل الدكتور إبراهيم خليل ذلك بقوله: « فالبلاغيون العرب إعتنو بالكشف عن الترابط القائم بين سلسلة الأقوال المؤلفة لفقرة أو مجموعة أجزاء من العمل الأدبي، ونجد هذا واضحا فيما كتبه حازم القرجاني (684 هـ) الذي سلط الضوء على العلاقات الترابطية لأجزاء القصيدة (12)

ولعل من أهم النقاط التي كان البلاغيون العرب معنيين بها في باب الدراسات البلاغية، قضية اللفظ والمعنى ، وقضية النظم، وتلك النظرة صائبة جدا إذ أن الكلام لن يكون أبدا مؤديا ما يريده المبدع أو المتحدث، ولن يصل فيه الدارس أو السامع إلى دراسة اللفظ أو دراسة المعنى أو دراسة النظم ما لم يكن موافقا النسق المطلوب في اللغة، فالتركيب الذي يفهم منه المقصود الأعظم هو ناتج عن التفاعل بين اللفظ الحامل والمعنى القائم والعلاقات التي تربط أجزاءها التراكيب (13) .

وكان تراثنا قد زخر كثيرا من الأفكار في هذا الباب ،خاصة مع عبد القاهر الجرجاني صاحب نظرية النظم ،فقد نظر إلى القرآن الكريم نظرة كلية باعتباره نصا واحدا ،وذلك بعرضه سؤالا مؤداه : ما الذي أعجز العرب في النص القرآني ،وكذلك حازم القرطاجني ،وغيرهما من فطاحلة التفكير اللغوي العربي ،الذين سجلو في نبذ قليلة من إشاراتهم المبثوثة في أعمالهم ، ما يمكن لنا نحن اليوم أن نعتز به اعتزازا كبيرا، كما كانوا مهتمين إلى درجة كبيرة في باب الدراسات القرآنية بالمناسبة بين السور وترتيبها ،وهو باب يمس جانبا مهما من الذي نحن بصدد دراسته ،فقد ألف علماءنا بأسرارها " مناسبة السور" تواليف كثيرة منهم العلامة أبو جعفر بن الزبير (14).

وهذا الاهتمام بعلم المناسبة قال عنه السيوطي :" وعلم المناسبة علم شريف قل اعتناء المفسرين به لدقته ،ومن من أ:ثر منه الإمام فخر الدين .وقال في تفسيره : أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط " (15) .والمراد بالمناسبة هنا وجه الارتباط بين الجملة والجملة في الآية الواحدة ،أو بين الآية والآية في الآيات المتعددة (16) .

وفي هذا الذي قال السيوطي دلالة على أن العرب كان لهم جانب من الاهتمام بالذي نحن نهتم به اليوم ،وإن كنا نقول إن ذلك الاهتمام بسيط ،لكن الفضل دوم يكون للمبتدئ ،وإن كانت الزيادة للمقتدي كما يقال .

وقد نقل المسلمون الأولون ذلك الفهم المجرد إلى الدراسة اللغوية انطلاقا من نقدهم مفهوم الاتساق إلى النص القرآني المقدس الذي كان منطلق كل الدراسات عندهم " فإذا عنايتهم تنصب على دراسته ،وإذا به كأنه سبيكة واحدة تأخذ آياته وسوره بعضها برقاب بعض ،بحيث لا يوجد بين أجزائه تفكك ولا ضعف " (17) .ومن الأمثلة التي يمكن أن تكون دليلا على الذي نذهب إليه في هذا الباب ذالك الارتباط المنسجم في الخطاب القرآني ،إذ يعتمد على موسيقى عذبة تتغلغل إلى أعماق القلوب مصدرها انتقاء الألفاظ ، ومدى خدمتها للمعاني ،فمثلا السور التي تتحدث عن العذاب ويوم القيامة ،تأتي الأصوات صاخبة فيها تقرع الأذان كقوله تعالى : " وإذا السماء انفطرت *وإذا الكواكب انتثرت * وإذا البحار فجرت * وإذا القبور بعثرت *علمت نفس ماقدمت وأخرت " الانفطار 1-5-

فالحركة تبدو سريعة متتابعة عنيفة يوحي بها الإيقاع في هذه الآيات ،قبل أن يجليها المعنى. أما السور التي تتحدث عن النعيم والسعادة فيكون الإيقاع فيها هادئا لينا بطيئا كقوله تعالى :" فأما إن كان من المقربين* فروح وريحان وجنة نعيم " الواقعة 88-89 .

ويلاحظ في هذا الشأن أن الإيقاع القرآني لا يعني الجناس، والفاصلة والتكرار فقط وغيرها من مظاهر الانسجام الصوتي، بل يتعداها إلى الصيغ الصرفية وأوزان الكلمات أيضا، أي ما يدخل ضمن البنية السطحية.

ولهذا قال: خير الكلام المحبوك المسبوك الذي يأخذ بعضه برقاب بعض(18) ، ولعل من أهم الكتب التي تناولت الموضوع أيضا كتاب (منهاج البلغاء وسراج الادباء) فهو مثلا يتحدث عن الكلام في الشعر يقول: « فأما المتصل العبارة والغرض، فهو الذي يكون فيه لآخر الفصل بأول الفصل الذي يتلوه علقة من جهة الغرض، وارتباط من جهة العبارة (19)، وهذا ما نسميه اليوم بالاتساق والانسجام .

والظاهر في هذه النصوص العربية تكرار قولهم: أخذ بعضه برقاب البعض، وهذه العبارة تدل دلالة كبيرة عن معنى يمكن أن نتقاطع فيه مع لسانيات النص، إذا ما أخذنا تحليلها وفق المنظار الذي نريده، فإن الكلم سيبدو لنا أجسادا لها أعناقها المتعالية وتلاحمها الشديد، يتبين لنا من خلال لفظ الآخذ بالرقاب.

أما إذا رجعنا إلى هذه القضية من منظور لساني حداثي، فإن المختصين أنفقوا الكثير من أوقاتهم ومن جهودهم من أجل أن يحددوا مفهوم الاتساق والانسجام أو السبك أو الترابط، فقد كثرت المصطلحات وتعددت المفاهيم ولعل مرجع ذلك إلى أن كل واحد من هؤلاء نظر إلى القضية من الزاوية التي يريد الغوص من خلالها إلى الدرس اللغوي.

وإلى (هارفنج) تعزى أول محاولة جادة لوصف التنظيم الذاتي الداخلي للنصوص من خلال الحديث عن بعض العلاقات التي تسودها، مثل علاقة الإحالة، والاستبدال مشيرا إلى التكرار، والحذف، والترادف، والعطف والتقريع، والترتيب، وذكر النتيجة بعد السبب، والجزء بعد الكل، أو العكس، وهذا كله مما يقع في دائرة الترابط والاتساق الداخلي للنص (20)

إن الاتساق بهذا المفهوم لن يكون موجودا في النص إلا إذا توافر على الآليات التي تجمع النص عموما.

والجدير بالملاحظة في هذا المقام أن مصطلح الاتساق يعاني أيضا شيئا من عدم الضبط في تحديد المفهوم، لأن بعضا من الباحثين يعطيه من الدلالة ما لا يحتمل، أو يعطيه معنى غير دقيق، فقد يطلقه بعضهم على التماسك النحوي كما بفعل إبراهيم خليل في كتابه : في اللسانيات ونحو النص" (21)، كما نجد الدكتور إبراهيم الفقي يقول: « أما مصطلحا cohesion and coherence  فهما يتصلان بالتماسك النصي داخل النص ويرتبطان بالروابط الشكلية والدلالية ولهما أدوات وأنواع(22)، ومهما يكن من أمر في عدم دقة هذا المصطلح فإننا نتبنى الفهم الذي يجعل الاتساق مرتبطا بالجانب الخطي للنص.

وإن مفهوم الاتساق يعني ترابط الجمل في النص مع بعضها بعضا بوسائل لغوية معينة( وهذا الترابط يهتم بالروابط التي تجري في سطح النص أكثر من اهتمامه بالشكل الدلالي أو المعنوي للنص)23 ، لهذا عني المهتمون بنحو النص بهذه الروابط وحاولوا حصرها وتصنيفها وبيان وضائفها ومحاولة تعميمها، وتمثلها مظاهر الاتساق التالية:

1- الإحالة: يمكن لنا أن نذهب بعيدا ونحن نتحدث عن مفهوم الإحالة، ذالك أن معناها قد تغير بدءا من دخول المصطلح إلى ميدان لسانيات النص، فالمفهوم التقليدي لها هو تلك العلاقة الموجودة بين الأسماء ومسمياتها، ألست حين تقول: (شجرة) قد أحلت المخاطب إلى شيء ينمو على الأرض له أوراق وجذع وأغصان؟ ألست تلفت نظره من عندك إلى هذا الشيء غير الموجود أمامك؟ إننا لولا هذه الإحالة التي تغنينا عن كثير من المتاعب لكنا ملزمين بأن يحضر المتحدث منا ما لا يستطيعه، حتى نمكنه من التواصل.

والظاهر أن هذا المفهوم هو الذي ذهب إليه كثير من الباحثين، إذ يقول (جون لاينز) في سياق حديثه عن المفهوم الدلالي التقليدي للإحالة : (إن العلاقة القائمة بين الأسماء والمسميات هي علاقة إحالة، فالأسماء تحيل إلى المسميات)24 ، والإحالة حسب هاليداي ورقية حسن ثلاثة أنواع:

( الضمائر وأسماء الإشارة وصيغ المقارنة)25 ومنها الإحالة بأداة التعريف والإحالة القائمة على المقارنة

2- الوصل: تتحدد خاصية الوصل في تحديد الكيفيات التي يتم بها ترابط أجزاء النص اللاحقة بأجزائه السابقة، ووسائل الربط النصي كثيرة ومتنوعة أهمها: الربط الإضافي( ويربط بين صورتين حيث يوجد بينهما إتحاد أو تشابه)26

3- الضمائر: تتفرع الضمائر في العربية حسب الحضور في المقام، أو الغياب إلى فرعين كبيرين متقابلين هما: ضمائر الحضور، وضمائر الغياب إذ تقوم تلك الضمائر مقام الأسماء غير أن لها محتوى دلالي أصغر27 وتعد الضمائر أفضل الأمثلة على الأدوات التي يستعملها المتكلمون للإحالة وتنقسم الضمائر إلى ضمائر وجودية مثل: أنا، أنت، هو، هم،...إلخ، وإلى ضمائر ملكية مثل كتابي، كتابك، كتابهم، كتابنا...إلخ، وإذا نظرنا إلى الضمائر من زاوية الاتساق أمكن التمييز فيها بين أدوار الكلام التي تندرج تحتها جميع الضمائر الدالة على المتكلم والمخاطب، وهي إحالة لخارج النص بالشكل نمطي ، ولا تصلح إحالة داخل النص، أي اتساقية، إلا في الكلام المستشهد به28

4- الاستبدال: وذالك أن يستبدل المتحدث لفظا بلفظ آخر له المدلول نفسه وهو ركيزة مهمة في أي نص على المستوى اللساني29 وهذا إما أن يستبدل مفرد بمفرد آخر كأن تسمع متحدث يقول: نجح إبني في الامتحان، فقلت له: يا محمد سأعطيك جائزة، فقد استبدلت كلمة ابني( بكلمة محمد) فالكلمتان لهما نفس المعنى، وقد تستبدل مفردة معجمية بمفردة نحوية أخرى كأن تقول: هذا كتاب قرأته، لابد أن أشتري واحدا آخر، فأنت استبدلت كلمة(كتاب) بكلمة(واحد) وهذا نوع من أنواع الاستبدال التي تنص عليها لسانيات النص.

 

5- الحذف: علاقة قبلية في ظاهرة الحذف تترك أثرا يسترشد به المستمع أو القارئ، ويقسم إلى أنواع ثلاثة: حذف اسمي، وحذف فعلي، وحذف جملة أو قول.

الانسجام مفهومه وأشكاله:

الانسجام لغة: ورد في لسان العرب أن المادة( س ج م ) تدل على عدة معان أهمها: سجم: سجمت العين الدمع والسحابة الماء تسجمه سجما وسجوما وسجمانا: وهو قطران الدمع وسيلانه قليلا أو كثيرا، وكذالك الساجم من المطر، والعرب تقول: دمع ساجم، ودمع مسجوم: سجمته العين سجما، والمتتبع للمادة اللغوية(سجم) يجد أنها ارتبطت بمفاهيم أهمها القطران والإنسباب والسيلان .

اصطلاحا: يعني( فان دايك )بالانسجام( الأبنية الدلالية المحورية الكبرى وهي أبنية عميقة تجريدية) وبخلاف ذالك بين أن الاتساق يتمثل في الأبنية النحوية الصغرى وهي أبنية تظهر على مستوى سطح النص30 ولعلنا من خلال هذا التعريف يتبين لنا أن الاتساق أمر يتعلق بالجانب النحوي التركيبي، في حين أن الانسجام يتعلق بالجانب الدلالي ويشتمل العناصر التالية:

1- السبك: النظام

2- الالتحام: التماسك الإنسجامي.

أدوات الانسجام:

1- التأويل: هو رصد العلاقات الخفية بين أجزاء النص

2- السياق: إنه يعني الانزلاق من المستوى التحليلي إلى مستوى آخر يتعلق بظروف إنتاج الخطاب، فالمرسل والمتلقي وزمن النص ومكان إنتاجه والحالة النفسية للمرسل أو متلقي كلها عوامل محددة للسياق.

ولا ريب أن مصدر هذا التناسق الدلالي، وتلاقي المعاني يرجع إلى وجود علاقات نحوية بين تلك المعاني ، ومن ثم أخذ عبد القاهر الجرجاني يوجه الناظم إلى علم النحو للإفادة من إمكاناته العريضة قائلا: ( وكنا علمنا أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم31 .

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11