FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

Appel à communication

خطاب التخييل عند واسيني الأعرج

رواية أنثى السراب أنموذجا

أ/ جميلــة روبـاش

أ/ زين حفيظـة.

جامعة المسيلة(الجزائر)

 

تمهيـد

لقد كان غوركي على حق إذ قال "إن اللغة هي أول عناصر الأدب" فهي المفتاح لفهم المؤلفات الأدبية بشكلها المتكامل، ومفرداتها والطابع المميِّز لنحوها وبناء كلامها، فهو بمثابة الأرضية التي تنبت عليها الصور والأفكار، وإذا كانت اللغة من زاوية وظيفتها التواصلية تؤسس هوية الفرد وتحقق اجتماعيته وتتيح له أن يكون. فإنها بالمقابل ومن زاوية وظيفتها الإبداعية تشيّد خصوصية النص الأدبي وتميزه. وإنها تمنح المبدع وهو فرد اجتماعي قدرا من التعالي لأنه يعيد تصريف اللغة وهي جماعية بشكل فردي يباعد بينها وبين وظيفتي التبليغ والإحالة المباشرين، ومن هنا ذهب علم اجتماع النص الحديث إلى القول بأن اللغة تظهر بمثابة نظام تاريخي قابل لأن نشرح تغيراته اللفظية والدلالية والتركيبية في ضوء الصراعات بين الجماعات الاجتماعية، أي بين لغات جماعية، لذلك فإقامة علاقة بين النص الأدبي وسياقه الاجتماعي لا يرتبط بالرؤية للعالم، بقدر ما يرتبط بقدرة النص على تقديم العالم الاجتماعي باعتباره حوارا وصراعا بين مجموع لغات جماعية تظهر في البنيات الدلالية والسردية للتخييل()وفي المنظورين معا فاللغة هي التي تمنح الأدب تمظهره المجرد ومادته المدركة.

إن دراسة الأدب (الرواية) من زاوية اللغة تحيل إذن على مستويين متضافرين هما: النص (شكل المراسلة) والخطاب (ويعني المشاركة الكلامية والطابع الموقفي المنقولان من طرف المؤلف).

ومن هنا إلحاح باختين على أن (كل رواية هي إلى هذا الحد أو ذاك نسق حواري مصنوع من تشخيصات أصناف "الكلام" والأساليب والتصورات الملموسة الملازمة له، الملفوظ في الرواية لا يعبّر فقط ولكنه يتّخذ هو ذاته موضوعا للتعبير).()

فلا يمكن لأي جماعة بشرية أن تعيش بدون متخيل، على شكل حكايات أو خرافات أو أساطير أو قصص أو روايات أو أفلام، أو غيرها من وسائل التعبير المكتوبة والشفوية والمرئية.

وتتحدد أنماط المتخيل، حسب الذهنية السائدة، في ارتباطها بأصناف التصورات والتوجهات الفكرية داخل المؤسسات السوسيوثقافية، في لحظة معينة من التاريخ، مقيمة بذلك عالما موازيا قد يكون مكملا أو معدلا أو مناقضا للعالم الواقعي، إلا أنه عالم ضروري، يشكل جاذبية لدى الإنسان الذي يريد أن ينفلت من حدود يومه ولا يكتفي بما هو واقعي وعقلاني، فالرواية في الأساس منتوج متخيل وقاعدة اجتماعية.()

فالمتخيل الجمعي بمكوناته وتجلياته المختلفة من الأسس التي يرتكز عليها الإنتاج الروائي الذي يعتبر نفسه خزان للتصورات والهواجس والتوقعات التي يجبر بها المجتمع، بل وشكلا أساسيا لتكون المتخيل الاجتماعي من خلال تعرضنا بالدراسة لـ:

وجهة النظر: المنظور:

يقترب الخطاب مما يعرف بوجهة النظر في نقد التخييل، فإن الأديب يبنى أثره بطريقة يتبناه المشاهد وعلى المؤلف توجيه نفسه وقارئه فيما يتعلق بمضمون عالمه، يتضمن هذا التوجيه تموضعا في المكان والزمان، وقد يبدوا المؤلف أو راويه بعيدا أو قريبا جدا أو محررا لمادة تاريخية أو شاهد عيان.

وهذا ما نجده في جميع صفحات الرواية من خلال سرد ليلى لتجربتها مع الكاتب منذ بداية الرواية إلى نهايتها (المكان هو القبو، الزمان طول الليل).

تزويد القصة أو الرواية بمنظور مرئي مثل كاميرا ثابتة "أغمضت عيني قليلا لأسترجع أنفاسي المتقطعة لا شيء في السكرتريوم سوى هذا الضوء الخافت الذي يضيئ الجانب الأيسر من وجهي ومساحة أحرف الكمبيوتر بشكل جيد"()، وقوله أيضا: "وضعت الترمس في الزاوية ناحية الرجل اليمنى ونسيته هناك ..." ()

وجهة النظر: المواقف:

الموقف اتجاه أو رأي حول الموضوع وهو ذو أهمية أساسية في بنية التخييل، على نحو لا مفر منه يتضمن النص القصصي من خلال تعبيره صوتا راويا، وهو متكلم ضمني مضطلع بخط موضوعه، كما عبر عن ذلك (واين بوث في كتابه: "بلاغة التخييل") بأن في كل رواية أو داخل كل حكاية هناك حاكٍ يتكلم، وهذا ما نجده في الرواية من خلال صوت ليلى عبر جميع مراحل الحكاية، "لم أعد أؤمن بالصدفة، كل شيء في هذه الدنيا مرتب سلفا ..." ()

تعتبر اللغة أداة صعبة يستعصى اقتحامها فلا تسمح لنا بقول شيء دون نقل موقف من هذا الشيء، حين تتكلم أو تكتب، فالكلمات أو الجمل التي نختارها هي صدى لمستمعينا أو قرائنا، وتصدر معاني تكون تحت مراقبتنا، فاللغة تفيدنا لتبنى أسلوب يصرح بانتمائنا إلى فريق تواصلي معين، وهو البعد السوسيولساني للخطاب، فاختيارات بنية الجملة والمفردات تلعب دورا كمؤشرات على طبيعة وبنية الفريق الاجتماعي الذي نتواصل داخله بشكل شبه دائم في حالة طبقتنا السوسيو اقتصادية أو أصلنا الجغرافي، وبشكل دائم استجابة إلى الأدوار التواصلية المتغيرة التي نتبناها عند استعمال اللغة في مناسبات مختلفة، على نحو توضيحي صريح "نميز لغة المؤلف واسيني الأعرج عن باقي الشخصيات"، من السهل رؤية أن أساليبهم السوسيولسانية المميزة تنطبق على أدوارهم الثقافية المتنوعة جدا والمؤسساتية بقوة.

إن البنية السوسيولسانية تؤثر في كتابة الروائي بطريقتين:

_ أولا: يستجيب أسلوبه إلى مكانته في تاريخ أشكال التخييل النثري "رواية سيرة ذاتية"، فهي مرتبطة بأجناس الكتابة في عصره.

_ ثانيا: يعتماد الكاتب على الأعراف السوسيولسانية كجزء من تقنية التمييز.     

 

اللغة ورؤية العالم:

قد يبرهن العديد من السوسيولسانيين بأن المنظورات المعتادة للفرد حول الواقع هي نتيجة لمكانته داخل بنية سوسيو اقتصادية، وبأن تأثير البنية الاجتماعية تعمل على تشفير هذه العادات المعرفية عند استعمال اللغة، والمظهر الآخر للبنية التواصلية المألوف في كل لغة والهام في الروايات، يكمن في التأثير على ملفوظات وعينا بمستمعينا، كثيرا ما يوجه متكلم ما أو كاتب ما لغته باتجاه سياق لغة أخرى، ويتم نقل الأفكار بشكل كامن من قبل هذه اللغة. على نحو واع أو غير واعٍ، تتوجه إلى متحدث يمتلك خصوصيات صوته وآرائه وقد يجيب بفضاضة. في الأدب العلاقة غير المباشرة وبطبيعة الحال ليست وجها لوجه: وبرغم ذلك ففي ذهن المؤلف استجابة لنوع خاص من القراء المحتملين، كما أن الخطاب يكيف نفسه مع الصورة التي يتصورها المؤلف. كذلك اللغة مكيفة مع تصور المؤلف لموضوعه فتستجيب لغة الراوي للغة وبنية وعي الشخوص في رواية ما، ويبدو أن الناقد الروسي ميخائيل باختين هو أول من لاحظ ذلك، حيث سمى هذا التأثير للصوت أو للصوت الآخر إدراك الراوي لوعي شخصية ما سماه بالبنية الحوارية.()

وتؤكد هذه الفكرة أمينة بلعلى في كتابها "المتخيل في الرواية الجزائرية" حيث تقول: "إن الحوارية تنطق من رفض النظرة الأحادية في الإبداع والنقد التي كانت سائدة ... أي أن النص الأدبي لغة ذات بناء مستقل له قوانينه وضوابطه المكتفية بنفسها، حيث تتحول الرواية إلى خطاب ثنائي يتجسد من خلال توظيف خطابات الغير".() ويظهر هذا من خلال خطاب الكاتب "واسيني" وخطاب ثاني هو خطاب "ليلى"، وقد جاءت آراء الكاتب مقابلة لآراء شخصية ليلى.

الأصوات المؤلفية والقصصية

  يقترح (واين بوث) في بلاغة التخييل جملة مطلوبة جدا من الفوارق وسط الأصوات المكتملة في الرواية، وهي تتماشى والنظرية اللسانية وتزودها بنقطة الانطلاق.

  يبدأ بوث بقوله: أنه لا يوجد قص أو حكي بدون تدخل مؤلف وتعليقه، فمن يتكلم في النص القصصي؟

هل هو المؤلف الحقيقي أو الضمني فيميز بوث بين المؤلف الحقيقي والضمني. فالمؤلف الحقيقي هو كاتب حقيقي من لحم ودم، أما المؤلف الضمني فهو ذلك الصوت الموجود في الجانب التركيبي داخل الرواية، ويرى (رولان بارث) أن النص هو الذي يتكلم حسب فنجد صوت الخطاب القصصي مصدره الصحيح من خلال الأعراف العمومية للغة في علاقته بها يكون المؤلف أداة مسهلة في حالة كتابته يحرر النص نفسه من فعل الكتابة ويصير عموميا ومتعالي بالفرد، وتطبع اللغة النص بقيم الجماعة دون تناقض، فالقارئ متسع المعنى بسبب الكاتب مخزنا لقيم الثقافة المشفرة لسانيا، وله سلطة تحريرها من النص، يخلق القارئ صورة صوت المؤلف وصور أصوات أخرى، ويحل محل الخطاب المؤلف الحقيقي صوتا عرفيا مدركا داخل التوقعات المشتركة للجماعة. ()

ينتج الخطاب القصصي من تفاعل أعراف الثقافة، الفعل التعبيري للمؤلف لهذه الأعراف كما هي مشفرة في اللغة ونشاط القارئ في تحريره للمعنى من النص، هذه العملية التعاونية ليست شخصية باعتبارها لا تعتمد على الأحاسيس الخاصة للكاتب أو القارئ، وليست غير شخصية ذلك أن الناس متضمنون بشكل حيوي لكنها تذاوتية() (كفعل تواصلي يدعوا للقيم المشتركة) وهو ما يعرف في نظرية القراءة بمواقع لا تحديد التي تسمح للقارئ بالتأويل وصناعة المعنى في النص ومشاركة الكاتب ومنها (الفراغات والترقيم والإيحاءات والبياضات) المنتشرة على كامل الرواية.

المؤلف وشخوصه:

نعود إلى علاقة الخطاب بين المؤلف (ذاته) وشخوصه، إن الروائي يراقب بشكل حاسم أفعالهم وأفكارهم وكلامهم، وكذا ميزاتهم الأخرى، ويعلم كل شيء عنهم، غير أنه عند تقديمه لشخوصه لا يبدوا بحاجة لأن يكون عليما بكل شيء أو كلي القدرة، قد يختار أو لا يختار أن يظهر كمحرك دمى، وأن له عدد من الاختيارات كيف يكشف عنها، وإلى أي مدى سيسمح لأوعية شخوصه للتحرر من قبضته، وإلى أي حد يتم تلوين أفكارهم بخاصية أفكاره هو. ()

كل ذلك بطبيعة الحال اختيارات لسانية إذ فحصنا بدقة الخطاب القصصي، سنجد حلولا في اختيارات المفردات والتشييدات التركيبية، تتعلق بالكيفية التي يقف فيها مبدع النثر التخييلي ومخلوقاته فيما يتعلق الواحد بالآخر، فنجد تقديم ليلى لشخصية سينو "هل تذكر أول لقاء بيننا كنت طفلا خجولا خرج من حضن قريته وأمه".()

الرؤى الداخلية والخارجية: 

كما أن القيم التي تشفرها متطابقة مع قيم المؤلف (الخيانة من الطرفين)، أظهر النص يتم التمييز أساسا بين المنظورات الداخلية والخارجية حول أفكار ورغبات الشخوص، تفتح الرؤية الداخلية أمامنا الحالات الذهنية للشخوص، وردود فعلهم وحوافزهم سواء عن طريق التبليغ القصصي (قول ما قد تخفيه الحياة الحقيقية)، أو عن طريق احدى تقنيات تيار الوعي الدرامي الشبيه بالمناجاة أو المونولوج الداخلي() "قبل قليل اشتهيت شرب كأس قهوة مرة لأثبت رأسي الذي شعرت به في حالة دوار كامل... الصمت الآن يتمدد على سكينة الأشياء كظل الميت ... على أن أنسى الآن كل شيء".()

نقل الأحاسيس بأسلوب الكاتب، يتم تصنيفها (حزينة، مخاوف، هواجس، شكوك، التفكير فيها)()، هذه المصطلحات سيكولوجية ومنظور إليها من الداخل وهي دقيقة واهتم الكاتب بتحليل أحزان الفتاة (ليلى أو مريم) في خصوصياتها، مستعينا باللغة التي تلفظ بها الفتاة مآسيها رغم ما تعبر عنه اللغة من أحاسيس من منظور داخلي فإن الخطاب اجمالا هو خطاب قائل الحكاية، وتحليل سيكولوجي للمؤلف ولشخصية ليلى "لن أبالغ ولن أدغدغ حواسي النرجسية الدفينة، إذ جزمت أن سينو لم يحب امرأة غيري...".()

قد ينتقل الحكم إلى الخطاب الداخلي الذي لا يعبر عن أسلوب ذهن الشخصية والمثال الأكثر شهرة هو صورة الفنان (الكاتب) في شبابه التي هي سرد لضمير الغائب وليس مونولوجا داخليا()، فيزود الكاتب باستمرار بأساليب جديدة بهدف مزاوجة مراحل التطور الفكري والروحي لبطله وجعلها درامية، تظل اللغة لغة الكاتب (واسيني الأعرج)، وليس لغة الراوي أو المؤلف الضمني، ويقتضى ضمنا التشكيل الدرامي المستمر لذهن البطل كطفل وتلميذ ومراهق وشاب وكهل "كنت صغيرا عندما دخلت للمرة الأولى تلمسان ... سبع سنوات قضيتها في النظام الداخلي في ثانوية الحكيم بن زرجب...".()   

استعمال اللغة بقصد محاكاة بنية أفكار الشخصية جانبا من الخطاب الشخصي المقارن، وأن الأفراد يمكن معرفتهم وإظهارهم على نحو خصوصي "أحاسيس سينو وليلى".

إن اللغة المصاغة هي لغة الشخصية وليست لغة الراوي أو المؤلف الضمني، إذ يتم نقل أفكارها بشكل مباشر تقريبا، أو ما يسمى بالأسلوب الحر غير المباشر، وهو نمط تعاد فيه صياغة الأفكار والكلام بشكل جزئي فقط لملاءمة صيغة ماضي السرد "قبلت باللعبة ولكنها قتلتني في النهاية وخذلت سذاجتي الطفولية".()

لغة الشخصية (ليلى) قريبة كل القرب من لغة المؤلف شهوانية وخيانة، من خلال المسارات المجسدة لتيمة الجنس تشير إلى تزامنها قبل وبعد زواج "سينو"، يتميز فضاء الزنا عموما بالتنوع (الجزائر، فرنسا ....) في الأمكنة ويتصف هذا النمط بكونه ثقافيا أي أنه يتحقق بواسطة معرفة حضارية... ذلك أن الخجل ينمحي كليا وأيضا الموانع الخارجية، لأنه يتلازم مع إقصاء كلي للعالم الخارجي، تعويضه بعالم آخر يفاقم المتعة ويجعل التركيز على اللذة كاملا كالموسيقى، السفر... مع العمل على إطالة لحظات المتعة وتعنيفها وتصعيدها إلى مستوى العبادة() غير أن مجمل هذه المسارات تجهض وتنتهي بالتخلي، ليست مجرد تعويض مؤقت لخيبة الذات المستمرة على كل الأصعدة، وخاصة أنها تمتد على فترات متقطعة بتقطع فترات الكتابة والعمل، فالذات مضطرة إلى البحث عن تعويض آني أو معادل سيكولوجي يخفف ثقل الواقع ويساعد على تحمله.

إن الواقعية ليست حقيقة بل عرف ونظرية، فهي الطريقة التي يعرف بها الأشخاص بعضهم ببعض، فالواقعية هي أحد أعراف الخطاب، وضمن أعراف المنظور الداخلي، قد يعطي مؤلف ما أو يعطي انطباعا عن نسيج أفكار شخوصه، بينما يعبر الخطاب عن وعيهم فقد يصبح الامر تعاطفا أو انتقادا.  

أما المنظور الخارجي فيتمثل في سرية تجربة الأشخاص الآخرين، حيث يشيد الكاتب بنفسه ولنا دور الملاحظ بدون امتياز، ويصل إلى فهم جزئي للشخوص التخييلية "لم أعبأ بنداءات الشرطي السمين التحذيرية. سمعت فقط شخير تعبه وهو يتنفس بصعوبة".()

يحافظ الروائيون على وجهة النظر بشكل متماسك سواء الداخلية أو الخارجية، باعتبار أن التحول من نمط إلى آخر يثير الانتباه إلى براعة العمليات المستخدمة وكذا إلى تقنية الكاتب من جهة أخرى()، هذا النوع من التحول الصيغي مصدر ممتاز للأمثلة ما دمنا نصادف المنظورات الداخلية والخارجية جنبا إلى جنب في وصف نفس المشهد، نموذج رواية تنتقل بسرعة من نموذج خطاب إلى نقيضه، "يذكرني دائما بمثله المفضل عضة من الذئب وما تطلقوش سالم هذه المرة ربما المرة الوحيدة سيكون الذئب هو أنا أو ربما أنت أيضا".()

إن الإطار الهيكلي المحيط بهذا المقطع لهو أحد الخطابات المباشرة بين الرواية والقارئ، تبدأ الفقرة بالتوجه التواصلي المباشر لـ (أنت)، ويتحول في صيغة الحاضر مقترحا وجهة نظر بين الرواية والقارئ.

وقد يتم تبني المنظور الخارجي للألفاظ التغريبية لعدة أسباب:

وصف شخصية مجهولة مشاهدة عن بعد أو سالكة سلوكا غامضا يكون الملاحظ مجبرا على تخمين من الذي يحرك الشخصية، ما هي مفاتيح الشخصية التي يمكن استخلاصها من المظهر الخارجي.

وبهذا يخلق مسافة صارمة وقوية بين المؤلف وشخوصه، ويعني ذلك احترام السرية الذهنية للشخوص، والاعتراف بأن تقييماتنا للأشخاص محدودة وحدسية مستعملا بهذه الطريقة المنظور الخارجي كواحد من الأعراف الواقعية "وصف ليلى لعامل البريد والموجودين في المكان".()

ويخفي الكاتب علمه بكل شيء محررا الحقائق حول الشخصية جزءا في كل مرة متجنبا الأحكام بصفة مؤقتة، وكأن ليس للراوي والقارئ ايجابية غير طبيعية للرؤية أو المعرفة المسبقة على معرفة الملاحظ الفضولي العادي "وصف شخصية سينو التي نكتشفها جزءا جزءا منذ بداية الرواية إلى نهايتها".

النبرة المهيمنة للخطاب هي نبرة تنشأ بشكل أوسع من المقومات اللسانية المطبوعة بأحرف بارزة، في كثير من فقرات الرواية التي تتناوب مع فقرات بالخط العادي.

يتقاسم الراوي والقارئ وضع الملاحظ يقف خارج شخوصه ويفحص بدقة التفاصيل الفيزيائية للوجه واللباس والجلسة، وتأكيد على فاعلية التأويل بواسطة تحويل النظرة "وصف ليلى لابنتها ميلينا التي تشبه أباها سينو".

بنية الخطاب وأسلوب الذهن:

  مصطلح أسلوب الذهن يحيل على العرض اللساني، وهو مميز للذات الذهنية لفرد ما، وقد يحلل أسلوب الذهن الحياة الذهنية لشخصية ما، بشكل جذري تقريبا، وقد يهتم بالمظاهر الأساسية أو النسبية للذهن. والصياغة الدرامية للأفكار الواعية أو تقديم المواضيع التي تتأملها الشخصية أو عرض الانشغالات والآراء والمنظورات والقيم التي تؤثر بشدة في رؤية الشخصية للعالم، ولكن قد لا تكون الشخصية على وعي بها. وتلتمس هذه البنيات المختلفة للخطاب في تنوع التقنيات اللسانية() "يظهر ذلك عبر شخصية سينو ورؤيته للعالم وأيديولوجيته وآرائه حول الثورة والإرهاب ومختلف المراحل التي مرت بها البلاد، وكذا يظهر من خلال شخصية ليلى وصياغتها لأفكارها وهواجسها وآمالها وآلامها".

إن النص لا يقدم ما يفكر فيه بل ما يراه، ويربط الأعراف الكبرى للشخوص بالوضعيات الإطارية التي تحدث فيها استهاماتهم السيكولوجية "ولأنك لاتعرف فأنا لا ألومك في هذه... فأنت ككل الرجال، تنظر دائما وراءك وخلفك وبجانبك تسمع إلى أصوات الآخرين أكثر من استماعك للصوت الجميل الذي فيك"()

أعراف الخطاب البنية السوسيولسانية في التخييل:

بنية الخطاب ليست خصوصية وليست منظمة بشكل فريد بالنسبة لكل رواية فردية بل عرفية، إن النموذج البنائي في أي لغة ما تشفر عن طريق العرف، مختلف العلاقات والتجارب التواصلية والمعرفية لكل جماعة لها هذه الامكانيات التعبيرية المتيسرة عموما في بنية لغتها، حيث يختار الفرد المستعمل للغة منها بحسب شخصيته وأدواره وحاجاته التواصلية، ويكون اختيارا واعيا وتنتج عنه عدة نماذج بشكل آلي من الهدف والسياق وأداة التواصل. ()

لكل روائي أسلوبه الخاص لهذا تتنوع الروايات في بنائها، هذه اللغة ليست وليدة من فراغ، إنما نتيجة تأثره بمحيطه، ومعالجة الكلام والحوار في الروايات من الإحالات الواضحة، فاللغة التحادثية (العادية) لها قواعدها المنظمة لكل بنية من نبر ولهجة، الواضحة في مقومات الكلام لشخص ما "ياااا ما الحنانة".()

رغم أن الروائي ينجز مرحلة إضافية لإضفاء الطابع العرفي في هذا التحويل من الكلام إلى الكتابة، فلنا مع ذلك حالة واضحة على التداخل البنائي بين وضعيتين متميزتين من الخطاب: لغة الحياة ولغة التخييل.

 

البنية الاجتماعية في الخطاب التخييلي (الشفرات المتطورة والشفرات المحدودة):

هناك تنوع لساني ذا قيمة واضحة ومرتبط بالمجتمع ككل، ومستعمل في التخييل، وهو أكثر أهمية من تمثيل المحادثة أو من اللهجة المحلية هذه الحيلة (التقنية) تكمن في التمييز بين الشفرة المحدودة والشفرة المتطورة الذي تم اقتراحهما من طرف عالم الاجتماع "بازيل بير نشتين" لقد صاغ هذا التمييز بين الشفرات المتطورة والمحدودة بدون الإحالة على الجهاز اللساني لوصف الاختلافات بينهما، ولم يتوضح الاختلاف بين الطبقة العاملة والوسطى باعتبارهما شريحتان اجتماعيتان تتكلمان في الواقع بشكل مختلف كقاعدة عامة، ويبدوا واضحا أن النظرية في جوهرها هي اسقاط تحيزات الطبقة الوسطى المسببة للخلاف على حقيقة سوسيولسانية أكثر تعقيدا، بمعنى أنها نموذج أو خطة أو ميل ذهني بدل وصف تجريبي للاستعمال، هذا النموذج يبدوا عميقا وخصبا ومستوفيا لذاته. () إذ يقترح أن الطبقة الاجتماعية التي يولد فيها المتكلم مكن خلال تأثيرها على بنية العائلة هي ما يحدد تنوع اللغة المتاحة للطفل، إذ ولد في عائلة منتمية للطبقة العاملة سيسمح له من بالاقتراب فقط من تنوع محدود من اللغة، فيما سيحصل الطفل المولود في عائلية تنتمي إلى الطبقة الوسطى أو الأرستوقراطية بشكل إضافي على نسخة متطورة من اللغة.

يتم تعلم الشفرتين من خلال أنماط الخطاب المنتشرة داخل النوعين من العائلات، وأيضا من خلال الأدوار وأصناف السلوك والعلاقة الموجودة في العائلات على حد نموذجي، فهما سوسيولوجيتان بدل لسانيتين في الأصل عند تعلمهما تكون لهما نتائج مختلفة بالنسبة للمتكلمين.

-      فممتلك الشفرة المتطورة أكثر تحركا وأقل ارتباطا بوضعيته التواصلية الآنية، وأكثر قدرة على التعميم والترميز، وأكثر بعدا وسخرية من خلال ربط اللغة بالموضوع.

-   أما ممتلك الشفرة المحدودة يكون مستعملها محدود محصور المعاني الضمنية داخل الوضعية الآنية ويتلفظ بها على نحو احالي مستخدما عدة ضمائر أو أشكال حالة أخرى. ()              

أما من الجانب المعرفي فإن الشفرة تخول الدخول إلى المعاني العالمية والمتعالية أما المحدودة فتحصرها في المظاهر المحصصة للسياقات الآنية

إلا أن منتقدي (علماء اللسانيات) لنظرية (بيرنشتين) فيرون أن لها وجهان فليس كل الإيجابيات لصالح مستعملي الشفرة المتطورة، فإذ كانت الشفرة المحدودة تحصر الحركة، جاعلة الانطلاقة الصاعدة من فريق ما صعبة، فإنها أيضا اداة تكامل داخل هذا الفريق ووسيط للألفة بين الأفراد حيث الحميمية وجدت في تلك المؤسسة المشتركة.

وإذا كانت الشفرة المتطورة تفضل الخطاب التجريدي فهي تشجع الفراغ واللاشخصية والتنفير من خلال تلك البراعة اللغوية التي تبعده عن عائلته وأصدقائه.

ويمكن أن يحدث صراع بين الشفرتين (بين مطالب ومسؤوليات الشفرتين) من خلال تضحية شخص ما بقيم وثقافة طبقته، من أجل التعالي لطبقة أخرى.

ونجد هيمته للشفرة المتطورة في الرواية من خلال الاستعلامات اللغوية ذات المعاني العالمية للكاتب والراوي ()، وأيضا من خلال تحليله وتعميمه محولا تجربته الآنية إلى إيماءات فلسفية، تكوّن الاستراتيجية التركيبية، فلديه القدرة على جعل مشاكله موضوعية والتعرف عليها ومعالجتها باستقلال. "من خلال مشكلة ليلى مع مريم (شخصية ورقية) ومحاولة قتلها للانتهاء من هذا الصراع".

 

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07