FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides
  • 30 ieme ukmo
  • Ramadhan karim

    بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، يتقدم رئيس جامعة قاصدي مرباح ورقلة  لكافة الأسرة الجامعية  بأبلغ التهاني الودية و أصدق الأماني داعياً المولى عز و جل أن يعيد هذه المناسبة الكريمة علينا وعليكم بموفور الصحة و مزيد من الإيمان.

    Ferienhaus Ostsee

 

أثر السياق والمتلقّي في تماسك النصّ الروائي عند الطاهر وطاّر،

رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي نموذجا

 

أ/ بوضياف محمد الصالح

المركز الجامعي – النعامة (الجزائر)

 

المداخلة:

إنّ السَّمتَ العامّ الذي شهدته الجزائر في السبعينيات من القرن المنصرم في ميدان الأدب هو ذلك الانفتاح الواسع على النصّ الروائيّ، حيث صقلت ظروف تلك المرحلة قرائح المبدعين، فأفرزت طروحات فكرية وفنّية متنوّعة، وأملت منظومة ثقافية مغايرة، تستند في مرجعيتها على منجزات المدرسة الواقعية الاشتراكية، ممّا فرض على المبدع –لا سيما الروائي- أن يتجرّ وراء هذا التوجّه، وأن يواكب الواقع  الفكري والسياسي آنذاك، بيد أن كثرة من الروائيين لم يتقيّدوا بالنظر من هذه الزاوية فحسب؛ بل راحوا يستنطقون التاريخ ويحيون موات الأشياء، فكانت أعمالهم الروائية أداة فاعلة في مجرى الحياة والتغيير، وقاب قوسين في محاكاة الممكن، والاقتراب من تحقيق الحلم، والإيذان بالبلج الذي طال انتظاره.

في هذه الأثناء كان قد أُعلن فعلا عن ميلاد شكل روائي جديد، إنْ على مستوى الرؤية والتشكيل والبنية، وإنْ على مستوى الكتابة والموضوع، ولعلّ الطاهر وطار من الأوائل الذين عصفت بهم رياح التغيير في المنحى الروائي، بدءا من"اللاز" و"الزلزال" و"الحوات والقصر" ثمّ "الشمعة والدهاليز"، وصولا إلى مرحلة متقدّمة فيما بعد، حيث وجد نفسه فجأة في العراء، مثخنا بالجراح والكلوم، تتقاذفه أمواج معاناة عاتية، تصبّ في أودية التّيه ودروب الإقصاء والتهميش، فقد عرفت حياته منعطفات كثيرة، وتحوّلات بارزة، وتبعا لذلك اتّسمت أعماله بالتّحوّل والانعطاف، من ذلك الأفق المسدود بعد أحلام البناء والتعمير جراّء أحداث دامية، وأوضاع بئيسة مزرية، زلزلت الجزائر رأسا على عقب في عشرية تمزّق وشرخ وانشطار، ولّدت عنده مخزونا اكتنزه في ضميره قبل أن يكتنزه القوم في ضميرهم الجمعي، وهو ما حدا به أن يُخرِج إلى سماء الرواية الجزائرية المعاصرة نصّ:"الوليّ الطّاهر يعود إلى مقامه الزّكيّ"، ليَعبُر بواسطته إلى أفق أرحب وأسعد.

استطاعت رواية "الوليّ الطّاهر يعود إلى مقامه الزكيّ 1999م" أن تحقّق بصدق واقع الأزمة الجزائرية بعد الانتخابات البرلمانية 26ديسمبر 1991م، وتجسّد بحقّ ذلك الواقع المرير الذي مرّ به كلّ جزائري في سنوات الجمر الماضية، أين أضحى الموت والقهر والغدر عنوان الحياة في كلّ فجر جديد، حيث استيقظت الجزائر برمّتها على مسرحية الذبح التي أتقن أداءها أولئك الخارجون عن الدين والقانون، فانطلقت الرواية في سردها بظهور الولي الطاهر ضائعا في زمن ليس له دراية به، فتخيّل إليه قصور عديدة تشبه مقامه الزكي، وعلى الرّعم من أنّ ذاكرته لا تسعفه حتّى على تذكّر ما حفظه من القرآن الكريم لأداء مناسكه فإنّه يظلّ يستذكر ما مرّ به، فيتذكّر مقامه الزكي الذي أقام فيه منارا للعلم هروبا من الوباء الذي لحق بعباد الله المؤمنين بعد أن عمّت المعاصي والذنوب، وتحوّلت أحوال الرجال والنساء، وكثر الفسق والفجور فهرب المؤمنون بدينهم إلى ذلك المقام الزكي، ليجدوا أنفسهم في فتنة أخرى؛ هي فتنة تقديس الشاعر مالك بن نويرة الذي قتله خالد بن الوليد.

وفي هذه الأثناء ينقلنا وطار بفجأة إلى قضية أخرى ممثّلة في عبور المسلّحين الأودية لقتل أعداء الله، ودلّ وصفه إيّاهم أنّهم مجموعة إرهابية تتّخذ الجبال حصنا لها، تقتل الأبرياء وتحصد الأرواح، فنبرة القتل واضحة:"لا يجب أن ينجوَ أيّ شخص من القتل"، فلم يسلم من هؤلاء الإرهابيين من ينطق بالشهادة أو من استنجد بالدولة أو العسكر، بل حتّى تلك المرأة التي ترجّتهم أن يسمحوا لها بإرضاع ابنها لم تسلم.

هذه الرواية هي الرواية الرابعة لوطاّر التي يتناول فيها الإسلام السياسي، بعد رواياته "عرس بغل 1975م"، و"الموت والعشق في الزمن الحراشي1978م"، و"الشمعة والدهاليز1995م"، حيث تعكس كلّ رواية مرحلة معيّنة من مراحل تطوّر الظاهرة في الجزائر، أي من مرحلة الإعداد في السبعينيات التي برزت فيها تلك الصحوة الإسلامية بقوّة سياسية نشطة تعمل متخفّية وتعارض في الآن نفسه التوجّه الاشتراكي للرئيس الراحل هواري بومدين، وهو ما عبّرت عنه"الموت والعشق"، إلى مرحلة العلن أثناء حكم الشادلي، حيث أصبحت قوّة سياسية مهيمنة بخاصة بعد سنة 1988م، إلى المرحلة الأخيرة التي أعقبت الانتخابات البرلمانية 26 ديسمبر 1991م إذ أدّى إلغاؤها إلى حالة انسداد سياسي كليّ، وإلى المواجهة المسلّحة، وهو ما عبّرت عنه "الشمعة والدّهاليز" والرواية هذه"الولي الطاهر1999م".

تتقدّم رواية "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" متضمنة عددا من الصيغ التعبيرية، وأنماطا من الخطابات القائمة على أنقاض خطابات أخرى، لدرجة أنّنا نجد أنفسنا أمام نصّ تتعدّد فيه الأصوات وفصول الكلام، الشيء الذب يجعلنا ونحن نقرأ "الولي الطاهر" نقرأ "نصّا تاريخيا ونصوصا شعرية وأخرى قرآنية، ومستنسخات متنوّعة، وكأنّ فعل الكتابة يستعير باستمرار وجوده من أشكال سابقة".

السياق التاريخي: [من حيث الشخصيات].

لقد وظّف الطاهر وطار بعض الشخصيات الدينية والتاريخية، ومنها توظيفه لشخصية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إثر مقتل مالك بن نويرة، وقد أيّد الكاتب موقف عمر بن الخطاب حيث رأى وجوب القصاص على قاتله، وهو خالد بن الوليد رضي الله عنه. وبذلك يكون أيضا قد هذه الشخصية القائدة، جاء في الرواية:"بعضهم اهتمّ بخالد بن الوليد رضوان الله عليه، وراح يتساءل عمّا لو نُفّذ مطلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأُقيم الحدّ عليه، من يكون الظالم ومن يكون المظلوم"، ويقول:"قالوا: مهما كانت بطولة خالد فليس فيها فتوّة، لقد كان عسكريا، يتصرّف كما يتصرّف كلّ عسكري، لا يهمّه من أمر الحرب سوى كسبها....غير أنّ مالكا وينبغي التسليم في صدق مالك تصديقا لعمر بن الخطاب، يجب إضافته إلى مصاف من شرب كأس الفتوّة ولبس سراويلها"، فهو هنا يمرّر رسالة مفادها أنّه ينبغي على القائد تحرّي الحقيقة قبل أن يتّخذ أيّ قرار، قد يؤدّي إلى حدوث الفتنة. أيضا من الشخصيات الرئيسة في هذا العمل الروائي مالك بن نويرة الذي أسلم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ثمّ ارتدّ، حتّى إذا شهر له خالد بن الوليد سيفه أسلم، لكن السيف كان أسبق إليه، فقتل خالد بن الوليد مالكا، لنجد الرواية تركّز على صدق إسلام مالك بن نويرة، والحكم على أمر بن الوليد بأنّه تسرّع وكان يجب عليه التّريّث قبل أن يباشر فعلته.

لقد استعان الكاتب بجملة من الشخصيات والمواقف التاريخية العظيمة في تاريخنا المجيد ليشير إلى أنّ الفتن بين المسلمين كانت موجودة منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وأنّ العجلة والتّشرّع في اتّخاذ القرارات من شأنه أن يقيم الدنيا ولا يقعدها، لذا حريّ بالجميع اتّخاذ العفو والتسامح سجيّة وخصالا متلازمين.

الكاتب باعتباره ظاهرة تاريخية.

فالطاّهر وطاّر يقول عن نفسه:"أنا فخور بأنّني كاتب سياسي شبه متخصّص في حركة التّحرر العربية عامّة والجزائرية خاصّة".

اتّكأ الروائي الطاهر وطّار على حالة وَقَفَ أمامها خليفتان لا نقاش في نزاهتهما موقفيْن  متباينين؛ يقول:"هي حالة قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة، ففي حين طالب عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجم خالد، وهذا موقف مبدئي في منتهى الصّرامة والقسمة، قال أبو بكر رضي الله عنه: لقد اجتهد خالد... وخلاصته أنّه يشكّ في إصابته فله أجر واحد. والتراجيدي في مسألة مالك الشاعر الضريف الذي وهبه الله جمالا خارقا، ليست في موته، إنما في النذر العنيف الذي حقّقه خالد، وجعل رأس مالك هذا أثفية، تضع عليها أرملته أمّ متمِم القدْر".

إنّ الفنّان في الطاهر وطار يقرأ التاريخ ومضةً، بل حالة بالتعبير الصوفي، ولربّما لهذا السبب كانت الشخصية الرئيسة في الرواية صوفية تعيش حالات تتجسّد في حالة واحدة، وهو مشكل آخر سمح له باستعمال بناء لولبي، لذلك لم يضع نهاية؛ بل اقترح نهايات، واكتفى بخاتمة أسماها"هبوطا اضطراريا" وجعلها محطة"لإقلاع جديد"، كان يريد من الرواية قدر الإمكان الإجابة على أسئلة طرحتها "الشمعة والدهاليز"، وطرحا أصدقاؤه وخصومه حول موقفه من الأحداث المزلزلة للبلاد والعباد منذ انهيار الاتّحاد السوفياتي إلى اليوم، لذلك حيث جعل المتلقّي عنصرا فاعلا في العنوان كان له مقصده، إذ :"سيجد القارئ الذي ليس له ثقافة تراثية عموما نفسه مضطرا إلى مراجعة بعض المفردات والاصطلاحات، كما قد يجد صعوبة في العثور على رأس الخيط"، وعذره في ذلك أنّه لم يقدّم قصّة فقط، بل اجتهد أن يقدّم ملحمة، وأجدِر به اجتهادا. بدءاٌ من حركة المجدّد محمد بن عبد الوهاّب الذي عدّه وطار بداية حركة الإسلام السياسي في العصر الحديث التي اعتمدت فتاوى أئمّة السّلف[ابن حنبل، ابن تيمية] ، في محاربة البدع والخرافات،انتهاء بحرمة التّشدّد والتعصّب عند بعض المفكّرين في الحاضر، وقد أشار في ذلك إلى محالة اغتيال الروائي"نجيب محفوظ"، ويحاول من خلالها أن يستبطن بكلّ براعة نفسية القاتل،

تأتي مجازر أولاد علاّل والرايس وبن طلحة في سياق هذا المنطق الغريب الذي يبيح قتل الأبرياء دون تمييز، فيصوّر وطّار في صفحات عديدة مشاهد فظيعة لعمليات قتل غاية في البشاعة من حرق وقتل وتخريب، كأنّه كان يعيشها، أو كأنّه كان يصنع من نفسه صحفيا عاين الأمكنة وعاشها لحظة لحظة.

يستنطق وطّار التاريخ بين الفينة والأخرى، إذ يعود إليه في ذكره لحروب الرّدة في عهد أبي بكر رضي الله عنه، حيث يجعل من حادثة مقتل مالك بن نويرة الأسدي على يد خالد بن الوليد مبرّرا لمسألة التوفيق بين الدين السياسي في الإسلام، وهي تعدّ أوّل حالة قتل في الإسلام باسم الإسلام، لتفتح بابا كبيرا ومسألة عظيمة هي مسألة تكفير المسلم لأخيه المسلم، فيستبيح دمه، ثمّ يسوق وطّار رأي أبي بكر رضي الله عنه على أنّ خالدا رضي الله عنه قد اجتهد في حكمه، في حين خالفه عمر بن الخطاب ورأى أنّ خالدا قد أخطأ ويجب عليه الحدّ.

إنّ التاريخ هو الكفيل وحده بإعطاء النهايات، وبالإفصاح عن ثمرة هذا الصراع، مع أنّنا لا يمكن أن نناقش تنبّؤات وطّار.

يبدو لمتتبّع جماليات الطّاهر وطّار أنّه على تطوّرها من رواية لأخرى يشعر أنّ هناك خيطا رفيعا يجمع بين كلّ الأعمال... لقد نبّه في كثير من رواياته على المنظورات التاريخية لصراع القُوى التي تكوّن جسد المجتمع، ويبقى على هذا التاريخ أن يحدّد إلى أيّ مدى كانت نظراته صائبة أو غير صائبة؟.

السياق الثقافي:

ونعني به استعانة الكاتب بالنصوص الدينية، لاسيما أنّ الرواية تعالج منعرجا فكريا وعقديا خطيرا مرت بها الجزائر في سنواتها الأخيرة، لذا كان لابدّ من توظيف عدد من آيات القرآن الكريم، والتركيز على سور معيّنة، كما هو الشّأن في التّكرار الذي نلمحه في إعادة ذكره لسورة الأعلى في أكثر من موضع، وهو ما يخدم فكرة العودة؛ أي عودة الضمير الحيّ إلى رشده واليقظة من سباته الكبير الذي حلّ فيه، يقول في موضع آخر:"فقد يكون إذا القصر خدعة من الشيطان، ولربّما هو قصر وهمي، نبت في ظنه، فلا تعمى الأبصار إنما تعمى القلوب التي في الصدور"، وهو مأخوذ من قوله تعالى:" فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" ، وقوله في موضع آخر:"عندما يموت المرء فكأنّما مات الناس كلهم"، وهو ما توضحه الآية الكريمة:" مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " ، فالكاتب يريد تبيين عزّة النفس البشرية عند بارئها، فأين هذه العزّة ودماء المؤمنين في شبر من بلاد المسلمين. ومن جملة ما أورده الطاهر وطار في الرواية قوله:"انتشر وباء خطير يصيب المؤمن في قلبه فيضحي ودونما إعلان عن ذلك أو إحساس به، لا هو بالمسلم ولا هو بالكافر، قد يصلّي اليوم وقد لا يصلي غدا"، وهو ما نقرأه في حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام:"تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم يصبح فيها الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام دينهم بغرض من الدنيا". فالكاتب أراد أن يشير بذلك إلى أنّ سبب تلك الفتن والمحن التي مرّت بها الجزائر ترجع في الأساس إلى الابتعاد عن دين الله والتميّع وراء الآخرين وترك الشخصية الإسلامية، والجري وراء ملذّات الدنيا.

وعن مجموعة الأبيات الشعرية التي ضمّنها الطّاهر وطار في روايته فنجدها ذات وفرة، فهي بنيات نصية طارئة يستحضرها الروائي لإثراء فضاء الدّلالة النّصي، فمنه تشرف على المعاني المخبوءة التي يريد الكاتب تفجيرها، ولا يتحقق ذلك إلاّ عن قصد منه، لأنّه:"يهدف إلى خلخلة الأشكال التقليدية، والتراكيب القديمة"، ومنه ما نجده في قوله:

ليس الفتى كلّ التى عندنا       إلاّ الذي ينهى عن الفحشِ

يأتي إلى الإسلام من بابه        ويتبع الحقّ لا غـــــشّ

وهي أبيات سمعها الولي الطاهر عند امتطاء ظهر العضباء وطلبه منها الانطلاق نحو المقام الزكي، وكان الصوت الذي قرأ هذه الأبيات ينفذ من وسط المريدين والمريدات.

 

ومنه أيضا استشهاده بهذه الأبيات:

أنا حنين ومنزلي النجف         وما نديمي إلاّ الفتى القصف

أقرع بالكأس ثغر باطية            مترعة نارية وأغترف

وهي أبيات هتف بها المغني الذي كان يقيم العرس الذي حضره الولي الطاهر في القاهرة، بعد أن أُغمي عليه عند محاولاته ولوج المقام الزكي، الذي كان يمتلئ بالأهازيج والزغاريد، وبعد أن أقيمت زفة في كلّ طابق من طوابق المقام. الأبيات سمعها الولي الطاهر بعد دخوله في غيبوبة غامرة قادته إلى القاهرة التي قرّرت الاحتفال بذبح واحد من أبنائها.

إذا واصلنا استقراء الرواية من هذه الجوانب الثرية فإننّا سنلفي الطاهر وطار ينقلنا من خلال عوالم الاستشهادات الشرعرية إلى فضاءات لغوية فسيحة تعري جوانب مخفية من تاريخ الانسانية، وتكشف عن أخطاء هذا التاريخ، وعمّا اقترفه بعض رجاله الذي احتكموا إلى نوازغ ذاتية، في فصل بعض الأمور المتعلقة بحياة الأشخاص، تتقدّم هذه الاستشهادات كدلائل مؤكّدة لقيم تدافع عنها الرواية، تبرّرها وتبرزها مؤدّية بذلك مقصدية لا يكشفها إلاّ من يقرأ هذه الاستشهادات عن طريق ربطها بالسياقات التي وردت فيها.

السياق الدلالي والمعجمي:

إنّ ممّا يزيد النصّ تماسكا هو تعدّد الدلالات التي يرمي إليها وطّار، فالمتلقي حين يفتّش عن معاني قوله في مفتتح الفصل الأوّل من الرواية:"توقّفت العضباء فوق التّلة الرملية عند الزيتونة الفريدة في هذا الفيف كلّه قبالة المقام الزكي المنتصب هاهنالك على بعد ميل.. " ، فحين نمعن في المعاني نجد العضباء وحدة معجمية مؤنّثة، مشتقة من العضب أيّ البتر والقطع، كما تحمل دلالات خارج المعنى: الفساد والشتم، أو ناقة النّبي عليه الصلاة والسلام، وهي التي لا تيصلح أضحية للعيد، ممّا لا يسمح بإقصاء أيّة دلالة من هذه الدلالات، وهنا تبرز قيمة اللفظة في تماسك وحدات النّص، ومن"هنا فكلّ المعاني المذكورة تتماهى في وحدة دلالية جديدة، على القارئ أن يأخذها بكلّ حمولتها الدلالية"، وتجاوز ذلك يكون في مرتبة المحرّم الذي يدخل كلّ عمل سياسي بدونه- في نظر الروائي-  في حيّز البطلان واللاشرعية.

وحدة معجمية أخرى غير منغلقة الدلالة، هي "الفيف"، لأنّ معناها يدلّ على المفازة التي تخلو من الماء، والتي تتّسم بالسعة والاستواء، كما تدلّ على يوم من أيام العرب، إذا لها قاسم مشترك مع العضباء في تنوّع المقصدية، فمثلما تكون الضبابية في الفيافي أراد وطّار أن يصبغ عمله بشيء من الضبابية، أيّ "الجهل باعتباره عنصرا أساسيا من عناصر البناء الروائي"، يسير بنا الروائي بعدها إلى قوله مثلا:"رفع رأسه يطلب اتّجاه الشمس، واتّجاه القبلة بالتالي من خلال الظلّ، لكن الشمس كانت في منتصف السماء..." ،  فالشمس ذات إيحاءات دلالية تنمّ عن النور والعلم والمعرفة، وقد تفضي في مثل هذه النصوص إلى الاجتهاد في مسائل الدين، ممّا جعل الحركة الإسلامية الجزائرية تتخبّط في وهم الحياة ودهاليزها، أما استعماله للظلّ فيريد به استثمار العلم لتحقيق مآرب الحياة، بيد أنّ الولي الطّاهر لا يجد ملاذا يحتمي به من حرّ الشمس إلاّ ظلّ العضباء، فالجهل بأمور الدين هو الذي يبرّر سقوط الحركة الإسلامية في الفتنة وعدم التمييز بين الحقّ والباطل.

قضية أخرى غاية في الأهميّة، هي استعانته بالقرآن الكريم، فقد قرأ الولي الطاهر سورة الفاتحة وسورة الأعلى وتوقّف عند قوله تعالى:"سيذّكّر من يخشى ويتجنّبها الأشقى الذي يصلى النّار الكبرى ثمّ لا يموت فيها ولا يحيى" ، وفي الركعة الثانية قرأ قول الله تعالى من سورة الفرقان:"ألمْ تر إلى ربّك كيف مدّ الظّلّ ولو شاء لجعله ساكنا ثمّ جعلنا عليه الشّمس دليلا"، فالسورة الأولى تدلّ على الخلق والعلم والتيسير، ولكن الوليّ الطاهر يأخذ هذه الهبات الإلهية دون اتّخاذ أسبابها، أما اآية الأخرى من سورة الفرقان فتدلّ على طول النّظر والتّأمل في ملكوت الخالق والمصوِّر، ولعلّ في استعماله اسم السورة معنى خبيئا تعمّده الروائي لما تحمله دلالته المعجمية من الفيصل بين الحق والباطل من جهة، ولأنّ اسم السورة يذكّرنا باسمٍ يتّصف به أمير المؤمنين الخليفة الثاني عمر بن الخطاّب الفاروق، الذي أمر بإقامة الحدّ على القائد الإسلامي خالد بن الوليد بعد أن قتل مالك بن نويرة الذي نطق بالشهادتين، وهذا"الحكم يدعم بقوّة أسلوب  الطّاهر وطّار في هذه الرواية؛ إذ كلّ المدلولات الجزئية تتلاحم لتشكّل في آخر المطاف مدلولا واحدا، يمنع تعدّد القراءة التي يمكن فيها للقارئ أن ينتقي معنى واحدا يبني عليه حكمه". وما يمكن قوله في هذه الأثناء هو أنّ المكوّن الخطابي أُعدّ على وفق مسار تصويري معقّد يمازج بين مستويين متباعدين؛ هما: المستوى التاريخي الذي تضرب جذوره في الماضي، والمستوى الراهن الذي يصوّر قدرة قتالية هائلة ولكنّها لا تتناسب وطبيعة الأداء المرجوّ.

إنّ حديث وطّار عن مشروع "بلارة" الذي تريد تحقيقه مع الولي الطّاهر هو إنجاب ولد يكون كلّ الناس، وهؤلاء الناس يكونون أهل الحضارة والرقي والتقدّم، ووصفه إياها بالبياض واستدارة الوجه وكبر العينين، وحديثه عنها بقوله:"كانت شبه عارية طرحت جلبابها، ثمّ قميصا حريريا ورديا، ثمّ سروال جينز بعضه مبيضّ وبعضه يحتفظ بزرقته الدّكناء، وقذفت حذاءها ذي الكعب العالي، بعيدا عنها غبر مبالية بموقعه"، حمّال دلالات وأوجه، فقوله:"صار أبيض" يعني أنّه لم يكن أبيض، بل آل إلى ذلك اللون جرّاء عوامل خارجية أخرى، إنّه ببساطة تحوّل إلى هذا اللون لكثرة ما كانت ترتديه إلى أن أصبح مع مرور الأيام أصلا لحضارتها وعنوانا لهوّيّتها، أما الزرقة فهي اللون الأصلي، وبذلك يمكن الحكم أنّ البياض يرمز إلى الجزائر وهي بلارة البيضاء، وأنّ الزرقة هي حضارة البحر الأبيض المتوسّط، وبلارة حين ترتدي لباسها المزركش هذا تريد المزاوجة والجمع بين حضارتين مختلفتين أصبحتا فيما بعد جزءا لا يتجزّأ عنها، وبهذا فالعومال المشتركة بين الولي الطّاهر وبلارة هي البياض والسواد، اللذين يحيلان ثقافيا على مراجع محدّدة: "الجزائر البيضاء والعروبة والإسلام"، أمّا اللون الأزرق فيحيل على الحضارة الغربية بكلّ ما تحمله من تفتّح وعلمانية، وهو ما دعت إليه بلارة، غير أنّ الوليّ الطاهر وعلى الرغم من استحسانه لصفاتها الجميلة إلاّ أنّه يعدّها جنّية نارية لا دم فيها، وهو ما جاء في قوله:"هذا المقام لن يتطهّر إلاّ إذا تخلّص من هذه الجنية، نعم جنية، وإلاّ كيف تزعم الولاية، ثمّ تزعم النزول من السماء".

وبقي وطّار ينتقل بنا كعادته إلى صورة منشطرة غير أحادية عند حديثه عن رغبة بلاره في الولي الطّاهر، مع أنّع مجرّد بدوي راعي غنم، فتقول بلارة مجيبة عن هذا التساؤل:"للصفة التي تتمتّع بها، أنت قطب حقيقي من خلال مخّك وخلاياه"، ليحدّد هذا النّص علاقة السّكان الأصليين في الجزائر بالفاتحين العرب، فقد اختاروا الإسلام عن قناعة واختيار، وانصهروا فلم يعد هناك أمازيغي في مقابل ذلك العربي، ورمز بالمخّ وخلاياه إلى الإسلام الذي يوجب استعمال العلم والمعرفة، ولا يكتفي باللحية كما وُصف الولّي الطّاهر، إنّه الفكر النّير الذي يقدّم البدائل والحلول الناجعة، ومن هنا  كان وصف  بلاّرة يوحي إلى الجزائر، ولعلّ أدلّ معنى على جزائريتها وصفها بالفتنة الأمازيغية، حيث جاء في الرواية:"بلاّرة الفتنة الأمازيغية، لم تكن ساحرة، لا ولم تكن جنية من جنيات الفيف الخالي، ولا شيطانا رجيما"، إنّ "هذا التناقض الذي يسم العلاقة بين فكر الولي وفكر بلاّرة أدّى في آخر المطاف إلى القضاء على بلاّرة  كمشروع حضاري، كما أدّى إلى موت الولي الطّاهر ذاته لأنّه في آخر المطاف لا يمكن أن يحقّق حياة خاصّة به بعيدا عن بلاّرة"، يقول:"لاحقتني رصاصتان. من مسدّس تافه، فأردياني. أصابتني واحدة في القلب، وواحدة في الجبهة"، فالقلب متعلّق ببلاّرة،  أمّا الجبهة فهي مقامه الزّكي، أو بمعنى أدقّ هو الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إنّه بهذا يكون قد خسر كلّ شيء.

السياق الاجتماعي وسياق السلطة:

هناك روايات كثيرة كتبت في التّسعينيات ومطلع الأَلفية الثالثة عن محاولات فهم ملابسات ووقائع الأزمنة الجزائرية الرّاهنة بكافّة أشكالها وتداعياتها التي عصفت بالبلاد والعباد منذ أحداث أكتوبر 1988م، وقد حمّل الطّاهر وطّار رواياته المضامين الكبيرة التي ينوء جسم الرواية عن حملها.

إنّ السلطة السياسية التي وأدت الحداثة الاجتماعية، واكتفت بقشور استهلاكية لا أكثر هو الذي جعل من السلطة موضوعا مهيمنا في الرواية العربية، كما لو كانت تكتب في تاريخ السلطة المخفقة تاريخا ذاتيا بدأ بحكاية "الصبي الواعد" في زمن هيكل والحكيم، وانتهى بالرواية الجديدة التي تنذر بالكارثة، ليُبعث من جديد في روايات الطّاهر وطّار الأخيرة، وما كتاباته إلاّ آية شاهدة على:"التاريخ الآخر" الذي تبتغيه الرواية ويتحاشاه المؤرّخون، فقد "اشتقّ المؤرّخ المستقبل من المستقبل أو من حاضر لم يأت... وتطوّرت الرواية وهي ترصد التداعي المتّسع الذي سكت عنه المؤرّخ"، وإذا كانت رواية "الولي الطّاهر يعود إلى مقامه الزكي" للطاهر وطار تناولت أحداث العنف السياسي فلا غرو حينئد أن تُعدّ بمثابة شهادة تخييلية عن وطن ينهار، وعن تاريخ من الأسئلة التي شغلت البشرية منذ عهد الخلافة الإسلامية،  والطّاهر وطاّر يقدّم في جلّ أعماله البطل بطلا جزائريا كادحا يعاني قسوة ظروف محيطه وتسلّط طبقي قاس.

إنّ العمل الأدبي ليس مجرّد انعكاس لواقع ولوعي جماعي فعلي؛ ولكنّه يعكس الذّروة من وعي مجموعة محدّدة، وفي أقسى درجات تماسكه .

وإنّ العلاقة بين الإيديولوجيا الجماعية والإبداعات الفردية العظيمة: الأدبية والفلفية والنظرية لا تكمن في تطابق مضمونها، وإنّما تكمن في الدرجة المتقدّمة جدّا من التماسك.

ولهذا فأعمال الطّاهر وطّار التي تصوّر الانتصار كانت تحاول عبثا أن تخبّئ إمكانات الإخفاق في السياق الاجتماعي الذي تغيّمت الرؤية التي من المفترض أن تقوده، حتّى عندما طرح وطّار علاقة السياسي والرواية والإيديولوجيا، والفنّ والكتابة والتّحزّب، الطّبقات والإبداع كان يبحث على صعيد الممارسة الإبداعية عن مخرج للأسئلة المعلّقة التي لم يجد حلّها ضمن السياق الثّقافي العامّ الميّال باتّجاه السّهولة والحلول الجاهزة، وأدبه يبقى دوما يحمل في أحشائه حلما جماعيا بالتّغيير، ويستبطن في ثناياه إرادة جماعية في التّقدّم، وإيقاظ الضمير الجماعي على إحدى مناطق التّعاسة البشرية.

 

وظيفة المتلقّي عند الطاهر وطار وعلاقته به:

يريد الطاهر وطار أن يذكّر القارئ بانتمائه الإيديولوجي القديم الذي عرف به أكثر من خمس وعشرين سنة، حيث أهدى كتابه لعملاقين من عمالقة النضال الفكري، أو ما يعرف بالتيار اليساري، هما: حسين مروة، ومحمود أمين العالم. ينظر الإهداء في مستهل الرواية.

إنّ "هناك ما يشبه حلبة الصراع بين المبدع والمتلقّي في لعبة الخيال، فإذا مُنح المتلقّي القصّة كلّها ولم يترك له المبدع ما يفعله فإنّ خياله لن يدخل منطقة الصراع نهائيا، وستكون النتيجة المنطقية السؤم، وذلك عندما تُمنح الأشياء جاهزة"، من أجل هذا يجب أن يقدّم العمل الأدبي بالطريقة التي تحرّك خيال القارئ بهدف أن يفهم الأشياء بنفسه، وهناك ستكون عملية القراءة ممتعة، وقد استطاع الطاهر وطار بفضل عبقريته الفذّة أن يقطع شوطا كبيرا بإضفائه هذه المسحة الخيالية، ولعبة المعارف الكثيرة التي ضمّنها روايته، وتلك الأحداث التي يختزنها ويختزلها، ليقدّمها بطريقة تجعل القارئ يبحث دوما عن فكّ شفراتها، فإذا رمنا البحث عن هذه المحرّكات التي تحفّز القارئ المضيّ قُدما وجدنا أنفسنا أمام جملة من التعبيرات في هذا النّص الروائي.

وعلى كلٍّ، فالتّلقّي يسعى دوما إلى إبراز الدّور المنوط بالقارئ أو السامع أو المشاهد أو المتلقّي –أيّا كان نوعه- في التعامل مع النّصوص على تعدّد أجناسها، لاسيما ما تعلّق بالرواية المعاصرة، إذ ما يزال يحفّها كثير من الإبهام، وما تزال في أمسّ الحاجة إلى بعثها وإظهار مكنوناتها، فلم يعد المتلقّي ذلك القارئ البسيط الذي تُلقي عليه النّصوص بظلالها دون أدنى اعتبار مثلا، بل أصبح أداة النّص وشريكا في إبداعه، وفاعلا في حياته أو مصيره.

المتلقّي في العملية الإبداعية عليه أن يتقبّل دورا أكثر عناء وإيجابية، فيدرك أنّ فهمه وتفسيره للتجربة الفنية يعتمد إلى حدّ كبير على كفاءته الثقافية والفنية وتمرّسه بالفنون وقدرته على إنشاء المعنى من خلال مشاركته في ملء فراغات النص وتحليل وتفسير وتفكيك الرسالة الموجّهة إليه، فالقارئ في الرواية عليه أن يعيَ جيّدا لماذا غيّر وطّار من صيغة الدّعاء فيما بعد في روايته الأخيرة"الولي الطّاهر يرفع يديه بالدّعاء"، إذ عوّدنا في الرواية الأولى على قوله:"يا خافي الألطاف نجّنا ممّا نخاف"، في حين نجده في الأخرى يردّد:"يا خافي الألطاف سلّط علينا مانخاف"، وهكذا فالقراءة عند الباحثين المعاصرين ذلك الفعل البسيط الذي يمر به البصر على السطور، وليست هي التي نكتفي فيها بتلقّي الخطاب تلقّيا سلبيا، اعتقادا منّا أنّ معنى النّص قد صيغ نهائيا وحُدّد فلم يبق إلاّ العثور عليه كما هو، أو كما كان عليه في ذهن الكاتب.

إنّ القراءة عندهم أشبه بفعل خلاّق يضمّ الرّمز إلى الرّمز، والعلامة إلى العلامة، ويسير في دروب ملتوية جدّا من الدلالات، نصادفها حينا ونتوهّمها حينا آخر،

 إنّ القارئ وهو يقرأ يخترع ويجاوز ذاته نفسها مثلما يجاوز المكتوب أمامه، إنّنا في القراءة نصبّ ذاتنا على النّص، ويصبّ النّص علينا ذواتا كثيرة، فيرتدّ إلينا كلّ شيء فيما يشبه الحدس والفهم.

لقد لجأت الروايات الجزائرية الجديدة إلى تنويع خطابها السردي فــ:"خفّ وطء التقريرية المباشرة، وتراجع المرجع السياسي البسيط، ليفسح المجال لرؤية فنية مغايرة، تحاول استعمال الرمز واللغة والشخصيات... والنموذج التراثي العربي...بحثا عن شكل روائي جديد"، وهو ما نلمحه في أعمال وطاّر الأخيرة، فما يفتأ يركز على حضور مرجعيات سياسية متنوعة، فبعدما هيمنت الرؤى الإيديولوجية الماركسية والوطنية المحافظة، ها قد وجدت في روايات الجزائريين في فترة الثمانينيات وما تلاها من أحداث روايات تدعو إلى البعث والإيمان بالقيم والديمقراطية والحداثة، ولئن لاحظ بعض الباحثين تلك السطحية التي تجعل عملية التلقي غير فنية، إذ لا يسهم القارئ في تأويل النصوص، إنما يكون بمثابة القارئ الأصمّ الأبكم، فإنّ الروايات الأخيرة كانت تنحى منحى مغايرا، بإشراكها القارئ وإعطائه فرصةً للإبداع، حتى لكأنّه كاتب ثان للنصّ، وكلّ قراءة هي كتابة ثانية للنصّ، لاسيما إذا كانت متعلقة بالسياسة التي هي جزء من الواقع السياسي الجزائري، لأنّها:"انخرطت فيه وحاولت الإسهام في إثرائه بطروحاتها السياسية والفنية إذ هي جزء من الطرح السياسي الوطني الذي يطرحه المثقّفون"، وعندئذ تكون النتيجة لامحالة أنّه عند تحليل مثل هذه الأعمال الروائية يتّضح تخفّي التاريخ فيه ويبقى في الآن ذاته يحاورنا بطرق مباشرة حينا، وبطرق رمزية غير مباشرة أحيانا أخرى. 

ليس من السهل بمكان أن نتناول في هذا البحث الموجز تفاصيل الرواية بكلّ دقائقها، وما نكتفي بالتّذكير به هو الإشارة إلى الفتنة التي حدثت في المقام بين مريدي الوليّ الطّاهر من الذكور حيث ادّعى كلٌّ منهم أنه مالك بن نويرة، ومن الإناث اللائي ادّعت كلّ منهنّ أنها أمّ متمم زوجة بن نويرة، وكان سبب هذه الفتنة "بلارة" التي يسمّيها المؤلّف "الفتنة الأمازيغية"، وهي ترمز إلى الجزائر، هذه الفتنة التي لم ينج منه الولي الطاّهر، إذ أغوته بسحر جمالها الفاتن، فعرضت عليه فكرة الحلول والاتّحاد بالمعنى الروحي أو الصّوفي، وبالمعنى الجسدي لتحقّق نسلا جديدا يجسّد كلّ الناس، ولكن الولي تجاهل تلك التحذيرات المكرّرة له:"أحذّرك يا مولاي من سفك دمي، ستلحقك بلوى حزّ الرؤوس، وخنق الأطفال والعجائز والعجزة وحرق الأحياء"، ومنذ اللحظة التي امتدّت فيها يداه لينتزع منها أقراطها، وينتزع معهما قطعا من لحم أذنيها، دخل الولي في غيبوبة لم يصحُ منها إلى بعد مخاض عسير، شاهد ما حذّرته منه بلارة، وحين استفاق وجد بلارة بجانبه قد إلى أتان مبتورة أطراف الأذنين، ومن هنا جاءت تسميتها بالعضباء، ليتّخذها مطيته من مكان إلى آخر.

لا تثريب إذا قلنا إنّ الكاتب سعى جاهدا إلى ربط علاقة ما بين الإسلام السياسي في الجزائر والدّعوة البربرية ممثّلة في شخصية "بلارة"، وما ينبغي التنبيه إليه أنّ أمرا كهذا ليس من المقدور دون بذل جهد كبير، بل تحتاج إلى طول دربة وكثير تأمّل وإمعان نظر، وحتّى يتسنّى معرفة ما تخبّئه النصوص علينا أن نقرأ وطاّر بدءا من كتاباته الأولى، لا أن نجتزئ هذه الرواية ونحدث لها قطيعة ابستيمولوجية، كيف لا ونحن حين نقرأ "الشمعة والدهاليز" نجد تلك الإشارة إلى مقتل "مالك بن نويرة"، ثمّ إنّنا نجد أنفسنا مضطرين إلى الموازنة بين شخصيات"اللاز"و"العشق والموت في الزمن الحراشي" التي تتحوّل أيضا إلى وليّ صالح، بشخصية علي الحوّات في "الحوات والقصر"، وشخصية"الحاج كيان" في"عرس بغل"، مع شخصية الولي الطاهر في هذه الرواية، على مستويات عديدة؛ لغوية وأسلوبية ورمزية، مع العناية:"على وجه الخصوص باستعمال الخطاب الديني في العمل الفنّي"، وعليه فمثل هذه الدراسات تمكّن من معرفة أعمال الروائي بشكل دقيق، وتذوّقها على وجهها الصحيح.

إنّها محاولة للتوفيق بين ما يروّج له "رولان بارث" من موت المؤلّف وحصر العمل الأدبي بين النصّ والمتلقّي، وبين اعتماد السياق باعتباره أحد أركان العمل الرّئيسة، كالحديث عن الزمان والمكان، وهو ما يركّز عليه وطار بسبب الذاكرة الجماعية للجزائريين الذي عانوا الكثير من فقدان المكان حتّى:"غدا الاشتياق إلى المكان الضائع ملمحا من ملامح شخصيتنا".

 

 مقاربة في العنوان وبعض الفصول:

يذكّرنا عنوان الرواية بفكرة العودة في مجموعته القصصية الموسومة:"الشهداء يعودون هذا الأسبوع" التي صدرت سنة 1974م، كما يحيلنا على أجواء الأولياء وعوالم الصوفية.

هناك قاسم مشترك في دلالة العودة بين هذين العملين حيث تتّخذ هذه العودة معنى رمزيا عن العودة إلى الأصل أو المنطلق الأوّل، أي المبادئ والقيم التي قامت عليها ثورة التحرير في مجموعة" الشهداء يعودون هذا الأسبوع "، أو القيم الروحية الصافية الإسلام في عهده الأوّل كما هو الحال في رواية"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"، ومن هنا تأتي العودة في كلا العملين معنى الملجأ أو الملازم الذي يحتمي به الانسان حيث تختلط الأمور وتكثر الخرافات وتغيب الحقيقة، أو يدنّس المقدّس .

إنّ فكرة العودة هي حالة الحلم من جديد، وذلك بنقد الذات وتجاوز أخطاء الماضي كالحديث عن الحركة السلفية التي ترى أن ضعف المسلمين اليوم يعود إلى الابتعاد عن نبع الإسلام الصافي في عهده الأوّل، وأنّهم لن ينهضوا إلاّ به، ورجاؤنا بهذا التحديد أن نكون قد وضعنا أيدينا على بعض المفاتيح الرّئيسة لفهم هذا العمل، ومقاربات تأويله سواء من الناحية الفكرية أو الفنيّة.

الرواية تتناول أحداث العنف السياسي التي عاشته الجزائر طوال السنوات الأخيرة، حتّى إنّنا نجد إشارات عن بعض المفاوضات التي جرت بين الجيش الوطني الشعبي والجيش الإسلامي للإنقاذ، بيد أنّ الذي يثير الانتباه أنّ الرواية لم تقف عند هذا الحدّ من وصف الجزائر بمعزل عن البقية؛ وإنّما نجده يعنى كما جاء في قوله:"بحركة النهضة الإسلامية بكلّ تجاويفها، وبكلّ اتّجاهاتها وأساليبها أيضا". ويحيلنا الولي الطاهر في نهاية الرواية بعد فكّ شفرته إلى عودة الضمير الجماعي، و"المقام الزكي" إلى طهارة الوطن بدماء الشهداء الزكية، و"الرايس حميدو" إلى الجريمة المنظمة، و"القصور الخاوية" إلى غياب المشروع الثقافي الأصيل، و"بلارة" إلى جميل تراثنا من عادات وتقاليد.

 تقفّينا في عجالة الأحداث التي أخرجت النّص إلى الوجود ووجدنا أنفسنا مضطرّين اضطرارا إلى استنطاق السياسة والثقافة والتاريخ والسّعي وراء الإسقاطات، والتّنقّل عبر مختلف المسارات، وفكّ ما أُشكِل. فالطّاهر وطار نفسه يعترف بذلك التّمزّق والانشطار إلى نصفين؛ نصف ممتلئ بالحديث عن مقوّمات العروبة والإسلام والانتماء والتاريخ [القرآن الكريم، الحديث النبوي الشريف، ابن العربي، المتنبي، الجاحظ، امرؤ القيس، الشنفرى، زهير... محمد بن عبد الوهاب، محمد عبده، والأفغاني] (ص 49 من الرواية)، ونصف آخر ممتلئ بالسياسة والفكر والثقافة والوعي [ماركس وإنجلز، ولينين وسارتر وهيجل].

وقد رأينا سياق الثقافة والتاريخ والفكر ومكنوناته وعبق الماضي التليد، يشغل مساحة واسعة في هذه الرواية المذكورة، وأكثر هيمنة وتحريكا للنصّ والخطاب، وأوثق صلة بهاجس الموضوع السياسي الذي لم يحد عنه قيد أنملة في أغلب أعماله لذلك عمدنا إلى استظهار هذه القضيّة في موضوع بحث موسوم:" أثر السياق والمتلقّي في تماسك النصّ الروائي عند الطاهر وطاّر، رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي نموذجا". من منطلق أنّ السياق قد نال حظوة كبيرة لدى المدارس اللسانية الحديثة وأضحى بعد فترة يسيرة حجر الزاوية في علم المعنى ومحور اهتمام اللسانيين قاطبة، بلْهَ أضحى نظرية مستقلّة تفرد لها الدراسات والبحوث، إذ لا يطفو في الشعور من المعاني المختلفة التي تدلّ عليها إحدى الكلمات أو كلّها إلاّ المعنى الذي يعنيه سياق النص، ولئن كان للسياق دوره البارز في تحديد المعنى فإنّه لا شكّ يؤدّي الدّور نفسه في تماسكه، ومردّ ذلك أنّ اللغة وليدة المجتمع، أو الاحتكاك في هذا المجتمع، وبالتالي فإنتاج النص منوط بالمجتمع إن لم يكن هو الذي أفرز هذا النص، وإذا حاولنا استنطاق السياق فإننا لا نفتأ نجده يستعين بمحاور كثيرة منها سياق الحال، والسياق الثقافي والسياق الاجتماعي، أضف إلى ذلك تلك الأركان المهمّة في التحليل النصي كالزمان والمكان ونوع النص وتغيّر الأحداث، ممّا يفرض تدخّل المتلقّي الذي يُعدّ شريكا للمؤلّف، باعتباره مستهلكا للنصّ ومفسّرا له في الآن نفسه. وأَجْدِر به أن يكون هذا المتلقّي هو القراءة الثانية للنصّ، من منطلق أنّ النصّ حوار قائم بين قائله والنص في حدّ ذاته وقارئه أو متلقّيه. ولا عجب حينئذ أن تكون الرواية أقرب الأجناس الأدبية التصاقا بهذه القضايا اللسانية، إن لم نبالغ في ادّعائنا أنها أصلح المجالات لمثل هذه الدراسات اللسانية.

 

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم.

المصدر المعتمد:

 وطار، الطاهر: الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، (رواية)- موفم للنشر- الجزائر- دط- 2004م.

 مراجع البحث:

1-     بوسيس، وسيلة: بين المنظور والمنثور في شعرية الرواية، دراسة-الجزائر- منشورات اتّحاد الكتاب الجزائريين- ط01- 1999م- ص 147.

2-    خديش، صالح: سيميائية الملفوظ في رواية"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"- كتاب الملتقى الرابع عبد الحميد بن هدوقة، بحوث وأعمال- وزارة الاتصال والثقافة- مديرية الثقافة لولاية برج بوعريرج- ط01- 2001م.

3-    دراج، فيصل: الرواية والتاريخ، نظرية الرواية والرواية العربية- الدار البيضاء، المغرب- المركز الثقافي العربي، بيروت- ط01- 2004م- ص 115.

4-    سامي، اسماعيل: جماليات التلقي، دراسة في نظرية التلقي عند هانز روبرت ياوس وفولفجانج إيزر- القاهرة- المجلس الأعلى للثقافة- ط01- 2002م.

5-    سنقوقة، علال: إشكالية السلطة في الرواية العربية الجزائرية- مخطوط رسالة ماجستير- جامعة الجزائر- 1997م.

6-    غلاب، جمال: مقاربات في جماليات النص الجزائري،دراسات- منشورات اتّحاد الكتّاب الجزائريين-الجزائر- ط01- 2002م.

7-    غالي، شكري: الرواية العربية في رحلة العذاب- القاهرة- عالم الكتب- ط01- 1971م.

8-    قلولي، بن ساعد: مقالات في حداثة النّص الجزائري- الجزائر- منشورات اتّحاد الكتّاب الجزائريين- ط01- 2005م.

9-    لوسيان، جولدمان:مقدّمة إلى مشكلات علم اجتماع الرواية- ترجمة: خيري دومة- مجلة فصول، مجلة النقد الأدبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب- المجلد12- العدد 02- 1993م.

10- المباركفوري، أبو العلاء: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي- دار الفكر- دط- دت- ج06.

11- منور، أحمد: ملامح أدبية، دراسات في الرواية الجزائرية- دار الساحل- دط- 2008م.

12- الواد، حسين: من قراءة النّشأة إلى قراءة التّأويل- مجلّة فصول، مجلّة النقد الأدبي، الهيئة المصرية العامة للكتّاب- المجلّد 05- العدد01- 1984م.

13-واسيني لعرج: الطّاهر وطّار، تجربة الكتابة الواقعية، دراسة نقدية- الجزائر- المؤسسة الوطنية للكتاب- دط- 1989م.

 

تحميل المقال

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11