FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides
  • 30 ieme ukmo
  • Ramadhan karim

    بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، يتقدم رئيس جامعة قاصدي مرباح ورقلة  لكافة الأسرة الجامعية  بأبلغ التهاني الودية و أصدق الأماني داعياً المولى عز و جل أن يعيد هذه المناسبة الكريمة علينا وعليكم بموفور الصحة و مزيد من الإيمان.

    Ferienhaus Ostsee

 

دور نحويّة الكلمة في تبليغ رسالة النّص


 أ/ الخثـير داودي

جامعة تيارت (الجزائر)

 

إن الكلمة هي لبنة النّص الأولى التي يتم الانطلاق منها، كما أن الحروف المبنوية هي اللبنات الأولى للكلمات، وكما أنّ الأصوات هي المنطلقات الأولى للحروف ذريّة بعضها من بعض، ولا يستغني أحدها عن الأخر بتاتا، والحديث هنا سيكون عن الكلمة التي لا تظهر وظيفتها النحوية إلا في التركيب، ولا أقصد بنحوية الكلمة أن تكون مرفوعة في مواطن الرفع، وأن تكون منصوبة إذا سبقها ناصب، وأن تكون مجزومة في مواضع الجزم إلى غير ذلك، فهذا أمر متفق عليه، وإنما المقصود بنحوية الكلمة هنا إذا أضيفت لأختها وقرّت موضعها اللائق بها معنىً من خلال إحداث التواصل اللغوي بين المرسل والمرسل إليه، ومبنىً من خلال إحداث التماسك بين الجمل والتراكيب والأساليب من دون إقحام ولا تعسّف، حتى تكون كأنها قطعة قمر ليلة أربعة عشر تنير ما حولها، وبهجة لكل ناظر، لأن في ضمّ الكلمات ونظمها على تباعد مواقعها يزيدها صبابة لموقعها الجديد وتكون العلاقة بينها وبين مجاوراتها أحكم، ومتى تحصل على هذه المكانة حدث التواصل والتفاعل، ولقد كان ابن هشام الأنصاري ذا التفاتة بارعة عندما أعطى لها مفهوما فضفاضا فقال:« تطلق الكلمة في اللغة على الجمل المفيدة، كقوله تعالى:"كلاّ إنها كلمة هو قائلها"{المؤمنون، 100} إشارة على قوله:"ربّ ارجعون. لعلّي أعمل صالحا فيما تركت"{المؤمنون، من99 إلى100} وفي الاصطلاح على القول المفرد.»(1) والذي نبحث فيه هنا هو كيف تحصل إمامة الكلمة في النص الطويل؟ لا البحث فيها كمفردة واحدة، فابن مالك لم يقل اعتباطا "وكلمة بها كلام قد يؤم"، « يعني أن لفظ الكلمة قد يطلق ويقصد بها المعنى الذي يدل عليه الكلام، ومثال ذلك من أنهم قالوا "كلمة الإخلاص" وقالوا "كلمة التوحيد" وأرادوا بهذين قولنا:"لا إله إلا الله" وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: "أفضل كلمة قالها شاعر كلمة لبيد" وهو يريد قصيدة لبيد بن ربيعة العامري التي أولها:

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلُ *** وكل نعيم لا محالة زائلُ »(2)

انظر كم اتسع مفهوم الكلمة على المجاز! وتجاوز لمعناها الاصطلاحي، ؟ ثم إنّ هذا البيت هو نقطة الارتكاز المحوري الذي تدور حوله القصيدة التي رثى بها النعمان بن المنذر ملك العرب آنذاك، ويلي بعد هذا البيت، هذان البيتان الحكيمان الذي يظهر منهما أنه يخاطب فيهما نفسه المتقلقلة بحزن كامد في أحشائه بحقيقة الحياة التي يعقبها الموت يقول فيهما:   

وكلُّ أناسٍ سوف تدخلُ بينهم *** دويهيَّةٌ تصفرّ منها الأناملُ

وكلُّ امرئٍ يوماً سيعلمُ سعيَه *** إذا كُشِّفَتْ عند الإله المحاصلُ

ويختمها بوقفة تأملية فلسفية زارية لصغر الحياة، وسرعة اضمحلال نعيمها بعدما يطّوف في ذكر خرزات الملك وكل ما يتعلق به من فاخرات المتاع، يقول:

 

  وأمسى كأحلام النيّام نعيمُهم  ***  وأيُّ نعيم خلتُه لا يزايِلُ

  تردُّ عليهم ليلةُ أهلكتهمُ  ***  وعامٌ، وعامٌ يتبعُ العامَ قابلُ

فالشاهد من هذا العرض أنه قد تحصل السيادة للكلمة في النص الطويل، وهذه الكلمة قد تكون جملة، وقد تكون عبارة، وقد تكون فقرة، وقد تكون بيتا، كالذي حصل في قصيدة "لبيد" وهو الذي يسميه الدكتور حماسة بـ"المرتكز الضوئي"يقول:«  إن كل قصيدة مثلا-شأنها في ذلك شأن كل عمل أدبي-مكونة من عدد من الجمل بطبيعة الحال، وكل جملة منها مصوغة وفقا لقوانين المعنى النحوي الدلالي في الاختيار والتفاعل بين المفردات ووظائفها النحوية. هذه المجموعة من الجمل فيها ما يمكن أن نسميه "مرتكزا ضوئيا" قد يكون واحدا أو أكثر، ويمكن تسليط هذا المرتكز الضوئي على الجمل في القصيدة فتنيرها وتكشفها. هذا المرتكز الضوئي قد اختيرت عفويا كلماته بدقة وأحكمت علاقاته النحوية بعناية فاستحق بذلك لأن يكون مفتاحا للقصيدة يفتح الباب التركيبي للدخول في عالمها الرحيب.»(3) ويكون ناجحا تطبيق هذا المصطلح على القصائد المخلصة التي نبعت من نفثة المصدور، أو زفرة المهموم، أو صيحة المهزوم، أو لوعة المغروم، وخاصة من الجاهليات المعتّقات التي كلما مرّ عليها كرّ الدهر لم تظهر عليها علامات الفقر، بل تزيد كلما زاد عليها طور السنين سطوعا كالغرّة المحجّلة في جبين الفرس، لا لشيء إلا لنحوية مفرداتها الماسكة بتراكيبها، ولنحوية معانيها الماكنة في كلماتها وسياقها، وقائلها قد يكون  أعرابي معتّق العروبة كان يستبكيه الربع، وهو يعيش حضورا دائما عبر طيات التاريخ الذي يميد بذكر شعره طربا، كيف يستطيع هذا الأعرابي وقد يكون صعلوكا لا شأن له ولا معنى آنذاك سوى الإغارة على قوافل العرب، أن يسجل أدبه بقوة على صفحة التاريخ ولو بنزر قليل من الشعر؟ الجواب هو:أن السرّ في "نحوية كلمته" المركوزة في طبعه، وهي على طرف لسانه أحدّ من ضربة السيف، وأنفذ من طعنة الرّمح.

وفقه المخالفة لهذا، أنّ نجد كبار الأدباء في عصرنا المكثرين في إنتاجهم، والمبدعين في أفكارهم، يعيشون غربةً معرقة في النسيان في الساحات العلمية فلا صيت لهم، ولا هم يعرفون، على الرّغم أنهم يعيشون في عصر أحدث التواصلات، ويملكون أثقل الشهادات، هذا ما يثير سؤالا محيّرا! بمعنى هل توجد في العربية كلمة مسنّة قد تجاوزها الزمن؟ الجواب هو أنّ طريقة استعمالها وتركيبها يجعلها عجوز على حدّ تعبير امرئ القيس: "مكروهة للثم والتقبيل"، وبالتالي تُقطع صلة الرّحم بين الكاتب والقارئ،  لأن الكاتب« معلّقٌ بقارئه، فإذا أغفل أن يجعل قرّاءه على بيّنة من طريقه، كان خليقا أن يصبح فيجد بينه وبينهم سدّا مضروبا، يعوقهم عن إدراك حقيقة ما يقول، أو يتركهم في اختلاف يقطعهم عن النفاذ عن الغاية التي من أجلها يكتب ما يكتب. وكم من كاتب في هذه الأرض، على اختلاف ألسنة أهلها، قضى عمره يستصفي للناس عصارة تجاربه في كلمات، ثم خرج من الدنيا وكأنه لم يقل شيئا. ثم يأتي على الناس زمان، فيجدونه قد أبرأ ذمته، وأدى للناس أقصى حقّهم عليه، ولكنهم ذهلوا عنه، لعلّة قائمة في بيانه عن نفسه، أو لعلّة قائمة في أنفسهم، حالت بينهم وبين بذل الجهد في متابعته، وفي تقصّي الوجوه التي يحتملها كلامه، فلم يأخذوا عنه إلا أهون ما يقول، وأقرب ما يريد.»(4)        

وذلك أن معانيه دعيّة في تراكيبها لا نبض فيها ولا خفق، ولارعد فيها ولا برق، وهكذا يضيع عمر الكاتب سدى في دوّامة من الوهم بسبب الكلمة التي تسيء إلى الفهم، وبهذا يضيق صدر القارئ من ضنك النصوص التي ذبحت مبانيها، وسلخت معانيها.

إن في طاقة الكلمة المختارة من منظور نحويّ موفّقٍ أن تحمل رسالة نصّ كامل من دون جمجمة ولا بخس، إذا نحن أغمضنا في أسرارها المطموسة في سطحها، ودفائنها المغروزة في عمقها، ويكون أثرها فاعلا في فتح  الآذان الصمّ والعيون العميّ والقلوب التي أصابها داء الرّان، وما جدوى الكلمة لولا معناها الذي نبحث عنه في عباراتها وسياقها لأن « المعنى هو همّ "المتكلم" حين يعمد إلى العبارة عن ذات نفسه، جاهدا أن ينفي عن مراده اللبس، وهو همّ "السّامع" حين يجهد في الفهم عن المتكلم واستبانة مقاصده، من غير أن يجعل لعوارض اللبس والغموض سلطانا على معقوله، وهو همّ "النحوي" أو "اللغوي" في جهده الناصب وراء الربط بين "المباني" و"المعاني" وبين "الشكل" و"الوظيفة".»(5)  ومن لم يسحضر "همّ الفهم والإفهام" فإنه يحرم  قارئه من معرفة الحقائق إذا كان كاتبا، ويحرم سامعه إذا كان متكلّما، ويحرم نفسه إذا كان سامعا، وربّ كلمة أصابت موقعها أثّلت لمجد كاد أن يضيع، أو غيّرت منحنى إنسان كان يتخبّط في ظلمات أدغال الفكر الدخيل، أو أزاحت همّا متراكما جاثما على قلوب أبرياء لا يستطيعون الإبانة، والأمثلة في تراثنا العربي أكثر من أن تحصى.

وسأضرب مثالا واحدا هنا، على دور نحوية الكلمة في تبليغ رسالة النّص، أبيات معربلة على مارج الهمّ والإباء، جاشت بها  قريحة سُلْمِيّ بن ربيعة الضبي بن زبّان الضبيّ وهو من العهد الجاهلي، وهي أبيات لو عرضناها على طلابنا اليوم –إذا لم أقل أساتذة- في قسم اللغة والأدب العربي، لاستوحشوا منها وظنوا أنهم أمام متن جبري رياضي خلوا من كل المعاني، ولن أكون أنا متواضعا تواضعا باردا إذا قلت لولا تحليل أبي فهر رحمه الله لها لما انتشيت بخمر بيانها المستودع في حسن اختيار كلماتها، يقول سلميّ:            

إنّ شـواءً ونشـــــــــــــــــــــوةً *** وخببَ البازل الأمـــــــــــــــــونِ

يُجْشِمُهَا المرءُ في الهوى *** مسافةَ الغائط الـــبــــــطـــــيـــنِ

والبِيْضَ يرْفلْنَ كالدُّمـــــــــَى*** في الرَّيطِ والمذهب المصــونِ

والكُثْرَ، والخَفْضَ آمنًــــــــــا*** وشِــــرْعَ الــمـزهْـــرِ الــحـَنُــــونِ

من لذّة العيش، والفتــــــــــى*** للــدَّهْــر، والــدّهــرُ ذو فـنـونِ

واليُسـْرُ للعسـر، والغِنــــــــىَ*** للـــفــــَقْـرِ، والحَــــيُّ للـــمنـونِ

أهـلـكـن طـسـمـا وبــعـــــــــده*** غَـــذيَّ بـــَهْــــمٍ وذا جَــــــــــدُونِ

وأهـل جَـــــــاشَ ومَــــــــــأْربٍ*** وحـــــيَّ لــقــــمـان والــتــُّقـــونِ

يقول "أبو فهر" معلقا، لما عانى القراءة لها التي تزيد من حيوية النص ودفئه، كما يليق بأي نص رفيع:« فأيّ نغمٍ؟ وأيّ نشوةٍ؟ وأيّ حزنٍ رقيقٍ؟ وأي استقبال لخير الحياة وشرّها بلا خوف ولا تردّد؟ وأيّ قدرة على جعل هذه الألفاظ العربية الشريفة، أوتارا مشدودة على قياس وحساب، حتى تنبعث من تلاوتها أنغام معبّرة عن الحياة والموت بأضواء من البيان لا تكسفها الرموز الميتة التي ينفخ فيها النقاد لتحي، وقد بليت وتعفّنت في معابد الجهل بالحياة، وهياكل الضلال عن الحق. ولكن العجب لمن عنده لغة تملك هذه القدرة الخارقة، ثم يضل عنها إلى "إليوت" وأشباه "إليوت"، وذيول "إليوت"، غير مبال أن يخوض بلسانه ولغته في تربة عفنة من التعاظل النفسي المريض، ومن رجيع الحضارة الأروبية وصديدها المتقيّح.»(6)  ولنا عودة في مكانها لأبي فهر لنستفيد من منهجه في تذوّق الكلام وتحليله في محنته في قضية الشعر الجاهلي.

أما المصطلح "المرتكز الضوئي" الذي صنعه د، "حماسة"  فإن نجده في البيت الخامس من هذه الأبيات : ............، "والفتى *** للدَّهْر، والدّهرُ ذو فنونِ"

  فبعدما يتكلم "سلميّ" عن« الندماء، والخروج للصيد، وعقائل النساء الرافلات في الرّيط، والغنى، والسعة، والدعة، ومجالس اللهو، كلّ ذلك: "من لذة العيش"، ونصيب المرء المختلس من نعم الحياة= وصواب قراءة هذا الشعر أن تقرأه متتابعا، ثم تقف على منتهى "من لذة العيش" وقفة طويلة. ثم تستأنف خبرا جديدا عن عاقبة هذه الحياة التي تنال طيباتها، فيقول:"والفتى للدهر"، أي غرض له، يرميه بنوائبه، "والدهر ذو فنون"، أي ذو أحوال مختلفات، لا يدوم على أمر واحد.» (7)

إذاً، لقد كان أبو فهر -طيّب الله ثراه- محقّا عندما سمّى الذي نستورده من المناهج المسقطة على أدبنا بـ:"رجيع الحضارة الأروبية"، فالعربية لغة فتيّة الشباب، ودود في تراكيبها، ولود لمعانيها، لا تحتاج إلى تفسيرات تعسفية لإنتاجها الجميل من بنيوية دي سوسير إلى وظائفية أندري مارتينيه، وإلى غيرها من الألسنيات من تحويلية وتوليدية، وتفكيكية وأسلوبية، المتلفّعة بكثرة المصطلحات والتقسيمات، التي قد تجعل صاحب النص أحيانا مجنونا كالذي يتخبّطه الشيطان من المسّ، ونحن -والحمد لله- أمة عاقلة مكرّمة لا نحتاج لكثير من هذه المناهج والنظريات إلا لمن أبى وجعل درسه أسيرا لها، ثم إنها قد تقتل المعاني الجميلة في مهدها إذا نحن ركّبناها من دون فحص. وليس هذا دعوة للانغلاق وإنما دعوة للانتباه والحوار المنضبط.

إنّ الكلمات ما لم تكن منتقاة نحويا لا تخدم تراكيب النّص بل قد تكون خاوية على معانيها لأن « الاختيار الدقيق للكلمات في نظامها النحوي هو أساس المعنى الذي يبحث عنه النقاد في العمل الأدبي، وكل معنى بعد ذلك مبني في حقيقته على هذا المعنى الذي يعطيه هذا الاختيار. وهنا تكمن عبقرية الشعراء الأفذاذ في استيلاد الكلمات معاني جديدة لم تكن لها قبل أن توضع في هذه التراكيب التي يختارونها.»(8) وإن الشاعر أو الناثر على حدّ سواء، الحاذق منهم كالقوّاس الماهر لا يرسل سهام جعابه دفعة واحدة وإنما يتربص ويتحيّن الفرصة ليغرز سهامه في سويداء قلب المتلقي، ليكون نصه ذا رسالة وقصد قابل لتعدد القراءة وتعدد الحكم عليه، لأن نحوية الكلمة لها دلالة لا تقوم على ساق واحدة من معناها المعجمي فحسب، بل هناك معنى وظيفي ومعنى سياقي وهذان الأخيران يكونان في النص، وما فضّلت النصوص الأدبية على بعضها بعضا إلا بصنع حياةٍ للكلمة من حيث اختيارها، وحسن توظيفها.

قد تكون معرفةُ التراكيب الحبلاة بأوابد المعاني عصيّة على الفهم، إذا لم يكن القارئ أو المتلقي نحويّا في قراءته للنّص، وذلك بأن يكون ذا حنكة في ممارسة استنباطات فحول النظّار على كلام الفحول من العرب، كشرح المعلقات للزوزوني أو التبريزي مثلا، وهذا هو النحو الوظيفي التطبيقي الذي فقدناه في جامعاتنا اليوم. ولقد كان د، سعد مصلوح ذا بعدا فكريا واسعا عندما أعطى علم النحو جبّةً فضفاضةً تصلح بأن يقطع منها لباسا، أيّ متكلم، أو سامع، أو قارئ كل بما تيسّر له، فقال بأنه: « العلم الكاشف عن أسرار المباني اللغوية في ارتباطها بالمعاني الذهنية والنفسية، وهو الذي تتجلى به عبقرية اللغة وإمكاناتها في العبارة عن ذات العقل وذات النفس.»(9) لأنه ليس من السهل استكناه رسالة النص الحديديّ أسلوبه، والواجمة طلائعه، إذا لم يعرف منافذه الملثمة التي تدرك بالنحو، وهذا النحو تتكون ملكته "الفكرية" بالتعهّد للقراءة والجلد عليها، وكدّ الذهن في معرفة الغريب، والمتكتّم، من المفردات والجمل والتراكيب والأساليب للنصوص القوية، فلا جملة بلا مفردة، ولا تركيب بلا جملة، ولا نص بلا تراكيب، وكلّ ذلك مشدود بعصب النحو، بمعنى لا نص من دون نحو، وكما يقول د، حماسة: « ليس المعنى النحوي بطبيعة الحال منعزلا عن النص، أو يمكن أن يكون كذلك، ولذلك ينبغي النظر دائما إلى المعنى النحوي بوصفه الجديلة المزدوجة المفتولة بإحكام من المفردات والنظام النحوي معا، المنصهرة في بوتقة "الاختيار" بينهما بحيث تتكون دلالة الكلمة الحقيقية في سياق بعينه وتكون جزءا من دلالة الجملة كلها، ومن هنا تكون دلالة الكلمة حصيلة لاجتماع المعنى النحوي والمعنى المعجمي في سياق مخصوص.»(10) 

فنحوية الكلمة في مواقعها الحسان تزيد في تماسك النص فتحرّض أساليبًا على أساليب أو تقدح زناد تركيبٍ على تراكيب، وهذا الذي جعل بعض النحاة واللغويين يتحولون في أواخر حياتهم إلى مفسرين سواء في النصوص الدينية "القرآن والسنة"، كالزمخشري، أو مفسرين للنصوص الراقية من كلام العرب.

ثم إن المدارسة اللغوية والبيانية للنص الدينيّ كان أو الإنسيّ والاعتكاف على معالجته تجعل الدارس يحظى بولاية الكشف والذوق، وذلك بأن يباشر توافقات عجيبة بين المباني والمعاني، ويستطيع أن يكشف عن مجازات مدهشة تزداد روعة كلما جددّ النظر فيها، ويزيد على ذلك بأن يكتسب ملكة لغوية لسانية من ما يتذوقه من تقنيات أعاجيب الأساليب، أضف إلى ذلك أنه يتمتع بجماليّات من الصور منها ما يعبر عن أدقّ  خلجات النفس الإنسانية وأعقدها، إلى غير ذلك مما لا مجال فيه للعدّ والحصر، مما يحصل من مخالطة سحر البيان.

وكلّ هذا الذي ذكرته بل يزيد حصل لأستاذنا الكبير "أبي فهر محمود محمد شاكر" أيام محنته في قضية الشعر الجاهلي، الذي لولاه ما كان لنا أدب جاهلي ندرسه في العصر الحديث، وملخّص هذه المحنة أن النابتة بدأت من مرجليوث بحيث نسف أن يكون هناك أدب جاهلي للعرب لأغراض يطول شرحها، والأدهى من هذا أنه تبنى هذه الفرية الدكتور طه حسين الذي كان اسمه مرادفا لاسم الجامعة آنذاك!!؟ فابتلي بهذه المحنة أبو فهر فكان ما كان! وهو تاريخ طويل عريض، والذي يهمّنا هنا أنه تكونت من جرّاء هذه المحنة ملكة نحوية تذوقيّة للكلام لأبي فهر من خلال إثباته له، لم تحصل لأحد في العصر الحديث حتى قال هو نفسه عنها:« فأدّى بي طول الاختبار والامتحان والمدارسة إلى هذا المذهب الذي ذهبت إليه، حتى صار عندي دليلا كافيا على صحته وثبوته. فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبدّدت في الثرى أعيانهم، رأيتهم في هذا الشّعر أحيانًا يغدون ويروحون، رأيت شابَّهم يَنْزو به جهلُه، وشيخَهم تدلِف به حكمتُه، ورأيت راضيهم  يستنير وجهُهُ حتى يشرقَ، وغاضبَهم تربّدُ به سحنتُه حتى تظلمَ، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد وليس معه أحدٌ، ورأيت الفارس على جواده، والعادي على رجليه، ورأيت الجماعات في مبداهم ومحضرِهم، فسمعت غزل عشّاقِهم، ودلال فتياتِهم، ولاحت لي نيرانُهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون، كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشّعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس وبُحّة المستكين، وزفرة الواجد وصرخة الفَزِعِ، وحتى مثلوا بشعرهم نُصْبَ عيني، كأنّي لم أفقدهم طرفة عين، ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم، ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض، ولا مما أحسّوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا، ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عنّي شيء مما يكون به الحيّ حيًّا في هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم (جزيرة العرب).»(11) 

والذي نستفيده من هذه التجربة "الفهرية" أنه إذا حصلت ملكة التذوّق التي هي كالفرس المطّهم التيّاه لا تلين لأيّ راكب ما لم يكن له سابق دربة وحنكة ومعرفة في مدارسة وتحليل الكلام، تجعلك هذه الملكة إذا استخدمتها في قراءة نصوص الماضين تجوب بك معالم من الحقائق وأنت تستشعرها تماما، فتمثل بين عينيك، لتسمو بعقلك كلّما سرت مع النّص حيث يسير، بحضور ومهل، فينمو المعنى ويكبر حتى يصير هو منك وأنت منه، لتعيش جوّا لائقا لا يبخس شيئا من حفاوة المقام، فإما أن تهتز وتنتشي، وإما أن يهيض لك صبابات في الفؤاد مضمدة، أو يحي فيك همّا مغمدا، أو يثير عليك عجاجا من الذكريات المعرقة في فيافي الماضي، وهكذا حسب رسالة النص، فحسن التذوّق يجعل كلام النصّ يسري في طبيعة الإنسان كما يسري الدم في نياط عروقه، انظر «كيف عبّر الشعر الجاهلي الذي شارف ظهور الإسلام، عن سيرورة الشعر في الناس جميعا على اختلاف منازلهم وطبقاتهم. يقول المسيب بن علس، وهو جاهلي، وهو خال الأعشى، يثني على رجل أدركه الإسلام بعد ذلك فأسلم، وهو الجواد المعروف "بتيّار الفرات" القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس الدّارمي، فأهدى المسيب إليه ثناءه وهو مقيم بديار قومه بني ضبيعة، والقعقاع مقيم بأرض بعيدة في ديار قومه بني تميم، قال له:

فلأهدينَّ مع الرَّياح قصيدةً *** منّي معـلـغـلةً إلى القـعقــــــاعِ

ترد المناهل، لا تزال غريبةً *** في القوم، بين تمثّلٍ وسماعِ

"فلأهدينّ مع الرياح"، كلمة بارعة، قصيدة تحملها الرّياح مسرعة منتشرة لا يحتمي منها أحد، "مغلغلة". حثيثة الانتقال من بلد إلى بلد، "ترد المناهل"، مناهل الماء، حيث ينزل المسافرون في البوادي والقفار، بعد أن قلّ ماؤهم وبلغ منهم الجهد، فتأتيهم هذه القصيدة، فتشفي هي أيضا ظمأهم، فهي بينهم، "لا تزال غريبة في القوم، بين تمثّل وسماع" غريبة لا تستقر عند راويها. بل يرويها هذا عن هذا، فهم يتناقلونها، كما تتناقل "الغريبة" وهي الرّحى، رحى اليد، فإنها لا تستقر عند أربابها، بل يتعاورونها بينهم يتداولونها  فهم بين منشد، وهو "المتمثّل" وبين سامع قد منحها أذنه وقلبه مصغيا ليقيّدها ويحفظها، ويتكفّل بإنشادها حيث كان.»(12) فهذا مثال نتعرّف من خلاله على سجيّات العرب في تذوقها للكلام المُتَوَخَى فيه معاني النحو على فطرتهم، بحيث إنهم يدركون مواطن السطوع واللمعان، وتعاف أرواحهم الصافية مواضع الاعوجاج والهذيان، كلّ ذلك جبليّ عندهم. ولو-فرضا- سمعوا لكلامنا الذي تعقد له المجالس الرسمية لغشاهم النعاس والتثاؤب إذا لم أقل قد يصيبهم الغثيان بسببه، لأن نحوية النّص لا تقاس بكمية الكلمات الرنانة المستعملة في تراكيبه، أو المفردات الوحشية المبثوثة في عباراته، إذا كان ذا مقاطع متذبذبة من حيث توظيفها، تنكّس من عبقرية اللغة، فيتحول النّص إلى ثرثرة لا معنى شريف من وراءها، لأن صاحب النص يكون قد سقى طبيعته  اللغوية أول مرة من ماء كدر، وعليه فلن يوفّق في توظيف معجمه على ناموس لغة العرب النحوية.

« إن بنية اللغة، بوصفها ترتيبا داخليا لواحدات النظام في اللغة، لتتمكن من تحريك المعاني بين الغياب والحضور، ولتحويل التماس بين الأشياء والأحداث باللغة، إلى كلام يعبّر عن عمق الماضي والتعبير عنه بدلالته الغائبة، ويحرّك الحال والحضور ليعبر به عن استشراف المستقبل بأبنية لغوية ونظام وترتيب لغوي أيضا، وبذا فإن كل ما يحدث قولا يكون بين مرحلتين أو وجودين: وجود يكون فيه ثم يمضي إلى غياب، ووجود كان فيه ثم يعود بعد مضي إلى حضور، وبذا أيضا، فإن الفكر يدور مع اللغة حيث تدور، فيعيش فيها بين لحظتين أو وجودين لا تكفّ إحداهما تدور حول الأخرى: الماضي زمانا من غير انعدام، والحاضر مكانا من غير انقضاء، وعلى ذلك فإن الفكر محتاج لأن يتخذ في اللغة بعدين: الزمان والمكان ليكون دالا وحدثا حادثا، وتوفّر اللغة له ذلك، فتطلقه في الزمان وتعطي لحدوثه فيها أفعال غيابه عنها، ولكنّها قد تدّونه وتثبته، فتعطي لوجوده دوام الحضور فيها نصّا يكتسب دوامه من دوام المكان النّصي الذي فيه الخطاب حاملا معه تجربة الأجيال السابقة وخبراتها وحضارتها ونتائج تفكيرها ومعطيات ما يحمله جيل إلى جيل، فيحدث التفاعل بين الأجيال والتلاحق والتلاقح بين الأفكار والحضارات منذ فجر التاريخ إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.»(13)

ومن ما سبق ذكره نخلص أن للنحو سلطان نافذ على اللغة، لا تتحرك إلا بموجبه، فواجب معرفته بمعرفتها ومخالطتها، لتتلوّن صبغته في أمشاج كلام المتكلّم، ليحدث التفاعل بينه وبين نفس المتلقي أو المتعلّم، وهذا لمن كانت له فكرة يريد مخاضها، أو تجربة يريد تبليغها، أو حياة يريد أن يعيشها مع الذين يعيشون حياة الذكر والخلد السرمدي بعد الممات، وذلك أنّ في طاقة اللغة أن تزيد في عمر الإنسان القصير الذي يعيشه فوق هذه الأرض أضعافا مضاعفة بعد موته، فالذين سبقونا وماتوا منذ فجر التاريخ لما شعروا بهذا المعنى وأدركوا هذه الحقيقة، سعوا للعمل لهذه الحياة الثانية، فكانت صفقة رابحة بأن عاشوا مرتين فوق الأرض، الأولى قبل الموت، والثانية بعد الموت بلغتهم التي تترجم فكرهم. ونحن نرهم بمرآة اللغة يصبحون معنا ويمسون، ويأمرون وينهون، وهم أبد لا يغيبون، إلا أنهم أموات مقبورون، ولو عدنا مثلا لأدبنا العرمرم الجمّ القديم، لمثلت أمامنا حياة العرب كاملة في كل حقولها بشفرة أحداثها ونشوة أعيادها، بسبب نحوية كلامهم الذي يبلّغ الشاهد عنه الغائب عبر الزمان وعبر المكان.

وما أشقى على نفس الإنسان أن يعيش أشبه شيء بالجماد من دون هوية لغوية!؟ يستطيع بها أن يعرف فكره، ودرجة فاعليته، وقيمة وجوده. (اهـ)

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11