FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides

    Séminaire International sur les Polysaccharides Polysaccharides de Plantes de Milieux Arides.POLYSAC 2017, Les 22-23 Novembre 2017. 

  • Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement

    Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement "WID TOE 2017", 3 et 4 avril 2017, Ouargla - Algérie

Appel à communication

 

لتحليل الصوتي للخطاب الشعريقصيدة: (فلسطين على الصليب)

لمفدي زكريــاء– نموذج

 

                                                   الدكتور عمار ساسيث

                                               جامعة سعد دحلب –البليدة –

 

الملخص:

 … هل الشعر إلا معاناة فتجربة فرسالة في الحياة…؟

 وهل القصيدة إلا وردة مشوكة تنبت من بقايا الحيوان لتستقر في تمام الجمال؟؟     …وهل الجمال إلا رسالة الحق في الحياة؟.من رحم هذه الرؤية بزغت القصيدة عند شاعرنا الكبير مفدي زكرياء،و من على أعواد منبرها فجر قوافيها بقوله:

 ( رسالة الشعر في الدنيا مقدسة *** لولا النبوءة كان الشعر قرآنا).

و في هذا السياق تأتي المداخلة لتتناول رؤية علمية لغوية في تحليل قصيدة *فلسطين على الصليب *للشاعر مفدي زكرياء، و ستقف على المحطات التالية:

1-            التجربة و السيرة.

2-            الصوت و الدلالة في منهج البحث المتبع  (المنهج الوصفي الوظيفي).

3-            النموذج التطبيقي و الوصفة العامة.

4-            التحليل الصوتي لخطاب القصيدة.

5-            الخاتمة و النتائج.

1-1 المقدمة:

    رؤية في الشعرية

*الشعر شعور و ليس مشاعرا، لأن الأول قائم على حالات خاصة بإمكانها أن تتغير من لحظة إلى أخرى فيتغير معها الشعور تبعا و انسجاما.و الشعر لا يقال في الحالات العادية .أما الثانية فهي قائمة على حالة عادية و عامة و قارة في كل الناس ،فلكل إنسان مشاعر لا يمكن أبدا أن يتجرد منها،و لو كان كما يقولون( مشاعر) لاستطاع كل إنسان أن يقول الشعر .

 و الشعر تجاوب الشعور مع الحال، فرحا أو قرحا،و في ذلك تفريغ للطاقة في موضعها و إلا فالصدمة و النكبة.

والشعر متنفس الشعور و إلا فالسكتة و الموت.

والشعر ممارسة ترقى بالتدرج مع الزمن و بالشرط إلى تجربة. و الشعر تجربة تخرج من معاناة

ومعاينات.. إذ ليس من رأى كمن سمع،و ليس من تاق كمن ذاق.

والشعر أفكار ناعمة غائرة في الشعور تبدوا ساعة و تختفي ساعات و ليس بمتناول المشاعر اصطيادها.

و الشعر شعور رقيق و عميق و شقيق و دقيق لمن بصر الطريق.

والشعر شجرة تخرج من خليط الفضلات و الأرواث و الأسمدة، بأوراقها وثمراتها،  و الأصل في هذه الفضلات و الأرواث أنها تورث الأمراض والأضرار، إلا في هذا الموطن  تكون فيه مصدر قوة للشجرة

ولذة للثمرة  فكلما كانت المعاناة أشد و البلايا أعفن كلما جاد الشعر و سما الشعور و ارتقي الشاعر.

*و الشاعر كما يفرض فيه خاصية الشعور يفرض فيه للجودة الحركة و المخالطة و المعاناة ،إذ المعاني لدقيقة و الرقيقة  لا تؤتي للشعور القاعد بل للموقد     

وكما لا مساواة في الجودة بين ثمرتين إحداهما نضجت في الظل و أخرى تحت ضوء الشمس.

فكذلك شتان بين شعورين  أحدهما نام في الليل و الآخر نما في النهار. فأيهما أجود و أرزن و أثرى

 و أصدق؟. و لحكمة ما ميز الله بين الليل و النهار في الدلالات و المعاني  الأبعاد. قال تعالى:< و جعلنا الليل لباسا و جعلنا النهار معاشا>(1).

فالباس دلالات مفتوحة و للمعاش معاني غير محدودة لا يقوى على استنطاقها هذا المقام، فلربما تتاح في آخر قريب.

و الشعر يسمو قدره كلما ولى وجهه شطر القيم الإنسانية النظيفة خدمة و بلاغا.

فهو رسالة لصناعة إنسان سوي فوق الأرض يعرف حقه ثم يأخذه. و بداية السوية في الصناعة هذه هي المضغة لتليها المشاعر، ثم ترقى إلى الشعور.وهي لعمري أساسيات لا مناص منها. و معنى هذا فهو رسالة قبل أن يكون وسيلة ، ثم يرقى مع الزمن و النظر إلى أن يصبح في لحظة  رسالة ووسيلة معا. و لعله في هذا المعنى و الاتجاه تصب آية الشعراء<< و الشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون و أنهم يقولون مالا يفعلون إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و انتصروا من بعد ما  ظلموا…>>

(2).فارقة بين الشعر وسيلة دمار و الشعر رسالة عمار.

و ربما تتضح الرؤية أكثر في تحديد الوظيفة الجليلة لرسالة الشعر عند النبوّة في موقفين:   

-الأول: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح- من كتاب المنتخب من السنة النبوية " لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا".(3).

-الثاني: " أهجوهم و معك روح القدس" قالها لحسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه و سلم و الدعوة (4) .و السؤال الوارد بعد هذا هو:

-هل من معان يمكن أن تتجلى لنا من هذين الموقفين الصارمين الصريحين للنبوة الطاهرة؟

-ربما أولى المعاني التي تلتقط هي أن خطاب النبوة هو في الموقف خطاب توجيه لأمر هو ليكون الشعر رسالة تخدم القيم ،فكأن لا قيمة للشعر في غياب هذه الرسالة .     و الجمالية في نظر النبوة ليست فنا فحسب إنما رسالة فنية، و إن شئت فقل فن رسالي-  و إلا كيف نفسر تعليقه صلى الله عليه و سلم على شعر لبيد، كون هذا هو أصدق بيت قاله شاعر.

  ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** و كل نعيم لا محالة زائل.

-فهل استحسنت النبوة البيت لجمال وزنه و نبرة نغمه أم لسداد معناه و صواب قصده و لطيف شكله؟؟؟.

-وماذا كانت تقصد النبوة من عبارة( أصدق بيت قاله شاعر)؟؟.و لعل الأجوبة عنها تطلب الوقفة المتأملة الطويلة.

-و لا شك أن الجمالية هي فن صادق و هو وحده الذي يحقق الرسالية.و تقابل النبوءة الرؤية البشرية العامة التي لا ترى في قيمة الصدق أساسا للجمالية، و ربما ذهبت إلى حصر الجمالية في المقابل له بقولها-( أعذب الشعر أكذبه)، و بذلك تنفى الرسالة من الشعر. و في الآية الكريمة إشارة واضحة إلى هذين الرؤيتين و لا مناص منهما.

-و لحكمة ما صريحة قال تعالى: <و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له>(5).

و القراءة لها هي أن الشعر هو شعور لغة أو قل لغة شعور، و هو مالا يمكن بالطبيعة التنصل أو التخلص منه ،و القرآن أقره و وجهه ليخدم رسالة الحياة بدليل أن النص لا يشير إلى نبذ الشعر و لا إلى حضره إنما اكتفى بعدم تعليمه الشعر لأنه لا يقوى على صناعة الحياة وحده كما يقوى على صناعتها القرآن الكريم كلام الله المنزل . و في الآية إشارة ضمنية إلى اعتراف باكتساحية الشعر المحيط و درجة أثره البالغ في نفوس أفراد مجتمعه و رسوخه في ثقافة المجتمع كأساس كبير له إمكانية و دور في توجيه حياة المجتمع بكاملها. كل ذلك و غيره قد يكون مباحا للمجتمع، و ما كان لنا أن نمنع،    و هذه هي القاعدة. غير أن الاستثناء هنا سيجعل لشخص الرسول  وحدة فقط في المنع من التعلم ،و ذلك لإحداث التمايز و المفارقة بين الشعر

و القرآن ،مع بيان جلال القرآن و عظمته أمام سحر الشعر. و تثبيت أن من خصائص صناعة الرسول أن يبعد عن كل ما برع به القوم و ظهروا، ليصنع الصناعة المميزة. قال تعالى:< و لتصنع على عيني>(6).

 و في ذلك  لا يجد القوم في التكذيب  به حجة أو سبيلا< لئلا يكون على الله حجة بعد الرسل>(7).و القرآن أكبر من الشعر لذلك فصناعته به تمكّنه وتفوقه على أشعرهم، و تجعل غيره مشدودا إليه في كل صوت و نبرة ونغمة فضلا عن أشياء أخرى، لذلك فإمكانية القياس إن كانت  فلا تكون إلا من النموذج الأعلى على الأدنى، و لأمر ما قال تعالى إشارة إلى هذا المعنى <أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير>(8).

-و في هذا الصدد نضيف أنه إذا كان الشعر خطابا من شعور فإنه كثيرا ما يغيب فيه الواقع الحقيقي، لذلك فهو غير أفيد في تبوء المكانة البيانية اللازمة، و هنا لابد من بديل شامل محكم يتعامل مع الداخل فيصقله

 و مع الخارج فيغيره،و ليس إلا القرآن العظيم و ما يشفع لهذه العظمة و هذا السر شهادة الوليد بن المغيرة فصيح قريش من العرب و حكيمها :

< قالوا ما وراءك يا أبا الوليد:قال: ورائي أني سمعت قولا، و الله ما سمعت بمثله قط .،و الله ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني و اجعلوها بي،و خلوا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه فاعتزلوه،  فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم و إن يظهر على العرب فملكه ملككم،و عزه عزكم،و كنتم أعز الناس به. قالوا: سحرك و الله يا أبا الوليد بلسانه. قال:

( هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم)(9).

 2-2 التجربة و السيرة

   الشعر شعور اللغة و الشعر لغة الشعور. و الوردة يبرع جمالها الحقيقي والطبيعي في الوجود إذا نبتت من أرض مروثة محفوفة بالعفن، و أحسب ألا وجود لوردة من دون  عفن وأشواك.

و في صنع الله المتقن عبر و حكم، لذا فالشعر كذلك يبرع جماله الطبيعي في الحياة إذا خرج من رحم المعاينات و أنواع البلايا و صور المحن و أشكال الفتن . و الشعر هذا أمره هو شعر صاعد،و الشعر غير هذا أمره هو شعر قاعد. و في هذا الصدد يقول الله تعالى:( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر و المجاهدون في سبيل الله)(10(

و إذا قيل هذا في الشعر، يقال هذا أيضا في الشاعر……و مفدي زكرياء أحسبه شاعرا صاعدا لخروجه من طود الأمواج،و من لهب الفتن و من صرصرية الرياح و عتو العواصف……زادت شاعريته مع ازدياد البلايا عليه و الفتن… حتى صقل صقلا        و خلص إخلاصا كما يصقل الذهب بلهيب النار فيخلص،و ما جعلت النار في الحياة إلا لتميزها الخبيث من الطيب.

و لعل الظروف التي عانقته بالتعاقب قبل الثورة و أثناءها هي التي صنعت منه الشاعر المتميز.

فهو مفدي زكرياء بن سليمان من بني يزقن من واد ميزاب بالجنوب الجزائري، ولد سنة 1908م الموافق لـ 1326ه.

-       تعلم بها الكتابة ثم واصل تعلمه بعنابة بالشرق الجزائري .

-   وفي سنة1924 ذهب إلى تونس ضمن بعثة طلابية، زاول بها دراسته،و من مدرسة السلام إلى مدرسة الخلدونية إلى جامع الزيتونة،و احتك في هذه الفترة بكثير من التونسيين الوطنيين منهم الشيخ عبد العزيز الثعالبي. و في سنة 1926 رجع إلى الجزائر .وفي سنة1933 تقلد رئاسة تحرير جريدة(الحياة) التي أنشأها مع صديقه(أبي سعيد عدون) و كانت تمثل لسان حال المفكرين بشمال إفريقيا، و هي ذات طابع علمي أدبي اقتصادي .و من أولى توجيهات مفدي  فيها حاثا على النهوض بالوطن… حيث قال:

   (نذل جبان ذلك الذي يتنمر أوقات الرخاء و يستنسر أيام الرفاء، ثم يختفي في وقت أشد ما تكون فيه الأمة احتياجا إلى من يضع لبنة في بناء مستقبل أبنائها)(11)

-       و في سنة 1954 تفجرت الثورة، فواكبها الشاعر بروحه و سجل بطولاتها و وقائعها.

-                  و في سنة 1956 ألقي عليه القبض في السجن بالبرواقية والبرباروس.

-   و في سنة 1959 أفرج عنه، ففر إلى المغرب و منها إلى تونس ليتلقى العلاج لما لقيه في السجن من معاناة و آلام و تعذيب،خرج على إثرها منهوك القوى، ضعيف البنية.

-   و من صور المعاناة و التعذيب صورتان مؤثرتان، حضوره و مشاهدته بعينيه إعدام (أحمد زبانة) بالمفصلة في ساحة سجن بربروس في منتصف الليل.

-   عملية التعذيب التي كان يمارسها ضده زبانية السجن باستمرار، و بتسليط الأضواء الكاشفة على عينيه ليلا و نهارا، الأمر الذي جعله يشكو آلاما مبرحة، في عينيه و صداعا شديدا يلازمه مع انهيار في أعصابه.

و بتونس قام بعلاجه الطبيب الثوري الإفريقي- فرانتز فانون- حتى تعافى(12)).

و من الصور الحقيقية في هذا الشأن و بالتحديد بتاريخ 29 أكتوبر1956، وهو حدث اعتداء مسلح من إسرائيل و بريطانيا و فرنسا على مصر برئاسة جمال عبد الناصر، و في هذه المناسبة، و يوم حدوثها بالذات كان الشاعر مفدي زكرياء سجينا ببربروس- و حين بلغ الخبر نظّم الأبيات العشرة الأولى من قصيدة في يوم الاعتداء الثلاثي على قناة السويس بقعر الزنزانة رقم 93 في سجن بربروس.و أثناء عملية التفتيش عثر أحد الحراس على مسودة القصيدة فمزقوها و قادوا الشاعر إلى زنزانة العذاب حيث قضي عشرين يوما يجلد بالسياط صباح مساء و يعذب بالأشغال الشاقة و الجوع.

و الشاعر تذكر الأبيات العشرة و هو في بيروت يوم ذكرى الإعتداء الثلاثي فأتم القصيدة بعد خمس سنوات و مطلعها:

قل يا جمال يزدد قولك الهرم*** و احكم بما شئت حكمك الأمم

و اصدر بأمرك فالثالوث يرهبه***و اخفق بثغر الحمى يخفق به العلم.(13)

3-3 الصوت و الدلالة في منهج البحث المتبع: 

إن منهجنا المتبع في هذا البحث هو المنهج الوصفي الوظيفي.هو وصفي لأنه يصف البنية اللغوية و هو وظيفي لأنه يبين وظيفتها الإبلاغية. و يستمد المنهج هذا أسسه من المنهج العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية. و قد تبنى العلامة اللغوي أبو الفتح بن جني المنهج العلمي لأستاذه و عمقه ببحثه عن الأصول العامة للنحو، و نشأة اللغات و أصوات العربية و علاقة معاني الكلم العربية بأصواتها… و أفضى الأمر به في الأخير إلى القول بوجود علاقة مناسبة طبيعية    بين الصوت و المدلول… ثم سار بعده عبد القادر الجرجاني وفق المنهج العلمي لأبي علي الفارسي، و عمقه بتأكيد الوظيفة الإبلاغية التي تؤديها اللغة، و ذلك بالدعوة إلى عدم فصل دراسة البلاغة عن النحو، فكان كتابه( دلائل الإعجاز) بداية مرحلة جديدة في تاريخ علوم العربية، و هي تأكيد الوظيفة الإبلاغية للغة، فتشكل التتام بين النظريتين( ابن جني و الجرجاني) في نظرية واحدة و قد قامت على مبادئ أساسية منها:

  1. التتام بين النطق و التفكير.
  2. تدرج نشوء التفكير الإنساني.
  3. للصوت معنى في اللسان العربي.
  4. إنكار الترادف الذي يظنه بعضهم سببا لتميز لغة ما بثراء مفرداتها.

5. يؤلف النظام اللغوي كلا واحدا، توجد المستويات المتدرجة للبنية اللغوية فيه في علاقة تأثير متبادل فيما بينها، و يحتل مستوى البنية الصوتية مرتبة المستوى الأساسي و الموجه بالنسبة لبقية المستويات، لذا تنعكس خصائصه في المستويات اللغوية الأعلى، في حين أن العكس ممكن.

1-     لدى دراسة النظام اللغوي يجب الاهتمام بما هو عام و مطرد ، دون إهمال الإستثناءات لأنها تعتبر شواهد على مراحل سابقة، و بدايات لتطور جديد (14).

و على ضوء هذا حرص البحث على تتبع هذه الرؤية العلمية.مجتهدا في تطويعو  استنطاق مبدأ الصوت

و المعنى في الخطاب الشعري للسان العربي.

4-4       الوصفة العامة بين السورة و القصيدة:

الظاهر أن قافية القصيدة، و هي  عمدة موسيقاها و مرآة تعكس وجه الأداء فيها،   و الذي لا خلاف فيه أن الشاعر اقتبسها من فاصلة سورة الحاقة./ و ما من شك أن وراءها حكمة و وجه شبه.

  • الوصفة الأولى للسورة:

 السورة سلكت مسلك الإخبار عن- الآخرة- في صورها صورة هي الحآقة، و هي من حاق يحيق إذا نزل الشيء عقابا. و قد خصت  هذه المفردة بنزول الشر على المذنبين  و العصاة،  قال تعالى:< و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله>(15)،و قال:<فحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون >(16). و ذكرت منهم ثمود الذين أهلكوا بالطاغية،و عاد بالصرصر العاتية،و فرعون و المؤتفكات بالأخذة الرابية .و كأن السورة بسياقها  و مراميها هي في موقع تحذير و تهديد للمعرضين و العصاة،  هذا التحذير وهذا التهديد يكونان على شوطين، شوط الدنيا الذي يحيق فيه المكر السيّء بأهله لا محالة،و قد وصفته  السورة في شطرها الأول من الآية

1-11،كل ذلك  ليكون عبرة للمتأخرين.  قال تعالى:<< لنجعلها لكم تذكرة و تعيها أذن واعية >>(17).

 و الثاني شوط الآخرة و يحق لنا تسميته بشوط الجزاء الأخير،و يأتي لأربع صور ختمت بها السورة هي:

  1. تذكرة المتقين.
  2. لنعلم أن منكم مكذبين.
  3. حسرة على الكافرين.
  4. حق اليقين.

-و يظهر أن القسم الأول من السورة خاص بالمكذبين و العصاة المعرضين عن دعوة الرسل ،لذا فالحآقة حينئذ هي من حاق و حق. أي حاق بهم و حق عليهم.

أما القسم الثاني منها فهو خاص بجزاء الآخرة عاما للمكذبين و المصدقين . وهذا طبيعي لأن الآخرة ليست عقابا للمكذبين  فحسب، إنما هي كذلك جزاء للمصدقين ، و حينئذ تصدق الحاقة على القسم من حاق للمكذبين و حق للمصدقين،و يفيد في ذلك قوله:<و كان حقا علينا نصر المؤمنين>>.(18).

 و تنهي السورة بتحديد مقاصدها- الأربعة- التي سبق ذكرها، و هي- التذكرة- العلم بالمكذبين- الحسرة- الحق اليقين. و عظمة هذا التناسب تستوجب الحمد و الثناء و التنزيه لله العظيم.

 

-فبنية خطاب السورة(مفتاح-فخاص- فعام-فمقصد)-. فالترتيب معقول و الانتقال أعقل. والتناسق و الإبداع لا يفرضه جزء من هذه الأجزاء،و إنما الأجزاء كلها بترتيبها ، و حينئذ تكمن الروعة و يظهر وجه الإعجاز . و بعد هذا كله فلئن كان للمفسرين آراء في مفهوم الحآقة، إذ منهم من يرى أن الحاقة تعني القيامة: سميت حاقة من الحق الثابت: يعني أنها ثابتة الوقوع لا ريب فيها. و قيل لأن فيها تحقق الأمور فتعرف على الحقيقة،و فيها يحق الجزاء على الأعمال أي يجب . و قيل الحاقة النازلة التي حقت فلا كاذبة لها،و قيل الحاقة هي التي تحق على القوم أي تقع بهم(19)، فإن رأينا يذهب مذهب الجمع بين حاق و حق . و لعل في تلك سمة من سمات الإعجاز الإفرادي في القرآن  الكريم.

و نضيف إلى هذا أن الشاعر قد اقتبس من فاصلة سورة الغاشية لشبه قسمها الأول فاصلة الحآقة، و كذا طبيعة المضمون.

  5-5 التحليل الصوتي لخطاب القصيدة:

 إن اختيار الشاعر قافية خطاب السورة لم يكن على ارتجال عشوائي و هذا صحيح، لكن ما هي الأبعاد التي قصدها من جراء هذا الإقتباس، و بالضبط في القافية؟

و قبل الدخول في عملية التحليل أراني ملزما بهذه الوقفة التحديدية لمصطلح القافية تبعا لتدافع و تخالف الفهوم حوله . فما القافية؟: القافية هي من الأسماء المنقولة من العموم إلى الخصوص، فهي لغة تفيد المتابعة أو التتابع،و هي على هذا المعنى أيضا في كثير من اللغات السامية كالعربية و السريانية و اليونانية و اللاّتينية .و إذا انتقل بها من العموم إلى الخصوص أفادت الدلالة على بيت  الشعر أو بعض منه. و الخلاف ظاهر بين العلماء في الدلالة عنها، فالأخفش مثلا يراها البيت الشعري و غيره يراها عجزه، أما الآراء الأخرى فتعينها في نهاية البيت. و قال بعضهم هي الكلمة الأخيرة من البيت    و شيء قبلها. قال سعيد بن مسعدة: القافية هي الكلمة الأخيرة، و هي عند أبي موسى الحامض  : ما يلزم الشاعر تكريره في كل بيت من الحروف و الحركات.و عند قطرب و ثعلب حرف الروي أي الذي يتكرر آخر كل بيت من أبيات القصيدة ، و الخليل صانع العروض عرف القافية تعريفين:

- الساكنان الأخيران من البيت و ما بينهما، مع حركة ما قبل الساكن الأول و الآخر منهما، فعلى هذا القول تكون القافية في قول الشاعر:

 ( إذا ما أتت من صاحب لك زلة *** فكن أنت محتالا لزلته عذرا )

و الثاني : هي ما بين الساكنين الأخيرين في البيت مع الساكن الأخير فقط. و الخليل حين يذهب إلى القول بهذا إنما يعتمد فيما أرى على ما قام به من إحصاء لما وصل إليه من شعر يلتزم ما لا يلزم و آخر لا يلتزم إلاّ القافية، و قد اشتهر عنه القول الأول

 (20).

و قد تتضح القافية أكثر عند الفارابي في كتابه الموسيقي الكبير بقوله:… (و متى كانت الأقاويل ذوات الأجزاء تتناهى أجزاؤها إلى أشياء واحدة بأعينها، فإن كانت غير موزونة، فهي تسمى عند العرب أقاويل مسجوعة،و متى كانت موزونة سميت أقاويل ذوات قواف ، فإنهم يسمون الأشياء الواحدة التي تتكرر  في نهايات أجزاء الأقاويل الموزونة قوافي)(21).و الملاحظ على هذا كله أن القافية عند العرب ليست إلا تكريرا ولأصوات لغوية بعينها،و أن هذه الأصوات اللغوية تشمل الحركات التي تأتي بعدد معين يتراوح من واحد إلى أربعة   يتلوها صوت ساكن يتأتى بعده حركة أو يكون بلا حركة. و تكرير هذه الأصوات اللغوية هو السبب في إحداث النغم في الأبيات و هو مسؤول عن الإيقاع الموحد و وحدة النغم  بالقصيدة كلها(22)-و قد نستحسن هذا الرأي.

-القافية و الدلالة المعنوية :

 لا خلاف في أن أجود الشعر هو ما ارتبطت فيه موسيقى قافيته بدلالة قصيدته معنى و مبنى ارتباطا وثيقا..و في هذا السياق وجدنا بشر بن المعتمر ينصح الشاعر بقوله:

<< إذا أردت أن تعمل شعرا فاحضر المعاني التي يريد نظمها فكرك و أحضرها على قلبك و اطلب لها وزنا يتأتى فيه إيرادها و قافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية   و لا تتمكن منه في أخرى أو تكون في هذه أقرب طريقا و أيسر كلفة منه تلك، و لئن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجيء سلسا سهلا ذا طلاوة و رونق، خير من أن يعلوك فيجيء كزا فجا، و متجعدا جلفا(23).

فالقوافي إذا يجب أن تتفق و الغرض الذي ينظم فيه الشاعر، فقد تصلح قافية في موضع و لا تصلح لموضع آخر. و يؤكد إميل البستاني في مقدمته لترجمة الإلياذة هذه الرؤية:( و قوافي الشعر كبحوره يجود بعضها في موضع،و يفضله غيره في موضع آخر، و حسبك دليلا على ذلك أن جميع قراء الشعر يطربون لبعض القوافي دون بعض،و إذا نظم شاعر واحد قصيدتين على بحر واحد بمعنى واحد و نفس واحد، فلا ريب أن القافية الغناء تميل بالسامع إلى إيثارها على أختها،و لا ريب في أن اختيار قافية القصيدة أبعد مثالا من اختيار بحرها بنسبة ما يربو عدد القوافي على عدد البحور،و المرجع في ذلك إلى سلامة الذوق و غزازة المادة ، فالقريحة الجيدة في غنى عن أصول توضع لها بهذا المعنى ، لو فرضنا أن من الممكن وضع مثل هذه الأصول، فهي من نفسها تقع على القافية و البحر بلا جهد و لا تردد.. و الشعر كالنغم الموسيقي والقافية رسته أو قراره، فحيثما جاد النغم و تناسق إلى منتهاه حسن وقعه في الأذن وانشرح له الصدر، و طربت له النفس ،فكل نغم أطرب أرباب الصناعة وذوي الأذن السماعة فهو الحسن  وهكذا الشعر فلا يحسن وقعه في نفوس قرائه و سامعيه ما لم يكن جيدا،و قد يستهان بالمعنى البليغ لضعف قافيته أو وقوعها في غير موقعها.(24).وعلى ذلك أرى أن للبحور الشعرية و قوافيها دلالات و معاني و وظائف يجب على البحث العلمي استنطاقها، و على الشاعر فقهها و تطبيقها،و إلا ما جاد الشعر.

-الفاصلة للقرآن و القافية للشعر:

 والسؤال: ما الفاصلة؟

الفاصلة في اللغة تفيد تمييز شيء عن شيء و إبانته،و في الاصطلاح كلمة آخر الآية كقافية الشعر و قرينة السجع(25).و على هذا البيان هل يمكن إطلاق مصطلح القافية على الفاصلة؟

والجواب بالنفي ،ذلك أن الله تعالى لما سلب عنه صلى الله عليه و سلم  اسم الشعر يقوله (و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له)(26) وجب سلب القافية عنه أيضا لأنها منه.. فهي صفة لكتاب الله تعالى(27).و بعد هذا العرض فإنه لابد من الإقرار ،أن فاصلة السورة في القرآن لم تصنع عبثا من غير دلالة و لا مقصد يكملان بناء الخطاب القرآني شكلا و مضمونا، لذا وجب  البحث عن هذه الدلالة و هذا المقصد باستمرار ولإضاءة الأولية  يمكن حصر محاور سورة الحاقة في النقاط التالية:

-       1 وصفة الحق و الإحقاق في الآخرة.

-       2 التكذيب  و الجزاء في الدنيا.

-       3 الآخرة و الإيمان والجزاء.               كل هذه الأجزاء هي سياق الوعدوالوعيد

-        4 الآخرة و الكفر والعقاب.

  و بنظرة ربما ناسبت فاصلة( يه) وضع و موضوع سورة الحآقة كما أبانت هذا المعنى سورة الغاشية فيجزئها الأول. و أحسب أن هذه النغمة الصوتية(يه) هي مسافة في خطاب  الناس العامي المعهود و الجاري في موطن التعجب و التفاجؤ و الاستغراب إيجابا و سلبا، في الخير و الشر، و ربما كان في الشر أكثر، و هي  خاصية صوتية عامة في الألسن، و إن كانت في اللسان العربي أظهر. و للتأكيد  العلمي في المسألة لابد من فحص تحليلي لطبيعة صوتي (الياء و الهاء) يرى ابن جنى أن الياء حرف مجهور(28). فالياء حرف مجهور، و صوت لين جوفي،و يبدو في أول الكلمة و كأنه يصعد من حفرة بشيء من المشقة و الجهد،و في وسط الكلمة يكون معناها المطب الذي يعترض طيران حيران ، غثيان،و إذا كانت ساكنة كانت للاستقرار، بيت، عيب، عين، دين ، غيط (29).أما الهاء  : فمهموس رخو، إذا لفظ مشبعا مشددا أوحت الاهتزازات المتوترة بالاضطراب و الاهتزاز و السحق و القطع و الكسر و التخريب، و إذا لفظ باهتزازات رخوة أوحت  بمشاعر إنسانية من حزن و أسى و يأس و ضياع،و إذا لفظ مخففا مرققا مطموس الاهتزاز أوحت بأرق العواطف الإنسانية و أملكها للنفس، و إذا لفظ بطريقة تهكمية أوحت باضطرابات نفسية،و ما يضحك من مظاهر الخيل و الهتر و التشوهات العقلية و الجسدية(30). ويرى ابن جنى أن الهاء حرف مهموس،و تزاد لكثير من المعاني كالتأنيث مثلا،و تزاد لبيان الحركة ،نحو، ماليه، كتابيه، حساسيه،

 (31). و يرى صاحب تهذيب المقدمة اللغوية، أن الهاء تدل على التلاشي،و الياء على الانفعال المؤثر في البواطن (32).أما الإمام السكاكي فيؤكد أن الياء مجهورة،و الجهر عنده هو انحصار النفس في مخرج الحرف.و أن الهاء مهموسة،و الهمس عنده جري النفس في مخرج الحرف .فمن وسط اللسان بينه و بين وسط الحنك الأعلى مخرج الياء) و من أقصى الحلق و مبدؤه مخرج الهاء.

و يقول :إذا لم يتم الانحصار و لا الجري سميت شديدة ، و إذا تم الجري سميت رخوة.

و في حركية اللسان إبان النطق بالصوت: يرى أن الاستعلاء أن تتصعد لسانك في الحنك الأعلى و الانخفاظ بخلاف ذلك(33).ولعل تقارب مخرج الصوتين، الياء الجوفي ،و الهاء الحلقي- برأينا-، طبيعي مما يفضي إلى التناسب، فإذا  كانت الهاء  تفيد في دلالاتها العامة التلاشي، و الياء الانفعال المؤثر في البواطن، فحصول التقارب بين المعنيين يفيد برأينا معنى جديدا ،هو التعجب و الاستغراب و الدهشة و الحيرة المتولدة عن تلاشي ذكر الله و إقامة طاعته في الدنيا المؤدية إلى جزاء التلاشي من الله تعالى على عباده العصاة والمذنبين يوم الدين،قال تعالى( و كذلك اليوم تنسى)(34)

-   و قد يتأكد الأمر في هذه الدلالة أن الصوت الذي ينفجر و يظهر في حالة الدهشة و الحيرة و الاستغراب لدى الإنسان في الحياة هو صوت الياء و الهاء ،و أقرب من هذا أن أصوات الألم و الوجع هي الهمزة و الياء و الهاء في عرف طبيعة  الإنسان في الحياة، و هنا تقف فاصلة سورة الحاقة في هذا السياق الدلالي و الاتجاه المعنوي لتبيين هذه الأبعاد  الدلالية في نسق دقيق و عجيب، على الخطين اليميني والشمالي.


 

  • · و بعد هذا نقول: إذا كان الشاعر قد اقتبس قافية القصيدة من فاصلة السورة كما يظهر ذلك بجلاء ،فهل أحكم توظيفها على نسق السورة و أبعادها الدلالية؟      ج: إن أول ما يلحظ الطالع على القصيدة أن الشاعر كان ممتلأ حسرة و حيرة و أسى و استغراب، فاقتضى أن تخرج القصيدة من رحم هذه العاطفة الحاسرة و هذا الانفعال المؤسي، فكأننا نلمس أنين الألم و شديد الوجع و عمقها في نفس الشاعر المجروح. و ليس من الأصوات في الخطاب الشعري هذا ما يناسب هذه الحال مناسبة محكمة غير صوتي(الياء) و(الهاء) الدالتين على الانفعال المؤثر في البواطن المفضي إلى التلاشي.
  • و قد يتأكد الأمر جليا و نلمس ذلك بوضوح في هذه المعاني: من قصيدة مفدي زكرياء:   
  •  -أناديك، في الصرصر العاتية *** و بين قواصفها الذاريه

    - و أدعوك، بين أزير الوغى *** و بين جماجمها الجاثيه

    -  و أذكر جرحك في حربنا *** و في ثورة المغرب القانيه (35).

و أحسب أن من الجهر الذي يفيد( دلالة انحصار النفس في مخرج للحرف)، تناسب وتوافق مع انحصار الألم و الوجع و الحيرة  في أعماق نفس الشاعر، و لن تجد هذه الكتلة المشحونة بأنواع آلام و الأوجاع سبيلا إلى الخروج و الظهور بهذا الصوت وحده ، فاقتضى الأمر ضرورة البحث عن صوت مناسب تخرج منه هذه الشحنة  ويجري والنفس فيه في مخرج الحرف و لا ينحصر،  و ليس إلا صوت الهاء المهموس

 و من أقصى الحلق . و الهمس هو جري النفس في المخرج . و نضيف إلى هذا روعة التجانس و الائتلاف بين صوتين متقابلين لخدمة المعنى الجوهري في الخطاب هما (الياء) و(الهاء) أي( الجهر و الهمس) ،إذ الأصل أن يكون المعنى في واحد من الصوتين  فقط خصوصا ، إذا علمنا أن لكل صوت في اللسان العربي دلالته الخاصة ، و مسألة الصوت و المعنى مازال البحث فيها متواصلا . و بعد هذا فهل الصوت في أصله إلا حدث؟. و هل لا معنى للحدث ؟.و عليه فكأن (الياء) تخزن  الآلام و الأوجاع و الهاء هي المتنفس ،  فكما مع العسر اليسر، فكذلك مع الحبس النفس. و الأغرب من هذا هو كيف وصل الشاعر إلى تجلية هذا الشعور و إظهار هذه الحال في الجمع بين صوتين متقابلين (الياء)و(الهاء) في صفتهما ؟. فأين نظر؟. و من أين اقتبس؟.و من هذا فإذا كان لنا من رسم هندسة آلام الشاعر و أوجاعه في كل بيت  من القصيدة  فعلى الشكل التالي:

 ألم+ألم+ألم+ألم+ألم                       (ي) ـــــ (هـ)

                                              ( حصر+جري) 

و حركة حالة الشاعر على هذا النمط في كل أبيات القصيدة حيث تتلاحق الآلام جزءا جزءا و قطعة قطعة لتحصر و تتجمع عند الصوت الحاصر ، فيبلغ عندها الألم و الوجع أشده، فيطلب المنفرج و المتنفس ضرورة و حينئذ فلا سبيل إلا في صوت (الهاء) المهموس الناجم (عن تصعد الهواء بقوة في جسم غير ممانع كالهواء نفسه(36).

و الأمثلة في هذا السياق كثيرة ..منها قوله:

-                     أناديك في صرصر العاتية *** و بين قواصفها الذاريه

-                 بكيت- فلسطين-في الحائط *** به-قبل- قد كانت الباكيه

-                       فيا لك من معبد نجسوا *** حناياه بالسوءة الباديه

-                    و كنت الجزائر في زحفها *** و حققت بالشعب أماليه

-               هو الشعب لا السادة المترفون *** يحقق للنصر أحلاميه

-                و من يحتقر و ثبات الشعوب *** تذبه أعاصيرها السافيه

-                  و فوضت أمري للحاكمين *** فضيع قدسي حكّاميه

-                        فيا ليتني لم أخن ثورتي *** و لم أطف نيرانها الحامية

-                       و يا ليتها لم تكن هدنة *** و يا ليتها كانت القاضية

-                       فلسطين لا تيأسي إنني *** سأصلح في الشرق أخطائيه

-                 تخاذلت،و أنهار مني الضمير *** فضيع أرضي خذلانيه

-               و لطخت عرضي بين الورى  *** و سايرت للإثم أهوائية

-                     و كيف أنام، على غادر *** يفتت في الأرض أكباديه

-                  لئن نام، من قبل في الضمير*** و أخلد للموت إحساسيه

-                   فلسطين لا تقنطي فالحمى*** سينصفه اليوم أحراريه

-                         فلسطين في صلبنا لحمة*** جراحاتها في الحشى ثاوية

-              فلسطين في أرضنا بعثها***و من أرضنا تزحف الحامية(37)

فالمبتبصر على طول خط القصيدة يجد في كل بيت حركة تدافع آلام و أوجاع تتحرك في الصدر و تمتد إلى العجز لتحصر و تستوقف عند الصوت الحاصر ثم تطلق و تجري في صوت الهاء المهموس . نقرأ هذا من وراء صوت و مفردة و تركيب كل بيت. و لنا أن نأخذ أيّ مثال للتأكيد و التصديق من الأول أو الوسط إلى الأخير، و لننظر في بنية البيت التالي:

 *تخاذلت و أنهار مني الضمير **** فضيع أرضي خذلانــيــه

   ألم        +    ألم          +       ألم      +    ألم ( الحصر) المتنفس

 

           تلاحق            تلاحق          تلاحق

 

  • و لطخت عرضي بين الورى **** و سايرت للإثم أهوائيــه

   ألم          +      ألم                   ألم              ألم  ( انحصر) المتنفس

 

  • و كيف أنام،على غادر **** يفتت في الأرض أكباديــه

 

    ألم        +     ألم      +     ألم       +         ألم    (انحصار) المتنفس 

 

هذا الألم إنما ركب فيه من جراء تركبه في فلسطين الأرض المباركة  الجريحة المستغيثة ، فهو تجاذب حقيقي بين الشاعر و القضية و تجاوب فعلي و طبيعي بين حالتين تتألمان و تتحصران و تبكيان ، فحالة الشاعر في المنفى طريد و غريب و سجين و حزين و بعيد ،و حالة فلسطين في اليد الغاصبة أشبه ما تكون في المنفى طريدة و بعيدة و سجينة      و غريبة و حزينة من جراء إبعادها عن أهلها في دارها. و هنا لا بد  من التأمل في هذا التوافق الكبير بين الحالتين .و لا شك أنه من علامات القوة و العظمة في الشاعر مقدمي،و إذا حق هذا فلابد من إدراك هذا الفارق الكبير و الهوة الساحقة بين شاعرين ينظمان القصيد في عنوان واحد .

1)- الأول في المنفى سجين  يطارده الهم و الحزن  و البعد و الغربة و أنواع البأس و الشقاء ، يكتب القصيدة عن فلسطين الجريحة.

2)- الثاني على أريكة الرخاء لا يعرف الهم و لا الحزن ولا الألم ولا الغربة إليه طريقا، يكتب القصيدة عن فلسطين الأليمة.

فكما ليس من رأى  كمن سمع ، فكذلك ليس من ذاق كمن تاق. لذا فما أقل الشعراء في الأول ،و ما أكثرهم في الصنف الثاني .

أن اقتفاء الشاعر أثر هذه القافية (يـه)يعود إلى اصطياد دلالة نزول البلاء و الألم     و الحسرة و الأسى على فلسطين الشريفة، مع تتابع الضر عليها على خط الزمن      و تلاحقه ……إلى تحشده و تجمعه زمنا ثم إلى انفراجه و خروجه منها إن شاء الله، طال الزمن أم قصر ، وعد غير مكذوب. و تظهر قوة التعلق بالقضية حين يخرج الشاعر من حيز الوصف إلى فضاء الحوار ، و هذا يفيد كبر التجسد و قوة التفاعل و جلال الرؤية ،و قرب التخاطب و حقيقة التجاوب مع رسوخ الأيمان بالقضية ، فكأنه هي وكأنها هو ، و ذلك حين يقول:

فلسطين لا تيأسي إنني *** سأصلح في الشرق أخطائية

فلسطين لا تقطني فالحمى *** سينصفه اليوم أحراريه .

 و معادلة البعيد القريب مطروحة في القصيد، فكم هي المسافة بين منفى الشاعر       و مسرى النبوءة ؟ أليست كمسافة بعد المشرقين؟. و هل نزل الشاعر يوما هذه الأرض المباركة و عاينها؟. ج: أبدا لا.

إن عمق القضية في الوجدان ،و رسوخها في الجنان و استواءها في الإيمان- لا شك- هو وحده الذي يزيل هذه الطبوهات ،و يخترق هذه المسافات فيجعل البعيد قريبا و الغائب حاضرا ،و هذا سر آخر في الشاعر. و السؤال هو هل هذا السر في الشاعر هو من الحقيقة أم من الوجدان و الخيال؟؟. و الجواب على وجهين. 

فإذا صح من جهة تسمية هذه المعاينة الشاعرية وجدانا و صح من جهة أخرى تسميتها  حقيقة، فإن   لنا رأيا ثالثا جامعا هو وجدان الحقيقة، أو قل حقيقة الوجدان.

و القصيدة في شكلها و مضمونها- لا محالة-انبجست من هذا النوع المميز من الوجدان، الذي قد يندر وجوده في شاعر آخر، و قليل ما هم. و ما يزيد تأكيد بصدق هذه القراءة، مقولة أستاذنا المرحوم- مولود قاسم  نايت بلقاسم في مفدي زكرياء:( هو شاعر ملهم قلما جادت به الأقدار على البشرية عامة)(38) .

 

 و وراء هذه الشهادة من الدلالات و المعاني ما وراءها خصوصا حين تصدر من علماء كبار.

  • · إن الذي يجيد إحكام خاصية الصوت لخدمة المعنى في الخطاب شعرا كان أم نثرا لهو أبرع في إجادة إحكام خاصيتي المفردة والتركيب بشقيه النحوي و البلاغي ،      و يبقى يرقى في البراعة إلى الأسمى يقترب ثم يقترب من براعة القرآن دون بلوغها.

و بعد هذا كله يبقى هناك تساؤل  يشد النظر في ذات الموضوع و هو : باقتضاء الشاعر فاصلة سورة الحآقة هل استشعر وضع المتحسر حالة و مصيرا يوم القيامة في السورة؟؟.

الجواب: لا شك أن القافية يشترك في صناعتها مجموعة عوامل بتناسق جملة واحدة ،  و منها أساسا استشعار الحال. و لا أرى الشاعر في صناعته القصيدة أغفل هذا العنصر المهم .

 

         فيظهر أن الشاعر تمثل الحال و تصور المصير، و من ذلك اقتراب  الصورتين في المحاور المحددة في الشكل البياني و هي: النص-الدار-الذات-الحالة-السبب-النتيجة أو المصير-الصورة-الصوت و توضيحاتها ، مع أنه لا يمكن إغفال الفارق الحقيقي غير المدرك بين الخطابين و الدارين و الحسرتين غير أن الشاعر في هذه الحال تشبه،و القافية  واحدة من آثار ذلك.

-وبنظرة إحصائية  عامة لصوتي(الياء)و(الهاء) في السورة و القصيدة نطلع على مايلي:

 

                     القصيدة                        السورة

   الياء                   الهاء                         الياء             الهاء

   المجموع               المجموع                     المجموع       المجموع

 

      209             182                         72              52 

 

   المتحركة              المتحركة                   المتحركة     المتحركة

 

     139               82                           34            40

 

  الساكنة                الساكنة                    الساكنة     الساكنة

        

-و قراءتنا الأولى لهذه النتائج:-

 1-التوافق العام في ميزان- ثنائية حركة الياء و سكون الهاء (يــه).في السورة و القصيدة- من حيث غلبة نسبة الصوت الحاسر على صوت النفس و في ذلك دلالة قوة الحسرة و الألم و الوجع و الأسى في نفس الشاعر في القصيدة و الإنسان في السورة يوم القيامة. و لا عبرة لتباين النسبة بين السورة و القصيدة لقصر الأولى و طول الثانية.

 2- إن معه العسر يسر و إن مع الحصر النفس،و مع الضيق الفرج.

 3-إن القياس مع فارق بين السورة و القصيدة،و الشاعر في الاقتباس مجتهد-وصاعد.

 4-ما يفيد أن الشعر عند مفدي لا ينبجس إلا عن معاناة و أن الرسالة الملازمة له لا تتأتى عن مكتشفات متلاشية في السنة الشعرية الموروثة، إنها لظى و حرقة و اكتواء تتجاوز المكابدة إلى المحنة الراجعة إلى التجربة النضالية داخل البنية الاجتماعية، فلم يعد الشاعر النبي المجهول ولم يعد الطائر الصادح إنه في الدرجة الأولى لسان حال الألم الجاثم على قلوب أفراد المجتمع (39).

الخاتمة:

       إن هي إلا رؤية أولى تبحث  عن دلالة الصوت في الخطاب الشعري،وبالضبط صوت القافية فيه ،و هل لهذه النغمة الموسيقية الصغيرة يد في صناعة  صرح القصيدة و أثر في تجلية معناها أساسا؟؟؟. و هل الشاعر في اختيار القافية عابث أم محكم؟. فإذا كان لكل حدث صوت مميز، دل ذلك على أن لكل صوت معنى ودلالة مميزة .و على هذا فكما لا وجود لشيء في الحياة لا معنى له و لا وظيفة، فكذلك لا وجود لصوت في الحياة لا معنى له و لا وظيفة . و الشاعر مفدي زكرياء من صنف المحكمين في بناء القصيدة من الصوت أساسا إلى المفردة إلى التركيب بشقيه النحوي   و البلاغي، فاختياره قافية( يهْ ) في ذات موضوع القضية كان أكثر من مناسب و أدق من محكم ، ربما تظهر الصورة أكثر حين الإتيان بقصيدة في القضية من قافية أخرى، وحينئذ يبين الشاعر الصاعد من الشاعر القاعد.

-   و لعل اختياره القافية  ذاتها في الموضوع، أبان عن اطلاعه العميق  على الخطاب القرآني و فهمه له فهما، و كذا قوة أثره في نفسه إلى درجة الولوع و الاقتباس    و التوظيف، ليس في المعاني و المفردات و التراكيب فحسب بل إلى حد الأصوات.

-        و مع إدراك فارق القياس بين الشعر و القرآن فإن الشاعر اجتهد في الاقتراب و الاقتفاء.و نظام القصيد العام يتجه في خط تتابع الآلام و الأوجاع ثم الانحصار عند صوت(الياء) ثم الانفراج عند(الهاء)، تشبها( بفاصلة) سورة الحآقة التي تسير بالتقريب وفق هذا الخط والنظام، و هذا أمر يؤكد فهم الشاعر حقيقة الرسالة-   و أي رسالة هي ؟؟؟.

-       ( رسالة الشعر في الدنيا مقدسة *** لولا النبوءة كان الشعر قرآنا).

 

مصادر و مراجع البحث

 

  -القرآن الكريم-رواية ورش-الجزائر1984.

-       صحيح البخاري.دار الفكر.

-       صحيح المسلم-دار الفكر.

-       سيرة ابن هشام-المكتبة العصرية-بيروت.

-                  تهذيب سيرة بن هشام.عبد السلام هارون-دار التراث العربي-بيروت.

-       شعر الثورة عند مفدي زكرياء.يحي الشيخ صالح-دار البعث- الجزائر

-       الصحف الجزائرية.د.محمد ناصر –الشركة الوطنية للنشر و التوزيع-الجزائر 1980م.

-       النظرية اللغوية العربية الحديثة. جعفر دك الباب-اتحاد كتاب العرب- دمشق1996.

-       كتاب التأويل في معاني التنزيل-الخازن المكتبة الشعبية-بيروت-.

-       القافية و الأصوات اللغوية. محمد عوني عبد الرؤوف-مكتبة الخابجي-مصر 1977.

-       الإتقان في علوم القرآن للسيوطي- دار المعرفة لبنان.

-       سر صناعة الإعراب.ابن جنى-دار القلم- دمشق.

-       توترات الإبداع الشعري. لحبيب مونسي-دار الغرب للنشر و التوزيع-.

-       تهذيب المقدمة اللغوية. العلاييلي.د.أسعد أحمد علي- دار السؤال دمشق ط2 1981.

-       مفتاح العلوم-السكاكي. دار الكتب العلمية.

-       اللهب المقدس لمفدي زكرياء. شركة النشر و التوزيع.1983.

-       أسباب حدوث الحروف. مكتبة الكليات الأزهرية.

-       مفدي زكرياء شاعر النضال و الثورة.د. محمد ناصف. المطبعة العربية-غرداية1984.

-       مباحث في الأدب الجزائري المعاصر:أحمد شريبط.منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين.

-       مجلة الثقافة-عدد89.سنة1985- الجزائر.

-مفدي زكرياء في الإذاعة التونسية.د.كمال عمران.بحث مقدم في ذكرى مفدي زكرياء شاعر الثورة. غرداية .2002. 

-اللسان العربي و قضايا العصر.-د.عمار ساسي-دار المعارف-الجزائر2001.

 

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07