FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

 

الخطاب الشعري المعاصر في الجزائر بين

الخصوصية ... و أسئلة الاختلاف

                                                    الأستاذة : نادية خاوة

                                               المركز الجامعي سوق اهراس

 

لم يعد الخطاب الشعري الحداثي، ذلك النوع من الكلام الموزون المقفى، و الذي يتميز عن الخطاب النثرى بخصائص محددة و ثابتة اتفق عليها النقاد و أطلقوا عليها نظرية عمود الشعر، بل اصبح ذلك النداء الغامض في خبايا النفس، لتكسير نمطية تلك الصورة، و تجاوز هذه الرؤية القاصرة إلى فضاء أرحب، أين تزول الحدود بين مختلف الكتابات، فلا يكون هناك : شعر، و هناك نثر، بل المهم هو الانصهار في قلب التجربة، تجربة الكتابة (1). و لعل هذا ما حدده (و.م. ألبيريس) عندما أشار إلى أن الشعر هو الكلام الذي لا يمكن أن يحده منطق، و لا يخضع لقوانين العقل الصارمة، انه التعبير "بواسطة اللغة البشرية عن انفعال أو حقيقة أم تخلق اللغة البشرية للتعبير عنه، و بذلك يصبح الشعر مخاتلة، تمردا، نضالا ضد اللغة"(2).

فالشعر الحداثي إذا : هو التعبير باللغة البشرية، و قد أرجعت إلى إيقاعها الأساسي، إيقاع المعنى الغامض لمظاهر الوجود. على حد تعبير مالارمييه- و من هنا فالبحث عن تعريف خاص للشعر في عصرنا، يمكن العثور عليه في وظيفة الممارسة الشعرية، بهذه الممارسة ترفض السرد أو الوصف، أو حتى استفزاز العواطف و التأمــل و ذلك للقبض على حقيقة خفية يجهلها الحس  و قد أرجعت إلى إيقاعها الأساسي إيقاع المعنى الغامض لمظاهر الوجود – على حد تعبير مالارمييه- ومن هنا فالبحث عن تعريف خاص للشعر في عصرنا ، يمكن العثور عليه في وظيفة الممارسة الشعرية ؛ هذه الممارسة ترفض السرد أو الوصف ، أو حتى استفزاز العواطف والتأمل وذلك للقبض على حقيقة خفية يجهلها الحس السليم، كما يجهلها العقل والمنطق والعلم (3).

         والمتأمل في واقع خطابنا الشعري المعاصر ، وأقصد المتن الشعري سيقف لا محالة على تلك الميزة التي تطبعه ، فلم يعد هذا الخطاب تأملا ضمن إطار جزيء مقصور على التجربة الحياتية في فرادتها ؛بل أصبح انصهارا حيا لتجارب إنسانية كلية ، ولعل ذلك ما أطلق عليه : التجربة الشاملة ، وموقف الإنسان من الكون الأمر الذي أدى إلى ضرورة خلق بنى تعبيرية جديدة ، تكون في مستوى هذا التغيير هذه البنية التعبيرية لابد أن تتجاوز السائد والمألوف الالتحام بروح التحول ونشدان ركب الحداثة في مناداتها بالتغيير والإلغاء لكل ما شكل في الماضي نمطا أو نموذجا من السلطة ، فهل حقق هذا الخطاب هذه الجدة؟ !

إن خطابنا الشعري الحديث وإن كان يبحث عن صيغة خلافية جديدة ، لتفجير الطاقات التعبيرية الكامنة في صميم اللغة ، والخروج بها من العالم القاصر إلى حيز الوجود اللغوي الدلالي الرمزي الذي تبنى الصورة الفنية مرجعا له ، إلا انه ظل يعاني قلقا واضطرابا (4).

لقد جاء هذا الخطاب حضورا أبديا ، بمعنى انه لا يقوم في منطلقه / مرجعه على بنى شعرية كلاسيكية ولعل هذا ما أطلق عليه الناقد (مشري بن خليفة ) لعبة التضاد ( نص حديث ضد نص قديم) وبالتالي يصبح التجديد طلبا للمغايرة لا أكثر (5)، ويبدو هذا هو المأزق الحقيقي الذي وقع فيه الكثير من الدارسين والنقاد بل وحتى الشعراء أنفسهم . إذ أن الاختلاف عما كان سائدا بعيدا عن الرؤيا العميقة التي تصهر في بوتقتها كلية التجربة تحيل الإبداع إلى لعبة من التضاد ، ويؤول التجديد إلى تموجا سطحيا ينفي بعضه بعضا (6).

        إن الخطاب الشعري الحداثي، ليس نفيا أو إلغاء لما كان ، وإنما هو خلق لجديد يبحث له عن تأسيس برؤيا خلافية ، وبـنى تعبيريـة جديـدة ، ولعـل هذا ما المح إليـه ( أدونيس) : " فالقصيدة حدث أو مجيء ، والشعر تأسيس باللغة والرؤيا : تأسيس علم واتجاه لا عهد لنا بهما من قبل ، لهذا كان الشعر تخطيا يدفع إلى التخطي ..." (7) فماذا يكون فعل هذا التخطي ، إن لم يكن انقطاعا جماليا ومعرفيا في الوقت الذي هو فيه استمرار وتواصل .

        ولا غرابة أن نجد الخطاب الشعري المعاصر في بلادنا اليوم يشكو من هذه المفارقة الرؤيوية ، فهو في الوقت الذي ينادي بضرورة تجاوز البنى التعبيرية المهترئة وخلق رؤيا كونية شاملة تعنى بالتجربة الإنسانية في عمقها الحضاري ، فإنه من جهة أخرى يفتقر إلى نظرية متكاملة الأطراف للكتابة الشعرية بالجزائر ولعل المسؤول الأول عن واقع هذه الهوة، المسار النقدي المعاصر ، كما يصرح الناقد ( بن خليفة ) ، فباتت حقول القراءة لهذا الخطاب منفصلة تماما عن المتن (8) ، ذلك أن الواقع النقدي، يعاني هو الآخر تأزما ملحوظا، نتيجة غياب المصطلح النقدي الحداثي، الذي يكون استجابة أكيدة للتغيير ، إذ أن الخلق الجديد يقتضي رؤية نقدية تواكبه ، بعيدة كل البعد عن تلك الأحكام النقدية الكلاسيكية التي لازالت تنادي بمصطلحات كالشكل والمضمون والظواهر اللفظية والمعنوية وغيرها (9)

والسؤال المطروح : هو كيف نحدد مرجعية الخطاب الشعري المعاصر بالجزائر ؟

        يذهب الناقد ( بن خليفة ) إلى القول بغياب مرجعية فعلية لهذا الخطاب ، إذ أن النقد الذي يساير هذه الحداثة ، ويزعم متابعتها ، يذهب إلى اعتبار هذا الخطاب للإمكانيات التعبيرية في التراث ، في الوقت الذي يجسد تبعية فكرية للغرب ، فيرد على مسيرة هذا التيار النقدي بالقول :" ... ولا يخلو نص من النصوص من وجود النص الغائب ، الذي نجده مستمر الوجود ، لكن نلحظ بالمقابل قطيعة بين الشعر الجزائري الجديد  والشعر الجزائري التقليدي ، بحيث لا نستشف ذلك التواصل بين الأجيال ، ومن ثم ندرك أن أسباب هذه القطيعة ، أن الشعر الجزائري – التقليدي – هو عبارة عن تقليد وتكرار لتجارب عربية ... وبذلك توجه الشباب إلى قراءة النصوص العربية بحثا عن مرجعية ذات شمولية "(10).

        ومن عمق هذا الطرح الذي جاء به الناقد نلتمس شيئا من التناقض في الموقف والرؤيا فكيف من جهة ينتقد حركة النقد الذي يرى في الخطاب الشعري الجزائري الحداثي استغلالا للطاقات التعبيرية في التراث، وتبعية سافرة للغرب ، ومن جهة أخرى يقر بأن هذا الخطاب يستمد رؤياه من الحركة الشعرية العربية الرائدة ، أليس التراث العربي ، جزء من التراث ؟ وعليه نعيد صيغة تساؤلنا : كيف نستطيع خلق خطاب شعري جزائري حديث ، دون أن يكون تكرارا للتجارب الشعرية العربية ، ودون أن يكون استغلالا للإمكانيات التعبيرية في التراث ؟

        يبدو أن تجاوز هذه الأزمة الحقيقية في واقع الخطاب الشعري الجزائري لن ينتهي بالإجابة الفورية والسريعة عن هذه الإشكاليات ، إذ أن الأمر يحتاج إلى موقف ورؤيا تستمدان شرعيتهما من الانطلاق من واقع النصوص نفسها بالقراءة الفاعلة ، والهادفة إلى إيجاد طرائق جديدة للتلقي تحيل النص إلى إبداع جديد ينضاف إلى الإبداع الشعري ، وهذه القراءة لابد أن تنطلق من ركام قرائي سابق لها حتى لا تتهم بالقطيعة مـع التـراث هي أيضا ! لكن يبقى مدار سؤالنا هو دائما : ماذا يعني أن تستغل الإمكانات التراثية في قمة انقطاعها عنه ؟ ! .

        إن الجواب على هذا الكلام ، لابد أن يتمثل بأحدث الكتابات الشعرية العربية لنأخذ كمثال على ذلك إبداع ( علي احمد سعيد) والذي يعترف مصرحا بان فهمه للحداثة الشعرية العربية جاء نتيجة اطلاعه على الآداب الغربية " و أظن أن علينا أن نفيد في حركتنا الحديثة من جميع الاتجاهات الشعرية التي نشأت في أوروبا منذ الحرب العالمية الأولى " (11) وبالتالي فأدونيس هنا لم يتكلم عن التراث انطلاقا من الحدود الإقليمية بين لبنان وأوروبا  وإنما قصد حجم ونوعية الاستفادة من الآخر ، فكما أن الذات لا تفهم بمعزل عن علاقتها بالآخر ، فكذلك الحديث عن فهم الحداثة الشعرية في الجزائر لن يتم بمعزل عن التجارب الشعوبية العربية الرائدة لدى كل من : ( بدر شاكر السياب – عبد الوهاب البياني – صلاح عبد النور – أدونيس – يوسف الخال – خليل حلوى ...).

        ثم نقف معه في تصريح آخر يرد فيه عجزه عن إدراك اوجه الحداثة الشعرية في لبنان ، إلى طبيعة النظم الثقافية السائدة ، وكذا الأجهزة المعرفية في المجتمع العربي ( 12)  ويبدو لنا أن هذا ردا صريحا على تلك الرؤية النقدية القاصرة إذ أن حقيقة التبعية للغــرب  نتيجة قسوة وتعسف النظام الثقافي الجزائري الذي يستند في أساسه على ثقافة النموذج والنمط ، والمؤسسة ، إضافة إلى الأجهزة المعرفية التي تمارس نوعا من الفاشية المستبدة على حرية الإبداع ، وكل هذا كان سببا حقيقيا في تذبذب الأحكام النقدية ، وبالتالي غياب عدة إجرائية مفهومية ، وفقدان منطلق نقدي موحد يستند إلى حس أو وعي نقدي جمالي إضافة إلى غياب القراءة الفاعلة التي تضيف إلى هذا الإبداع ولا تنقص منه .

        إنه لكي نتجاوز حدة هذه الأزمة ، لابد أن نتجاوز – ليس – النقد الكلاسيكي فحسب بمصطلحاته الضيقة ، بل لابد من تجاوز بنى التفكير ذاتها ، والخروج من معطف تلك الرؤيا المقصورة على النتاج العربي فقط ، ونعت كل ما يأتينا من وراء البحر بالانفصالية والقطيعة المعرفية عن واقع خطابنا وصلب ثقافتنا ، وكأنه يحمل خطرا ما ، سيلم بنا في أية لحظة !إذ أنه لا مفر من التأثر بإنتاج الآخر كخطوة أولى لفهم الحداثة ، ولعل هـذا ما عنـاه الناقـد ( أدونيس) قبل قليل ، بل يذهب إلى حسم الموقف باتخاذ الجرأة اللازمة لمواجهة الآخر  فتلك هي الحداثة الحقة وليس الهروب منه ، والاحتماء بالنص الديني كلما حلت بنا نائبة  وكأن العربي كتب عليه دون البشر كافة أن يلتفت رأسه إلى الخلف ، فيما تسير قدماه إلى الأمام !! وهذا الكلام وإن جاء كرؤية نقدية جزئية ، فهو يمهد الطريق لكثير من الرؤى الحداثية ، إذ أنه لابد من ضرورة الإطلاع على ما أبدعه الآخر أولا ، حتى يتسنى لنا أن نفهم ما عندنا ، بل ونعيد قراءته وفق الوعي الجديد الذي شكلناه نتيجة الاحتكاك والتأثر بتجارب غيرنا ، لأن القراءة الفاعلة حقا ، هي تلك التي تستفيد من القراءات السابقة ، مع تطوير الإجراءات ، وفاعلية التأويل .

        يمكننا بعد هذا أن نقول انه الآن فقط يجدر بنا أن نتكلم عما إذا كان الخطاب الشعري المعاصر بالجزائر، يستند حقا إلى التراث ، أم أنه مقطوع الجذور عنه ؟ ! هذا إذا ما أخذنا ما أخذنا في الاعتبار أن التراث في مفهومه الأعمق و الأشمل كما أرساه رواد الحداثة الشعرية العربية بلبنان هو: ما تجمع فينا عبر العصور ، ولا يمكننا إلا أن نعبر عنه ونحييه وما التاريخ في الأخير إلا ما عاش فينا ، وقد لا تكون مهمة إحيائه معتمدة مقصودة ، وإنما قد تأتي بطرق لا واعية عبر اللغة والأسلوب ، ولعل هذا ما قصده

 ( أدونيس ): " ليس التراث ما يصنعك ، بل ما تصنعه ، التراث هو ما يولد بين شفتيك ، ويتحرك بين يديك التراث لا ينقل بل يخلق "(13). فلا أدري ماذا يقصد الناقد ( بن خليفة) عندما يشير إلى أن النص الجزائري الحداثي مقطوع الصلة بالنص التقليدي ، فأي نص تقليدي يقصد إذا كان كل ما يحيا بيننا وفينا وما نستمد منه طاقة بقائنا هو تراث ؟ " ولا يلتمس الشاعر المعاصر ينابيعه في تراثه وحده ، وإنما يلتمسها في هذا الكل الحضاري الشامل " (14) . فهل هناك تراث في مفهومه الأعمق و الأشمل كما أرساه رواد الحداثة الشعرية العربية بلبنان هو : ما تجمع فينا عبر العصور ، ولا يمكننا إلا أن نعبر عنه ونحييه ، وما التاريخ في الأخير إلا ما عاش فينا ، وقد لا تكون مهمة إحيائه معتمدة مقصودة ، وإنما قد تأتي بطرق لا واعية عبر اللغة والأسلوب ، ولعل هذا ما قصده ( أدونيس ): " ليس التراث ما يصنعك ، بل ما تصنعه  التراث هو ما يولد بين شفتيك ، ويتحرك بين يديك ، التراث لا ينقل بل يخلق " (13).

        فلا أدري ماذا يقصد الناقد (بن خليفة ) عندما يشير إلى أن النص الجزائري الحداثي مقطوع الصلة بالنص التقليدي ، فأي نص تقليدي يقصد إذا كان كل ما يحيا بيننا وفينا وما نستمد منه طاقة بقائنا هو تراث ؟ " ولا يلتمس الشاعر المعاصر ينابيعه في تراثه وحده  وإنما يلتمسها في هذا الكل الحضاري الشامل " (14) . فهل هناك تراث شعري جزائري  وهناك تراث شعري غير جزائري ؟ ! حتى ولو افترضنا بدعوى هذه الإقليمية التي يقول بها الناقد ، فهل هناك تراث شعري جزائري يمثل النص الغائب يكون جديرا بأن يأتي النص الحداثي تنويعا عليه ، أو تطويرا له ؟ ! وإن وجد فكيف نستوعب حداثته بمعزل عن حركة التحديث في العالم ؟ !.

        إن أهم ما تنادي به الحركة الشعرية الحداثية إلى جانب نشدان الأصالة في التراث الشعري  واستنبات نشاطها من الواقع العربي بمختلف تغييراته ، فهي : " تحقيق شراكة فعالة مع الشعر المعاصر في العالم ..." (15). يأتي هذا النداء كرؤية نقدية حداثية ، تحاول أن تخلق مواءمة مع واقع الخطاب الشعري بالجزائر وخصوصية استناده لهذه المرجعية التراثية ، ورفضا لمختلف الدعوات الهدامة في مسيرة ذلك النقد الذي يدعي الجدة والموضوعية، في حين انه يصادر الإبداع والمبدعين وعليه فلا بد من تطوير حقل القراءة الواعية بجوهر هذا التراث ، والاستفادة من التجارب الشعرية الرائدة ، ليس في العالم العربي فحسب ، وإنما في العالم ككل مع فهم طبيعة هذه الإفادة ، ونوعية هذا التأثر ، دون الإخلال بمبدأ الهوية ، إذ كيف نرفض فكر الآخر في الوقت الذي نعيش على إبداعه وإنتاجه؟ ألا يعد هذا من المفارقات الساخرة؟ ! .

        إننا لو حاولنا أن نتقرى مسار الحداثة في العالم العربي بصفة عامة وفي الجزائر بصورة خاصة  سنقف لا محالة على هذه الفجوة : نأخذ المنجزات الحضارية الحديثة ونرفض المبدأ العقلي الذي أبدعها  وننسى أو نتناسى أن الحداثة الحقيقية في الإبداع لا في المنجزات بذاتها ! وكما هو معلوم فالجزائر من اكثر دول المغرب العربي اعتمادا على إنتاج الآخر في مختلف الميادين ، ولذلك لابد من التوكيد على أننا

 " لا نقدر أن نفصل الحداثة العربية عن الحداثة في العالم " (16). ولعله لو توصلنا لمثل هذه القناعة ، لسهل علينا ردم تلك الهوة المرعبة بين واقع الخطاب الشعري ، وبين نقده ، ولاستطعنا أن نحسم موقفنا إزاء ظاهرة مرجعية النص الشعري المعاصر بالجزائر .

        لكن التساؤل الذي يبقى مترددا دائما هو : كيف نحقق خصوصية للخطاب الشعري الجزائري في ظل انصهاره داخل هذا الكم الهائل من التراث الحضاري الإنساني ؟ !إذ ان خلق خصوصية تميز خطاب ما عن غيره ، يقتضي التأسيس من واقع هذا لخطاب نفسه  وليس الانعزال عن حركة الواقع، والجري وراء تجارب الآخرين بدعوى وهم المماثلة  وهو الأمر الذي جعل مسيرتنا الشعرية الحداثية تناضل لتحقيق هذه الفرادة من خلال تطوير حقل القراءة ، والبحث في الأبعاد الجمالية والمعرفية التي وصل إليها النقد العربي في المرحلة الأخيرة .

        وحتى نقبض على سؤال الخصوصية ، سنحاول أن نجسد رؤيانا انطلاقا من قراءة جديدة واعية لتجربة شعرية رائدة ، استطاعت في الفترة الأخيرة أن تكتسح المجال الإبداعي بنجاح مدهش ، إنه الشاعر

(عبد الله حمادي) الذي حاول أن يستكنه جوهر الحداثة كما نادى بها الرواد في العالم العربي والغربي  دون الارتماء في أحضان الآخر ، وغنما استفادة من التجارب الشعرية لعالمية ، مكرسا معرفة وهاجسا حضاريا ، ليرتقي إلى مصاف الرؤيا الكونية الشاملة ، فجاءت قصائده الحداثية في ديوانه الأخير

( البرزخ والسكين ) تنويعا حقيقيا على هذا التراث وليس انفصاما عنه ، بوعي حداثي مستمد من طبيعة المرحلة.

        أخرج هذا الديوان عام 1997 كأول مرة ، عن اتحاد الكتاب العرب بسوريا ، ثم أعيد طبعه بالجزائر ثلاثة مرات متوالية ، كان آخره عام 2002 عن وزارة الثقافة والاتصال ، والذي تمكن من الفوز بجائزة البابطين للإبداع كأحسن ديوان شعري على مستوى المغرب العربي ، والمتأمل لهذه التجربة  الرائدة سيقف على ذلك الإحساس بالواقع وتناقضاته المفرطة ، والثورة على النموذج التقليدي وأنماط الوعي به  والإحساس الطاغي بحدة الزمن ومحاولة الهروب من أسره .

        ويعد ( عبد الله حمادي ) من أهم الشعراء الحداثيين بالجزائر ، والذين يدعون إلى ضرورة تأسيس رؤيا شعرية متكاملة الأطراف ، انطلاقا من الواقع الجزائري بمختلف صراعاته وأنظمته الثقافية ، وكذا أجهزته المعرفية المهيمنة بتجاوزها والدعوة الصريحة إلى تخطيها وهدمها خالقا بذلك  مفهوما حداثيا للخطاب الشعري الجزائري (17) وذلك سواء عبر الكتابات النقدية التي يحاول التأسيس من خلالها لرؤياه أو عبر الإبداع الشعري الذي يأتي تكملة لما قد غفل عنه التنظير .

        ويعد جانب الحرص على توظيف التراث من أهم ما يطبع كتاباته الشعرية ، وذلك لخلق نص شعري منبثقا من أعماق هذا التراث ، وليس استغلالا لطاقاته التعبيرية ، إضافة إلى استناده إلى خلفيـة فلسفيـة تشكـل خصوصيته الشعرية ، ولعل القارئ لنصوصـه : ( البرزخ والسكين ) ، ( يا امراة من من ورق التوت ) ، ( لا ، يـا  سيدة الإفـك !؟...)  ( الشوفار )، (جوهرة الماء ) ...سيلتمس سمة هذه الخصوصية  إذ يعود الشاعر إلى التراث العربي الإسلامي ، حيث الفلسفة الصوفية التي تقوم على دعامة رمزية الصورة والرؤيا الأسلوبية ، والتحري في قلب المادة ، و التقصي العميق للرموز التي تحتضنها  إنها نوع من الدراسة الروحية للمادة، وإلحاح في التصدي لها ، وتفكيك أطرها ، وتمزيق حجبها بحيث يحل الشاعر فيها ويتحد بها ... وعندئذ يغدو قادرا على أن يشاهد الروح في المادة  والمادة في الروح وكأنه يقيم أو يتجول في عالم واحد (18).

        هكذا يخلق ( عبد الله حمادي) الرمز الصوفي المتعلق بالسر ، والذي لا قبل للإنسان بفض لبابه إلا إذا تصوف له بالتأمل والموت والتخطف فيما وراء المادة ، بحيث يتصل بالحقيقة الأولى في ثوبها الأثيري كما قال ( مالارمييه) ، وحيث تشف له المادة وتضئ وتغدو كالزجاج الذي يكشف كل ما وراءه ولهذا تعد الرمزية حركة من التفوق النفسي لا تفي بغرضها الموهبة الفطرية والدربة والثقافة ، وإنما تقتضي حلولية روحية عميقة شاملة (19). والمتأمل في عمق هذه النصوص سيصطدم للوهلة الأولى بعوالم خيالية موحشة ترتبط خصوصية الآداء فيها بقصائده السابقة ، إذ يعتبر الأداء الذي ينتظمها السمة المميزة  لشخصيته الشعرية إن من حيث اللغة ، أو من حيث الأسلوب ، أو من حيث الصور والعناوين التي تدور متنوعة مستقطبة أهم ما يمكن أن يشغل بال مثقف واع ويثير اهتمامه  يجترح المعجزة ليصدم بها المألوف  ويتجاوز السطحي ، وينأى عن المستهلك الماثل ذهنيا من خلال التراكم .

        إن عوالم نصوص الشاعر ، جديرة بأن يتوقف القارئ أمامها طويلا ، وأن يتسلح بصبر كبير للنفاذ إليها ، وأن يكبح رغبته كم من مرة في محاولة الصد عنها ، ومع أنه يضع بين يدي قارئه مفاتيح كثيرة لعالمه ، إلا أن أبوابا بذاتها تبقى مستعصية على الفهم ، ولعل أكثرها صعوبة على القارئ العادي لغته الشعرية الجسورة ، والتي تحولت إلى هاجس كبير لدى الشاعر ، يصب عليها جام غضبه وتمرده وثورته  فعمد إلى تقليب مستوياتها ، كما يفعل الفلاح قبل البذار ، وذلك سر الخلق لديه ، لنتأمل قوله في نص

 ( يا امرأة من ورق التوت ) :

توهمت انك أني (...)

يا جسدا محفوفا بالظلمــات

علقت عتابي على باب مدينتكــم

أحترف العشق،

واللعب الآهلة بالوحشة

والغارات المهزومة ...    (20)

فالصورة اللاعقلانية هنا ، تنطلق من الفعل ( توهمت – علقت – أحترف ) فهي لوحة مليئة بالحركة والتوثب  ونشدان فعل التجاوز ، وعندما تصل الصورة إلى ما يشبه التشكل النهائي ، فإنه يدفعها إلى الأمام لتصبح صورة مركبة ، إذ هو ليس بحاجة إلى علاقة مشابهة بين طرفي الصورة ، لأنها مؤلفة من علاقات متشابكة ومعقدة ، إذ قد نتساءل ما العلاقة التي توحد الأطراف ( الجسد – الظلمات – الباب – العشق – اللعب – الغارات ) ، وبالتالي تكتمل الصورة . وفي نص ( لا ، يا سيدة الإفك !؟...) يقول :

هي القبلة حفار يقتلع الصخر

فأس صيفي ينحت من جسد تمثال الرغبة والظلمات

        فيلاحظ القارئ للوهلة الأولى قاموس لغوي جديد في خطابنا الشعري المعاصر ، بحيث عاد إلى اللغة التراثية فأعاد إضاءتها وصقلها بأدوات فنية معاصرة ، فأكسبها بذلك دلالات حية تعبر بجلاء عن دخيلائه  وموقفه من الكون والإنسان وفي مقطع آخر يقول :

لا ، يا سيدة الأقطار السبعة

وقاهرة الأحزان

أسألك الرعشة والرجفة

من باب الغفران،

أسألك ما دون اللوح وما جن الصبح (21)

        فعمل الرمـز الصوفـي هنا واضح بجـلاء ، حيث يستعير عبارة الحلاج في قولـه ( أسألك ما دون اللوح ) فعمد إلى ربطه بالأبعاد النفسية التي تناشدها القصيدة ، فتمكن من إثارة العديد من الإنفعالات التي تشحذ الذهن والوجدان معا في جو مشبع بالرؤى النفسية النابعة  من الموروث الديني ، أما نص

( الشوفار ) والذي يمثل طاقة نداء تستقطب حضور الآخر ، فهو ما نلتمسه كخيط دلالي يوحد كل قصائده ، إذ ( الشوفار ) لفظة منتقاة بمقصدية من لتراث العبري (22) يستدعيها كعنوان لمتن شعري عربي جزائري فلا شك أن رؤياه تهدف إلى تحطيم ما كان سائدا ، وتخلق حالة من الرعب والوحشة في نفسية القارئ المعتاد على المكرور والعادي ، لكن إسراره على إدراك غايته في معرفة السر فاق في هذا النص غيره من النصوص ، متجشما السير في عتمة الكلمة - كما يقول :  سان جون بيرس- واعيا بمواطئ قدميه ، مستفيدا من ثقافة متنوعة ، واطلاع واسع على مختلف الثقافات . يقول  في نص ( الشوفار ) :

يحاصرني تاريخ عينيها

يلقي بي على شفة الهزيمة

يتجدد السفر المؤبد للحنين

دمشق ... والمسافات البدايات

ما بيني وبين الكاهنة

لا ينثني نغمي

أقطعها ... أم تقطعني ؟ ! (23)

        ففضاء النص يضج بدلالات الإحباط والهزيمة والانكسار ، فأية حرب خاضها الشاعر فدمرت مواقعه و أنهكت مسيرته :

حرب المواقع أتلفت شهبي

وأنهكت المسير

        فما يبدو للوهلة الأولى خسارة يغلفها بمظاهر الهزيمة ، ليس إلا توطئة لإقامة جسر من التحدي المبطن آنا ، وموقف السخرية المقنعة آنا آخر ، فتتحول الهزيمة لديه وسيلة براغماتية يقني من خلالها موقفه الحقيقي ، فعندما يصيح :

أستغيث فأستكين

ندمي ... وما ندمي بمنقطع

النظير

        فتأتي جمله لاعنة مقرعة ، مستغربة حائرة ، متمردة ثائرة ، فيها من الدهشة بقدر ما فيها من حمى القلق ، ووهج الندم المتأتي عن إدراك السر .

        إن مركز اهتزاز ( الشوفار ) هنا هي المرأة ، الفاعل الوحيد في توتير طرفي المعادلة

 ( قوة – ضعف )  وكلما أمعن الشاعر في نبذها وإقصائها إلا أن حضورها طاغ يكاد يلغي وجوده ، إذ تقتنص أغلبية مقاطع النص سمفونية وجع داخلي عميق عمد الشاعر إلى إفراغه عبر أسلوب التداعيات : إنها لحظة استشفاف ما تشابك في ذاكرته بعد الانكسار مواقف محمومة وهادئة ، صوفية جحيمية ، ثائرة مقتحمة تارة ، منكفئة مستسلمة تارة أخرى  رغم صرخة الرفض المتحدية التي تزداد ارتفاعا كلما اقتربنا من نهاية النص ، وينتظم هذه المقاطع خيط حزين يداري حزنه ، وإن كان يطفح أحيانا بمأساوية تلف النص بأسره ، وبين هذا وذاك تتوالى صور مرعبة تعوي ألما :

خطبي  تواتر شرخه ...

خطبي وما خطبي بكارثة

بلى ... ندمي المؤجل واليقين

        لكنه وبكثير من الكبرياء المشدود خوف الهزيمة أن تغلف صوته ، أو تخرس نواحه فيغطي عريه بكل ما تتيحه له أدواته الفنية من إمكانات هائلة ، فتاتي لغته تسير على سفوح الألم ولا تتألم ، تشتهي الغناء ولا تسقط فيه .

عيناك فاتنة الفرات

رسالة الأقصى المضرج والمهين

عرس على شرف الطفولة يستباح ويستكين

يتصدر المقلاع واجهة المصلى

وما تبقى من ليمون " يافا " أو " جنين "

        إنه دوما بين قوة وضعف ، لذلك فهو يلجأ إلى تقنية تغيير مدلولاته في كل مقطع  وإضاءته حتى لتكاد تكون قدرته على طرح الرمز إلى جانب عنايته اللغوية هي أهم خصائصه ، لكنه يميل أحيانا إلى إغراقه في فوضى من التفاصيل ليزيد من كثافـة الإيحـاء ( تعدد صفات المرأة ) وهنا يوظف الشاعر الرمز بتحايل كبير ويغنيه ويفجره  إلا انه لا يخل له جبروته وعظمة إيحائه ، إنه يأبى إلا أن يفسره فيذهب بالكثير من الظلال  ويخلق نوعا من اللاتوازن بين المستويات ، لذلك فهو يمط أسلوبه ويفصله لأكثر ما يتسع  لأنه يملك حساسية تكنيكية متفردا في البناء والتركيب ، ولعل التقنية وولعه بها شغلته عن إخراج ما في أعماقه من صدق روحي، نراه يستعمل الرمز ويتلاعب به ببراعة مذهلة .

        وإذا ما كان لـ( عبد الله حمادي ) عالم شعري جدير بالفهم ، فعلى من يحاول فهمه أن يفهم لغته  ذلك لأنه يحملها كل أثقاله النفسية والروحية ، فألفاظه الوحشية يمكن أن تكون شاهدا على فجاجة طفولية  فكأنه يرفض النمو والزمن . إن المتمعن في كتابته سيضع يده على دلالات أخرى تضيء جوانب مجهولة من شخصيته ، لعل أبرزها رغبته في نوع من التعذيب الذاتي ( السادية) فحين يخرج بأدواته الشعرية عن المألوف  فلابد أن يتلقى هو نفسه أثار الصدمة والمجهول والمستغرب ، إنه واقع في قبضة شعره ، صحيح انه يلجأ إلى الشعر كمرفأ خلاصي يحرره من الاختناق والصمت ، ومن عداوة العالم ولنفس ، لكنه يعود فيهرب منه ، خارجا عن سلطانه ، ينفصل عنه ويعزله في قمة ضمئه الروحي وغربته ، هذه الغربة التي تجد لها ملامح وطن في اللغة ، وهذا ما يبرر تكرار نوع من الصور والألفاظ عبر نصوصه ، إنها أفكار لا تمهله ولا تهادنه ، وليس عقدة الإدهاش ما يدفعه إلى ذلك ، وإنما هو صياد يبحث عن صورة مطابقة تماما لهواجسه الملحة في طرائده اللغوية .

         لقد جاءت لغته على سفوح المعاناة الداخلية ، إنه يتحدى ويستنفر ، فيأتي تحديه على صور ساخرة مختفية بستائر جادة ، فهل يعني هذا أنه يسير نحو اليأس ، لا ، إن تحديه تحدي الغريق الذي يصارع الموج  إنه صراع الوحيد أمام العالم ( وحدي وعاقبة السواد بدايتي ) الموحش ، لذلك فهو لا يصنع هزيمة ، ولا يفتح للذل والإذعان هوة ، قد يصمت إذا تكالب السأم والهم عليه ، لكنه ليس كذلك رغم ما يبدو من سلبيته.

        وآخرا فقيمة اللغة في التجربة الشعرية ، في مدى معرفة الشاعر الدخول بطواعية وزحزحة الستائر والغصون المسدلة في غابة اللغة الشعرية ، هذا هو الفعل ، فعل اللقط والتوهم ، فعل العلاقة الخطرة ، هو الجلسة اللغوية المصيبة السابقة بقليل لمضمونها ، وهذه ستؤدي بالضرورة إلى قصيدة ناجحة ... كتب

 ( عبد الله حمادي ) بلغة حداثية حافلة بشعاعها متأججة بالوهج والغرابة ، والنوايا الملتهبة ، وتمادت حتى بلغت قلب العالم بصداقة حقة .

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11