FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides
  • 30 ieme ukmo
  • Ramadhan karim

    بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، يتقدم رئيس جامعة قاصدي مرباح ورقلة  لكافة الأسرة الجامعية  بأبلغ التهاني الودية و أصدق الأماني داعياً المولى عز و جل أن يعيد هذه المناسبة الكريمة علينا وعليكم بموفور الصحة و مزيد من الإيمان.

    Ferienhaus Ostsee

 

إشكالية  قراءة الخطاب الأدبي

 

                                               د/ محمد كراكبي

                                          جامعة باجي مختار-عنابة

 

الملخــــــص:

      إن هذا الموضوع جدير بالنظر والتأمل لما يشتمل عليه من رؤى منهجية ، وعلمية لاتزال محل خلاف بين الدارسين ، من هذا المنطلق أردنا المساهمة بموضوع قد تكون له فائدة في تجلية بعض القضايا بالاعتماد على مدخل لساني.إن هذا التوجه المنهجي مرجعه إلى أن الكلام على الشعر كلام على اللغة ، فلا يمكن بحسب وجهة نظرنا معالجة المسألة الشعرية بمعزل عن العلوم اللسانية التي تعمل على إبراز علاماته الترميزية ، ودرجاته الفنية ، فالشعر ماهو إلا توسيع لبعض

خصائص اللغة ، واستعمالاتها ، من هذا الحقل الجامع بين اللغة والشعر تولد موضوع البحث ، ونرمي من وراء هذا العمل إلى الكشف عن الاستشكال المنهجي العام في معالجة الظاهرة الشعرية ، وتبيين بعض الرؤى النقدية اللسانية المعاصرة التي حاولت الولوج في أعماق النص الشعري ، وذلك بتتبع الأنساق اللغوية ، والوقوف على كوامنها ، وسماتها الفنية العالية ، واصطناعنا هذا المنهج مرجعه أساسا إلى أن النص الشعري عموما لم يحظ باتفاق بين الدارسين ، وذلك لتعدد مناهله ، وتنوع أبعاده ، وسعة دلالاته. أشرنا بدءا إلى تحديد بعض المصطلحات النقدية المتداولة ، وهي النص، والخطاب ، والنسيج ، والقول الشعري، واللغة الشعرية ... ، وأبرزنا الاستشكال المنهجي في تناول النص الأدبي ، ونوهنا ببعض الرؤى النقدية ، واصطنعنا في الدراسة المنهج اللساني لشدة قربه من النص الشعري ، وما جاء به من دعائم تمكن من الولوج في أعماقه ، وختمنا العمل بنموذج تطبيقي.

    قد يكون من المفيد أن نشير بدءا إلىتحديد المصطلحات ؛ لأن ذلك يفرضه التمدن ،ويستجيب للمولدات الفكرية المستحدثة ، والغاية استبعاد العبث في التناول، والتضليل في الدلالة(1).فحسن ، إذا، أن نبين حدود بعض المصطلحات المتداولة.

     يشيع في النقد المعاصرمصطلحات عدة تنتمي إلى حقل دلالي عام وهي النص، والخطاب، والقول الشعري، واللغة الشعرية...وغيرها.وتعددهذه المصطلحات مرجعه إلى تنوع مناهل النقد الأدبي ،وسعة المجالات الثقافية ، فلا عجب أن نجد تنوعا في المصطلحات النقدية ، وليس من الهين ، في هذا المقام، ذكر جميع الرؤى المنهجية، والعلمية التي تناولت هذه المصطلحات وغيرها .غير أني ألفت نظر المتلقي إلى أن مصطلح (النص الشعري) يرتبط بالجانب المادي المرئي لجنس معين من الإبداع الأدبي، وبإمكان الناقد ملامسة الحدود السطحية ، فيقوم بإبراز ما يبوح به التشكل العلامي غير أن الوقوف على مرجعياته العميقة لا يكون إلا بطول التأني ، والممارسة .ومما يستشف من كتابات النقاد أن النص الأدبي يمثل المنطلق الأساس للمسائل النظرية، والتطبيقية .غير أن ضبط حدوده عسير المطلب لتعدد مداخله ، ومنطلقاته  وأشكاله ، ومواقعه ، وغاياته(2)، فـ"...أي عمل فني ليس حقا "مغلقا"، وإن كل واحد بمفرده يتضمن  بصرف  النظرعن أي تحديد ظاهري، لا نهائية من "القراءات" الممكنة "(3)، و يزداد النص عمقا بسمو الكلمة الأدبية ، وأشار إلى ذلك أحد الدارسين قائلا (4): " وتقوى في النص هذه القابلية بقدر ما تسمو فيه الكلمة من مستوى أدوات التعبير إلى مستوى مقومات التعبير والتفكير معا وتتحول فيه علاقتها من علاقة عمودية ... ترتبط فيها بواقع خارج النص إلى علاقة أفقية ترتبط فيها بغيرها من الكلمات في نطاق النص ذاته...". ويتردد في ألسنة النقاد مصطلح ( النسيج ) ولا يبتعد كثيرا عن مصطلح النص ،  "فالنص نسيج من الكلمات يترابط بعضها ببعض "(5).أما مصطلح الخطاب الأدبي ،فيمثل بؤرة الدرس النقدي المعاصر(6)، والمتتبع لمادة (خ ط ب( في النصوص القرآنية يدرك تنوع صيغها. ولها فيما استقرينا ثلاث صيغ (فعل،وفاعل ، وفعال).والجدول التالي يبين استعمالاتها:

الآيــــة

الصيغة

1-قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَاِمِريّ)7)

فعل

2-قال فما خطبكم أيها المرسلون )8)

4-قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدرالرعاء(9)

5-قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه)10)

1-وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب(11)

فعال

2-فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب)12)

3-رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لايملكون منه خطابا)13)

1-وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما  )14)

فاعل

2-ولا تخاطبني في الذين ظلموا )15)

     بين من الجدول أن صيغة )فعل( أكثر الصيغ ورودا ، تليها) فعال( ، فـ(فاعل(، ولعل تواتر الأولى راجع إلى الشأن والأمر ، قال الراغب الأصفهانـي ( 16) "…والخطب الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب" ورأى ابن منظور)17)"أنه الأمر الذي تقع فيه المخاطبة …".ينتج، إذا، عن لفظ )خطب(دائرة كلامية منجزة من طرفين : يدعى أحدهما المخاطب ، والثاني المخاطب ، والتفاعل اللغوي بينهما آيل إلى إنشاء )الخطاب( فالمخاطب عنصر يمثل بؤرة الدرس النقدي ،و انتماء المخاطب إلى المخاطب مرجعه إلى أن الأسلوب عد "ضغطا على المتقبل بحيث لايلقى الخطاب إلا وقد تهيأ فيه من العناصر الضاغطة ما يزيل عن المتقبل حرية ردود الفعل ") 18) ،ونعته، هنا بلفظ )الشعري) (19) يدل إما على جنس أدبي معين هو )الشعر) الذي يرتكز على ركنين أساسين هما : الوزن ، والقافية ، وإماعلى كل مايثير انفعالا ، أو إحساسا جماليا ، وسواء أكان شعرا أم نثرا أم رسما …وقد قصدنا، في هذا المقام ،المعنى الأول .

     إن الاطلاع على نصوص الشعر الجاهلي )20) ، وأقوال الرسول )ص( والخلفاء ، والصحابة ينبئ عن إحساس العرب المبكر بقيمة الشعر ، وقدرته على مسايرة الواقع ، وبكونه كلاما فنيا متميزا في بعض مخاطباتهم ، ومحاوراتهم ،ويزداد وضوحا بمجئ الأصمعي ، وابن سلام الجمحي، والجاحظ ، وابن قتيبه  والفارابي ، وابن سينا ،وابن طباطبا ، وقدامة بن جعفر ، وحازم القرطاجني. فهذه المحاولات الجادة تدل على سعي النقاد إلى وضع أسس وقواعد لفهم الشعر،ويبدو أن الرؤية النقدية الشعرية قد اكتملت بظهور حازم القرطاجني في القرن السابع الهجري . وقوام الشعر عنده أربعة عناصر : المبدع ، ويشترط فيه أن يكون صحيح الطبع ملما بصناعة الشعر، وحسن تآلف ، وتوافق عناصر البنية اللغوية الشعرية من جهة اللفظ، والأسلوب، والمعنى ،والوزن والقافية ، والاعتناء بالمستوى الجمالي، والإبداعي، ويختلف باختلاف قوة نظم الكلام ، وضعفه ،وجودته ، ورادءته، وسعة التصوير، وضيقه ، والاهتمام بعنصر التأثير في المتلقي، ويتوقف ذلك على ما يتضمنه النص من عناصر فنية ، تشحذ ذهن المتلقي ، وتثير انفعاله فيستجيب لها.

   وأما مصطلح (القول الشعري) (21)، فيرتبط أكثر بصاحب النص الإبداعي الذي يمنح النص الشعري فاعلية مميزة تنصهر فيها النوازع الذاتية ، وما يرتبط بها من أبعاد زمانية ، ومكانية ، وانتماءات ثقافية ، بل أحيانا إيديولوجية ، وينتج عن ذلك كله صيغ، وتعابير متفاوتة في درجات الإيحاء ، فكلما كان المنتج عميق الرؤيا ، كانت كلماته ، وعباراته بعيدة المرجع ، ولايدرك إلا من أوتي قوة في المنهج ، ودقة في التحليل  وبعد النظر. وأما (مصطلح اللغة الشعرية) ، فالغرض منه الوقوف على الخصائص التي اصطبغت بالنمط الشعري ، فمنها ما هوعام كالإيقاع ، والتكرار، والتوازي، والانزياح، والتصوير، وغيرها ، ومنها ماهوخاص كالذي يلتاط بشاعر دون آخر، في عصر واحد ، أو في عصور متفرقة .وأما لفظ ( القراءة ) فمصطلح نقدي مسلط على نص ما ، ويختلف باختلاف المدونات أولا ، والأشخاص ثانيا.

    فلا بد، إذا، من إعادة النظر في المقروء ، وقراءته بأدوات فاعلة تعمل على جمع شتات الرؤى العربية في شتى المجالات ، فيها نحقق ذاتنا ، وإسهاماتنا في الفكر الإنساني ، وإلا أصبنا بالقطيعة ،والشطط فنصبح أداة طيعة في أيدي الآخرين.

  وأما لفظ (المنهج ) ، فسبيل يصطنعه الناقد في الكشف عن ملابسات النص، والوقوف على كوامنه ومرجعياته، ويختلف باختلاف الحاجات العلمية ، والغايات التي يريد الناقد تحقيقها . ويزخر النقد المعاصر بمناهج عدة أدبية، ولغوية(22)  ولايمكن في هذا المقام بسطها . غير أنه من الضروري هضم الأرضية التي نبت فيها المنهج ؛لأن له علاقة ما بالمدونة المقدمة للدرس، والتحليل ، والعمل على الملاءمة بين المنهج المصطنع ، وعناصر التحليل لئلا تفقد الممارسة النقدية قيمتها، وغايتها. وتجدر الإشارة إلى أن كثيرا من الممارسات النقدية لم تبن على رؤية منهجية واضحة ، والرأي الذي نميل إليه عدم التكلف في اصطناع المنهج ، فينبغي لنا تحديد الفرضية العلمية التي يريد الناقد الوصول إليها ، ومن ثمة يتم اختيار المنهج .

       إن ارتباط اللغة بالأنسان بوأها منزلة عليا ، فكانت جديرة بالـدرس، والتحليل. وقد حاول الباحثون ،عبر الأزمان ،تبين أسرارها ، وكشـف غموضها ، وأدوارها في مناحي الحياة المختلفة ، وذلك بالاعتماد على أسس علمية ، متباينة ؛ لأنها نشاط إنساني معقد ، يصعب تفسيره بنظرة أحادية .وكان منطلق البحث فيها دينيا ،وفلسفيا،واتخذت بعد ذلك منعرجــا علميا حاسما ، ينبئ عن النضج الفكري اللغوي المتمثل في اعتماد الدارسيــن منهجا مقارنيا، وتاريخيا ، ووصفيا، وتقابليا.

        وتوصل العلماء باعتماد المنهج المقارن إلى وجود صلات القرابــــة بين اللغات ، فصنفوها إلى مجموعات لغوية ، وأساس تصنيفها تشابهها في بعض  النواحي الصوتية والصرفية ،والنحوية ،والمعجمبة .ولم يلبـــث أن توسعت أطره،  فانسحب على ميادين أخرى :لغـوية، وأدبية .

         وتداخل هذا المنهج مع المنحى التاريخي ؛ إذ يصعب تحديد الفاصــل الزمني بينهما. غير أن المعيار الذي اتخذه العلماء هو غلبة أحدهما عـلى الآخر في إحدى الفترات الزمنية .فكانت وجهة البحث في الثلث الأول من القرن التاسع عشر مقارنية ، وفي نهايته تاريخية . وأكد المنهج التاريخي على أن اللغة جهاز عضوي ،ينشأ، وينمو ، ويهرم ، ويوت،شأنها في ذلك شأن الكائن الحي .فكان ذلك أدعى إلى دراستها عبر العصور.

         وأما المنهج الوصفي ، فيعنى بوصف الظواهر اللغوية ، واستعمالاتها المختلفة لدى فئة من الناس ،في زمان ،ومكان معينين .

          واستعمل المنهج التقابلي (وهو أحدث مناهج البحث في اللغة)في المقابلة بين لغتين إحداهما أصلية ،والأخرى أجنبية ، لغرض التعلم .فيبحث في هذه الحال ، أوجه التشابه ، والاختلاف ، والصعاب الناجمة عـن ذلك، فندرك خصائصهما اللغوية ، وننتبه إلى الفروق اللغوية بينهما.وقد يتجه هذا العمل التقابلي وجهة تطبيقية ، تعتمد وسائل تعليمبة حديثة ،فيصــير إذاك منهجا تطبيقيا .

    ولعل أخصب المناهج، وأنسبها ، وأشدها تعلقا بالخطاب الشعري المنهج اللساني، ومرجع ذلك إلى ماحققه من نتائج علمية في دراسة الظاهرة اللغوية، "فيغدو تفاعلا قارا بين تفكيك الظاهرة إلى مركباتها والبحث عما يجمع الأجزاء من روابط مؤلفة فهو منهج يعتمد الاستقراء والاستنتاج معا بحيث يتعاضد التجريد والتصنيف فيكون مسار البحث من الكل إلى الأجزاء ومن الأجزاء إلى الكل حسبما تمليه الضرورة النوعية "، فاقتراب اللسانيات من الأدب يوسع نظرياتها ، ومناهجها ، ويزيدها تطورا ، وإتقانا ، ودقة  وموضوعية(23) ، وقد يستعين التحليل اللساني بالمعطى الأسلوبي الذي يقف على الاختبارات التي تحقق قيما جمالية مؤثرة ، ويساعد على تبين وسائل الاستخدام اللغوي، وطرق الاتساع التي يوفرها     السياق

(24)، ويكون المعطى الأسلوبي محوجا إلى دعامة تحليليه أخرى تعينه على تفسير بعض العلامات غير اللغوية ، في الخطاب ، كالتلوين ، والبياض والنقاط ، وغيرها ، وتعرف بالدعامة السيوسيولوجية(25 ).

       إن توفر هذه الدعامات المنهجية في الخطاب الواحد مدل بفائدتين:

الأولى :إن العمل الإبداعي مستقل عن منشئه ،ويعني ذلك أن المبدع يفقد ملكيته لعمله بمجرد تجسيده في الواقع ، وهذا المفهوم يسترضيه النقاد المعاصرون.

الثانية: العمل الشعري مجال فسيح للتأويل ، ويتوقف ذلك على ثقافة القارئ ، ودربته ، "وهكذا نجد عطاء النص الأدبي متجددا أزليا لا ينفد أبدا : فكلما استعطاه قارئ أعطاه ")26) ، ولن يتأتى ذلك إلا بأدوات منهجية فاعلة ، ومؤهلات علمية عالية، ونسج أدبية سامية .

الثالثة :عدم وجود قواعد عامة للتحليل ،وهذه نظرة صائبة يدعمها النقد المعاصر ؛ لأنالعمل الإبداعي ذو أبعاد عدة : نفسية ، واجتماعية ، وثقافية ، وحضارية ، فيصعب على الدرس إيضاح هذه الجوانب كلها .

    وعلى الرغم من هذا الاستشكال المنهجي فإننا نسعى إلى دراسة نماذج شعرية معتمدين المنهج اللساني ،وهذه الممارسة التطبيقية ماهي إلا تجربة نقدية ذاتية ، قد تحظى بالقبول لدى المتلقي ، فإن لم يكن ، فلا عجب ؛لأن المقاييس المعتمدة مختلفة ، متباينة ، والأذواق متفاوتة ، والإحساسات متماوجة.

   أما دعامة المنهج ، فتنطلق من أن  الخطاب الشعري لم يحظ باتفاق بين الدارسين(27).وأهم مواطن الخلاف ما اتصلت بنشأته، وطبيعته، ووظيفته.والبحث، في نشأته، يعني تجلية العلاقة بين المبدع ، وإبداعه  وفي طبيعته، يتركز على تبين الخصائص المتميزة العامة للعمل الشعري ،وفي وظيفته، يقوم على إبراز أثر النتاج الشعري في المتلقين . كما أنه لم يحظ،في التحليل، بنظرية شاملة ، وما نجده سوى آراء تسعى إلى إضاءة بعض جوانبه دون بعضه الآخر .

 

ومن أهم الرؤى النقدية :

الأولى : تهتم بالباث ، أو الشاعر، فيدرسون سيرة حياته ، وعصره ، ويحللون نفسيته.

الثانية : ترى أن الخطاب كفيل بأن يمدنا بمعرفة واسعة عن الشاعر ، ومؤثراته الاجتماعية ، والثقافية ، والحضارية ، فلغة الخطاب حسبه تدل على نفسها بهذا يصبح الخطاب معزولا عن المؤلف ، وعصره.

الثالثة : تعتمد السياق ، وهو أفضل وسيلة لمعرفة الشاعر ، وشعره.

الرابعة: تعتمد مفهوم الوظيفة الشعرية أي كل ما يجعل العمل الشعري عملا فنيا وموضوعها الرئيس تمايز الفن اللغوي ، واختلافه عن غيره من الفنون الأخرى ، والبحث عما يحقق الأثر الفني في العمل الشعري؛ لأنها تعنى بدراسة العناصر الظاهرة، وإحضار العناصر الغائبة ، وذلك بسبر دلالاته الخفية.

    وتتعدد قراءات الخطاب الشعري بتعدد الرؤى، وتنوع الثقافات ،ويعني ذلك أن الخطاب الشعري يتجدد ، وينبعث من خلال كل قراءة ؛لأن القراءة سبيل إلى تعدد وجهات النظر. فالقارئ يستقبل الخطاب بما يملكه من قدرات فكرية ، ولغوية ، وثقافية ، وهذه العناصر درجات متفاوتة بين القراء كل يعمل على إثرائه بهذه المعطيات الشخصية ،ويرجع ذلك كله إلى أن الخطاب بنية لغوية فنية منغلقة بالنظر إلى الشكل المجسد للعناصر اللغوية ، ومنفتحة بحسب قدرات التأويل ، ،فلا يمكن ،إذا، فهمه إلا بمعرفة دلالاته السطحية، والباطنية ، وتفهم المقام الذي تنزل فيه ، والظروف الاجتماعية المحيطة  بالمبدع ، والعمل الإبداعي ، فإذا استطعنا أن نلم بهذه الأمور، أدركنا قيمته اللغوية ، والإبداعية ، والجمالية غير أن الخطاب الشعري عالم معقد تنغرس فيه شتى النوازع ، فيصعب على القارئ الولوج فيه ، ودراسة جميع جوانبه ، فيجنح إلى تحديد وجهة ما في الدراسة لإيضاح جانب معين من الخطاب .

      ولهذا السبب  سعيت، في هذا البحث، إلى اعتماد منهج لساني في قراءة نماذج شعرية ، وقد ركزنا ، لضيق المقام ، على معالجة المستويين : الصوتي والتركيبي.

أولا- المستوى الصوتي:

       يعد البحث الصوتي العربي من أدق ، وأعمق الموروثات اللغوية القديمة. وقد سخر له علماؤنا العرب كل إمكاناتهم من أجل تدوينه، وتبويبه، وتصنيفه، ودراسة مصطلحاته، والتنبيه على مسالكه الوعرة(28)، فظلت دراساتهم ردحا من الزمان مبجلة، معظمة، وشهد لهم علماء غربيون (29)،ومن بينهم العالم الألماني برجشتراسر(30)، والأنجليزي فيرث (31) قال الأول "لم يسبق الأوروبيين في هذا العلم (أي الأصوات) إلا قومان، العرب، والهنود"، وقال الثاني"إن علم الأصوات قد نما، وشب في خدمة لغتين مقدستين هما السنسكريتية والعربية ".

وقوم الفكر الصوتي العربي تقويما تاريخيا ، وعلميا، ففي المنحى التاريخي يكاد يتوقف البحث الصوتي بعد الخليل، وسيبوبه، وابن جني ، ولم يزد المتأخرون على ما أوردوه، وفي المنحى العلمي توصل علماء العرب إلى نتائج ، منها ما أخذ مأخذا حسنا كتوضيحهم للتقطيع الثنائي، وعدهم الألف، والواو، والياء إما حركات طويلة ، وإما أشباه حركات هوائية، وتصريحهم بمصطلح (علم الأصوات) ، ومقارنتهم بين الناي، وعملية التصويت، وغيرها، ومنها ما يحتاج إلى إعادة النظر كقولهم بوجود "حركة قبل أصوات العلة الطويلة"(32) ، ومخرج واحد وهو الحنجرة، للهمزة ، والألف(33)، وعدهم صوت الضاد رخوا، وهو صوت شديد، وصوت الجيم شديدا، وهو بين الشدة والرخاوة ، وأصوات القاف، والطاء، والهمزة مجهورة، وهي مهموسة (34) ، ولم يفرقوا أيضا بين درجات الانفتاح ،وصفات النطق...وغيرها(35).

والاهتمام بالمنحى الصوتي في اللغة يرجع إلى أنه "الأساس الذي يقوم عليه بناء مفرداتها، وصيغها، وتراكيبها..."(36)، و" على هذا فإن أي دراسة تفصيلية للغة ما تقتضي دراسة تحليلية لمادتها الأساسية، أو لعناصرها التكوينية، وتقتضي دراسة تجمعاتها الصوتية..."(37)،وهو وسيلة من وسائل تعليم اللغات القومية والأجنبية(38)،ويعتمد في تفسير بعض الظواهر اللغوية الصرفية، والنحوية(39)، وغيرها.

لهذا السبب اهتم علماء العرب بالدرس الصوتي، وكانت أبحاثهم فيه جليلة القدر، وغايتها الوقوف على خصائص اللغة العربية(40)، ولعل أهم مسألة صوتية في الدرس اللغوي العربي القديم ما اتصلت بعلاقة الصوت بالمعنى، فمنهم من آمن بها، ومنهم من أنكر وجودها .وسبب الاختلاف راجع إلى أن طفولة اللغة العربية غامضة ، وما وجد من آراء حول  نشأتها فهو من قبيل التخمين. فاللغة ، إذا ،أنشئت بأصواتها، ومفرداتها، وتراكيبها دفعة واحدة.

من هذا المنطلق سعى الدارسون العرب القدامى إلى إعادة النظر في هذه المدونة ، فقوموها وفق أذواقهم، ومعارفهم، وانتماءاتهم. ويحسن بنا أن نستعرض آراءهم في هذه المسألة الشائكة.

المتأمل في ما أورده الخليل بن أحمد الفراهيدي عن علاقة الأسماء بمسمياتها يدرك مدى اهتمام القدامى بالمستوى اللغوي المنطوق، وأثره في اللغة المكتوبة، وفي هذا الصدد قال الخليل "كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا: صر، وتوهموا في صوت البازي تقطيعا فقالوا: صرصر"(41)، وفي هذا مناسبة صوتية بين الاسم، والمسمى، ولا يبتعد سيبوبه كثيرا عما استشعره الخليل، فرأى أن المصادر التي تأتي على فعلان تدل على الاضطراب والحركة ،قال "ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني قولك: النزوان، والنقزان، وإنما هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع...ومثل هذا الغليان، لأنه زعزعة وتحرك  ومثله الغثيان لأنه تجيش نفسه وغيره وتثور. ومثله الخطران واللمعان، لأن هذا اضطراب وتحرك.."(42). فهذا النص وغيره تنبيه مهم على ميل سيبويه، وغيره إلى ارتضاء العلاقة بين الصوت والمعنى، قال ابن جني "اعلم أن هذا موضع شريف لطيف وقد نبه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له، والاعتراف بصحته.."(43).

وخصص ابن جني بابا لعلاقة الأصوات بمعانيها سماه"باب في إمساس الألفاظ أشـباه المعاني"(44)، قال "فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها، فيعدلونها بها ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره، وأضعاف ما نستشعره"(45).

يبوح النص بأربعة مرتكزات:

الأول: التصريح بوعورة المسلك، وصعوبة البحث في علاقة الصوت بالمعنى، وذلك لتعدد مناهله، ومشاربه.

الثاني: ميل الكثير من القدامى إلى الإقرار بدلالة الصوت على معنى ما.

الثالث: إيمان ابن جني بها في كثير من الحالات.

الرابع: عدم تعميم هذه الظاهرة اللغوية، وهو مستشف من عبارته"...وذلك أكثر مما نقدره، وأضعاف ما نستشعره"(46).

 يستنتج من حديث ابن جني عن علاقة الأصوات بمعانيها ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: دلالة الصوت المفرد.

المسألة الثانية: دلالة ترتيب الأصوات في الكلمة.

المسألة الثالثة: دلالة اختلاف بعض الأصوات مع بعض.

أولا- المسألة الأولى: أما دلالة الصوت المفرد، فثلاثة أشكال:

الشكل الأول: ما اختلف فيه الصوت في أول اللفظ، ومن أمثلته، (خضم، قضم، وصعد، وسعد، وسد، وصد).فالفاء دال على اللين، والقاف دال على الشدة، وهما مناسبان لمعنيين: الرطب، واليابس، وإلى ذلك أشار ابن جني "...فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس ؛ حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.."(47).

والصاد في (صعد) جعل الأمر قويا مشاهدا، والسين في (سعد) لأمر ضعيف غير ظاهر، قال"...ومن ذلك قولهم صعد، وسعد، فجعلوا الصاد - لأنها الأقوي لما فيه أثر مشاهد يرى، وهو الصعود في الجبل، والحائط، ونحو ذلك.وجعلوا السين-لضعفها- لما لا يظهر ولا يشاهد حسـا..."(48) ، ولا يفارق المعنيان المذكوران السين والصاد في الثنائية (سد، وصد)، "فالسد دون الصد؛ لأن السد للباب يسد، والمنظرة ونحوها، والصد جانب الجبل والوادي والشعب... فجعلوا الصاد لقوتها ، للأقوى، والسين لضعفها ، للأضعف"(49).

 

الشكل الثاني: ما اختلف فيه الصوت في وسط اللفظ، ومن أمثلة:

(الوسيلة، والوصيلة، والقسم، والقصم، ، وقطر، وقدر، وفتر"، فبين الوسيلة، والوصيلة معنى مشترك متمثل في اتصال الأشياء بعضها ببعض، غير أن معنى الاتصال في (الوسيلة) ضعيف، وفي (الوصيلة) قوي، قال ابن جني "...ومن ذلك قولهم، الوسيلة، والوصيلة، والصاد...أقوى صوتا من السين، لما فيها من الاستعلاء، والوصيلة أقوى من الوسيلة..."(50). والطرفة في (القسم، والقصم) استشعار القارئ بالمعنى الزائد في (القصم)، وهو الدق"...فالقصم أقوى فعلا من القسم ؛ لأن القصم يكون معه الدق، وقد يقسم بين الشيئين فلا ينكأ أحدهما ..."(51)،و(الطاء، والدال، والتاء)في الألفاظ (قطر، وقدر، وقتر) تنبئ عن معاني التخفي وهو لصيق بالتاء، والتسامي، وهو منوط بالطاء، والتوسط بينهما، ويدل عليه الدال(52).

الشكل الثالث: ما اختلف فيه الصوت في آخر اللفظ، ومن أمثلته : (النضج، والنضخ، والقط، والقد، وقرت ، وقرد، والخذا، والخذأ، وجفا، ) ،ففي (النصح) رقة، وفي(النضخ) غلطة، فكان الحاء أنسب للأول، والخاء للثاني، وفي (القد) مماطلة ،وفي (القط)مناجزة ، و"...ذلك أن الطاء أحصر للصوت، وأسرع قطعا له من الدال.."(53)، وأخف الأصوات في (قرت، وقرد،وقرط) التاء، وأعلاها الطاء، وأما الدال، فأقوى من التاء، وأضعف من الطاء ، و(الخذا، والحذأ) يشتملان على معنى العيب والقبح، غير أنهما متناهيان في لفظ (الخذأ).فناسب هذا المعنى استعمال الهمزة في (الخذأ) ، والواو في (الخذا) ، قال ابن جني "ومن ذلك قولهم:(الخذا) في الأذن ، و(الخذأ: الاستخذاء) فجعلوا الواو في خذواء – لأنها دون الهمزة صوتا-للمعنى الأضعف ...وأما الذال فهو من أقبح العيوب، وأذهبها في المزراة والسب ، فعبروا عنه بالهمزة لقوتها، وعن عيب الأذن المحتمل بالواو لضعفها..."(54).

ثانيا-المسألة الثانية: دلالة ترتيب الأصوات في الكلمة:

قال ابن جني "...وذلك أنهم قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها ترتيبها، وتقديم ما يضاهي أول الحدث، وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي أوسطه، سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود.والغرض المطلوب..."(55)، فلم يتوقف البحث عند ابن جني على دلالة الصوت المفرد، بل تعداه إلى أن ترتيب الأصوات أحيانا يوافق إنشاء الأحداث، ونموها من ذلك ترتيب الأصوات في اللفظ (بحث) الذي ينسجم مع واقع الحدث المشتمل على معاني الشدة، ويكمن في (الباء) والغور، ويؤديه (الحاء)، والنفث، ويبوح به(الثاء)، قال ابن جني "...وذلك قولهم: بحث، فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض، والحاء لصحلها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث، والبث للتراب..."(56) وشبيه بها لفظ(شد)، "...فالشين بما فيها من التفشي تشبه بالصوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد، ثم يليه إحكام الشد، والجذب، وتأريب العقد، فيعبر عنه بالدال التي هي أقوى من الشين..."(57).

ثالثا-المسألة الثالثة: دلالة ائتلاف بعض الأصوات مع بعض:

نص ابن جني على أنه قد ينشأ عن ائتلاف بعض الأصوات مع بعض معنى لا يكاد يفارقه من ذلك ائتلاف (الفاء)، مع (الدال، أو التاء، أو الطاء، أو الراء، أو اللام، أو النون،)، "...فأكثر أحوالها، ومجموع معانيها أنها للوهن ، والضعف، ونحوهما..."(58) ومن أمثلة ذلك الدالف، والتالف، والطليف، وغيرها.

     وإذا تأملنا ، فيما يتخلل هذه المسائل الصوتية ،نجد أن ابن جني دعا القارئ دوما إلى التدبر فيما يعرضه من مسائل، فقال"...فهذا ونحوه أمر، إذا أنت أتيته من بابه، وأصلحت فكرك لتناوله وتأمله، أعطاك مقادته، وأركبك ذروته، وجلا عليك بهجاته ومحاسنه .وإن أنت تناكرته، وقلت، هذا أمر منتشر، ومذهب صعب موعر، حرمت نفسك لذته، وسددت عليها باب الحظوة بـه..."(59) ، كما تبين نصوصه عن وجود ألفاظ كثيرة تعبر عن سوق أحداثها وأرجع أفكار ذلك إلى ثلاثة أمورا:

1-قصر النظر

2- عدم الإحاطة باللغة.

3- اكتمال العلوم عند الأولين.

ودعا في الأخير، إلى ملاطفة هذا الموضوع، وعدم المجافاة فقال(60)"...الآن قد أنستك بمذهب القوم فيما هذه حاله، ووقفتك على طريقه ، وأبديت لك عن مكنونه، وبقى عليك أنت التنبه لأمثاله فأبه له ،ولاطفه ولا تجف عليه فيعرض عنك ولا يبهأ بك"

بين مما سبق أن ابن جني قد شعر بتجشمه هذا المنحى الصوتي الشائك وآية ذلك عدم إجماع الأمة على الأخذ به لافتقاره إلى الشمولية ،فكثيرا ما كان يميل إلى الانتقائية غير أنه ساهم في لفت النظر إلى كنه هذا الموضوع، وأسراره العجيبة ،ولطائفه، وهي ،أصلا ،من لطائف اللغة الشريفة "التي لا يكاد يعلم بعدها ولا يحاط بقاصيها ..."(61).

وإذا تصفحنا القرن الخامس الهجري، وجدنا أن عبد القاهر الجرجاني لا ينتصر إلى الرأي القائل بوجود صلة ما بين الصوت ومعناه قال "...وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط، وليس نظمها بمقتضى عن معنى ..."(62) ،فالحروف لا معنى لها إلا إذا ائتلفت في الألفاظ لتدل على معان خاصة ،قال الجرجاني "...إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق..."(63) وقد أسس الجرجاني رأيه على أن المعاني سابقة على الألفاظ ، فلا بد من تصور الأوضاع، والأحوال أولا ثم التعبير عنها ثانيا، قال "لا يتصور أن تعرف للفظ موصفا من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتعرض في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ونظما ، وأنك تتوخى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر هناك، فإذا تم ذلك أتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها ..."(64) .

بهذا يتبين أن الأصوات المفردة عند عبد القاهر الجرجاني ميتة، ولا حياة لها إلا بعد تصييرها ألفاظا دالة على معان خاصة بحسب الأوضاع اللغوية المقننة.

وأورد السيوطي في المزهر رأيين جديرين بالذكر، أحدهما لعباد بن سليمان الصيمري الذي ذهب إلى "...أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع.."(65)، وثانيهما لأهل اللغة والعربية الذين ذهبوا مذهبه، غير أن بينهما فارقا يحسن التفطن له، وهو أن اقتضاء الاسم للمسمى اقتضاء واجب في الرأي الأول، وغير واجب في الثاني ، وإلى ذلك أشار السيوطي(66) "...لكن الفرق بين مذهبهم ومذهب عباد أن عبادا يراها ذاتية موجبة بخلافهم...".

بين أن علاقة الصوت بالمعنى(67) مسألة لغوية متجذرة في تراثنا القديم ؛ إذ أسهم الفكر العربي في بسطها، وتبيين معضلاتها، واختلافاتها، فلم تكن الحضارة العربية بمعزل عن التيارات الفكرية الإنسانية، وعلى الرغم من هذا المنحى الإيجابي الذي جسدته الثقافة اللغوية العربية ، فإن الدراسات الصوتية لم تتجاوز حدود الألفاظ، ولم توظف في المولدات الإبداعية ، وحاول النقد الغربي الحديث (68) تتبع مسالكها في النصوص الإبداعية من ذلك محاولات الشكلانيين الروس، وبريكBRIK، ورومان جاكسون ROMAN JAKOBSON، وغيرهم، وتأثر النقد العربي بهذه الحداثة اللسانية ، ويظهر ذلك جليا في أعمال حمادي صمود، وعبد السلام المسدي، وكمال أبو ديب ، وغيرهم .

        وقد قمنا بتلمس آثار الدراسة الصوتية في بعض النصوص القديمة:

-الأصـــوات المجهـــورة ،والمهمــوســة :

         هي وحدات صوتية ، متقابلة ، في درجة الاستعمال .وقد أكد "الاستقراء على أن نسبة شيوع الأصوات المهموسة في الكلام لا تزيد على الخمس أو عشرين في المائة فيه ، في حين أن أربعة أخماس الكلام تتكون من أصوات مجهورة"(69). ويوفر انتشارها في النص ظلالا من المعاني ، توصف بحسب صفة الأصوات. فإذا كانت مجهورة ، ازداد المقام تفخيما؛ لأن الصوت المجهور يتصف بحركة قوية ، تشد انتباه السامع ، فيعي أسراره ، وإذا كانت مهموسة ، كان الصوت خافتا، والحس مرهفا ، فيوجب التأمل ، وتوقظ حركته الوجدان ، والمشاعر النبيلة؛ لأنه ، غالبا ، ما يكون في مقام الحزن ، والإشفاق.

         وقد تتغير هذه الدلالات بحسب مواقع الأصوات في الكلمات ، أو في السياق،  فصوت (الحاء)(70) في المفردات (الارتياح) ، و(السماح )، و(النجاح) يدل على السعة ، وفي لفظ (الحجر) يدل على التقيد، والحبس . فليس سواء وقوعه في أول الكلمة ، أو في وسطها ، أو في آخرها.

         وأهم مجال خصب لتوظيف هذه الأصوات هو النص الشعري . ونحاول إبراز التشكلات الصوتية ، وآثارها الدلالية التي جادت بها قريحة الشاعر.

 

       أ- الأصــــوات المهموســـة

        منها : الفاء ، والتاء ، والسين ، والقاف ، والحاء.

       1- الفــاء

                صوتي شفوي أسناني ، رخو ، مهموس ، ساهم في إبراز     الدلالات التالية:

       - المواجهة والدفاع عن النفس

فلما أن طغت سفهـاء " كعـب"   \فتحنا بيننا ، للحـــرب ، بــابا(2ـ10)

       فالفاء الأولى نسقيه ، والأخريان أصليتان. وفي تكرارها تجسيد لعظمة الشاعر في إيقاف الطغيان ، وإبراز إحدى صفاته الخلقية النبيلة التي تأبى الابتداء بالإيذاء.

       - المــدح

حتى اعترفـت وعزتني فضائله   \وفات سبقـا وحـاز الفضل منفـردا(2ـ96)   ترديد الفاء متصل بمعنى السمو ، والاعتزاز بالخصال المتفردة في الممدوح.     

 

  2- التـــاء

                صوت لثوي ، أسناني ، مهموس ، انفجاري ، ساعد على إظهار هذه الدلالات:

           -الفخـر

إني منعـت من المسير إليكم \ ولـواستطعــــت لكنـت أول وارد(2ـ72)

           - الكـآبــة

تـرد الدموع ، لمـا تجـن ضلوعه   \تتـرى إلى وجنـاته أونحره(2ـ195)*

           -العتــــــاب واللــــــوم

أتترك إتيـان الـزيارة ؛ عامـدا؛   \وأنت عليها ، لو تشاء ، قديـر؟(2ـ214)

                -الغـــــــزل

لاغـرو إن فتنتـك بــال\     لحظــات فاتــرةالجفـــون(3ـ403)**

فمصــارع العشـاق مـا\     بين  الفتـور إلى الفتـــــون

 

        3- السيـــــن

             لثوي ، مهموس ، احتكاكي ، دلت على :

          - الشـــدة والقـــوة

         وعمل على إنشائها ارتباطها بالأصوات الأخرى ، كالقاف ، من ذلك     قول الشاعر:

وسقنـاهم إلى " الحيـران " سوقـا    \كمـانستـاق آبـالاصعــابـا(2ـ10)

             صبري وأخنىعلىعزمي بفادحةالدهر(2ـ221)****

        2- الـــــــدال

    لثوي أسناني ، مجهور ، انفجاري ، ارتبط بالقوة ، كقول الشاعر:

ولمـا اشتدت الهيجـاء كنا   \   أشـد مخـالبـا ، وأحد نـابـا(2ـ10)*****

3 ـ  النــــــــون

         لثوي أسناني ، مجهور ، متوسط ، وظف ، في أغلب السياقات ، للاعتزاز بالنفس من ذلك :

  ألم تـرنا أعز الناس جارا  \   وأمنعهم ، وأمرعهم ،جنـابـا؟!(2ـ10)******

        4 - الميمــــــم

        شفوي ، مجهور ، متوسط ، جسد صورة من صور البطش ، كقوله:

سقينا بـالرماح بني " قشيـر"    \  ببطن " الغنثـر "السم المذابا(2ـ10)*******

 

كما وظف للدلالة على الطاعة والانقياد:

أمرت -وأنت المطاع الكـريـم ـ   \  ببذل الأمـان ورد السلب(2ـ17)

        5- العيــــــــن

       حلقي ، مجهور ، احتكاكي ، صاحبته دلالات كثيرة ، أعلاها :

- الـوفاء والطــاعـة

وأمنع جانبا ؛ وأعـز جارا    \   وأوفى ذمـــــة ، وأقـل عابـا(2ـ10)

دعانا -والأسنـة مشرعات-  \   فكنــا ، عنـد دعـوته ، الجــوابا

-المــــــدح

ونفس ،لا تساورها الدنايـا ،\وعرض ،لا يـرف عليـه عـار(2ـ176)********

               - إظهـار الشــوق

  بلى أنا مشتاق ، وعندي لوعة ، \ ولكن مثلـي لا يذاع لـه ســر (2ـ209)

           6- الـــــــلام

        أسناني ،مجهور ، متوسط ، استعمل ، كثيرا ، في سياق العتاب :

لا تقبلن القول من كل قائل ! \ سأرضيك مرأى لسـت أرضيك مسمعا(2ـ245)

        7- القـــــــــاف

        لهوي شديد، مجهور ، وظف في سياقات كثيرة ، أهمها :

                - الفخــــــــر

ألم تعلـم ؟ ومثــلك قـال حقـا : \     بأني كنت أثقبهــا شهابا !(2ـ10)

              - إبــراز الخلــــق

 

أرانـي وقومي فرقتنا مذاهـب   \وإن جمعتنـا في الأصول المناسـب(2ـ20)

فأقصاهم أقصاهم من مساءتــي \

                            وأقربهم مما كـرهــت الأقـارب*********

             -  التعـالــي عـن الدنيــا وطلــب المعــالـــي

 ولو رضيت نفسي المقام لقصرت   \ولكنها معقــودة بالكـواكــب(2ـ48)

 

 

         2 - الحــــركــة الإعــرابيــة

         قد تساهم الحركة الإعرابية، فضلا عما لهامن وظائف لغوية نحوية ، في تحديد الدلالة الشعرية. و من أجل استعمالاتها قولــــــه:

أ- هـل لصب متيم مـن معيـن؟\ ولــداء مخـامـر من طبيــب!(2ـ45)

     أنا في حالتـي وصل وهجـر\ من جوى الحب فــي عذاب مذيب

   بين قـرب منغـص بصدود   \

                               ووصــال منغــــض برقيـب**********

ب- وودادهـم خاص ، صحـح  \ وعهدهم ثابت ، مقيــــــم(3ـ343)

جـ- وسـرنا ، معلمين إليك حتى \ ضربنا،خلف "خرشنة"الخيامـا! (3ـ346)           

         ففي(أ) أعانت الكسرة على إذكاء نار الشوق التي ألمت بالأنا الشاعرة ، وفي (ب) كانت حركة الضمة عنصرا أساسا في تكوين الخصال الحميدة     للممدوح ،وفي (جـ) ساعدت الفتحة على تبيين روح الوفاء التي جبل عليها الشاعر.  

      3  - الحــركــات الطـــــــوال

         شعر أبي فراس زاخر بتوظيف الحركات الطوال التي تناسب مشاعر النفس المنبسطة ، ولا سيما في حالات اليأس ، والحزن ، ولعل وفرة استعمالها في النص تعود إلى خصائصها الطبيعية التي تمتاز بالوضوح السمعي ، فتشد الانتباه إلى ما في النص من معان توجب النظر.

      وقد ارتبطت بدلالات كثيرة ، و أعمقها:

 

 

التـــألــــــــم

أيا أماه ، كم هـم طـويل     \  مضى بـك لـم يكن منه نصيـــر!؟(2ـ215)

أيا أماه ، كـم سـر مصون   \  بقلبـــك ، مـات ليـس له ظهور؟!

أيا أماه ، كم بشرى بقربـي   \  أتتــك ، ودونهـا الأجـل القصيـر؟!

       

         بين أن المقاطع الطويلة عبرت عن الشجن العميق في قلب الشاعر، وكان سببه بعد أمه ، وموتها ، وهو في الأسر.

- الشكــــــــــوى والعتـــــــــاب

بني عمنا ما يصنع السيف في الوغى\

                              إذا فل منـــه مضرب وذباب؟(2ـ21)***********

بني عمنـا لا تنكروا الـود إننــا \  شداد على غير الهوان صـلاب

بني عمنا نحن السـواعد والظبــا \

                                    ويوشك يوماأن يكون ضـراب************

        فالحركات الطوال تناسب حالتي التشكي ، والعتاب اللتين لم تفارقا الشاعر في كثير من المواطن .

               ــ  الوصـــف

وزائر حبـبـه إغبابه         \     طال على رغم السرى اجتنابـه(2ـ40)

وافاه دهر عصل أنيابه        \  

                                 واجتاب بطنان العجاج جابـــه*************

يدأب ماردالزمان دابه         \

                             وأرفدت خيــــــراته  ورابه**************

      ساهمت المقاطع الطويلة في إبرازحالة الانشراح النفسي ، فجنح إلى الوصف غير المتكلف .

              -  الحكمـــة

لن للزمان ، وإن صــعب      \       وإذا تباعد فاقـترب(2ـ50)

 

لاتكذبن ؛ من غالـب ال       \       أيام كان لها الغلـــــــب(2ـ50)

ألا إنما الدنيا مطية راكب      \        علا راكبوها ظهر أعوج أحـدبا(2ـ53)

 

لاتطلبن دنـــــــو دا    \       ر من حبيب أو معاشــر(2ـ218)

أبقى لأسباب المـــــود    \      ة أن تزور ولا تجـــاور

 

        ففي الأبيات حكم ، تدل على تجربة الشاعر العميقة في شتى نواحي الحياة.             

4 ـ ترديد الأصوات داخل بنية الكلمة

 

       أ-الصوت المردد المضعـــــــف

ولما اشتدت الهيجــاء كنا   \  أشــــد مخــالبا ، وأحد نابا(2ـ10)

وأمنع جانبا ، وأعز جـارا؛   \  وأوفـى ذمـــة ، وأقل عـابا

       

        عمل التشديد في الألفاظ (لما) ،و( اشتدت) ،و (كنا) ،و( أشد) ،و( أحد) ، و(أعز) ،و( أقل) على بيان الخلق العظيم الذي اتسم به الشاعر . ومما ساعد على تقوية المعنى وقوع التشديد على الأصوات المجهورة (النون )، و(الدال) ، و(اللام).

      ب - الصوت المردد غير المضعف

ولا تمـلك الحسناء قلبـي كلــه  \    وإن شملتها رقة  وشــاب(221)

ورب كلام مر فوق مسامعـي       \    كما طن في لوح الهجير ذباب

ولا شد لي سرج على ظهر سـا بح \   و لا ضربت لي  بالعراء قباب

بني عمناما يصنع السيف في الوغى  \   إذا فل منه مضرب وذبــاب

         تردد صوت (الباء) في الألفاظ (شباب) ،و(ذباب) ،و( قباب) ، وجسدت هاته الألفاظ أخلاق الشاعر السامية من عفة ، وعزة ، وسماحة . ومما زاد في إبرازها اشتمالها على الأصوات المجهورة (الباء )، و(الذال )،و(القاف ) .

 

ثانيا- المستوى التركيبي :

   إن الدراسة التركيبية للخطاب الشعري تفضي إلى تفجير هياكله اللغوية،  وتقصي معانيه الطريفة الموحية(71). وقد اهتممنا، في هذا التوجه المنهجي، بدراسة الجملة ؛ لأنها الوحدة اللغوية الرئيسة في عملية التواصل .وعلىالرغم من تعدد الدراسات اللسانية المعمقة ، لم تحظ بتعريف شامل ، يضبط أصولها ، وحدودها . ومرد ذلك إلى أنها ذات أبعاد صوتية ، وتركيبية ، ونفسية ، واجتماعية ، وفلسفية.

   إن أنسب مدخل لهذا المستوى ماذكره محمد حماسة عبد اللطيف من أن "التوجه إلى النصوص الأدبية ومحاولة تفسيرها من مدخل الأبنية النحوية وكشف طاقة النحو في في بناء دلالاتها سوف يعود بأعظم النتائج أيضا على متعلمي العربية والراغبين فيها"((72).

اهتممنا، في هذا المستوى، بالأنماط التركيبية لجملة الأمر،ودلالاتها السياقية واخترنا لتجسيد ذلك النماذج الشعرية التالية:

1-فهبك صدقت دمعك مثل دمعي        فهل بك في الجوانح مثل ما بي؟(33)

2-اكفف لحاظك عن محاسن وجهه      لا تجرحن بلحظها وجنـــاته(34)

3-عم صباحا، وإن غـدوت خلاء      من ظباء ينصحن فيك الظبــاء(35)

4-  أ-  ليبكك كل يوم صمت فيه        مصابرة ، وقد حمي الهجــير(36)

    ب –ليبكك كل ليل قمت فيـه         إلى أن يبتدي الفجر المــــنير

     ج -ليبكك كل مضطهد مخوف   أجرتيه ،وقد قل المجـــــير

     د -لببكك كل مسكين فقـــير        أغثتيه وما في العظم ريــــر

5- صبرا لعل الله يفـــــــــح بعده فتحا يسيــــــــرا(37)

6- أ – وسائل نميرا ، يوم سار إليهـم   ألم يوقنوا بالموت لما تنمــرا(38 )

   ب - وسائل قشيرا حين جفت حلوقها  ألم نسقها كأسا من الموت أحمرا

7 – دع العبرات تنهمر انهمـارا        ونار الوجد تستعر استـــعارا(39)

8 – رفه بقرع العود سمعا ، غدا        قرع العوالي جل ما يسمـــع(40)

9-  فعد يازمان القرب في خير عيشة    وأنعم بال ، ما بدا كوكب دري (41)

10- فاذكراني ! وكيف لا تذكراني        كلما استخون الصديق الصديقا(42)

  تمثل الأبيات من 1 إلى 5 صور التشكيل النحوي لجملة الأمر ، والأبيات من 6 إلى 11 التنوع الدلالي بحسب السياقات الشعرية العامة .

   أما التشكيل النحوي،فيتضح من خلال اقتران جملة الأمر بجمل كثيرة، أهمها :

-       الجملة الاستفهامية ، كما في رقم 1

هب فعل أمر ، لاتجيز العربية استعمال الماضي ، والمستقبل في حالة دلالته  على معنى الافتراض ، وعبارة دمعك مثل دمعي وظفت لتفصيل المعنى المجمل في قوله صدقت ، والفاء في فهل تؤدي معنى النتيجة ، وتميز التركيب الاستفهامي بتعدد المتممات ، وغايتها توسيع المعنى .

       بهذا يتبين أن النمط الشعري ارتكز على ثلاثة أساليب ، تعد مولدات إبداعية ، وهي : الأمر ، والتشبيه ، والاستفهام . يوحي الأمر بالتأمل في الخبر الملقى إلى المخاطب ، وتكونت عناصر التشبيه من:

1-             السحاب

2-              المطر

3-              تشبيه المطر بالدموع

4-             تشبيه دموع السحاب بدموع العين

      يلحظ القارئ أن التشبيه قائم على جانبين : حسي كوني ، وحسي بشري جزئي ، والجامع بينهما انسكاب الدموع . غير أن دموع الشاعر نابعة من جراحات عميقة.   

      وأما الاستفهام بهل ، فخرج إلى معنى الاستنكار ، وغاية اقتران جملة الأمر ، في هذه الحال ، إبراز حالة الكآبة التي ليس لها نظير.

  وفعل الأمر اكفف في البيت رقم 2 ثرثي مضعف ، يجوز إدغامه ، فنقول كف ، والمفعول به لحاظك تركيب إضافي ، وفائدة الإضافة تبيين قيمة المضاف ، وانتسابه إلى المضاف إليه ، وحرف الجر عن يدل على معنى المجاوزة ، وعلة توكيد الفعل المضارع لاتجرحن بنون التوكيد الثقيلة تقوية المضمون ، وتقديم المتمم بلحظها على المفعول به وجناته لقيمته التعبيرية . تمثل اللحاظ ، إذا ، نواة البنية التركيبية التعبيرية  فمنها يبتدئ الكلام وإليها ينتهي . وغرض انتقال الخطاب من الأمر إلى النهي تبيين مساوئ التحديق ، ولفت انتباه المتلقي إلى أن ما يلقى إليه حريبالاعتناء

وتقدمت جملة الجواب عم صباحا في الب 3 لتعدد العناصر اللغوية في جملةالشرط، ودلت على الأنشراح،والعجب، والاشتياق ومما زاد البيت حسنا تجانس اللفظين ظباء،والظباء ،فالأول مصدر بـ من لبيان الجنس،وهو الغزال والثاني معرف بـ المهدية ،وكأنه قال )حتى وإن غدوت خلاء من ظباء ،فإني أحببتك لما صديت من ظباء(

وتبرز جملة الأمر في المجموعة رقم )4( حالة نفسية بائسة ، تولدت من مرت أم الشاعر التي كانت مثالا للأخلاق العالية،فصامت الأيلم الشديدة الحر وقامت الليل، وأسعفت المضطهدين، وأطعمت المساكين والفقراء.وقد للأمر على الحال المستمر ويستنشق من دوام التحسر وتجديده كلما حان ذكر الفقيد.

وحفظ صبرا في البيت)5( في الأصل جملة نحوية مختزلة ، والتقدير) اصبر صبرا( ، واختزالها على هذا الشكل أبلغ في الإخبار ، وأسرع في التأثير و)لعل( دالة على التوقع ، وآيته ما تضمنه جملة )يفتح بعده…( من طلب حصول المحبوب،وإيعاد المكرورة.

وأما التنوع الدلالي فيمكن استخراجه من أبيات المجموعة الثانية ففي بيتي رقم 6 أن فعل الأمر سائل اقترف بالواو ،فاستعمل مهموزا،وهو استخدام لغوي شائع عند العرب ،ويلحظ القارئ أن الشاعر استعمله في بعض السباقات الشعرية، محذوف الهمز وهذا ينبئ بتمثل الشاعر قنون القول وتكرار الأمر على هذه الشاكله أضفى على الكلام حسنا ،وتناسقا وانتباها ،والقصد منه إعلام المخاطب بمعالي سيف الدولة ،ومواهبه، وقدراته الحزينة المتميزة وقد عضدت جمل الأمر بالاستفهام التقريره الذي يزيد المعنى تفخيما ودل الأمر في البيت 7 على التحسر ومولده اللفظان )العبرات ( الذل على تفاقم الشجن من دون بكاء،و)الوجد( الدال على بلوغ المحباعلى درجات المحبة وقد سيقت هذه المعاني بلغة عذبة تتسم عناصرها اللغوية بالتوازن:والتناسق،كما هو مبين بالشكل التالي :

تدهمر ــــــ تستعر

انهماراــــــ استعارا

هذا التشكيل يكسب الكلام حسنا ،ويكون مدعاة للنظر.

وفعل الأمر رفه في البيت 8 يبين عن معنى الترفيه وهو الترويح عن النفس لإزالة ماناط بها من أوهام، وأحزان وذكر العود دليل على أن المجلس كان المجلس غناء ،وتكرار لفظ السمع ينبئ بأن أعظم ما يهز النفس هو الكلام المسموع فالسمع نعمة عظمى،توجب دوام الشكر.

وأصل التركيب في البيت 9 يازمان القرب ،عد في خير عيشة،وأنهم والعدول عنه مرده أن جواب النداء

 )عد…( قطب المعني وقرينة التمني طلب عود زمان القرب في أحسن حال، وذاك أمر يعسر تحقيقه واقتران عود الزمان بطهور الكوكب الدري يدل على أن الشاعر دائم الوفار،والإخلاص.

والتثنية في الفعل )اذكاني( في البيت )10( حقيقة ،وقد قصد بها غلامية )صاف(،و)منصور( والجملة الاستفهامية )كيف لا تذكراني( تزيد الأمر تفخيما لأن الاستفهام فرج إلى معنى الإنكار ،أي أن الشاعر يستنكر الجفاء الحاصل منهما.

 

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11