FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides

    Séminaire International sur les Polysaccharides Polysaccharides de Plantes de Milieux Arides.POLYSAC 2017, Les 22-23 Novembre 2017. 

  • Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement

    Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement "WID TOE 2017", 3 et 4 avril 2017, Ouargla - Algérie

Appel à communication

نحو تحليل نفسي للخطاب

الشعري بديل

                                               الدكتور : أحمد حيدوش

                                                           جامعة تيزي وزو

 

        إذا كان الشعر هو : "تصوير ما في النفس " كما يقول الباقلاني، فإن  وسيلة هذا التصوير لا يمكن أن تتم بواسطة أخرى غير اللغة ، ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين التحليل النفسي وعلوم اللغة بصورة عامة واللسانيات بصورة خاصة، في تحليل الخطاب الشعري .

        لقد كان للأدب أثر بالغ في حياة فرويد الشخصية والعلمية ، حيث أمده بثقافة إنسانية واسعة ، وامده كذلك بثقافة علمية واجه بها خصومه ووسع بذلك أفاق عمله في التحليل النفسي ، بل أمده بأهم نظرياته متمثلة في تأويل الأحلام، حيث تعد نظريته في هذا المجال أهمها على الإطلاق ، وفيها تتجلى آثار قراءاته الأدبية بوضوح حين عد : "الظاهرتين تنبعان من عمل متماثل ، وغن اختلفت مادتهما . إن التماثل في الوظيفة بين الحلم ، وإعداد الثر الفني حمل فرويد على توسيع نطاق خطابه النفساني لكي يشمل الأثر الفني ولكن ضمن حدود رسمها لنفسه" وبذلك يعد فرويد أول بنيوي في الفكر المعاصر وجه تحليل الخطاب نحو اللسانيات .

        تحاول هذه المداخلة ، إذن أن ترصد أهم محطات القراءة النفسانية للنصوص الأدبية عبر خط تطورها في النقد المعاصر ، وذلك قصد رصد أبرز ملامح هذا التطور . ومن خلال ذلك تحاول أن تثير إشكالات تتعلق بتحديد منهج قرائي نفساني للأدب بحثا عن المشترك بين قراءات التحليل النفسي النصي . وهنا تظهر صعوبات كثيرة تقف عقبة في سبيل ذلك ، حيث ينبغي ان تتجاوز القراءة في هذا المجال البحث عن أنا المؤلف ولا وعيه في النص ، إلى البحث عن لا وعي النص وأنا القارئ فيه ، ومن ثمة تحاول هذه المداخلة ان تبحث عن مرجعية تؤسس لهذا التوجه قصد تأصيله في الدراسات النقدية العربية العاصرة في تحليل الخطاب الأدبي .

        لا شك في أن اللساني قد وجه المحلل النفساني بما قدمه من نظريات في مجال اللغة ن ولكم مما لا شك فيه أيضا أن جهود التحليل النفسي حول اشتغال الدوال واكتشافه بنية اللاوعي ، قد ساعدت كثير اللساني في توسيع غدراكه لطبيعة البنيات اللغوية ونظامها الخاص  وقد دفع هذا التداخل ببعض المحللين النفسانيين إلى العمل على الوصف العلمي الدقيق للاوعي بوصفه بنية لغوية قبل كل شيء .

    عن التقاء التحليل النفسي واللسانيات حول هذه النقطة ، لا يعني انسحاب أحدهما لفتح المجال أمام الآخر أو الإحلال أحدهما محل الآخر ، لأن اعتبار الخطاب الأدبي بناء مغلقا وكيانا قائما بذاته ينمو وفق قوانينه وشروطه الخاصة التي تحددها اللغة وحدها لا يعني بحال من الأحوال أنه غير معطوف او أنه غير تابع لنص آخر ، أو انه غير مندمج فيه وهذا النص هو لا وعي المؤلف ن وهذا ما يجعل منهما بنية واحدة ينبغي أن نبحث فيها عن قوانينها اللغوية .

1- الكاتب والنص او البحث عن الشخصية اللاواعية للمؤلف :

        لا شك في ان النقد الأدبي المعاصر ، قد تطورت اتجاهاته الثلاثة الكبرى تحت تأثير المناخ الفكري الثلاثي النزعة الذي قوامه ، الفلسفة الماركسية ، والتحليل النفسي، وعلم اللغة .

        أهتم الاتجاه الأول بدراسة أيديولوجية الكاتب من خلال محتوى نتاجه، باعتبار أن الأدب أرض الأيديولوجيات الخصبة بلا منازع ، ذلك ما قاد الدارسين إلى البحث في البنى الاجتماعية، وعن مدى تأثير وعي المؤلف وحركية الواقع والتاريخ في الكتابة وفي رؤية الكاتب للعالم، وقد اتكأ هذا الاتجاه على الفلسفة وعلم الاجتماع.

        وأهتم الاتجاه الثاني بالذات المبدعة ، وبالانسان الذي ينام داخل الآثار الفنية الذي تحكمه الرغبة والاستيهام ، فراح يحلل الأدب من حيث ارتباطه بالأساطير والاستيهامات والرموز في ضوء نظرية التحليل النفسي في الوهم والعصاب الذي يدعونا إلى قراءة النص بوصفه لغة الرغبة ، ونما هذا الاتجاه وتطور مع تطور بحوث التحليل النفسي ومباحث اللغة .

        وفي ظل نمو الأنموذج السوسيري في مجال اللغة ونزعة الشكلانيين الروس، وتطور علم وظائف الأصوات البراغي ، وشعرية ياكسبون ، وبحوث إميل بنفينيست والنحو التحويلي ، برز اتجاه اخذ على عاتقه وضع أسس لعلم الأدب ينطلق من علم اللغة لا من العلوم الأخرى ، لأن في وسع العلوم الإنسانية الأخرى ، كما يقول تودوروف : "الافادة من الأدب مادة لتحليلاتها ن ولكن إذا ما كانت هذه التحليلات جيدة ، فإنها تكون جزءا من العلم الذي يتصل به ، لا جزءا من تفسير أدبي واسع الانتشار" .

        بيد أن الأدب أعطى التحليل النفسي الكثير وقد رد التحليل النفسي للأدب شيئا كثيرا أيضا ن ولا ضير في ذلك ، فالدراسات التي قامت حول الأدب والفن بصورة عامة كثيرة جدا وأسهمت في الكشف عن بعض الأسرار التي ظلت مستعصية على الفهم ولكن ما قد يكون مؤسفا حقا في دراسة الأدب دراسة نفسية هو ان نعري جسد النص من ثوبه اللغوي الأثيري وأن نخلع عنه رداءة البلاغي المتنوع الألوان .

        إن القراءة النفسانية للأدب ، على الرغم من تنوعها وتضمنها دلالات متعددة، ظلت تأويلية وفق مرجعية معرفية خارج نصية ، وبذلك يمكن القول إنها ابتعدت عن كل ما هو جوهري في قراءة النص الذي يتجلى دائما ضمن مساحة يحددها سياج يقيمه القارئ حول النص حتى يضل ضمن الخطوط الكبرى للتنظيم الإستيهامي ولا يتجاوزه كثيرا إلى الخارج ، وبذلك لا يخرج عن فضاء النصية، ولعل ذلك ما دفع دريدا في دراسة تحت عنوان "فرويد ومشهد الكتابة" إلى القول : "تحليل نفسي للأدب يحترم أصالة الدال الأدبي لم يبدأ بعد ، وليس هذا صدفة من غير شك ،إذ لم يتم حتى الآن سوى تحليل المدلولات الأدبية أي ما هو غير أدبي "  .

        إن القراءة النفسانية على الرغم مما سبق ، كما يؤكد صاحب جرح الإنسانية الثالث، أعنى فرويد ، تؤكد في بعض تحليلاته على أن النص هو المنطلق لا حياة الكاتب، فأنظر ماذا يقول في تحليله لقصة قراديفا : "وحيث أن المصادر المتعلقة بالحياة النفسية للروائي ليست في متناول أيدينا ، فإننا نسلم له بحق بناء موضوع واقعي عل أساس افتراض بعيد عن الواقع ، وهذا على سبيل المثال ما فعله شكسبير في مسرحية الملك لير"

إدا كان التداعي الحر أحد أسس الهعلاج في تحليل النفسي فإن النقد النفساني استبدلها بتقنية نقد النصوص التي تكشف عن شبكات التداعيات و تجمعات الصور و الاستعارات الملحة غير الارادية على الأرجح ، ومن ثم تغدوا النصوص أصداء لبعضها ترسم بنية مشتركة يطلق عليها مورون الأسطورة الشخصية التي تؤول على أنها تعبير عن شخصية الكاتب اللاواعية و النتائج المحصول عليها بواسطة نضد النصوص و الاسطورة الشخصية و تنوعاتها من عمل أدبي إلى آخر للكاتب نفسه ، يمكن مراقبتها من خلال مانعرفهعن حياة الكاتب

        ففي دراسته لشعر بودلير ،مثلا يقوم مورون بتنضيد مجموعة من قصائد النثر عنده "نصف كرة في جمة "و " الجميلة دوروتي و " الزجاج الرندي و "موت بطولي "و المجنون وفينوس "ثم من قرب بينها و بين حلم الشاعر أفضى به في رسالة إلى صديقه أسولينو ( ASSOLINAU ) ثم ينضدها مع قصائد أخرى من أزهار الشر هي "القطرس" و"البجعة" و"لهندية المالارية" ، وبهذه التضيدات يكشف شبكة من التداعيات وسلسلة من الاستعارات الملحة . هناك ثقل الغدائر الذي يرمي بثقله الشهواني على نقرة الماء في "الجميلة دوروتي " وهو صدى للغدائر الثقيلة " في "نصف كرة في جمة "، مع ملاحظة الكائن العجيب الذي يبدو في حلم بودلير الذي يلف جسده شيء ما ، مرن طويل حتى إذا ما لفه على رأسه كذنب من الشعر صار مفرطا في الثقل مستحيل الحمل ، ومشية هذا الوحش العجيب تحت ثقل هذا الشيء الزائد تدعوا إلى الشقة مثل مشية ط القطرس" أو "البجعة" ونكشف مجددا في قصيدة "لكل وهمة" وحشا عجيبا يشابه وحش الحلم ، وهو منهك ثقيل ككيس من الطحين أو الفحم، وهكذا ن فمن التضيدات إلى التداعيات التي ترسم استعارات ملحة ومواقف درامية ، يغدو ثقل "الجمة" ثم الوهم ثقل القدر ، وأخيرا ثقل القبر .

يقودنا منهج شارل مورون ، القائم على التنضيد شبكة الصور الملحة والمواقف الدرامية ، ************ المنطق السردي للنصوص الدبية الذي يبدوا على هيئة خط دائري ، وإذا كانت كل صورة عنده واعية ، فإن ما يربط بينها يبدوا على غير تلك الحالة من الوعي، والناقد النفسي يتولى أمر اكتشافه عندما يوجه الانتباه إلى المكان الذي لم نفكر أبدا بالنظر إليه ، إنه لا يستهدف النصوص فحسب ، بل اللغة العربية القائمة على ترجيع الصدى بين عدة مجموعات نصية إنه يقوم بعملية التنضيد بين النصوص أو بين المؤلفات التي تتنوع وتختلف في أحجامها ، غير ان الذي يقوم به حقا عندما يتناول ثلاث قصائد أو أربع مسرحيات مأساوية أو روايات ، يجعلنا أيضا قادرين على مقاربة مقاطع مسرحية أو وصف للقصة نفسها ، أو جمل مشهد في حلقة او أبيات في قصيدة ، وهذا ما جعل جان بلامان نويل (Noèl ) يطرح السؤال الكبير : أليس هذا التصادم الغامض بين الدلالات المتنافرة ظاهريا والناجم عن المقاطع الصوتية (صدى القوافي مثلا ) هو ما يشكل نواة تلك الشبكة ؟ ثم كيف نقوم بعملية التنضيد ؟ هل هو تطابق بين الصور البلاغية أو بين المظاهر السيكولوجية ، أو بين الأشكال المكانية ، أم بين المتواليات التي تتضمن تحولات سردية ؟ تتجسد قيمة هذه المكونات من خلال عملية الضم وتتطلب رعاية فائقة ، وكل ما تيسر له أن يعالج هذه الكتل الاستيهامية سيكون قادرا حتما كما يقول بلامان نويل ، على فصل النواة اللاواعية في النص وتحديدها غير أن ذلك لا يكفي أبدا عندما يوظف اللاوعي في إطار السيرورات الأولية ، فهو يقارب الكلمات على أساس أنها أشياء يجبرها على إبراز جوانبها المادية (الأصوات) قبل أن يستخدمها على هيئة موضوعات ثقافية خاضعة للمعجمية والتقعيد ، حينئد علينا ان نراقب التمعني ، أي إنتاج الدلالة ، كما يحق لنا ان نطابق بين أسماء العلم الخالية من المعنى ، وكذلك بين الفونيمات المتكررة ، وكذا بين تأثير طرق الطباعة (Typographie )، دون أن ننسى البعد النحوي للدال كأسلوب الجمل الموسوم بالتفكك أو الترابط (Subordination ) والخاضع لإيقاع خاص مثلا ، والأزمنة والصيغ التي ترتدي أزياء ذات ألوان متباينة ، وحروف التعجب التي تتحايل على المؤثرات .

        تبدوا المسألة هنا مزدوجة ، فمن جهة نبني علاقات عندما نؤسس روابط غير منتظرة بحيث تعرف لأول مرة ، بين التمثلات المفككة ظاهريا ، نعمد إلى تركيب للقيم ، وفق المفهوم اللساني ، برفض التمييز بين النسق المفهومي (Conceptuel) والنقد الادراكي (Perceptuel ) ، نخترق نظام الأشياء / الكلمات ، أو نعيد انسجامها ، نعالج النص في صورة حلم حيث نعمد إلى استخراج التراكيب النحوية الاحتمالية فيه شرط أن لا نلجأ إلى المعاجم الثقافية إلا بطريقة استثنائية ، أما من جهة أخرى فإننا نبحث عن تداعي الأفكار وعن كل ما يضاف إلى عنصر يلفت انتباهنا ، بسبب طابعة الغريب أو تفاهته المبالغ فيها . ومن ثم فالاختلاف الحقيقي بين قارئ وآخر لا يقاس بمدى إجادة التأويل النفساني او عدم أجادته ، بقدر ما يقاس بمدى استخدام النص لخدمة اعتبارات نظرية واستخدام النظرية لاعتبارات نصية ولمصلحة النص .

2- من "أنا" المؤلف إلى "أنا القارئ" :

        إن تحليل أعمال فرويد بالنظر إلى مختلف المسالك التي عرض من خلالها للمسائل الفنية يكشف لنا أنه فتح مناحي أمام قارئ الأدب تهتم بشخصية المؤلف وبالثر الأدبي في علاقته بلا وعي المؤلف ، وبالقراءة بوصفها كشفا للمعنى الرمزي الخفي الكامن تحت المعنى الظاهر ، أو بمعنى آخر وضع أساسا للكيفية التي يجب أن تكون عليها قراءة النصوص الأدبية وبالقارئ وهو يتجاوب مع الآثار الأدبية في متعة فنية  .

        ولعل اهم توجه سيطر على النقد المعاصر في الثلث الخير من القرن العشرين يتمثل في الانتقال من المؤلف والنص إلى القارئ في محاولة منه تأسيس نظرية تأخذ على عاتقها البحث في جماليات التلقي ق، ويعد ولفغانع إيزر (ISER) أبرز المنظرين في هذا المجال ، وكتابه "فعل القراءة " من الأعمال الكبرى في هذا الاتجاه .

        وقد جعل فصله الأول لطرح الإشكالية حيث عرض فيه الظروف التاريخية والمعايير التقليدية التي لم تعد ملائمة لشرح النصوص الحديثة التي تنفتح على إمكانات من التأويل لا حدود لها ، ومن ثمة فإنه مهما اعتقدنا ان العمل الفني عملية من عمليات النشاط النفسي الذي يحرر الفرد من مكبوتاته فإننا لن نتمكن من الوصول إلى أسرار النص الأدبي ، ذلك أنه مع كل قراءة جديدة نكتشف أشياء يقولها لم نلاحظها من قبل ن فنجد أنفسنا في كل قراءة أمام نص جديد .

        لكن أبرز نفسه ، ومن معرض حديثه عن القارئ الضمني الذي لا وجود له في الواقع وإنما هو شرط التوتر الذي يعيشه القارئ الفعلي يستند على رأي وأين . س.بوث الذي يرى أن "أنا" الذي يقرأ النص الأدبي يختلف عن "أنا" الذي يهتم بقضايا الحياة اليومية، وان مهمة القارئ الضمني هو شرح التأثير الناتج عن النص الخيالي وكيفية إكسابه المعنى ن فهذا القارئ يتمثل أفق المعنى غير الموجود أصلا ، وهذا التمثيل هو الذي يترجم بنيات النص في وعي القارئ فيصبغ المعنى ، بتجربة القارئ التي تجعل كل قارئ يستوعب تمثيل ما لا يعرفه ويربطه بسياق المرجعية ، وان احسن القراءات عنده هي تلك التي تتمكن من التوفيق والجمع بين "أنا" المؤلف و "أنا" القارئ " .

لا شك في أن نظرية القراءة لم تحقق إجماعا مفاهيميا فهي لا تزال موضوع خلاف ، ولعل مرد ذلك تلك المعضلات التي تقف دون التمييز بين الاستقبال، التلقي ، التأثير ، الاستجابة ، ومن ثم عدم إمكانية الفصل بين نظرية الاستقبال والاستجابة أو التأثير ، وغن كانت هناك بعض الاقتراحات التي ترى أن الأولى تهتم بالقارئ وترتبط به في حين أن الاستجابة لها علاقة بالأوجه النصية .

        أو تلك المحاولات التي تفصل بينهما على أساس التحول العام في الاهتمام من الكاتب والعمل إلى النص والقارئ لكن المالحظ ان ما عرف في النقد الأنجلوساكسوني بـ: "نقد استجابة القارئ "، يرتكز في كثير من جوانبه على التحليل النفسي بصورة عامة. أو تلك الآراء التي ترى أن نقاد استجابة القارئ موزعين في مختلف بقاع العالم وهم لا يلتقون بشكل منتظم ، كما لا يكتبون في صحف مشتركة أو يحضرون المؤتمرات نفسها، وان هذا النقد إذا كان قد أصبح قوة نقدية فإن ذلك يعود للبراعة لا للمحاولات التجميعية. في حين أن نظرية الاستقبال تعبر عن تماسك ووعي وإلتزام جماعي ، فالعديد من المؤمنين بهذه الحركة مرتبطون بجامعة كونستانس إما أساتذة أو خريجين منها او من المشاركين في المؤتمرات نصف السنوية .

او تلك التي ترى ان نظرية الاستقبال يمكن أن تفصل عن نقد استجابة القارئ على أساس فقدان التأثير المتبادل، إذ لم يكن هناك على الصعيد العلمي اتصال بين المجموعتين عدا إيزر الذي حظيت أبحاثه باهتمام المجموعتين .

3- من أنا المؤلف والقارئ إلى لا وعي النص :

        من مسلمات القراءات النقدية المعاصرة أن من يتكلم في النص ليس الأديب، بل النص نفسه ، بوصفه كيانا منغلقا على نفسه قائما بذاته ، ينمو وفق قوانينه وشروطه الخاصة به معزولا عن الوسط الذي وجد فيه لاغيا من صاغه ، ولكنه مع ذلك يظل حارسا للإستيهام : "يستوعبه، يضمه، يستخدمه كي يضع فيه مادة خاصة ، يستأصله من التجربة المعاشة للمؤلف . حينئد ، لن يتوافر الحظ لنقد التحليل النفسي كي يحيط بموضوعه إلا إذ انطلق من خلال فرضية تعترف بأن النص مزود بلا وعي خاص"، نقد ينتقل من البحث عن لا وعي المؤلف إلى البحث عن لا وعي النص .

في هذا الاتجاه وضعت مجموعة من الدراسات القواعد  الأولى لنقد يعتمد على القراءة النفسية في غياب المؤلف ، ويعد رولان بارث أول استخدام لغة التحليل النفسي بدرجة متفوقة ، فقد استهدف في كتابه " ميشله بنفسه المنشور عام 1945 توجهات ما قبل مورون ، كما بحث عن الأفكار الثابتة والملحة في مؤلفة حوار راسين عام 1963 ، مؤكدا أن التحليل الذي قام به هنا لا يمت بصلة إلى راسين وإنما المستهدف فيه هو بطل راسين كثيرا عن الذهاب من حياة المؤلف إلى نتاجه أو العكس .

        بيد أن بارت سبلك طريقا مختلفة رسمت معالم دراسته الرائدة ( S/Z ) ، وهكذا لن تسهم المفاهيم التحليلية النفسية بأكثر من استكمال أدوات البحث الموزعة بين القوانين التأويلية والقوانين الرمزية ، فراح يقارب المصطلحات اللاكانية      ( نسبة إلى LACAN ) كي يهمن عليها ويجمدها في تعقيد يخدم توجهه ، حيث يخسر اللاوعي كل سلطة التدمير أمام قدرة المخيال

        وقد سار في هذا الإتجاه سيرج دوبروفسكي ( SERGE Doubrovsky ) وإن اختلفت عن بارت بعض الشيء ، لعل دراسته الموسومة " الكتابة والاستيهام عند بروست " تعد عملا نقديا أساسيا فيلا هذا المجال ضمن أعماله النقدية ، وهو يشير إلى أن تجربته مع الكبت تتشابه مع حالة فرويد عندما حلل " قراديفا " لينسن ، وليس مع تركز على الرغبة وتعير اهتمامات للاستيهامات من أجل استيعابها في " عصاب الكتابة " ومن ثمة تدعو القراءة النفسانية للنص أن تتحول إلى شعرية اللاوعي .

        لقد سار في اتجاه البحث عن لا وعي النص مجموعة من النقاد منهم :

           - جانيت بيم ( BEM ) في سلسلة دراسات سردية تحمل العنوان الفرسان الثلاثة . ( Les trois Mousquetaires ) .

          - وجان بلامان نويل في مقاربته لموضوعات في الأعمال الأدبية منها : أشجار البرتقال في دير راهبات بارم . ( chartreuse de parme ) وفي تناوله لجنس أدبي مثل دراسته لحكايات جول فرن ( Jules Verne  ) وتيوفيل قوتيه    ( Gautier ) .

        - وميشال فرنسوا دامه ( DAMET ) في إمرأة الحجر للمؤلف لودفيك تيك .

- ودروان يوركل ( Droin Yorkle  ) في تناوله لقصة الثياب السوء لجان فيغال .

        - وما رسيل ماريني ( MARINI ) في المقالات التي كرستها لرواية " الشياطين " ورواية " الكولونيل شابير " .

        ويعلق جان بلامان نويل على هذه الأخيرة بأن أهمية بأن أهمية مقالات تبدو في الاعتبارات المنهجية التي تضمنتها ، ويؤكد أن من بين كل الذين قاموا بقراءات نفسانية لا تستهدف البحث عن شخصية المؤلف ، لا يوجد ، حتى الآن، غير روابط شخصية مجزأة ، ولا يوجد أية مدرسة أو أية مجلة متخصصة في هذا الغرض ، وأن كل أولئك الباحثين حالة إنفراد ، وكانوا يفتقرون لتأهيل منسجم بدون فرضيات نظرية مسبقة ومشتركة ، إذا عمد كل واحد في الاعتبارات النظرية والبرامج المنهجية مما يدفع إلى الإحساس بالتناقض بين جرأة التفاسير والقراءات وبين ضآلة الأفاق المستقبلية .

        من هنا راح بلامان نوال يسعى ، منذ أواسط الثمانينات ، إلى توسيع إطار هذه الطريقة معتمدا بشكل منهجي على فكرتين :

1- من الضروري في البداية ، الأخذ بعين الإعتبار إسهامات براقماتية الخطاب ، بدلا من الإحراج الذي وقعت فيه لسانيات العلامة اللغوية ، لأن هذا الأمر يسمح بالاعتراف بأهمية الآداء الملفوظي ( L'enonetarton  ) ، لاسيما دور القارئ الذي يتلقى الخطاب .

2- ضرورة أن يبحث كل ناقد ، بعد ذلك ، عن كتابة حقيقية وعن أسلوب خاص به وعلى القارئ الذي يحلم من خلال النص أن يعثر على ما يعبر عن اللاوعي ، وحين يشرع بالكتابة كي يخاطب الآخر سيكشف في نفسه الوسائل الضرورية ( تواطوء ، لعب ، مراح ... ) ثم يمنح زخما لهذا العمل في لا وعي القراء

        من هنا فإن القراءة النفسانية للأدب ، على الرغم من تنوعها وتضمنها لدلالات متعددة ظلت تأويلية موضوعاتية ، إلا أنها قادرة على تتبع التنظيم الاستيهامي وفق الكلمات الأساسية في الجملة ، وحروف النص ، والأدوات النحوية ، والتقطيعات ، وسوى ذلك ، ومن هنا يتحقق ذلك التفسير اللغوي داخل كل واحد منا على أساس نقطة الإتصال الحيوية بين النفي والجسد  . لأن فرويد الذي طبع على جرح البشرية الثالث حديثا بواسطة منهجه العلمي الذي أحدث الإنقطاع الابستمولوجي ، قد زودنا :" بجهاز مفهومي قادر على الولوج إلى قلب الحقيقة الإنسانية ، عندما أخرج  كتلة الاستيهانات المكبوتة إلى شبكة سردية ودلالية جاهزة للتموضع في البنى اللغوية بعد أن كانت مدفونة في ظلمات النفس واللاوعي "

        وفي إطار هذا التماثل القائم بين بنية اللاوعي وبنية اللغة ينطلق لاكان من مقولة مفادها أنه من خلال علاقة الدال بالمدلول يمكن أن نعيد النظر في كثير من العلوم لا سيما العلم الإنسانية ، ويؤكد على أن تجاوز الدوال هو محور كل بحث في أية دلالة ، وأن الرغبة حسب " الأنا " والرغبة حسب الآخر هي التي تشكل جوهر الصراع في الخطاب الأدبي ، فالذات تنزع إلى تحقيق وهمها الأصلي الممثل لرغبة أنا المبدع / أنا النص ، وتحقيق الرغبة حسب الأنا يقضي استيعاب الرغبة حسب الآخر ، وهنا تتجلى لعبة الدال في علاقته بالمدلول ، فأثناء لعب الأول يتسلل الثاني تحته ، وذلك يعني أن : " اللاوعي يتكلم بلغته "  ، ويستند في ذلك بالعودة إلى ما قدمه فرويد في تفسير الأحلام حول القلب والتكثيف والنقل ، حيث نجد أنه في القلب * مثلا يبين الشرط العام لوظيفة الحلم ، وهو ما حدده سوسير وعده بمثابة انزلاق المدلول تحت الدال ، ويتم ذلك في حركة دائمة داخل الخطاب . وهذه الحركة تتم بصورة لا واعية دائما .

        أما في التكثيف ** فقد عده بمثابة البنية الدلالية أين تأخذ الإستعارة مكانها الطبيعي ، لأن التكثيف عد دائما خاصية الشعر إلى درجة أنه يغطي وظيفته التقليدية .

        أما في النقل *** أو الإنزياح ، فهو ذلك النقل للدلالة الذي توضحه الكناية والذي قدمه فرويد على أنه وسيلة اللاوعي الأكثر نقاء للقيام بالرقابة .

        إن اعتماد لاكان على اللسانيات في تحليل الخطاب الأدبي تحليلا نفسيا ، يمثل عودة أصلية إلى منجزات فرويد في هذا المجال ، فالأعمال الكاملة لفرويد تشير إلى أن صفحة من ثلاث صفحات مراجعة ومصادره هي مصادر لغوية تدخل في دائرة فقه اللغة تحديدا .

        لقد حاول لاكان أن يؤسس نظرية تجعل من اللاوعي بنية كبنية اللغة تماما، أي أنه خلق تعايشا بين بنية اللاوعي ، ومن ثم وضع أسس تعايش بين المنهجين النفسي والبنوي ، ومن هنا وجوب البحث في البنيتين ووجوب الاعتماد على اللسانيات والتحليل النفسي معا للكشف عن اللاوعي الذي يحكم عالم لغة الخطاب الأدبي ومن ثم عالم المعنى فيه بما يفتحه من آفاق تأويله تكشف عن أسرار ظلت متمنعة عن البوح بخفاياها .

        إن مكونات اللغة عند لاكان هي نفسها مكونات اللاوعي ومكونات اللاوعي هي مكونات اللغة ، ومن ثم فاللباس الذي يرتديه اللاوعي منسوج من اللغة ، ومن ثم كان سنده الأساس تعريف سوسير للرمز اللغوي القائم على زوج المصطلحات الدال والمدلول  ، بيد أنه يؤكد على أن العلاقة بينهما ليست حتمية دائما ، ومن هنا فلا بد من البحث عما تصوره بنية اللغة انطلاقا من علاقة الدال بالمدلول لاكتشاف المدلول المتخفي أو المعنى القابل دائما للتعدد .

        إن الشخص الناطق باللغة يحدث فصلا بين الدال والمدلول ، فالدال يحمل صفة الكلام الواعي ، في حين يشكل المدلول صفة الكلام الخفية ، إنه كشف وتحرير للذات من أناها :" الذي يفكر في مكاني هل هو أنا آخر ؟ من يكون ، إذن، هذا الآخر الذي أنا متعلق به كنفسي ، حيث أنه هو الذي يحركني ، إذا قلت إن اللاوعي هو خطاب الآخر بألف كبيرة ( آ ) ، فذلك لكي أشير إلى المكان الذي يترابط فيه اعتراف الرغبة برغبة الاعتراف ، وبصورة أخرى هذا الآخر هو الآخر الذي ينطلق به كذبي "  .

        يكاد جاك لاكان ، إذن ، أن يبني نظريته في التحليل النفسي على اللغة حتى أنه كاد أن يقول إن أهم مكتشفات التحليل النفسي تتعلق بأبنية اللغة ، ما دامت مادة التحليل النفسي هي الكلمات ، فبدون الكلام ، بدون لغة يتوقف التحليل النفسي عن العمل ويأخذ إجازة لا نهاية لها .

        ومن هنا أهمية الكلمات بالنسبة للتحليل النفسي ، ذلك لم يحدث فيها من انزياح وتكثيف وقلب ولعب لفظي وسوى ذلك ، ويتضح ذلك أكثر ما يتضح في الصورة الشعرية ، حيث أن لغة اللاوعي التي يتحدث عنها لاكان هي تلك اللغة التي يظهر فيها الدال دائما الآخر المستتر الذي يبرز من خلاله شخص الكائن الذي لم يتحدث بعد .

        يحلل دال محل دال آخر ، الدال الحقيقي في السلسة الكلامية من حيث النظم ، يرتبط بعلاقة قبل منطقية بدال سابق فيكشف بذلك عن ومدلول جديدة ، أو معنى غير المعنى الذي يرتبط به .ويلتقي هنا لاكان وقبله فرويد بما ذهب إليه عبد القاهر الجرجاني في حديثه عن معنى المعنى ، فالأول تقاطع مع الجرجاني حين قال :" فمن الجلي أننا ننساق إلى الخطأ حين نقرأ الرسوم بحسب دلالتها المصورة "  ، وحين أكد على أن :" الرموز تملك في كثير من الأحيان أكثر من معنى واحد ، إن لم تملك العدد الكبير من المعاني ، بحيث لا يمكن فهما صحيحا إلا من السياق وحده  .

        أما الثاني فتقاطع معه حين ركز على الرموز والدوال الإستعارية التي تقضي الدوال الأصلية للوصول إلى الدلالة اللاواعية ، بحيث يحل دال محل دال آخر يرتبط بعلاقة قبل منطقية بدال سابق فيكشف بذلك حين قال :" ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق ، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل "

        نظم يعتبر فيه حال المنظم بعضه مع بعض نظير الصياغة والتحبير والتوفيق والنقش وكل ما يقصده به التصوير .

        دال يقضي دالا آخر ويحتل مكانه ، إن عملية الإقصاء هذه تحقق علاقات جديدة ومن ثم دلالته جديدة ، ( VEL – VELLE ) ن دال يخفي وراءه دالا آخر يقتضيه الدال الجديد كما في الاستعارة على سبيل المثال ، هذا الانشقاق بين دال ودال هو الذي ترصده لغة اللاوعي التي تخفي وراءها ذات الأنا في علاقتها بالآخر ، أي المدلول الجديد الناتج عن علاقة الدال الأول بالدال الثاني ، ومن ثم تقوم الاستعارة على مبدأ التكثيف الذي هو حقلها الطبيعي ، في حين تقوم الكناية على مبدأ الانزياح ، فالأول يعني بنية تراكم الدوال ، في حين يعني الثاني أن الكناية تقوم على مبدأ النقل أو التحول الدلالي الذي هو وسيلة اللاوعي لإبطال الكبت .

        إن الإستعارة عند لاكان لا تنبثق عن تواجد صورتين وإنما تتبع من بين دالين أحدهما يقصي الآخر ، ويأخذ مكانه ضمن سلسلة الدوال ، إن الدال المقصي يظل دائما حاضرا ، ولكن ضمن ارتباطه المجازي بباقي السلسلة ، وهنا يلتقي ، لاكان مرة أخرى بالجرجاني القائل : " إن العلم بمواقع المعاني في النفس ، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق ( ... ) وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس ، وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد اصواتا وأصداء حروف لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر أن يجب فيها ترتيب ونظم ، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل ".

        إن نظرية لاكان التي تتطلق من علاقة الدال بالدال ثم علاقة الدال بالمدلول تكاد تقوم أهم أسسها على نظرية النظم التي قال بها عبد القاهر الجرجاني : الألفاظ تثبت بلها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ "  ، و :" أن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها ، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق "

    إن علاقة الدال بالدال ثم علاقتهما بالمدلول الأول والمدلول الثاني ، هي الفكرة التي قامت عليها نظرية الجرجاني كلها في النظم ، وهو يؤكد على ذلك في أكثر من موضع ، ويبدو ذلك جليا في قوله :" وأما نظم الكلم فليس الأمر في النفس ، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني وترتيبها على سب ترتيب المعاني في النفس ، فهو ، إذن ، نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه ، وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق "  . والمعروف في مجال الاستعارة عند العرب أنها استعارت المعنى لما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه أو يشبه في بعض أحواله ، أو كان سببا من أسبابه.

 

تحميل المقال

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07