FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

 

تحليل الخطاب الفائق: (من الشفهية إلى التواصل الإلكتروني)

 

                                                          يحي بوتردين

                                                                      جامعة ورقلة

 

الملخص:

          تشكل ظاهرة النص الفائق (المفرّع، التكويني، المرفّل) مجالا خصبا للبحث والدراسة، ولاسيما وأنها مسالة تحمل نظرة جديدة إلى قضايا اللغة، والكتابة، والقراءة ومكانة المؤلّف والقارئ باعتبارها جميعا تحمل دلالات خاصة لدى الجيل الجديد مغايرة لما كانت عليه لدى الأجيال ما قبل الثمانينيات من القرن الماضي.

       والموضوع عبارة عن رؤية تنطلق من الواقع وتعرض لمجموعة من القضايا والمعطيات التي تمس موضوع تحليل الخطاب، سواء في حقل الإبداع أو التواصل، متأثرة بما أفرزته تكنولوجيا المعلومات من خلخلة في المفاهيم وتغير في الأدوات الإجرائية لمقاربة النصوص. وهو ما طال معجم الاستعمال المصطلحي، حتى أصبحنا نتعامل بألفاظ مثل القراءة الإلكترونية التفاعلية والذكاء الاصطناعي والخطاب المرفّل أو الفائق أو التكويني …إلخ. مما يستدعي الحديث عن عهد جديد لتحليل الخطاب، فهل سيتم اغتيال القراءة بعد أن تمّ اغتيال كل من النص والمؤلّف ؟

تـمهـيد

يعدّ هذا العمل إسهاما متواضعا في حقل تحليل الخطاب، وفي إطار المحور الخاص بأنواع الخطاب وأشكاله، على ما يكون قد قيل فيه من كلام، وما كنا لنختار لهذا الموضوع عنوان: تحليل الخطاب الفائق: (من الشفهية إلى التواصل الإلكتروني)، لولا إيماننا بضرورة تجديد النظر إلى الموضوع والتأصيل له في إطار روح العصر ومفاهيمه وأدواته، وبخاصة في مسألة تحديد مفهوم الخطاب وأنواعه وأشكاله، وهدفنا هو لفت الانتباه إلى شكل جديد من أشكال الخطاب أفرزته ثقافة عصر المعلوماتية، لا يزال - برأينا- بعيدا عن اهتمام كثير من الباحثين عندنا في الثقافة العربية، ألا وهو الخطاب (النص) الـفائـق / الـمفرّع (HYPRTEXT) أو ـمرفـّلHYPERMEDIA) ) وقد قصدنا أن تكون محاولتنا هذه نابعة من الواقع وبعيدة عن التقليد.

من أجل تعزيز ذلك، اعتمدنا مجموعة من المراجع نعدّها أصيلة في بابها ومتجدّدة في آن واحد، تناولت الموضوع من زوايا مختلفة، تخدم في النهاية جملة الأفكار التي تراءت لنا، نذكر منها: كتاب الثقافة العربية وعصر المعلومات؛ لنبيل علي، نشر سلسلة عالم المعرفة، حيث يتعرّض إلى المفاهيم المحدثة في علم الكتابة والقراءة والاتصال والتي أفرزتها أوضاع جديدة وغير مألوفة من التواصل والخطاب، كالتواصل الإلكتروني والتخاطب عن بعد والإعلام المتعدّد والذكاء الاصطناعي…إلخ. وهو ما يؤكّده كتاب آخر لحسام الخطيب، عنوانه: الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المفرّع، حيث يعرض لمعضلة الآلة المعلوماتية وخدماتها في مجال الأدب والقراءة والإبداع، وهو ما يثير التفكير حول مستقبل القراءة في ظل الآليات والمفاهيم الجديدة من نص فائق /مفرّع / تكويني / مرفّل…إلخ(). هذا بالإضافة إلى كتاب ثالث مترجم لـ: والتر أونج (Walter J .Ong ) عنوانه: الشفاهية والكتابية، ترجمه حسن البنا عز الدين، وهو من نشر سلسلة عالم المعرفة أيضا، يعنى فيه صاحبه بتطوّر أنواع الخطابات وتنوّعها من الشفاهية إلى الكتابية، مما يتماشى والخط الذي رسمناه لهذه المداخلة من التعرّض لمثل هذه المفاهيم من حيث تطوّرها خاصة. أما في جانب الدوريات فقد وجدنا دورية متخصّصة في علم الكومبيوتر والإنترنت، بعنوان: (PC Magazine ) النسخة العربية، والتي تحمل كثيرا من المستجدّات في نطاق المصطلحات والمفاهيم التي تتعلّق بعالم الاتصال الإلكتروني واللغويات الحاسوبية، هذا دون أن نهمل ما أفدناه من مقالات إلكترونية متفرّقة من شبكة الإنترنت، تناقش هذا الموضوع أو بعض جزئياته.

    إنّ الإشكالية التي يطرحها هذا الموضوع تتمثّل في السؤال عن ماهية الخطاب الفائق؟ وكيفية التعامل معه في إطار مفاهيم لسانيات النص وتحليل الخطاب؟ من أجل ذلك رأينا أن نبني هيكل المداخلة على العناصر الآتية:

                   v            هل هو عهد جديد لتحليل الخطاب؟

                   v            لماذا الحديث عن الخطاب الفائق ؟

                   v            ما هي مرجعيات هذا المفهوم ؟

                   v            هل للخطاب الفائق تحليل متميز؟

 

هل هو عهد جديد لتحليل الخطاب؟

    يشكّل الخطاب ظاهرة هامة في عالم التواصل الإنساني من خلال التمظهرات المتعدّدة له في كل لسان وعلى مرّ الأزمان، والخطاب اللغوي نص مهما اختُلِف في اعتباره كذلك من عدمه. لأنّ المتخاطبين إنّما يتداولون فيما بينهم موضوعا تكون مادته (اللفظية) محسوسة وواضحة المعالم والحدود، وهو ما يضفي صفة النصية على أي خطاب لغوي إنساني وإن كان شفويا.

    والخطاب (النص) الفائق/ المفرّع (HYPERTEXT) أو المتشعّب()، هو نوع من الخطاب أصبحت تطالعنا به نظم الاتصال الإلكتروني مؤخرا، واعتبر مجالا خصبا للبحث والدراسة، ولاسيما وأن المسألة تحمل نظرة جديدة إلى قضايا اللغة، والكتابة، والقراءة ومكانة المؤلّف والقارئ باعتبارها جميعا تحمل دلالات خاصة لدى جيل المجتمع الجديد (الإلكتروني/ الرقمي)، مغايرة لما كانت عليه لدى الأجيال ما قبل الثمانينيات من القرن الماضي.

       إنّ هذا الموضوع عبارة عن رؤية تنطلق من الواقع وتعرض لمجموعة من القضايا والمعطيات التي تمس مسألة تحليل الخطاب، سواء في حقل الإبداع أو التواصل، متأثّرة بما أحدثته تكنولوجيا المعلومات من خلخلة في المفاهيم وتغيّر في الأدوات الإجرائية لمقاربة النصوص، وهو ما طال معجم الاستعمال المصطلحي، حتى أصبحنا نتعامل بعبارات اصطلاحية مثل القراءة الإلكترونية التفاعلية والذكاء الاصطناعي والخطاب المرفّل …إلخ. مما يُنبئ بحلول عهد جديد لتحليل الخطاب، فهل هو عهد لاغتيال القراءة بعد أن رأينا عهودا تم فيها الإعلان عن اغتيال كل من النص والمؤلّف؟()، إنّ الإجابة عن مثل هذه التساؤلات، تقتضي منا الإجابة عن تساؤل جوهري آخر هو: لماذا الحديث عن الخطاب الفائق؟

لماذا الحديث عن الخطاب الفائق (المرفّل)؟

يبدو أنّ بعض المتعاملين بعاطفة مزيّفة مع العربية قد أعياهم الحرف العربي وما يحمله من جذور ثقافية عريقة، حين أطلّ عليهم اليسار الثقافي بخطاب « تحليل الخطاب » ضمن طروحات الحداثة، وفي ثوب قشيب تزهو به ألوان الطيف بما يحمله من أنواع النظريات والفلسفات الموحية بالجدة ونبذ التقليد، فأخذوا يلتهمون هذه المعرفة المحدثة التهاما، حتى كادت أن تهوي بهم في مستنقع الانسلاخ، شأن ذلك العطشان الذي أراد أن يسد رمقه برشفة من الماء البارد فقتل نفسه حين استهوته رطوبة ذلك الماء البارد. على أنّ البعض تلقوا تلكم النظريات بوعي فاستلهموا منها ما جعلهم يجتهدون بحثا عن سيماء لهذه الأفكار والرؤى الجديدة في تراثنا القديم(). وليس غريبا أن يضاف إلى ذلك ما ميّز مفهوم الخطاب، باعتبار شكله ومضمونه وأنواعه، في طروحات هؤلاء من الوفاء لتلكم المعالم المفهومية التقليدية التي تقصره (الخطاب) على مظهري الشفهية والكتابية، مما يفيد أن المرجعية الوحيدة التي اعتمدها هؤلاء في تحديد مفهوم الخطاب، هي الشعر والنثر العربيين أو الغربيين.

بالإضافة إلى أنّنا قلّما نجد في الثقافة اللسانية العربية المعاصرة، سواء في نطاق المقاربة النقدية اللسانية أو التعليمية أو البحثية، من يهتم بما أحدثته ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال بصفة عامة من نظم حديثة للتخاطب والتواصل، والتي أدت بالقوة إلى خلخلة في المفاهيم العامة المتعلّقة باللغة عموما، وبالتالي بالخطاب وأشكاله بصفة خاصة وبصورة ملفتة للنظر ومستوجبة للبحث والدراسة في الآن ذاته. 

ولعلّ الذي ساهم في هذا الوضع هو كون التقنوقراطيين في مجتمعاتنا -كما يقول نبيل علي- احتكروا سلطة الخطاب السمعي والبصري والرقمي أو المعلوماتي مما جعل قضايا الثقافة تذوب في بوثقة التفصيلات الفنية (التقنية)()، وذلك على عكس ما هو عليه الوضع في الغرب.

وعليه، فلا يُعقل أن يُتناول موضوع تحليل الخطاب في ظل ثقافة تكنولوجيا المعلومات دون البحث عن الدور الذي أسهمت به هذه الأخيرة في بلورته والتأثير فيه، أو تحديد صيرورته. لأن هذا الإسهام أو التأثير إنّما أصبح حقيقة وواقعا ملموسا على مختلف الأصعدة، على أساس كون هذه الثقافة أصبحت تمثل المظهر العام للحياة المعاصرة، ليس في الغرب فحسب، بل في البلاد العربية وسائر العالم أيضا.

إنّ المكوِّنات الأساسية لتكنولوجيا المعلومات، تنبِئُنا بأنّ فكرة الاتصال (التواصل)() لم تعد بالصورة التقليدية التي تقتضي وجود مرسل (إنسان =متحدّت/كاتب) ومرسَل إليه (إنسان=مستمع/قارئ) ورسالة (موضوع الخطاب)، كشرط لتشكيل مفهوم الخطاب، كممارسة لغوية على الأقل؛ وإنّما أصبح الأمر يتعلّق بحوار الآلة مع الإنسان والتفاعل بين العالمين الإنساني والمادي، مما يفرز لنا مفهوما جديدا تماما للخطاب، وبخاصة عندما طُوِّرت أنظمة الحاسوب وبرمجياتها القائمة على التكنولوجيا الرقمية، حيث انتقلت من كونها آلة لمعالجة البيانات (Data processing) وهو ما يعبّر عنه بالعصر الحجري لأنظمة الحاسوب، إلى كونها آلة لمعالجة المـعــلومات (Information processing)، ثم إلى آلــة لـمعالجــة الـمعـارف (Knowledge processing) وهو ما انتهت إليه الأجيال المتأخرة منها خاصة، حيث أصبح الحاسوب -يتمتع- بخاصـية الـذكاء الاصطــناعي (Artificial intelligence) التي تجعله قادرا على الاستنساخ واستخلاص الأحكام…وهو ما يفسّر وجود برمجيات وأنظمة يطلق عليها عبارة النظم الخبيرة (Expert systems). لأنّها -كما يقول نبيل علي-: « تقرأ وتسمع وترى وتميّز المسافات والأشكال، وتفهم وتحلّل وتحل المسائل وتبرهن النظريات وتتخذ القرارات، بل تؤلّف النصوص وتولّد الأشكال أيضا…»().

فهلاّ أمكن لنا أن نتحدّث عن شكل جديد ومتميّز من أشكال الخطاب، في ظلّ هذه البيئة الجديدة من التفاعل بين الآلة والإنسان؟ وإلى أي مدى يمكن أن نتحدّث عن منهجية لتحليل الخطاب الذي تكون فيه الآلة طرفا؟

لقد كان الخطاب قبل أن تكون الكتابة. فالخطاب اللغوي في الثقافة الإنسانية عامة والعربية خاصة، إنّما بدأ شفهيا ذا مؤلّف معروف واحد فمتعدّد وسامع واحد أو متعدّد؛ إلاّ أن الذي تعلّمناه من نمط التأليف لدى القدامى باعتبار تكوّن النص من عدّة متداخلات نصية كالشروح والحواشي والتعليقات والتحقيقات…إلخ، أنّ مفهوم النص ليس ذلك التتابع الخطي للكلمات والجمل والفقرات، وإنّما هو أيضا تداخل لمستويات مختلفة من النصوص بحيث تشكل خطابا تكوينيا تمتزج فيه أداءات لغوية تختلف في أشكال خطوطها وألوانها كما تختلف في أزمنتها ودلالاتها، وبالتالي فإنّ القارئ يكون بصدد مجموعة من النصوص والدلالات والخطابات وإن يكن الكتاب  أو الصفحة التي تحملها واحدة.

 إنّ هذا الوضع التقليدي هو عينه الذي يتكرر اليوم مع تكنولوجيا المعلومات حيث تمتزج ألوان من النصوص والخطابات المتشابهة والمختلفة شكلا ومضمونا وزمنا ومصدرا، وتصبح تقنية الارتباط الـتـشعــــبي (Hyperlink) وسيلة فعّالة لتقليب صفحات هذا النص الجديد، وإن لم يكن تقليبا على الحقيقة، فإنّه انتقال بين الصفحات بطريقة تشعّبية وليس خطية، إذ بإمكان القارئ أن يتنقّل وبسهولة بين صفحات تفصلها آلاف الأميال من المسافات عبر شبكة الإنترنت وهو يتصفّح نصا لغويا مفرّعا (فائقا)، كما أنّه باستطاعته أن يبحث في مراجع موصولة بالشبكة ليشرح أو يفهم بعض غوامض نص يقرأه أو يتعرّف على بعض الأعلام والمصطلحات أو يحقّق بعض المسائل والإشكالات أو يتوسّع في بعض الجزئيات، ويتم له كل ذلك من خلال الاطلاع على بحوث وتآليف موسّعة ومرتبطة فيما بينها إلكترونيا…وهكذا.

لقد بات خطاب الآلة المعلوماتية نصا متفرّعا غير محدود الشكل والمساحة ، فهو افتراضي في كل معانيه، ومن هنا فإنّ تحليله ينبغي أن يتخّذ هذه الخاصية الافتراضية اللامتناهية، لأنّ النص التقليدي إذا كان مؤلّفه واحدا مبدئيا فإنّ هذا النوع الجديد من النصوص (الخطابات) متعدد المصدر (التأليف) ومتعدد المنتهى (القارئ/ المتلقّي)، كما أنّه متعدد الأشكال (الأنماط).

وهكذا، فأنّ النص الجديد (الخطاب الفائق) عندما يتعدّد مؤلّفوه من حيث الإنشاء والتكوين والارتباط، كما يتعدد قرّاءه من حيث تنوّع المقاربة والمشاركة والفهم، فإنّه يصبح من تأليف الجميع بالتشارك، وتتلاشى سلطة مؤلّفه الأصل شيئا فشيئا كلّما ازداد تكوينا وتفريعا وتعدد قرّاءه، فعالم الإنترنت بحر مترامي الأطراف ولا يمكن التنبؤ عدد الأشخاص والآلات التي تشارك في نفس اللحظة مقاربة نص أو وثيقة على الشبكة أو التحكّم فيهم، وبالتالي يصبح الحديث عن المؤلّف حديثا عن متغيّر لا حقيقة ثابتة له، فكل من يتدخّل في النص وبأي نوع من أنواع المقاربة يمكن أن يكون قد أسهم في تأليفه وتحليله في آن واحد.

إنّ مقاربة الخطاب التكويني ينبغي أن تتم عبر قنوات عدة؛ وإذا كان الخطاب الشفوي يعتمد على قناة السمع فقط في مقاربته وتلقيه، والخطاب المكتوب يعتمد البصر أساسا لكونه يتشكّل عبر الرموز البصرية الكتابية والأشكال والصور، على أنّه لا يتعدّاها، فإنّ الخطاب التكويني يحمل الخصائص المعروفة للغة ويزيد، حيث السمع والبصر والحركة والتفاعل…إلخ  لأنّ التواصل الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت يقوم على عنصر التفاعل بين الآلة والإنسان والذي يسميه نبيل علي بـ: التواصل الإنسالي()، وتتوزّعه مجموعة من الوسائط المتعددة بحيث تنتج لنا نوعا من الخطابات تتداخل فيها الصورة بالصوت والكتابة في تناغم تام، قابل للتحليل بمقاربات متنوعة وعديدة لسانية وسميائية ونفسية وفنية وتقنية معا.

أما بالنسبة للتأثير في القارئ فهو من هذا المنظور متعدد المصدر، لأنّه يكون من الآلة والصورة والأشكال أكثر من المؤلّف أحيانا، حسب رأي ولتر .أونج().

وما تؤكّد عليه الوقائع أن الخطاب الذي أفرزته تكنولوجيا المعلومات هو من نوع خاص جدا، فهو خطاب للمعرفة لا للتلقي()، لأن الإنسان المشارك فيه بتفاعل، إنّما يكون في حالة اكتساب وانتاج للمعرفة باستمرار وليس مجرّد متلقّ لها من مصدر معيّن،  فنظم التواصل الإلكتروني بأجيالها المتطوّرة والخبيرة خاصة، تجعل الإنسان ولو بصفته متلقّيا، عنصرا فاعلا يشارك الآلة في صنع المعرفة وهو يكتسبها، هذا لأنّ خطاب الآلة يكون مفتوحا على المؤلّف والقارئ معا، ويصبحان باثين ومستقبلين في آن واحد.

وبالإضافة إلى ذلك فعنصر التفاعل الذي هو ميزة أساسية للخطاب الإلكتروني من شأنه أن يدفع المتلقّي إلى أن يتعامل مع أكثر من متغيّر دلالي يدخل في صياغة وصناعة (تكوين) الخطاب المفرّع (الفائق)، ومن هنا يمتزج فعل اكتساب المعرفة مع فعل إنتاجها وصناعتها.

والحق أن مثل هذه الأفكار والمعطيات الجديدة لا بد وأن يكون لها جذور في ثقافة ما ولا يعقل أن تكون بدعا من الأمر، مما يجعلنا نتساءل عن مرجعيات هذا المفهوم الجديد للخطاب؟ 

ما هي مرجعيات هذا المفهوم؟

    إذا اتفقنا على أن ثمة نوعا من الخطاب يحمل اسم الخطاب الفائق (المفرّع/ التكويني) وله خصائص متفرّدة هي كونه خطابا للمعرفة لا التلقّي، وكونه يتكوّن باستمرار لا متناه، ويتقاطع مع غيره من الخطابات بحيث يتكون منها مجتمعة، ليصبح بذلك كلّه نصا مفتوحا ومتناميا، فإنّ السؤال الذي يمكن أن نطرحه هو: ما هي المرجعيات التي يمكن أن نجد فيها جذورا لهذه المفاهيم التي تعبّر عنها هذه الخصائص المختلفة في الثقافتين الغربية والعربية؟

أما بالنسبة لمرجعيّته في الثقافة الغربية، - باعتبارها مهد الخطاب الإلكتروني- فبالإمكان ملاحظة أنّ هناك من  النقاد واللسانيين من تحدّثوا عن التناص كخاصية للخطاب اللغوي التقليدي، وهو ما نجده مجسّدا من خلال عنصر الارتباط الذي هو خاصية للخطاب الفائق، لأنّ خاصية الارتباط التشعّبي في شبكة الإنترنت أو في الأقراص المدمجة، والتي بفضلها يتم وصل جزئيات الخطاب الفائق ببعضها، مما يحدث ما يشبه التناص بين هذه النصوص والمواقع والوثائق المتنوّعة والمتعددة، والتي بفضلها أيضا سمي هذا النوع من الخطاب خطابا مرفّلا أي متعدد الوسائط، وهذا التنوّع والتعدّد يعطي هذا الخطاب خواص مختلفة ومتداخلة مثل الانفتاح والحركية والانزياح وهي كلّها معان نجدها في الدراسات اللسانية والنقدية الغربية عند تعرّضها لمسألة التناص -كما رأينا- أو إلغاء المؤلّف وبخاصة لدى أمثال: فليب سولرس، ورولان بارث، وجاك دريدا، وكذا جماعة (تل كل) الفرنسية على وجه الخصوص، وهو ما يشير إليه مفيد نجم()، مما يجعلنا نؤكّد على كون التواصل الإلكتروني بمفهومه العام نوعا من الخطاب الذي يستحق العناية والاهتمام ضمن دائرة نظريات تحليل الخطاب.

وما يمكن قوله عن الثقافة الغربية نقوله عن الثقافة العربية، لأنّنا نجد النص القرآني هو أيضا بل ومن باب أولى متّصفا بخاصية الارتباط بين أجزائه، ومن الناحية الشكلية والدلالية معا، لأنّ ما تعرضه سورة ما من موضوعات وقضايا، يمكن أن نجد تكملته في سورة أو مجموعة من السور الأخرى وهكذا ... شأن قصص الأنبياء عليهم السلام أو أحكام الفقه المختلفة، وموضوع أحكام المرأة في الزواج والطلاق والميراث يعد  مثالا حيا عن على ذلك. ولا يمكن للمرء أن ينجح في تحليل الخطاب القرآني إذن إلاّ بالعودة إلى هذه المواقع من القرآن كلّه على منهج ما يسمى بالتفسير الموضوعي…إلخ. والأمر عينه نجد جذوره في الثقافة العربية العامة من خلال التأليف الموسوعي في التاريخ والأدب كما في كتاب الأغاني وغيره، أو فن الشروح والحواشي والتحقيق الذي كان سمة الثقافة العربية في العصور الماضية خاصة، وهو ما يشرحه حسام الخطيب()في موازنة تحليلية شيّقة بين النص المفرّع وأنماط النصوص المماثلة في الثقافة العربية.

    وعند الحديث عن الارتباط، نجد خاصية أخرى هي التداخل التي هي سليلة خاصية الارتباط ونتيجة لها، وهي مما نجده واضحا في الخطاب الفائق عندما ينتقل القارئ من سياق سمعي إلى سياق بصري إلى سياق حركي أو من نص أدبي إلى كتاب في التاريخ إذا أراد أن يحقق معلومة، ومنه إلى موسوعة لغوية إذا أراد شرح لفظة أو معرفة قاعدة لغوية ثمّ إلى دراسة نقدية وهكذا... وإذا كان التداخل في نوع الخطاب التقليدي يعطي الاعتبار للجانب الدلالي، فإنّنا في الخطاب الفائق نجد الاعتبار الدلالي والاعتبار الشكلي يتحقّقان معا. ومن هنا أمكن السؤال عن مدى تميّز هذا الخطاب غيره من أنواع الخطاب التقليدية في التحليل ما دام يتميّز عنها في الشكل؟

هل للخطاب الفائق تحليل متميز؟

لقد كان الإنسان يتعامل مع أنظمة الحاسوب وفق برامج من شأنها تيسير التنظيم والدقة في الإنجاز …إلخ ولكن الأجيال الأخيرة منها أصبحت قادرة نظريا على القيام بكثير من العمليات التفكيرية المختلفة، في إطار ما يعرف بالذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عمّا إذا كان باستطاعتنا اعتماد هذه البرامج الخبيرة لتحليل قصيدة أو أيّ نص أدبي منشور على شبكة الإنترنت؟ ثمّ أين نحن من كل هذا في الوقت الذي نجد فيه المؤسسة الأدبية في أوروبا أصبحت تنتج أعمالها الأدبية مباشرة على الحاسوب دون المرور بالورق ونحن لا نزال نلهث وراء المسودات الورقية التقليدية(). ذلك ما تنبّأت به بعض الدراسات والتجارب كالتي تحدّثت عنها مجلّة (Pc magazine) إذ تترقّب مستقبلا أن تشارك الحواسيب في إعادة إنتاج القصص والمسرحيات بأسلوب تفاعلي لتتلاءم مع الثقافة الإلكترونية المحدثة()ولربّما ستطلعنا بالجديد الملفت للنظر في أقبر وقت.

على أنّنا وفي انتظار ذلك يمكن أن نشير إلى أن الباحث أو الدارس الذي يقارب نصّا فائقا، فإنّه يقوم في كل الحالات بتحليله، ومن هنا فقد طرح حسام الخطيب مسألة المقاربة التحليلية للنصوص الأدبية الإلكترونية باعتبارها نموذجا للخطاب التكويني، وتبيّن له أن الخصائص النصية أو الخطابية التي كنّا نعدّدها في الفقرة السالفة من ترابط وتناص وتداخل …إلخ من شأنها أن تيسّر على المرء طريقة القراءة إلكترونيا بحيث تكون استفادته من النص وتجاوبه معه أفضل بكثير منه لو قاربه في صورته الورقية التقليدية، فالانتقال من موقع إلكتروني إلى آخر بهدف تتبع ارتباطات النص إلى روافد مساعدة على شرحه مثلا، يعد مما يضفي على التحليل نوعا من الحركية وبالتالي يمكن أن يتنامى هذا النص مع كلّ قارئ جديد ليصبح خطابا فائقا ومفتوحا وقابلا للتجدّد كل مرّة.

لقد قدّم لنا حسام الخطيب نموذجا تطبيقيا هو عبارة عن قصيدة لمحمود درويش() أعدّت لتكون صورة للنص أو الخطاب الأدبي الفائق (الإلكتروني) وحاول أن يقدّم تعليقا دلاليا مفرّعا عليها، بحيث توصّل إلى نتائج ذات أهمية كبيرة، مع ما في هذه الطريقة من مخاطر ومعوّقات.

وقد ركّز على أهمية استغلال الخصائص التكوينية للكتابة الإلكترونية الرقمية على الحاسوب، من أجل قراءة تحليلية معمّقة للنصوص الأدبية، مع إشارة واضحة إلى ضرورة تدخّل الناقد في عملية إعداد النص التكويني وإثرائه، وقد أنهى تحليله ذاك بجملة تحفظية عامة يقول فيهــا: « ليست هذه دعوة (لتكنجة) الأدب، وإنّما هي دعوة للاستعانة بالتكنولوجيا للإسهام في إخراج الأدب من عزلة الرصيف»().

خاتـمـة:

 في نهاية المطاف يمكن القول إنّه ليس بدعا من الأمر وجود الحاسوب أو الإنترنت في بيئة تتسم بالتخلّف، لأنّ ذلك أصبح من موضة العصر، وجلّ الناس صغارا وكبارا، أغنياء أو فقراء، يتعاملون معه، كما يتعاملون مع أي منتج برّاق يفد إليهم من الغرب، ولكن ظهور نوع جديد من أنواع الخطاب في عصرنا يستوجب منا السؤال عن ماهيته و كيفية تحليله؟

وهذا الذي قلناه يعد محاولة في سبيل الإجابة عن تلكم الأسئلة، رغم أنّه لا يزال مثل هذا النوع من الخطاب يعد بدعا من الأمر عندنا، لأنّه العقلية التي يحملها بعض المثقفين بالعربية بخاصة لا تزال ترفض التجديد بمعنى الاستيعاب والتميّز، فهي قانعة بالتقليد واستمراء ما ينقله المترجمون عن الغرب، مما جعلهم حبيسي ما يُقرَّر عليهم من النظريات والمفاهيم وكأنّهم لا يصلحون إلاّ لاستهلاكها. وحسبنا أنّنا ٌد أثرنا من الإشكالية بعض أسئلتها، على أمل أن يوجد من يخصها بالدراسة والبحث المعمّقين مستقبلا.

 

تحميل المقال

 

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11