FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides

    Séminaire International sur les Polysaccharides Polysaccharides de Plantes de Milieux Arides.POLYSAC 2017, Les 22-23 Novembre 2017. 

  • Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement

    Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement "WID TOE 2017", 3 et 4 avril 2017, Ouargla - Algérie

Appel à communication

 

تحليل "الصوت السردي"في الخطاب الروائي "كوابيس بيروت"

                                         الأستاذة سليمة لوكام

                               قسم اللغة العربية و آدابها –  جامعة تبسة ، الجزائر

 

تقديم : 

        ترى يمنى العيد أنّ "الاستفادة من المناهج النقدية الغربية ممكن وضروري و مطلوب شرط ألاّ يكون بتكرارها أو بوضعها قيد الاستعمال في سوق النقد الأدبي بل بإعادة إنتاجها بالشغل على النص الأدبي أي بممارستها"[1].

   في هذا الإطار، جاءت هذه الدراسة التحليلية التي تنضوي ضمن السـرديات

 Narratologie ، حيث يتم التركيز على ما قدّمه جينيت في هذا المجال في كتابيه "خطاب المحكي"

و "الخطاب الجديد للمحكي". و في هذه الدراسة سنعكف على دراسة مقولة "الصوت السردي" في الخطاب الروائي "كوابيس بيروت" لغادة السمّـان، لما لـه – أي الصوت السردي – من أهمية في توضيح علاقة السارد بالنص السردي، من خلال البحث في:

  • زمن السرد للتعرّف على طبيعة العلاقة بين زمن القصّة الفعلي و زمن روايتها.
  • علاقة السارد بالقصة من خلال دراسة "مستويات السرد" و "الضمير" بغية الوقوف على أثر كون السارد شخصية في القصة أو بطلا فيها، و ارتباط ذلك بإمكان قيامه بوظائف مختلفة تتجلّى من خلالها رؤية أوضح للخطاب الروائي من خلال الوظيفة الإيديولوجية خاصة.

و قد أثارت دراسة الصوت السردي في الخطاب الروائي العديد من التساؤلات ،إنطاقا من كونها تبحث في علاقــة من يروي بمن يروى له ، و هـذا يستلزم آليا البحث فـي كيفية استعمال الزمن و توظيفه بين هذين الطرفين : بين الزمن الحقيقي أو المتخيل للقصة المروية ، و الزمن الذي تستغرقه روايتها أي زمن سردها .

كما يتناول فيها البحث في العلاقات التي تنتظم الأشكال الأساسية للسارد بمعنى من يتحدث و كيف يتحدث؟ و علاقتها بالأشكال الثلاثة الممكنة للتبئير بمعنى بواسطة من ندرك؟ وكيف؟ للوصول، وبطرق مختلفة إلى تمثيل عالم المتخيل و إحداث تغييرات على القارئ: تلقيه و إدراكه و تفاعله.

و لأن دراسة الصوت عند جيرار جينيت متشعبة تجمع بين ترهين السرد و زمن السرد من جانب ،و مستويات هذا السرد ووظائفه و الضمير الماثل فيه من جانب آخر ،وهي بذلك تضبط"العلاقات بين السارد و المســرود له أو المسرود لهم بالنسبة للقصـة التي يرويها ." [2]   فقد آثرت أن أفصل كل عنصر على حدة دراسة و تحليلا، ثم أقوم بعملية تركيب تمكن من الوقوف على دلالات الفعل السردي و مستوياته و وظائفه.

أولا: زمــن الســـرد:

        أن كانت دراسة زمن الخطاب الروائي تعنى بكيفية ترتيب زمن الأحداث في المادة الحكائية و كيفية ترتيبه في الخطاب ، و تغير مدة هذه الأحداث وفقا لوتيرة التسريع أو التبطيء أو التساوي ،فإن دراسة زمن السرد تبحث في العلاقة بين الزمن الذي كتبت (سردت) فيه القصة و الزمن الذي جرت فيه أحداثها و بالتالي فزمن السرد "هو الذي يحيل إلى الزمن الذي رويت فيه القصة بالنسبة إلى الزمن الذي يفترض أن تكون قد وقعت فيه."[3]

و إذا انطلقنا مما نسلم به من كون السرد يسبق القصة التي يرويها ،فإن الشكل الوحيد الذي سيتراءى أمامنا هو أن زمن القصة يسبق دائما زمن السرد ،لكن هذه المسلمة و إن كانت على جانب من الصحة في بعض أنواع الحكي إلا أن هذا لا ينفي وجود أشكال أخرى يكون السرد فيها إما سابقا للقصة  كالسرد التنبئي مثلا ،و إما موازيا يتزامن فيه السرد مع أحداث القصة.

و يقترح جينيت أربعة نماذج سردية بحسب تموضع السرد بالنسبة لزمن القصة و هي :

1- سرد لاحق Ultérieur

2- سرد سابق Antérieur

3- سرد متزامن Simultané

4- سرد متضمن Intercalé

1-السرد اللاحق:

        يمثل التموضع التقليدي للخطاب في الماضي ،و فيه يروي السارد ما حدث سابقا في ماض متفاوت في قربه أو بعده من الحاضر ،وهذا النوع هو الذي "ترأس الأغلبية من الخطابات الحكائية المنتجة إلى يومنا هذا "[2]، ويمكن التعرف عليه بيسر ،من خلال اللجوء إلى استعمال زمن الفعل الماضي ،أو من خلال الإرشادات الزمنية الصريحة كالتواريخ: (الشهور،السنوات،الأيام...) أو الإشارات الضمنية كالأحداث التاريخية والاجتماعية الشهيرة (الثورات،الحروب،...)

2- السرد السابق:

        يمثل الخطاب التنبئي في المستقبل و غالبا ما يرد في مقاطع تحمل معاني الأحلام و النبوءات، و أما قيمته فتظهر في استشراف الأحداث و التطلع إلى المستقبل و التنبؤ بما سيأتي، ويرى جنيت أن "أنواع الحكي ذات الطابع النبوئي تؤرخ أو تكتب مسبقا دائما ثم يكون ترهينها في السرد بعد القصة."[2]

3- السرد المتزامن:

الأكثر بساطة إذ أن الالتقاء القوي و السرد يلغي أية صفة للتدخل المرجعي والتلاعب بالزمن ،و يحضر عادة في الخطابات ذات التبئير الداخلي على الذات ،كما يمنحنا الانطباع بأن السارد يروي القصة في الزمن الذي تحدث فيه.

و يرى جينيت أن "توظيف الحاضر يقرب الترهين السردي، و يكون من آثار ذلك الحد من التوازن ، ويسمح لمجموع الحكي إما أن يميل إلى جانب القصة وإما إلى جانب السرد."[2]

4- السرد المتضمن :

        الأكثر تعقيدا لأنه سرد بترهينات متعددة تتداخل فيه القصة مع السرد تداخلا يمكن معه أن يكون الثاني رد فعل للأول ،وذلك أن التقارب بين القصة والسرد الناتج هنا ،هو أثر ملموس للفارق الزمني الضئيل بين حكي الأحداث والزمن المطلق في عرض العواطف و الأفكار.

ولذلك يقر جينيت بصعوبته و  تعقيده "هذا النوع هو الأكثر صعوبة، والأشد استعصاء على التحليل."[2]

  وهذه الأنواع كلها تبين وتوثق علاقة سردية بين الزمن الداخلي للنص الروائي الذي يتحدد بسرعة الحكي و مدته و تواتره و بين الزمن الخارجي أو ما يعرف بزمن القراءة ،وهو هنا مرتبط بآلية تلقي الخطاب بشكل عام وبتقنية الزمن خصوصا .و للقصة أن تجتمع بالسرد ،وأن تقترب منه ما لم تتجاوزه مدة السرد مدة القصة لئلا يختل التوازن ،و المثال الذي يسوقه الباحثون في هذا المجال "تريستام" الذي يستطيع  أن يروي بعد سنة من الكتابة إلا اليوم الأول من حياته، وبذلك تأخر و عاش ثلاثمائة وأربعة وستين مرة أسرع مما كتب"[2].

وحين نبحث في الخطاب الروائي "كوابيس بيروت" نجد أن الروائية تفتتحه بعبارة "بدأت كتابتها ليل13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975.تمت كتابتها 27 شباط(فيفري) 1976 نشرت مسلسلة في إحدى المجلات اللبنانية مع أوائل عام 1976 .توقفت المجلة عن نشرها في آب (أوت) اعتبارا من كابوس 160"[4] أما طبعها للمرة الأولى فكان في أكتوبر 1976.

ونلاحظ أن زمن الكتابة استغرق ثلاثة أشهر ونصف تقريبا بينما امتد زمن القصة في الخطاب الروائي على فترة زمنية أقصر و هي خمسة عشر يوما أو كما أشارت إلى ذلك بقولها "منذ نصف شهر ".

وإذا ما أضفنا إلى ذلك ما أوردته الروائية في الصفحات الأخيرة بقولها: (مخطوطة...) يمكننا محاولة تأويل ذلك بأن مادة الفعل الروائي كانت قد اكتملت في المدة التي تحددت بنصف الشهر على امتداد زمن القصة ، ومن هنا كان التعبير ب"ملحوظات و نوطات لكتابة رواية " و كأن الروائية كانت تبحث عن مبنى لهذا المتن الحكائي ،وهذا أمر وارد لدى كثير من الروائيين وفي هذا يقول سمير بوحمدان "فالنص الروائي العربي ،كما هو معروف لدى البعض ، لا يزال يبحث عن صيغة يتعامل بها مع الواقع ، فهي حينا صيغة تسجيلية (تسجيل الواقع كما هو) حيث الطمس الدائم للبعد الفني ، وحينا ثانيا صيغة تقريرية حيث لا هم ولا هاجس للكاتب غير وضع تقرير عن المعاش ،بما هو مجموعة من الصور و الأحداث و الوقائع."[5]

و لم تكن الروائية تسجل أو تقرر ، و إنما كانت تعيش الواقع، فالذي وصلنا صيغة كابوسية لا يمكن للحرب الأهلية إلا أن تفرزها ، و لا لهذه الوضعية "السجن في البيت الواقع على أحد الخطوط المشتعلة " إلا أن تساير إيقاع الرعب و الخوف و الترقب و الحذر و الموت بهذا المد الكابوسي المتواصل حينا و المتقطع أحيانا أخرى ، ولا لهذه الصور الباهتة المرعبة عن واقع هذه الحرب الطائفية التي لم تخلف بعد مرور "ثمانية أشهر" وهو زمن كتابة الرواية إلا مزيدا من الدمار و مزيدا من القتلى و مزيدا من "الفوضى المروعة و قد استولت على عالمك الداخلي،و ستحتاج إلى ترتيب العالم في داخلك،إلى إعادة ترتيب القيم و المفاهيم على ضوء المفاجآت التي مرت بك و الاكتشافات التي صنعتك أو أفرحتك لكنها أدهشتك على أية حال."[4]

   و بناء على ما تقدم ،يمكن الوقوف على تعينين زمنيين يسمحان بتأطير زمن السرد في رواية "كوابيس بيروت" وفقا للنمذجة الرباعية التي سبقت الإشارة إليها،و يتمثل هذان التعينان في: 

  • إن مدة القصة التي يشير إليها النص الروائي ضمنا هي خمسة عشر يوما، بعد اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية بثمانية أشهر.
  • إن مدة الكتابة الفعلية تمت بين 17 تشرين الثاني 1975و 27 شباط 1976، و هذا يعني أنها استغرقت ثلاثة أشهر و نصف تقريبا ،على الرغم من الإيهام الوارد في النص الروائي المتمثل في كونها خرجت عند إنقاذها بالمصفحة تحمل معها "مخطوطة رواية كوابيس بيروت "لأن هذه الإشارة لا تعني تمام و انتهاء الرواية نصا و زمن خطاب و زمن قصة.

و لذلك فالتصريح الذي يحمل القارئ على القول إنه بصدد سرد متزامن،تصريح مباشر وواع وواقعي من الكاتبة الساردة بقولها"وفوق أشياء يوسف وضعت بعض مخطوطات قص قصيرة و دفاتر مذكراتي في السنوات السبع الأخيرة ،ومخطوطة "كوابيس بيروت" التي سجلتها يوما بعد يوم،و لحظة بعد لحظة،و أنا أتأرجح على الخط الفاصل بين الموت و الحياة."[4]

و إذا عاينا داخليا صيغ الزمن المستعملة في الأفعال ،و التي يمكن أن تدل على التزامن من خلال استعمال الحاضر أو على السرد اللاحق من خلال استعمال الماضي،إضافة إلى تواتر المؤشرات الزمنية التي ستحيل إلى زمن افتراضي على الأقل و منها مثلا ( آنذاك،الآن،غدا، قبل سنة،منذ أيام...) مع انفتاح زمن القصة على المفارقات الزمنية (الإرجاع و الاستباق) بالنسبة إلى حاضرها، يمكن أن تنتفي صفة التداخل المرجعي و التلاعب بالزمن و بالتالي تتأكد تزامنية السرد.

    ومن خلال تتبع الكوابيس في الخطاب الروائي بحثا وتقصيا ،أمكن الوقوف على تشابهها فلا اختلاف فيما بينها يستدعي التطبيق عليها جميعا ورصد تزامنية السرد فيها ،   و إنما للدعم و البرهنة رأينا أن نستعرض ولو بإيجاز بعض القرائن المؤكدة الواردة في النص على امتداد الخطاب الـروائي ومثل ذلك ما نجده في:

الكابوس 4:

 "لم أكن أدري أنها المرة الأخيرة التي سأغادر فيها بيتي إلى ما بعد أيام طويلة .أعيش في ساحة حرب ولا أملك أي سلاح ولا أتقن استعمال أي شيء غير هذا النحيل الراكض على الورق بين أصابعي."[4]

الكابوس 20:

"و أنا أقف الآن على الخيط الفاصل بين الموت و الحياة ، أشعر بحواسي النائمة تستيقض و تخرج إلى سطح الوعي كغواصة ينشق البحر عنها فجأة ،موجة العنف و الصخب اللامتناهي تحملني إلى حيث لا أدري و أغمض عيني كي أرى جيدا."[4]

الكابوس 35 :

"مازالت انفجارات القنابل تتعالى .… مازلت أجلس بالدهليز أحتمي بجدرانه شبه المتلاصقة كرحم حجري لم أعد مذعورة كجرذ ، الكتب تحدق بي من رفوفها ، و أنا أحدق بالكتب ، و لا أحد يملك للآخر شيئا . أتناول كتابا من تلك التي ترجمتها ، أفتحه ، أجده كما حدست صفحات بيضاء".[4]

الكابوس 82 :

كفاني دورانا  بين غرف البيت ، كفاني تشاغلا عن الغرض الرئيسي من صعودي هذا الصباح إلى بيتي … أتساءل مع كل حرف أخطه في " كوابيس بيروت " ، ترى هل سأنجو و تتحول هذه الكلمات إلى حروف مطبوعة أم سأحترق و إياها تحت ركام هذا البيت."[4]

الكابوس 97 :

" ساعتي تقول إن الساعة هي الرابعة إلا 12 دقيقة فجرا ..نهضت إلى النافذة .."[4]

الكابوس 116 :

" متعبة و جائعة و عبثا أنام ..أنوي التسلل إلى دكان بائع الحيوانات الأليفة فأجد نفسي أكثر تعبا من أن أقف في بحر الظلام و البرد و العاصفة ولكن هاهي تتسلل إلي، وهاأنا ، إذ أغمض عيني أرى بوضوح ."[4]

الكابوس 125 :

"أتابع جولتي الصباحية التفقدية في أطلال بيتنا …لا أستطيع الانفعال كثيرا بأي شيء كأن الجوع يبلد حواسي العادية و يطلق طاقات حواسي السرية و كوابيسي المذهلة."[4]

و نلاحظ هنا ، توظيف الحاضر الذي يفضي إلى مجهولية الحدث الروائي، وبه تتكثف ضبابية الاستقبال إلى الحد الذي يصل بالقارئ إلى الاكتفاء بمواكبة الأحداث في تكرارها و تشابهها دون البحث فيما يمكن أن تسفر عنه هذه القراءة ، بل إنه لذلك قد يشعر بالملل و السآمة .

فواقع الحرب مرير مؤلم ببشاعته و تداعياته و انعكاساته ، و الفضاء الذي يختار بضيقه و موقعه و انغلاقه ، و ما يتهدده من دمار و تفجير ، كفيل بأن يدفع هذا القارئ للكف عن هذه المعايشة السادية المؤلمة

ثم إن هذه الإشارات الزمنية على الرغم من انفتاحها على زمن ممتد نسبيا إلا أنها تؤكد تزامنية الفعل السردي مثل "إنه الخريف."[4]

   و مهما يكن من أمر ، فتوظيف الحاضر أيضا و إن أسهم في تقريب الترهين السردي إلا أنه لم يلغ أو يقلل من توظيف الماضي (الفعل الماضي – المؤشرات الزمنية الدالة عليه ) الذي لم يدل فحسب على كون زمن السرد يأتي في مرحلة لاحقة بعد زمن القصة ، و إن كانت الفترة الفاصلة بينهما قصيرة نسبيا ، و لم يدل على تكسير خطية زمن السرد بارجاعات تعود إلى الوراء ، إلى ماضي بيروت ، أو ماضي البطلة الراوية لإضاءة الحاضر و إيضاحه ، و إنما دل استعمال هذا الماضي أيضا على تأكيد الحاضر و تموضعه في زمن القصة إذ لا يمكن أن تتأسس دلالة الحاضر إلا على ماض و إن كان قريبا ، أو على خلفية ماضية

 فمن العبارات التي عج بها الخطاب الروائي

 ـ و التي تدخل ضمن هذا السياق :

" عاودني الإحساس الغامض بالخطر " -" عادت الصواريخ " –" رن الهاتف " –"هدأ الرصاص قليلا " " هدأ المطر –عادت السماء زرقاء صافية"[4]

و يمكن القول إن الخطاب الروائي " كوابيس بيروت " الذي تميز بتقريب واضح للترهين السردي قد كرس تزامنية السرد ،فأختل التوازن و رجحت الكفة للسرد على حساب القصة ، و لكنه ليس سردا متزامنا مطلقا لأن وجود الإشارة التي افتتح بها الكتاب قبل النص المتضمنة معلومات عن بداية الشروع في الكتابة و نهايتها يحيل إلى زمن آخر غير زمن القصة (الوقائع)الممتد على فترة نصف شهر ، هذا الزمن الآخر الذي استغرق ثلاثة أشهر و نصف إذا ما أضيف إلى تاريخ اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية ، و بالنظر إلى ما ورد في الخطاب الروائي من أن زمن القصة يتحدد بثمانية أشهر من قيام هذه الحرب الأهلية ، يمكننا من القول " إن " مخطوطة رواية كوابيس بيروت " جسدت وضعية السرد " المتزامن " و إن كان هذا لا ينفي السرد اللاحق ، ولو بقدر ضئيل ، أما رواية " كوابيس بيروت " فجسدت زمن الكتابة و التنقيح و الإعداد الروائي فالفعل السردي اكتمل قبل الفعل الروائي ، وإن كان قد تماثل و تطابق في نقطة الانطلاق و لعل هذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه درجة التماثل بين زمن التلفظ (الكتابة )و زمن التلقي (القراءة) أو كما يرى تودوروف في كونها "حالة قصوى لما يكون زمن التلفظ " .

هو الزمن الوحيد الموجود في الحكي ، سنكون إزاء حكي يستدير كليا إلى الذات."[6]

و هذا ينسحب على المثول زمن السرد في "كوابيس بيروت"أين انفتح الحكي على الذات الساردة البطلة و انغلق عليها .هذا عن علاقة السارد بزمن القصة و زمن كتابتها فما طبيعة علاقة السارد ؟بما يسرد ؟ و ما موقعه فيه ؟

ثانيا : مستـــويات الســرد :

إذا كان السرد هو فعل إنتاج الحكي ، فللسارد أن يأخذ صورة الفاعل تصل به إلى استعمال ضمير المتكلم في علاقته  بالقصة من حيث المستوى أو أن يبقى مجرد صوت سردي و هذا ما يوجد الفارق في المستويات السردية .

كما أن السارد في علاقته بما يسرد ، يصدر تعبيرا عن موقع ، وفي علاقته ببقية العناصر ينهض بمنطق البنية و نسقها .

 و لما كان الأمر كذلك ،فللسرد مستويات في التقليد السردي بحسب وضعية السارد من القصة و موقعه من أحداثها ،و قد أقترح جينيت في هذا الإطار ، تقسيما  ثلاثيا [2] عمد فيه إلى تحديد وضعيات السارد تمثل في :

1-سارد خارج حكائي  Narrateur Extradiégétique .

2-سارد داخل حكائي     Narrateur Intradiégétique .

3-سارد ميتا حكائي       Narrateur Métadiégétique .

و ينبغي الإشارة إلى كون هذه المصطلحات لا تحدد ذوات بعينها ، بل تحدد وضعيات نسبية

و وظائف يضطلع بها السارد أو يدل عليها .

فالنموذج الأول : الخارج حكائي :يمثل سببية مباشرة بين أحداث الحكي الأول و أحداث الحكي الثاني

 و ليس ضروريا أن يضطلع به كسرد مكتوب و لا كعمل أدبي .

و أما الثاني : الداخل حكائي : و يظهر في إقامة علاقة موضوعية خالصة يمكن أن تمارس تأثيرا على الوضعية الحكائية لما تتلقى من السامعين ، و هي بهذا تؤدي وظيفة الإقناع .

و أما الثالث : الميتا حكائي فينحصر في فعل السرد في ذاته حين يقوم بوظيفة في الحكي مستقلة عن مضمون الحكي الثاني مثل وظيفة التسلية و المعارضة .

و في الخطاب الروائي "كوابيس بيروت" تقف الساردة فتروي قصة الشخصية البطلة ، و هي شخصية مجهولة الاسم ،لا تعرف إلا ببعض  أوصافها ، فهي أدبية كاتبة ، ثورية ثائرة ، ابنه رجل عالم ورع تعيش في " بيروت " ، تجد  نفسها سجينة في بيتها أيام اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية ، لا تفصح عن اسمها و لا تشير إليه ، و إنما تكتفي بالتدليل عن نفسها بكتابتها لمخطوطة "كوابيس بيروت " تومئ إلى معاناتها

 و نضالها الثوري دون أن تجاهر بانتمائها .

هذه الشخصية البطلة لا يمكن أن تكون إلا الساردة نفسها ، و هي الكاتبة ، فهي غادة السمان أيضا  و لذلك فالحديث عن المستوى السردي الذي يبحث فيما اذا كان السارد داخلا بوصفه هذا شخصية في الحكي  يعود الى الوقوف عند كون الشخصية البطلة هي نفسها الساردة ، و لذلك فهي ساردة داخلة حكائيا Intradiégétique .

و من هنا يتجلى جانب تأثير هذا النوع من السرد على الوضعية الحكائية انطلاقا من التطابق الحاصل بين الساردة وإحدى الشخصيات بل و الشخصية البطلة ، و هذا يقصي أي بحث فيما يسميه الدارسون السرديون ،و خاصة تودوروف التضمينEnchâssement الذي يعرفه بأنه " إدخال (إقحام) قصة داخل أخرى  تحويها  كما في حكايات ألف ليلة و ليلة"[6] لأن غادة السمان  و أن ضمنت قصتها قصصا أخرى إلا أنها حافظت على  فردانية السارد ، فالسرد كما سبق تحليله في الصيغة ذو تبئير داخلي ذاتي ثابت بسارد واحد ، فلا سارد غير البطلة و لا بطل غير الساردة و إمكان انزلاق المستوى أو تحركه من السرد الابتدائي Primaire  إلى السرد الثانوي Secondaire غير وارد .

فالساردة في الخطاب الروائي "كوابيسي بيروت " قد أدت دور السارد الداخلي و السارد الخارجي في الآن ذاته ، ولم تفسح مجالا لسارد آخر تتناوب معه أو على الأقل يشترك معها في تأطير الفعل السردي .

ثالثا :الضمــير :

يكاد الضمير أن يكون عمدة التحليل السردي في مقولة "الصوت " لأنه يرتبط بشكل وثيق بالسارد و علاقته بشكل و نوع الضمير أو الضمائر الواردة في الخطاب الروائي ، ولأن " استعماله يسمح بإضاءة المادة الروائية من جانب عمودي بمعنى علاقتها بالكاتب والقارئ و العالم الذي تتراءى لنا فيه، ومن جانب أفقي علاقتها بالشخصيات التي تكونها."[7]

و لا يعدو الخطاب الروائي ، في العادة ، إلا أن يكون بضمير الغائب (هو)أو ضمير المتكلم (أنا )

    واختيار أحد هذين الشكلين (الضميرين ) لا يكون اعتباطيا و لا عابرا، لأن الروائي هو الذي يختار شخصياته و يصنعها انطلاقا من عناصر يأخذها من حياته الخاصة ، ولذلك فهو" يقف مختارا ليس بين شكلين صرفيين "أنا " و " هو " و إنما بين موقفين سرديين بمعنى جعل القصة تروى إما من طرف إحدى شخصياتها ، و إما من طرف سارد غريب عن القصة."[2]

    و قد أثارت وضعية الضمير في الخطاب الروائي العديد من الاختلافات في وجهات النظر بين الدارسين خاصة فيما يتعلق بالثنائيات :

الكاتب – السارد.

السارد- الشخصية.

السارد- البطل.

و ترتكز هذه الثنائيات على البحث عن إجابة للسؤال المحور : من الذي يروي ؟ و من الذي يكتب؟  و ما علاقتهما بالشخصية ؟

يرى رولان بارت أن " السارد و الشخصيات هم أساسا أناس من ورق ، والكاتب Auteur المادي الفعلي للحكي لا يمكن أن يشكل التباسا في شيء مع سارد القصة ."[8]

و هذا يعني أن بارت يفصل بين السارد و الكاتب ، فلا يمكن أن يكون أحدهما الآخر ، وهذا ما ذهب إليه كايزر حينما استبعد تطابق السارد و الكاتب لاختلاف وضعية و وظيفة كل منهما "فالسارد في الرواية ليس هو الكاتب … و السارد شخصية من خيال قد يتحول إليها الكاتب، والسارد كما تعلمنا الفيلولوجيا عامل Agent يقوم بوظيفة السرد.[9]

    فكان على عاتق التحليل السردي للخطابات الروائية أن ينهض بالبحث في نموذج الحكي الذي هو بصدده، انطلاقا من إمكان السارد من استعمال "ضمير المتكلم" لتعيين إحدى شخصيات القصة، أو تغييب هذا الضمير وإرساله بصيغة الغائب، وهذا يقود آليا إلى نموذجين للحكي باتفاق أغلب الدارسين:

- حكي بسارد حاضر كشخصية في القصة التي يرويها.  Homodiégétique

- حكي بسارد غائب في القصة التي يرويها.  Hétérodiégétique

ويمكن أن نعبر عن الأول بمصطلح "متماثل حكائيا" والثاني بمصطلح "متباين حكائيا" في حدود ما تسمح به الترجمة، لغياب ترجمة موحدة مقنعة، خاصة وأن "الانفجار النقدي الحديث في أوربا والعالم ولد وبشكل خاص منذ الستينات وحتى الوقت الحاضر إشكاليات منهجية و مفهومية ومعرفية معقدة على مستوى تحديد المصطلح النقدي وضبطه وإشاعته.[10]

ولأن غياب السارد كشخصية يكون مطلقا، وحضوره يكون متفاوتا بدرجات، فقد ميز جينيت داخل نموذج "المتماثل حكائيا" الحاضر كشخصية بين تنويعين[10]:

أ)-السارد هو البطل، وبالتالي فهو الفاعل الذاتي.

ب)-السارد يؤدي دورا ثانويا حين يكون ملاحظا أو شاهدا.

وعند تحليلنا للخطاب الروائي "كوابيس بيروت" نعاين بوضوح أن استعمال الضمير فيه أخذ وضعية متميزة ومختلفة نسبيا عن بعض الخطابات الروائية المعاصرة، فقد اجتمعت فيه ثلاثة ترهينات سردية فالبطل هو السارد هو الكاتب.

    وبناء على ذلك، فالسارد كما رأينا، في مستوى سردي داخل حكائيا بوصفه شخصية في القصة وفي مستوى علاقته بالقصة فهو متماثل حكائيا انطلاقا من كون رواية "كوابيس بيروت" حكي بسارد حاضر كشخصية تؤدي دور البطل فهي فاعل ذاتي، ولتوضيح ذلك نستعين بهذا الجدول:

 

وضعيتها في "كوابيس بيروت"

النوع

العلاقة

رؤية الساردة أحادية ثابتة للذات والموضوع (الحرب)

داخلي

التبئير

الساردة شخصية في القصة

داخل حكائي

المستوى

الساردة حاضرة في القصة التي ترويها. استعمال "أنا"

-الساردة هي البطلة –فاعل ذاتي-

متماثل حكائي

الضمير

 

أمام هذه الوضعية، هل نحن بصدد سيرة ذاتية جزئية، بطلها ساردها؟ أم بصدد خطاب روائي اختير له أن يكون بضمير المتكلم؟ وإن كان  الأمر كذلك، فهل في الإمكان تغيير الضمير من "الأنا" المتكلم إلى "الهو" الغائب دون أن يحدث ذلك خللا في الخطاب الروائي، بمعنى أن تروى تجارب البطل بضمير "الهو".

وللإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أولا الوقوف عند أمرين هامين:

1- إن "كوابيس بيروت" ليست سيرة ذاتية، وإن كانت شكلا تفريعيا عنها إذ وظفت بعض عناصرها كونها تروي أحداث فترة من فترات حياة الساردة بسرد متزامن بمعنى أن هناك توازيا بين زمن القصة وزمن السرد أو على الأقل فالفاصل بينهما قصير إن وجد، إضافة إلى اختيار الضمير المناسب لذلك "أنا"، أما الاعتراف الذي عادة ما نصادفه في السير الذاتية فغير مشار إليه مطلقا بل على العكس تماما نجد الساردة تؤكد في النهاية على أنها خرجت حاملة مخطوطة رواية "كوابيس بيروت" بقولها "واحكم إغلاق مظروف (مشروع رواية كوابيس بيروت)"[4]

2- لقد توازى التخييلي مع الواقعي في رواية "كوابيس بيروت" وتقاطعا إلى درجة يصعب معها تحديد من الساردة الحقيقية ومن البطلة ذلك أن "التمييز بين الشخصيتين يتوضح في الاختلاف بين الشخصية التي يعيشها الكاتب بين الحياة اليومية كما عاشها، وبين الحياة الأخرى التي يعد بها الفعل الروائي ويسمح بوجودها، وهذا هو الاختلاف الذي يراد تحسيس القارئ به إنه لم يعد يكتفى بإعطائه حلما يريحه، وإنما يراد لـه أن يشعر بالمسافة بين الحلم وتحققه الفعلي"[7] ولذلك فالخطاب الروائي "كوابيس بيروت" الذي اختارت فيه "غادة السمان" روائيا ضمير المتكلم "أنا" دل على وضعية معقدة خالفت مألوف الرواية العربية التقليدية خاصة، وضعية يتكثف فيها حضور الكاتب السارد والبطل الفاعل الذاتي، وقد غزت الأنا مساحة الرواية لكنها لم تكن تدل على حضور للذات أو فيها بقدر ما كانت تجربة صعبة لعلاقة بالذات في أبشع مأساة إنسانية "الحرب".

وقد مثل الضمير "أنا" في "كوابيس بيروت":

- "أنا" ساردة تقف شخصية مركزية تتمتع بطاقة ذهنية وبعد أخلاقي.

- "أنا" مسرودة لا تفترق عن الساردة كثيرا لا في زمنها ولا في تجربتها.

    ولأن السرد هنا متزامن، فلم يسمح بإمكان التعارض بين خطاب السارد وخطاب البطل أو إمكان التناقض بين صوتيهما، فالمسافة الزمنية بعد زمن القصة وزمن السرد تكاد تكون مهملة أو منعدمة، وبالتالي فقد جنبت هذه التزامنية الخطاب الروائي "كوابيس بيروت" الوقوع في بعض ما وقعت فيه بعض الأعمال الروائية من تعارض بين خطاب البطل وخطاب السارد.

    وإلى هنا، هل الغاية من دراسة "الضمير" هي معرفة أي ضمير استعمله الكاتب لرواية الأحداث؟ وهل الأنا السارد هو نفسه الأنا الكاتب؟

    لا شك أن القول بكون "قصة ما رويت بضمير المتكلم أو ضمير الغائب ثم العمل على تجميعها وتصنيفها على هذا الأساس لن يفيدنا في شيء، إلا إذا كنا أكثر دقة، فنعمد إلى القيام بوصف السمات المميزة للساردين وارتباطها مع بعض الآثار المرجوة.[11]

    ولذلك فالاستعانة بتقنية الضمير المتكلم قد سمحت بالاقتراب من الذات المتكلمة أو ذات الكاتبة الضمنية، في معايشتها للواقعي، وهي بطلة موضوعة أمام مصير مجهول زمن الحرب، لتحاور ذاتها، كما سمحت بالنفاذ إلى داخلية هذه الأنا، ولامست شفافيتها وتمزقها وانكسارها أمام مرجعي واقعي تداخل مع تخييلي، وأنبأت عن تفتتها تحت وطأة الحدث الأساس "الحرب الأهلية اللبنانية" وبالتالي رفعت الذاتي الفردي إلى الإنساني الجمعي، بإنتاجها الوعي بواقع الحرب "العبثية".

    إن "الأنا" المتكلمة في رواية "كوابيس بيروت" زمن الحرب الأهلية لم تكتف بالإشارة إلى موت الكاتب داخل القصة، ولم تحوله إلى مجرد شاهد يروي فقط، وإنما أشارت إلى "تحول الكتابة مجرد شهادة على زمن ألغت الحرب فيه فاعلية الكاتب أو دوره الإيديولوجي الذي كان له بعد أن صار العبث سيد المعاني.[1]

    ومع ذلك، فقد عبرت الأنا عن تجربة للساردة والكاتبة، وإن كانت مجهولة الاسم، فكل مافي الخطاب الروائي يدل على أنها، وإن لم تكن غادة السمان فعلا، قد أخذت الكثير من تجربتها فمنحت بذلك صدقا للمتخيل وجعلت الأنا البطلة تتقاطع في كثير من المواضع مع "غادة السمان" الكاتبة المناضلة.

    - "أجلس في أبعد ركن من البيت عن الصاروخ الذي لم ينفجر…وأكتب وأدون (نوطات) "كوابيس بيروت" التي أعيشها كل لحظة…والتي وعيتها منذ شهور طويلة…على الخيط الفاصل بين الموت والحياة، أتقلب وأكتب وأنزف كتابة…"

    - "ألم أقض عشر سنوات من عمري أكتب وأنادي بالثورة؟ ألم أقض خمس سنوات من عمري موظفة في إحدى دور النشر أساهم في إعداد الكتب الثورية للطبع وأعمل على تصحيحها أكان ذلك خطأ، أم أن الخطأ الحقيقي هو في موقعي الجغرافي الخاطئ؟

   في أنني اقطن حيا لا أنتمي إليه؟ في أنني أسكن بيتا لا معسكرا…الكتاب أمثالي الذين يحرصون البركان على الانفجار…كيف يبنون بيوتهم على سفحه؟ القلم المقاتل يجب أن يقطن معسكرا."[4]

   مثل هذا المقطع الأخير الذي يتماثل في دلالته مع مقاطع أخرى كثيرة في الخطاب الروائي يمكنه إمدادنا بالكثير من الإفادات، غير تلك التي يمكن أن يمدنا بها الخطاب الروائي ككل، فضمير "الأنا" لا ينقل المشهد المروي والشاهد الراوي في الآن ذاته فحسب، وإنما يفتح أمامنا دواخل الشخصية المنغلقة، المستديرة إلى الذات، المنغرسة في أعماقها ولذلك فتفاعلنا مع توظيف ضمير "الأنا" وتهيؤنا لتلقيه، يجعلنا ندرك أن هذا البطل يسهم في توليد دلالات الخطاب الروائي وتشكل تميزه وخصوصيته وهو بذلك "ليس أداة في خدمة الفعل فحسب، إنه في الآن ذاته غاية ووسيلة في الحكي."[12]

وفي ختام تناولنا لتقنية استعمال الضمير في "كوابيس بيروت" يمكن أن نصل إلى أن اختيار الضمير "أنا" لم يكن اختيارا لصيغة صرفية وإنما لموقف أرادت الروائية من خلاله أن تكون تجربة ووسيلة لإنتاج وعي لفظاعة الحرب الأهلية وبشاعتها.

ثالثا : وظـائف الســـارد :

    تطوّرت الرؤية الوظيفية  بفعل الدراسات البنيوية من ارتباطها بالشخصيات حتى وصلت مع السرديات إلى البحث في وظائف  السرد ، و تحديدها في الخطاب الروائي .

    و قد استعان جينيت في توزيع بعض الوظائف السردية انطلاقا مما قام به جاكبسون في توزيعه لوظائف اللغة[2]، وكان معيار تحديدها أوجه الحكي و مظاهره المرتبطة به (القصة ، النص السردي، ، الوضعية السردية و طرفاها : السارد و المسرود له .) فكانت على هذا النحو :

1-القصة : ترتبط بها الوظيفة السردية ، وتعد الوظيفة الأساسية للسارد ، فلا يستطيع أن ينصرف عنها  ولكنه يستطيع بحسب الصيغة التي يختارها أن يتخدل بشكل مباشر أو غير مباشر .

2-النص السردي : يضطلع السارد فيه بوظيفة التوجيه أو المراقبة  fonction de régie ، حيث يمكن للسارد أن ينظم الحكي فيناوب بين السرد و الوصف و يختار كيفية إدراج أقوال الشخصيات .

3-الوضعية السردية : تبنى الوظيفة المرتبطة بها على وجود طرفين المسرود له والسارد نفسه و لذلك وصفت بوظيفة التواصل بـFonction Communicative  ذلك أنها تتوجه إما نحو مسرود له سواء كان حاضرا أو غائبا أو مستبعدا إقامة حوار حقيقي أو متخيل معه ، للتأثير فيه أو للمحافظة على الاتصال به .

     وإما نحو السارد ذاته ، و تهتم بجانب السارد كما هو ، فتأخذ للقصة التي يرويها من العلاقة التي يقيمها معها :علاقة وجدانية ، و أخلاقية وفكرية، كما تؤدي وظيفة الشهادة fonction testimoniale  لأن السارد سيدلنا على مصدر معلوماته أو درجة دقة ذكرياته أو الاحساسات التي تثيرها في نفسه حادثة ما .

    أما الوظيفة الإيديولوجيةFonction idéologique  فتبرز علاقة السارد بالعالم الذي يوجد فيه وتظهر من خلال تدخلاته المباشرة و غير المباشرة التي تقطع مجرى القصة ،  و تتموضع في مقاطع تتصف بالتعميم ، فتحمل إما أحكاما على المجتمع ، أو تعليقات مسموحا بها على الأفعال و يرى جينيت أن هذا " التقسيم غير قطعي و يكاد يكون نفاذا ، فكل وظيفة لا يمكن أن تكون خالصة و إنما قد تتكامل مع وظائف أخرى ، و باختصار لا يمكن نمذجتها "[2]

وفيما يلي ، تتبع لتجليات هذه الوظائف و رصد لأهم دلالاتها و تموضعها في مظاهر الحكي المختلفة :

 

- الوظيفة السردية :Fonction Narrative

    من وقائع الحرب الأهلية اللبنانية و تعقيداتها و تداعياتها ، ومن وعي المثقف المنكسر المقهور داخل المجتمعات العربية ، و من هاجس التميز كاتبة و ثورية ، تنهض " غادة السمان "فتوظف المتخيل الروائي لاحتواء صورة المرجعي ، فتستعين بـ "الأنا" لتخلق عالما روائيا متميزا تنكشف فيه الخلفيات الرابضة و راء مشهد الحرب الأهلية ، و الجذور التهديدية المتصارعة الكامنة في كل البنيات الاجتماعية و السياسية و الأخلاقية.

    أن تختار الكاتبة الساردة زمن القصة بعد ثمانية أشهر من تاريخ اشتعال فتيل الحرب الأهلية ، و موقع القصة " بيت مقابل لأشهر الفنادق البيروتية "الهوليداي إن" على أحد الخطوط المشتعلة و الفاصلة بين الموت و الحياة .

    و شخصيات القصة قليلة : (أمين ، العم فؤاد ،الأخ شادي ، الخادم ، يوسف …) إن لم تكن ميتة قبلا ولا  تحضر إلا في الذاكرة (يوسف)فمصيرها إما الموت (العم فؤاد و الخادم )أو السجن (الأخ ) أو الانهيار (أمين ).

    و فضاء القصة " بيروت " المزدهرة مسرحيا بماضيها الماثل في الإرجاعات ، المتقاتلة المشتعلة رصاصا و قنابل و موتى و فقرا في الحاضر، في انتظار مستقبل مجهول ، مفتوح على نبوءة دامية :"أرى دما …كثيرا من الدم … مزيدا من الدم … و ظلت تحدق مذهولة ، تحول المشهد إلى حقل شاسع من الرماد

     والجثث ، و برعم صغير أخضر شق طريقه وسط زلزال جبار"[4]

أن تؤسس بهذا قواعد الفعل الروائي ، و تنسج من خيوطها عالم قصته ، تلك هي الوظيفة السردية التي اضطلعت بها الساردة في الخطاب الروائي " كوابيس بيروت "، و هي الأساس الذي تنطلق منه لتشكيل رؤية واضحة عن بقية الوظائف .

الوظيفة التوجيهية ( المراقبة )  Fonction de Régie :

    لم يكن بمقدور الساردة تنظيم الحكي في سياق عبث الحرب وفوضاها وجنونها ، لم يكن في وسعها في موضع الموت العشوائي الذي يتربص بها من كل جانب ، في ظل الانفتاح على المجهول و معايشتها لذلك  ترتيب تناوب السرد و الوصف ، و لا اختيار مواضع إدراج أقوال الشخصيات .

    و لذلك ، فهي لم تضطلع بوظيفة التوجيه و المراقبة زمن سيادة الفوضى و انهيار القيم و انحسار العدالة  تحت رحمة قناص يراقب حركاتها و سكناتها ، يهدد و جـــودهـا و يتلاعب به و موت و كوابيس مروعة تسكنها و تخترق مساماتها ، و صور حقيقية مرئية ( الشارع : قطع القناص حبل سلة الخبر الصاعدة نحو نوافذ أحد البيوت واستعراضه براعة تصويبه ) وأخرى كابوسية تخييلية (مناطق كثيرة من بيروت و لبنان : صور للقتلى والفقراء و المسحوقين …)

فكان التداخل : تداخل المرجعي الواقعي بالكابوسي ، تداخل الإرجاع بالتلخيص " ألم اقضي  عشر سنوات أكتب و أنادي بالثورة "[4] والاستباق بالمشهد ( حوار خاتون البصارة مع البيك الكبير )

تداخل الإفصاح عن ساردة بطلة فاعلة بالحرص على بقائها مجهولة الاسم و الهوية ، تداخل العرض بالسرد ، تداخل ما هو ذاتي داخلي يؤطره المونولوج و السرد الذاتي (ذات البطلة و ما يقع في بيتها ) بما هو موضوعي خارجي تؤطره تقنية العرض المشهدي الذي يقترب إلى حد كبير من المشاهد السينمائية التي لا رابط بينها إلا الصفة الغالبة ،    و هي هنا الحرب الأهلية بطائفيتها بقمعها للمقهورين بطمسها لمعالم الإنسانية ( العرض المشهدي الوارد في الكابوس 117 [1] في الفاتورات التي تصل السيد الموت عن هويات الموتى و أحوالهم الاجتماعية المتردية ) .

الوظيفة التواصلية : Fonction Communicative

ترافق هذه الوظيفة ، كل الوظائف الأخرى ، في حالة ما إذا كانت مصدرا لتدخل السارد و لأن التواصل يفترض و جود طرفين تقوم العلاقة بينهما فلا يمكن لهما الخروج عن الإطار :

- علاقة السارد بالمسرود له (لهم ).

- علاقة السارد بالسارد ذاته .

و قد بدأت الساردة المجهولة الاسم في " كوابيس بيروت " بعيدة عن امتلاك المعرفة ، لكنها بدت و هي تقف مع المسرود له ( القارئ الضمني الغائب إلى حين ) على عتبة التزامن تحاول صياغة تجريبية روائية لمرجعي يتقاطع فيه الواقعي مع التخييلي ، تريه ما ترى من بشاعة الحرب ، تشعره بما يلتبس عليه من معطيات تمحو الحقيقية و تغيب صورتها ( السياسة والإعلام ) .

    و تتأكد وظيفة التواصل أكثر في علاقتها مع المسرود له حينما تصرح الساردة بوجوده ضمنيا فهو مثلها مبني للمجهول ، و لكنه ، على عكسها لم يعرف و بالتالي قد لا يرفض الحرب الأهلية ، و إن حدثت ، فإنه من موقع جهل لها ، قد لا يقف ضدها ، بل ربما يسهم في اشتعالها أو يساعد على إذكاء نارها بصمته ، أو يتواطأ مع صانعيها بحياده (مثلها ).

    " حتى لو كان جسدك موجة بحر ، يخترقه الرصاص و لا يؤذيه ، حتى و لو كان قلبك مضخة إلكترونية لا يعطلها الخوف و القلق ، حتى و لو كانت أعصابك مصنوعة من معادن الصواريخ و المركبات الفضائية .. حتى  إذا كنت كذلك ، فإنك بعد ثمانية أشهر من الحرب الأهلية ، ستشعر بالفوضى تجتاح روحك حتى قاعها … الفوضى تتسلل إلى قيمك و أفكارك و أعماقك ومشاعرك و عواطفك و علاقتك .. بعد ثمانية أشهر … ستحس بالحاجة إلى ترتيب العالم في داخلك ، إلى إعادة ترتيب القيم و المفاهيم … تعيد النظر في كل شيء ، في كل المواقع ، في موقع الصديقات و الأصدقاء ، في موقع عملك ، في موقع سكنك، في موقع قلبك ، في بوصله روحك ، آه كم أنت وحيد … وكم هي متقنة الصنع مرآة الحرب الأهلية ، بحيث ترى فيها بوضوح مدى شفافية جسر المشاركة … حبل المشاركة " [4].

    إن تخيل هذا المسرود له ، لم يكن إلا نتاجا ، لغياب التواصل الفعلي على مستوى القصة ، فالحرب قد ألغت كل أشكال الحوار ، و كرست بعدا أحاديا له ، و قطعت كل أنواع التواصل و أعلت شأن لغة الرصاص على لغة البشر ، فلا تواصل إلا مع من لا يملك الرد ، أو من ليس بإمكانه إقامة تواصل فعلي ، و لذلك فقد أدى "العم فؤاد " - بعد موته – دور مسرود  له مثالي بالنسبة للساردة ، فقد أودعته خوفها ، و اعترفت له بأسرارها ، وصرحت له بانتمائها ، و شرحت انكسارها و مأساتها :"آه يا عم فؤاد ، ليس الرصاص وحده ما يخيفني .. و إنما تلك العزلة الداخلية المروعة ، كأن كل ما يربطني بالآخرين قد انكسر حقا و إلى الأبد ، تابعت دون أن أنتظر منه ردا ، أحد طرفي الذين يتقاتلون  الآن يا عم فؤاد حول بيتي كدت ذات يوم أقتل لأجلهم …كنت منهم  .و ما أزال فكريا ، قبل أن أقرر أنني لا أصلح للعمل الحزبي لأنني  أولا كاتبة ، و الكتابة أداتي الأولى و الحقيقية والأساسية و أول مبدأ حزبي هو  نفذ ثم ناقش ،و أول مبدأ فكري هو ناقش ثم نفذ و بأقل قدر من العنف … إن مأساة الحرب لا في بشاعتها فحسب بل في غبائها  حيث يهطل الموت كما يهطل المطر … إنها مأساتي و كما قلت لك يا عم فؤاد ، إن مصرع أي رجل ، أي حياة هي كارثة كونية في نظري ..!!.[4]

    و من خلال هذا المقطع السردي يتجلى لنا أن إقامة الحوار الأحادي الطرف لم تكن غايتها المحافظة على التواصل ، لأنه لم يحمل مواصفات التواصل كالرد و المعارضة    و التأييد و الإقناع ، و إنما كانت الغاية منه التأثير في مسرود له آخر متخيل ، قد تنطبق عليه مواصفات " العم فؤاد " ميتا متحجرا لا مباليا ، قادرا على احتواء تناقضات الساردة و وعي مفاهيم الانتماء و التحزب ، و إدراك معاني الظلم و الموت العبثي  ودور المثقف والكاتب و الفنان .

    إنها بهذا تعين هذا المسرود له المتخيل ، على معرفة " الحرب الأهلية" واتخاذ موقف منها ، من خلال تواصلها معه .

وظيفة الشهادة : Fonction testimoniale

    إذا كانت الوظيفة  التواصلية ، في علاقة السارد بالمسرود له توصل إلى معرفة بالحقيقة " الحرب الأهلية " فإنها في علاقة السارد بذاته تنبئ عن ولادة جديدة بوعي مختلف للعالم ، إن ما ذكر في دراسة الصيغة و الصوت ، من استدارة الساردة نحو ذاتها ، و انغلاقها شبه الكلي عليها ، و بحثها في أعماقـــها و دواخلها ، توصلها مع " الأنا "في  أقصى حالات المصارحة و الشفافية ، في وحدتها و سجنها في انقطاعها عن عالم رحب واسع كانت تعرفه في بيروت الازدهار ، و السلام المؤقت إلى حين ، و وجودها في عالم ضيق ، حدوده جدران غرفة أو بيت و توقيته  "حرب أهلية عبثية مجنونة " ولذلك فالساردة لم تتفاعل مع القصة و أحداثها بطلة فاعلة مطلقة ، و إنما ، في جانب من جوانبها  بطلة شاهدة على واقع مرئي أحيانا و متخيل أحيانا أخرى، و هي في هذا تفصل بينهما فصلا زمنيا بين حالات المعايشة اليومية (الصحو) وحالات النوم(الكوابيس)، فهي لم تكن بحاجة إلى الإشارة إلى مصدر معلوماتها، ولا التدليل على صدقها وإنما الإحالة إلى وقع ذلك عليها، وعمق هذا الأثر الذي أخرج ذاتا ولدت لتوها عند اكتمال الفعل الروائي وهي ذات تنهض بعد الانكسار والعجز مضاءة بنار "المتفجرات والصواريخ" ومصهورة بالصوت المدوي للرصاص  والقنابل، ذات تعيد حساباتها، بعد أن رقيت ضد الانهيار والسقوط والاستسلام والسلبية، ذات تقرر "لن أكرر الغلطة، لن أدور حول الصفر  "0" وإلا عدت مهدودة إلى حيث انطلقت...هنا أو لا شيء...الفعل لا الهرب والانتظار.[4]

وبهذا تصبح الساردة شاهدت لكنها ليست كما يرى بارت" أن الأنا هي الشاهد، و"الهو" هو الفاعل القائم بالدور."[8] وإنما هي إضافة إلى كونها "أنا" ساردة شاهدة فهي ذات فاعلة متفاعلة قامت بكل الأدوار لإنتاج وعي جديد للحياة.

الوظيفة الإيديولوجية: Fonction  Idéologique

        بحكم وضعيتها السردية وعلاقتها بالقصة وأحداثها وصيغة التبئير، تحتكر الساردة الوظيفة الإيديولوجية، بشكل سافر، فهي لم تكتف بالتدخل من حين لآخر، وبشكل مباشر غالبا، بإيقاف مجرى القصة لإبراز موقف أو للتعبير عن فكرة إزاء ما يحدث تدليلا على علاقتها بالعالم، ولم تقف عند إصدار أحكام على المجتمع الذي عايشته وتعايشه، أو على صانعي الحرب والمستفيدين منها، أو على الساسة ومسؤولياتهم المنسية وموت الضمير فيهم، أو على مصاصي دماء الشعب من الأثرياء ورجال الأعمال، وإنما تجاوزت ذلك كله إلى التعليق على أفعال الشخصيات، وعلى فعل البطلة: الأنا البطلة الفاعلة الذاتية الساردة.

ولذلك يمكن تصنيف هذه الوظيفة الإيديولوجية إلى ثلاثة مستويات تبعا لنوعية هذا الاحتكار وعلاقته بالخطاب الروائي عموما وتتمثل في:

1- المستوى الاجتماعي.

2- المستوى السياسي.

3- المستوى الإنساني.

1-المستوى الاجتماعي:

        لم يكن احتكار الساردة وظيفة تعميمية إيديولوجية في مظهرها الاجتماعي من خلال تدخلاتها وتعليقاتها إلا إشارة عامة للظاهرة الاجتماعية الإنسانية "الحرب الأهلية" كونها مأساة ناتجة إما عن جهل المحرومين والمسحوقين وعدم وعيهم وتسلط قلة متحكمة عليهم، أو عن انفتاح المجتمع اللبناني مجسدا في "بيروت" في فترة ما قبل الحرب على رفاهية اجتماعية مصطنعة وحياة مزدهرة، يتلخص ازدهارها في مشاهد يصورها "شارع الحمراء" و "الكازينو" و "الهوليداي إن" و "الروشة".

لكن هذه الوقفات التعليقية والآراء المباشرة، بطولها أحيانا، فككت كثيرا من سيرورة الأحداث الروائية. كما أحدثت هذه التدخلات الخطابية الكثيرة، تصدعا في المسار السردي، فشكلت هوامش عديدة في الخطاب الروائي أبعدته عن "الأدبية" أو "الروائية" إن صح التعبير، وقربته من "التقرير الصحفي"، كما في هذين المقطعين:

"ذهلت حينما شاهدت نمرة سيارته...كانت من الذهب الخالص!! كانوا قد بعثوا بي لإجراء حديث صحفي وكانا فخورا بفكرته الجديدة لاستعراض (قوته الشرائية)...فالزوجات المسخرات لعرض القوة الشرائية للأزواج على أجسادهن، ابتداء من ارتداء معطف الفيزون وانتهاء بالخواتم الماسية صرن موضة قديمة، الشاليه الشتوي في الأرز والشاليه الصيفي على البحر، واليخت في نادي اليخوت، كلها صارت وسائل (مبتذلة) لاستعراض الثراء والجاه."[4]

"كل عملية حياد هي مشاركة في عملية قتل يقوم بها ظالم ما ضد مظلوم ما...الأكثرية الصامتة هي الأكثرية المجرمة، إنها تشكل إغراء لا يقاوم لممارسة الظلم عليها...إنها هي التي تثير غريزة الشر في نفوس الذئاب البشرية. المسالمة هي  تحريض على القتل و تلك جريمة. المسالمة هي شروع في الانتحار، وتلك جريمة أيضا".[4]

وكأن الساردة، ومن ورائها الكاتبة، لم تستطع أن تتخلى عن هذه المقاطع ذات الطبيعة الصحفية الريبورتاجية الحاملة للإيديولوجي، بل إننا نجد، في مواضع متعددة، إشارات صريحة إلى امتهان البطلة الساردة الصحافة.

 (- "كنت قد ذهبت يومها لكتابة تحقيق صحفي عن مجاهل عكار"،

- "اليوم هو الاثنين، وعلي أن أكتب عمودي الأسبوعي للمجلة التي أعمل فيها"،

- "وأنا أملي مقالي الأسبوعي"،

– "ذهبت لإجراء حديث صحفي" – "كنت في مهمة صحفية عن الجامعة الحلم" – "قرأت لك مرة إحدى المجلات تحقيقا في السجن مع مجند إسرائيلي")[4]

  ولذلك يمكن القول إن النص الروائي "كوابيس بيروت" لغادة السمان "مساحة تلتقي فيها الأنا الروائية والأنا الصحافية. [13]

ولم تقتصر تدخلات الساردة على إدراج المقاطع التقريرية والتعاليق الصحفية المباشرة وإنما عمدت إلى تشكيل صورة بمشاهد تنطق بالواقع الاجتماعي بمفارقاته ولا عدالته وفظاعته لا ترتبط بمجرى القصة، وفي تركيب غير عضوي حيث أقحمت هذه المشاهد في ثنايا النص الروائي بشكل يكاد يكون عشوائيا و فوضويا ، يعمق فوضى الحرب و يكرس عشوائية الموت فيها  وتفتيتها لكل البنى الاجتماعية والإنسانية، هذه التي تدفع بتصدعها وتهدمها إلى اتخاذ موقف وفعل لرأبها أو على الأقل لتجنب عدم تكرارها.

ومثل ذلك ما نجده في الكابوس 55، عندما تستمع إلى الموجة القصيرة المحرمة فتلتقط الأحاديث الطائرة، أو في الكابوس 109-110-111: عن شاكر بائع الأدوات المنزلية البسيطة الذي احترق دكانه بقذيفة فحاول الكفاح من أجل رزق أبنائه والصمود أمام قهر المسلحين وإغراء سلطة قطع الطريق، قرر أن يصير "صيادا".

ومظاهر الظلم الاجتماعي التي تثيرها الساردة، وهي تعايش "الحرب الأهلية"، وهي تسير في رحلة محمومة نحو المجهول، ترى أو تتخيل أو تتذكر الكثير من المشاهد المجسدة لعذاب الإنسان في مجتمع يتسلط فيه القهر عليه، ويمارس فيه الظلم في ابشع صورة.

2- المستوى السياسي:

إضافة إلى الوعي في مستواه الاجتماعي، يهيمن في وعي الساردة موقف سياسي يرتبط بالحرب الأهلية وصانعيها من الحكام والساسة، وهم يمثلون السلطة من جانب، و بوقود الحرب الأهلية و فتيلها من المنتمين إلى الطوائف المتناحرة.

وانطلاقا من ازدواجية العلاقة يمكن الوقوف على بعدين ضمن هذا المستوى:

- صوت السلطة وصوت الشعب الذي تحكمه نزعة طائفية مفتعلة، ولا تعارض بين الصوتين إذ يستفيد الأول من الثاني، حيث أذكت السلطة هذه النزعة الهامشية فنشبت صراعات حادة ضربت صلب التركيبة الاجتماعية في لبنان.

صوت السلطة:

 تظهر صورتها خاصة متميزة متفردة، وقد مثلتها تدخلات الساردة وتهميشاتها من خلال:

- صاحب دكان الحيوانات الأليفة: في قسوته، في تهذيبه البروتوكولي، في انتمائه إلى حلقة  مافيا المنتفعين، في احترافه مهنة سجان لا إنساني متحجر: "وحتى في السجون، ثمة علاقة إنسانية تنشأ بين السجان وسجينه وكلاهما من طبقة مسحوقة واحدة، أما صاحب الدكان، فلم ألحظ أن بينه وبين (رعيته) لمسة حنان واحدة، لا جسر بينهما غير المصالح، وهو قادر على ترويضها جميعا خانعها وشرسها، بالتجويع والسجن والإذلال وشروط العيش الرديء بحيث لا تقوم لها قائمة في وجه طغيانه ولا مبالاته."[4]

أما صوتها فيكرسه صوت الموجات المحرمة، والحوارات المبثوثة فيها عن تجاهل الحكام وكبار الوطن آلام المحرومين المحكومين وقفزهم على أوجاع الأغلبية الصامتة الفقيرة الممزقة العاجزة، حوارات تقف مع السلطة ضد المواطن.

والمذياع والتلفاز بترويجهما أكاذيب عن حالة الاستقرار والهدوء التي تسود العاصمة بيروت والمسالك الآمنة السالكة، وببثها للأغاني العاطفية والوطنية.

"قررت الاستماع إلى الراديو، وهو أداة لا أتعامل معها عادة، إلا مؤخرا، وللاستماع إلى المذيع شريف الذي يخاطبنا بصدق دونما حذلقات خطابية سمجة...أنت مجرد حنجرة وهم يحشونها  بالمعلومات الكاذبة، أنت مجرد أداة للجريمة."[4]

"لبنان يا سيدي المذيع يبدو عبر هذه الأغاني المزيفة هزلية، كرموش اصطناعية على عين عوراء كل هذه الأغاني تبدو هزلية بينما القتل يدور في فضاء الوطن."[4]

"ظهر المذيع على شاشة التلفزيون وبدأ يقرأ نشرة الأخبار...تابع المذيع ثرثرته: مولانا الذي فوق الهرم يبلغكم بوصول أكياس الجواهر والياقوت على متن سفننا الخالدة...تابع المذيع الحالة هادئة في هذا البلد السعيد ذي العمر المديد والطقس الرغيد..."[4]

ومن هذه المقاطع، يبدو صوت السلطة عاليا، قويا، قاسيا، ضاربا بمأساوية الواقع، عابثا بآمال الشعب في محاولة لتخديره بالكذب والنقر على عواطف الوطنية والانتماء.

كما تبدو وسائل الإعلام، التي يفترض فيها أن تقف إلى جانب المواطن، فتنقل إليه الحقيقة وتنمي وعيه بذاته والآخرين، وتسهم في إعانته عي تغيير واقعه، أدوات للضغط والإذلال والتضليل.

صوت الشعب:

 يعيش الشعب قمة المأساة الإنسانية "الحرب الأهلية"، فتحمل تدخلات الساردة في نهوضها، بالوظيفة الإيديولوجية، تجريما للحكام والكبار والمسؤولين لدفعهم بهذا الشعب إلى أتون صراع طائفي مذهبي عشائري مدمر، واستخدامهم له أداة لتنفيذ مشاريعهم والسهر على حماية مصالحهم والتضحية في سبيل ذلك بالحياة، متخفين بأقنعة الحرص على حياة الطائفة ووجودها والدفاع عن هويتها.

وكان هذا الاستخدام مهيمنا طال جميع المستويات وامتد إلى كل المواضع:

 " لماذا يخلقون في أجساد بعضهم بعضا مزيدا من الثقوب لمجرد أن البيك أمرهم بذلك أو أقنعهم عبر خطبة لغوية بليغة يغطي بها صفقاته ومصالحه المشتركة مع بيك الفئة الأخرى التي يتقاتلون وصغارها، متى يرون الرابطة الحقيقة بين متراسهم والمتراس المقابل؟ رابطة الذل المشترك والقهر المشترك والحرمان المشترك من الحب؟..أي الفقر على كل صعيد..متى ترفض الضحية في بلادي حمل الجلاد على كتفيها؟ [4]

"كم يفجعني مصير أولئك الصغار خلف متاريسهم الذين أقنعهم أصحاب الدكاكين بالموت من أجل (مثل عليا) ليست أكثر من زبد لغوي يخفي وراءه مصالح أصحاب الدكاكين المتنافسة في حالة السلم، ولكن المتضامنة المصالح في حالة الاضطراب والحرب."[4]

ويلاحظ من خلال هذين المقطعين، أن خفوت صوت الشعب الذليل المقهور قد استحال إلى غياب و خرس نطقي و عوضه الفعل التنفيذي لأصوات الحكام  والساسة والكبار عموما المنادية بالتضحية والموت في سبيل القضية العادلة، إثبات الوجود والقوة.

ولا شك أن هذه التعليقات الاستطرادية، والتدخلات التي لم يخل منها الخطاب الروائي في كل وحداته والتي تبدو هامشية أحيانا، قد أنبأت عن اضطلاع واضح للساردة ومن ورائها  "غادة السمان" بوظيفة إيديولوجية متشعبة، جلبت الكثير من الإفادات عن خلفيات "الحرب الأهلية" وانعكاساتها وحقيقة وجهها الآخر كما أكدت أن "الإيديولوجي تم بروزه بالأخص على مستوى الوعي بخصوصية الكتابة الجديدة وأهميتها، لأن الكاتب وإن استطاع التخلص من إسار الكتابة التقليدية كنمط إيديولوجي، فإنه لم يستطع تجاوز الوعي الكتابي الذي يرى أن الإعلان عن التصور الإيديولوجي في الكتابة هو من مستلزمات الكتابة الجديدة أو الكتابة الهادفة.[14]

وقد كان في إمكان "غادة السمان" أن تعين ناطقا عنها غير الساردة البطلة التي تمثلها بشكل من الأشكال، "فكبار الروائيين الإيديولوجيين أمثال دستويوفسكي وتولستوي وتوماس مان ومالرو قاموا بتحويل مهمة التعليق والخطاب التربوي إلى بعض شخصيات رواياتهم."[2]

إلا أنها، من موقع خاص ومتفرد، لم تحول التعليق إلا للساردة البطلة التي تكفلت بجميع المهام السابقة (التبئير، الصوت، الضمير...) فأشارت بذلك إلى حضورها مؤلفة كاتبة متخيلة أو حقيقية، وإلى سلطتها الحاكمة في هذا الحضور.

 

المستوى الإنساني:

لقد كان من الطبيعي أن تستوعب الوظيفة الإيديولوجية البعد الإنساني، من خلال تدخلات الساردة وانطلاقا من الحدث العام والوحيد "الحرب الأهلية" في علاقاتها مع العامل والمجتمع والإنسان وكل القيم التي ضيعتها هذه الحرب كالعدالة والتسامح و الحب والخير.

وبوعي المثقف، وحدس الكاتب استطاعت الكاتبة أن تعبر التصور الضيق السائد المتعلق بجذور الصراع الطائفي في لبنان إلى إدراك الحقيقة الكامنة وراء التستر بشعارات اختلاف الأديان وتباين المذاهب فتكشف ذلك صراحة "هذا قناع للشجار الحقيقي...لماذا لا يواجهون الحقيقة كما هي بدلا من اتهام "محمد" و "عيسى" بالشجار؟ لماذا لا يعترفون بأن الشجار ليس على امتلاك قصر من سحاب في السماء، وإنما على امتلاك ناطحة سحاب في الأرض تعلو إلى السماء."[4]

إن غادة السمان، وهي تعري واقع حرب أهلية قذرة، تحدث في لبنان، في الوطن العربي تعي علاقة ذلك بالمجتمع الإنساني، فالخلفيات تكاد تتطابق، والأهداف تتوحد والضحية دوما هو الإنسان المقهور الكادح المسلوب الحرية، المحروم من العدالة، وهي إذ تفعل ذلك، تعلن عن موقفها تجاه "حرب" في "بيروت" "ولكن بيروت لم تكن قبل الحرب جميلة بقدر ما كان الناس يتوهمون، كان قناعها جميلا، وقد أحرقت الحرب قناعها فبدت أمراضها الآن للعيان...وكانت زينتها الخارجية ساحرة الألوان، لكنها تخفي تحتها أوراما خبيثة لا تداوى بغير الكي بعد أن استفحل أمرها، وبحت أصوات العقلاء وهم ينادون عاما بعد عام لإنقاذها...[4]  وهو موقف إنساني يؤيد التضحية بالسلام المؤقت في سبيل سلام دائم، ويفضل إزالة الألم بالكي من تسكينه بالتخدير، بل إنها تذهب بعيدا، فتبارك الحرب إذا كانت مخاض الفرح الآتي، وترحب بنارها بزلزالها، ببركانها إذا كانت ستطهر هذا الوطن الحزين من أوجاعه، "وقررت إذا نجوت  سأبتاع أوراقا بيضاء تعادل حجم مخطوطاتي التي احترقت وابدأ الكتابة فيها حتى تمتلئ وسأتابع فيها صرختي من أجل المساواة والعدالة والحرية والفرح ولن يخيفني حريق بيت فالبيوت حجارة والكرة الأرضية مسكن مؤقت نحن ضيوفه أينما حللنا.[4]

ومن خلال هذه المستويات:  الاجتماعي والسياسي والإنساني، ظهر حرص الساردة على أداء وظيفة إيديولوجية متكاملة، مؤسسة على وعي عميق بمشكلات مجتمعها الصغير وهو صورة للواقع العربي الذي يرتبط بشكل ما بواقع عالمي يفرض منطقه، وهي إذ تتعامل مع هذا الواقع تعاملا إنتقاديا تحاول انتشال الإنسان من ضعفه وخضوعه وتدفعه إلى التحدي والوقوف بصلابة مثلما وقفت البطلة في آخر الرواية، مثلما حاولت ربطه بالواقع الإنساني لأن "فهم الواقع الخاص لا يكتمل إلا في ضوء الفهم القريب للأوضاع العامة التي يعرفها المجتمع الإنساني الحالي، وأن هذا الفهم الشمولي لا يصبح بالفعل أكثر إلحاحا إلا عندما نتساءل عن التحولات الممكنة للواقع الذي نعيش فيه.ط[15]

وبعد هذا، نصل إلى أن دراسة الصوت السردي، وإن تشعبت بين زمن السرد ومستويات هذا السرد ووظائفه، إلا أنها مكنت من التعرف على موقع الساردة من السرد وعلاقتها بأحداثه وشخصياته، وأتاحت إقامة علاقة بين البنية السردية من خلال تدخلات الساردة ومختلف البنى وخاصة الإيديولوجية منها، على الرغم مما وصفت به دراسة جينيت من الإغراق في التقنية وإهمال الأساس الدلالي للحكي.

وتبقى، مع هذا، تقنية استعمال الصوت السردي من خلال استعمال الضمير وربط العلاقة فيه بين السارد والمسرود وأثر ذلك في توجيه السرد مجالا واسعا للبحث والدراسة، بحاجة إلى كثير من الإضاءة والتناول بعد امتلاك أدواته امتلاكا معرفيا شاملا وعميقا.

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المراجع:

 [1] العيد يمنى: في معرفة النص، دراسات في النقد الأدبي، دار الآداب، بيروت، الطبعة الرابعة، 1999.

[2] GENETTE, GERARD : Discours du récit in figures III, éditions  du  seuil, Paris. 1972.

 

[3] REUTER, YVES : L’analyse du récit, in les Topos, éditions Dunod, Paris.     1997

 [4] غادة السمان، كوابيس بيروت، رواية، منشورات غادة السمان، بيروت الطبعة الرابعة، أكتوبر، 1981.

 [5] بوحمدان سمير: النص المرصود، دراسات في الرواية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى 1990.

 [6]  TODOROV, TZEVTAN : Les catégories du récit littéraire in communications 8, éditions du seuil, Paris. 1981.

 [7]  BUTOR, MICHEL : Répertoires II, éditions de minuit, Paris. 1964.

 [8]  BARTHES, ROLAND : Introduction à l’analyse structurale des récits, in communication 8, éditions du seuil, Paris. 1981.

 [9]  KAYSER, WOLFGANG : Qui raconte le roman ?, in poétique du récit, éditions du seuil, Paris. 1977.

 [10]  ثامر فاضل: اللغة الثانية، المركز الثقافي العربي بيروت، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1994.

 [11]  BOOTH, WAYVE C : Distance et point de vue, poétique du récit éditions du seuil. 1977.

 [12]  BREMOND, CLAUDE. Logique du récit, éditions du seuil Paris. 1973.

 [13]  حماد محمد حسن: تداخل النصوص في الرواية العربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة، 1997.

 [14] يقطين سعيد: القراءة والتجربة، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1985.

 [15] لحميداني حميد: الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، دراسة بنيوية تكوينية، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1985.

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07