FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides

    Séminaire International sur les Polysaccharides Polysaccharides de Plantes de Milieux Arides.POLYSAC 2017, Les 22-23 Novembre 2017. 

  • Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement

    Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement "WID TOE 2017", 3 et 4 avril 2017, Ouargla - Algérie

Appel à communication

 

تجليات الخطاب الروائي الجزائري المعاصر

في رواية الشمعة والدهاليز للطاهر وطار

 

أومقران حكيم

جامعة بجاية (الجزائر)

 

مفهوم الخطاب:

يعتبر مصطلح الخطاب من المصطلحات الهامة في الدراسات النقدية واللغوية المعاصرة، ولقد خاض فيه الدارسون على مختلف اتجاهاتهم ومجالاتهم بالتنظير والدرس والتحليل لكون المصطلح إشكالية لم تحدد معالمه وقوانينه الإجرائية.

يهدف مفهوم الخطاب الأدبي إلى تجاوز الإشكالية التي طرحها مفهوم النص من خلال التحليلات التي حبست نفسها في نطاق العلاقات البنيوية الداخلية للأثر الأدبي.

يتأسس الخطاب من عناصر مهمة لقيامه وهي المخاطب والمخاطب ومكوناته: الأصوات والمعاجم والتركيب والدلالة والتداول.

 ورد مصطلح الخطاب في المعاجم العربية ومنها لسان العرب فيقول ابن منظور: الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة، وهما يتخاطبان، والخطبة مصدر الخطيب، وخطب الخاطب على المنبر، أو اختطب يخطب خطابة، واسم الكلام الخطبة...ويذهب أبو إسحاق إلى إن الخطبة عند العرب الكلام المنثور المسجع ونحوه...و في التهذيب الخطبة مثل الرسالة لها أول وآخر...(1)

أما مفهومه اللساني المعاصر فيعني (2):

1-  خطاب/ جملة: الخطاب يتكون من وحدة لغوية قوامها سلسلة من الجمل، بهذا المعنى يستعمل هاريس مفهوم تحليل الخطاب.

2- خطاب/ ملفوظ: إن الخطاب يشكل وحدة اتصال مرتبطة بظروف إنتاج مهينة، أي كل ما هو من قبيل نوع خطابي معين: نقاش متلفز، رواية، مقال صحفي...

3-  خطاب/ لغة:

أ/ اللغة من حيث هي نظام من القيم المقدرة مخالفة للخطاب واستعمال اللغة في سياق بعينه، الذي يحدد في الوقت نفسه قيمه أو يستثير قيما جديدة.

ب/ اللغة من حيث هي نظام مشترك بين أفراد الجماعة اللغوية مخالفة للخطاب من حيث هو استعمال محدد لهذا النظام. وقد يتعلق الأمر بـ :

 

-      التموقع في حقل خطابي ما ( الخطاب الشيوعي، الخطاب السريالي).

-      نوع الخطاب: ( الخطاب الصحفي، الخطاب الروائي، خطاب الأستاذ).

-      إنتاج فئة اجتماعية ما ( خطاب الممرضات، خطاب ربات البيوت).

-      الوظيفة اللغوية ( الخطاب السجالي).

4-  خطاب/ نص: ينظر إلى الخطاب من حيث هو ارتباط النص بسياقه.

جاء مفهوم الخطاب الأدبي في سياق تطور الدراسات النظرية والتطبيقية للعمل الأدبي هيأت لظهوره كل من الشكلانية والشعرية والعلامية والدلالية وكذلك الدراسات اللسانية، التي اعتبرت الخطاب كأداة تحليل بنيوي وعلامي ودلالي باعتباره بناء مستقلا من جهة وفي علاقته بقائله وبمتلقيه وبالخطابات السابقة وكذلك السائدة من جهة أخرى.

 بدأ الاهتمام بالخطاب مع بروز المدرسة الشكلانية الروسية التي حاولت أن تسلك سبيل العلماء الذين يتعاملون مع موادهم المختلفة تعاملا علميا دقيقا وصارما، فدعت هذه المدرسة إلى ميلاد علم جديد هو علم الأدب la poétique، والذي سيهتم أول ما يهتم به ليس الأدب كمفهوم عام ولكن أدبية الأدب، يقول جاكبسون: "إن موضوع العلم الأدبي ليس هو الأدب و إنما الأدبية، أي ما يجعل من العمل عملا أدبيا". وفي نفس السياق يقول اخمباوم: " موضوع علم الأدب هو دراسة الخصوصيات النوعية البعيدة عن كل ما هو خارج النص".

ينطلق جاكبسون في دراساته من تحليل العلمية التواصلية والتي يقسمها إلى ست عناصر يقوم كل منها بوظيفة محددة تساهم في تحقيق الهدف الابلاغي، والعناصر هي:

     1/ السياق ــــــــــــــــــ الوظيفة المرجعية

     2/ المرسل ــــــــــــــــــ الوظيفة الانفعالية

     3/ الرسالة ــــــــــــــــــ الوظيفة الشعرية

     4/ المتلقي ــــــــــــــــــ الوظيفة المعرفية

     5/ الاتصال ـــــــــــــــــ الوظيفة اللغوية

     6/ السنن ـــــــــــــــــــ الوظيفة الميتالغوية

وعلى هذا التقسيم يتحقق ارسال الرسالة بين المرسل والمتلقي(3).

لا يسعنا هنا الحديث عن  عرض كل عنصر على حدى ونقتصر فقط على الوظيفة الشعرية التي تعتبر أهم وظيفة يتحدد بها مفهوم الخطاب.

إن اختيار الكلمات وتركيبها هي الصانعة للخطاب وبها يستعين المتلقي لتصل إليه الرسالة التي يرد المرسل إيصالها. ويوضح جاكبسون نظريته قائلا: " إذا كان لدينا طفل وموضوع رسالة ما، فالمتكلم يختار من بين الأسماء المتقاربة في التماثل مثل: طفل، غلام وصبي. يختار المتكلم بعد ذلك من أجل التعليق على هذا الموضوع فعلا من الأفعال المتقاربة دلاليا مثل: ينام، وينعس ويستريح ويغفو... وتتألف بذلك الكلمتان المختارتان في السلسلة الكلامية، فالاختيار ناتج على أساس قاعدة التماثل والمشايعة والمغايرة والترادف والتطابق... بينما يعتمد التأليف وبناء المتتالية على المجاورة" (4) ؛ لا يعرّف جاكبسون الخطاب بقدر ما بين طريقة إنشائه ومكوناته ونجاحه.

 أما التعريفات الواردة للمصطلح عند النقاد الغربيين على اختلاف توجهاتهم فيعرفه:

1/ هاريس: " الخطاب ملفوظ طويل أو هو متتالية من الجمل تكون مجموعة منغلقة، يمكن خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر، بواسطة المنهجية التوزيعية وبشكل يجعلنا نظل في مجال لساني محض". مفهوم الخطاب حسب هاريس لا يتجاوز حدود الجملة.

2/ بنفنيست: " الخطاب باعتباره الملفوظ ينظر إليه من وجهة آليات وعمليات اشتغاله في التواصل". وهو " كل تلفظ يفترض متكلما ومستمعا، عند الأول هدف التأثير في الثاني بطريقة ما".

بمعنى أن الخطاب هو الفعل الذاتي في استعمال اللغة انه فعل حيوي في إنتاج نص ما.

3/ معجم اللسانيات: الخطاب يعني اللغة في طور العمل أو اللسان الذي يتكلف بانجازه ذات معينة. الخطاب وحدة توازي أو تفوق الجملة ويتكون من متتالية تشكل رسالة لها بداية ونهاية.

الخطاب هو كل ملفوظ يتعدى الجملة منظورا إليه من وجهة قواعد تسلسل متتاليات الجمل.

4/ ويعرفه تودوروف أنه: " أي منطوق أو فعل كلامي يفترض وجود راو ومستمع وفي نية الراوي التأثير على المستمع بطرقة ما".

5/ ويعرف فوكو  الخطاب انه: " النصوص والأقوال كما تعطي مجموع كلماتها ونظام بنائها وبنيتها المنطقية أو تنظيمها البنائي".

6/ ويعرفه بيير زيما أنه: " وحدة فوق جملية، تولد من لغة جمالية وتعبر بنيتها الدلالية ( كبنية عميقة) جزءا من شفرة، ويمكن تمثيل مسارعا التركيبي – النحوي بواسطة النموذج تشخيصي سردي".

من الخطاب إلى تحليل الخطاب:

إذا كانت غاية الخطاب الإبلاغ والتواصل فان غاية الخطاب الأدبي: عي تشكيل للغة التي لا يمتلكها إلا المتمكنين منها فهي لغة عصية وصعبة. وهذا ما أورده الباحث الأسلوبي عبد السلام المسدي: الخطاب الأدبي خلق لغة من لغة أي أن صانع الأدب ينطلق من لغة موجودة فيبعث فيها لغة وليدة هي لغة الخطاب الأدبي وتتميز باختلافها عن لغة الخطاب العادي بان لغة هذا الأخير مكتسبة بالمران والممارسة والاحتكاك بالآخرين ، تنشا وتستمر باستعمالها المألوف لدى الناس بفعل العادة والاتصال(5).

يرى فان ديك " أن عملية تحليل الخطاب تصب في أطار دراسة استخدام المتكلمين الحقيقيين استخداما فعليا للغة في مواقف حقيقية". ويعني هذا أن تحليل الخطاب هو دراسة اللغة كنشاط داخل سياق معين(6).

 بينما يرى الباحث الانجليزي البريطاني M .A.K. Halliday إن الهدف الأسمى لمحلل الخطاب هو تبيان وتفسير العلاقة القائمة في اللغة ومتطلباتها الدلالية والغائية المعبر عنها بواسطة الخطاب (7).

 

مفهوم النص:

يمثل مصطلح النص إشكالية معقدة وكبيرة في البحوث النقدية والنظرية الحديثة والمعاصرة، وذلك لأنه لا يقتصر مفهومه على الدلالة المعجمية والاصطلاحية المعروفة، بل صار يتداخل مع عدد من المصطلحات المجاورة مثل مصطلحي الخطاب والعمل والأثر الأدبي.

النص في اللاتينية يعني يحوك أو ينسج ويوحي بسلسلة من الجمل والملفوظات المنسوجة بنيويا ودلاليا.

جاء في لسان العرب لابن منظور في مادة ( ن ص ص ):

النصّ:  رفعك الشيء، فيقال: نص الحديث  ينصه: رفعه . و كل ما اظهر فقد نصّ ووضع على المنصة، أي على غاية الفضيحة والشهرة والظهور.

وجاء في محيط المحيط أن بعض الكتاب يستعملون النص بمعنى الإملاء والإنشاء، يتلون نص الكتاب لفلان وعلى فلان. ويشير أيضا إلى أن النص قد يطلق على كلام مفهوم (أي من الكتاب والسنة) المعنى سواء كان ظاهرا أو نصا ، أو مفسرا ( حقيقة أو مجازا عاما أو خاصا)اعتبر منه للغالب لان عامه ما ورد من صاحب الشريعة نصوص.

يقدم المعجم الموسوعي للسميائيات مجموعة من التعريفات الخاصة بالنص. فالنص يستخدم في اللسانيات للإشارة إلى أية مقطوعة، قولية أو كتابية مهما كان طولها والتي تشكل كلا موحدا. والنص وحدة لغوية استعماليه وهو ليس وحدة نحوية ولا يعرف بحجمه.

يعرف ( قاموس الألسنية) النص على النحو التالي: إن المجموعة الواحدة من الملفوظات، أي الجمل المنفذة حين تكون خاضعة للتحليل تسمى نصا ، فالنص عينة من السلوك الالسني وان هذه العينة يمكن أن تكون مكتوبة أو محكية.

ويذكر عدنا بن ذريل (8)  مجموعة من التعاريف للنص اخترنا منها:

 يعرف تودوروف النص قائلا: تجد  الألسنية بحثها بدراسة ( الجملة) ولكن مفهوم النص لا يقف على نفس المستوى الذي يقف عليه مفهوم الجملة أو القضية أو التركيب وكذلك هو متميز عن الفقرة التي عي وحدة منظمة من عدة جمل.

ثم يقوا: النص يمكن أن يكون جملة كما يمكن أن يكون كتابا بكامله، وان تعريف النص يقوم على أساس استقلاليته وانغلاقيته وهما الخصيتان اللتان تميزانه فهو يؤلف نظاما خاصا لا يجوز تسويته مع النظام الذي يتم به تركيب الجمل، ولكن أن نضعه في علاقة معه هي علاقة اقتران وتشابه.

النص نظام جاف أو تضميني وذلك لأنه نظام ثان بالنسبة إلى نظام أساسي للدلالة، فنحن حين نحلل ( الجملة) نميز بين مقومات صوتية وتركيبية ودلالية وكذلك نحن نميّز مثلها في النص دون ان تكون في نفس المستوى.

يعرف رولان بارت النص قائلا: النص نسيج كلمات في تأليف معين بحيث هو يفرض شكلا يكون على قدر المستطاع ثابتا ووحيدا. إن النص من حيث هو نسيج فهو مرتبط بالكتابة ويشاطر التأليف المنجز به هالته الروحية، وذلك لأنه بصفته رسما بالحروف فهو إيحاء بالكلام وأيضا بتشابك النسيج.

في تعريف آخر له للنص يقول: النص مجرد نشاط وان وضع المؤلف فيه هو مجرد وضع احتكاك ولا يحيل إلى مبدأ بداية أو نهاية إن هو يحيل إلى غيبة الأب ، بالتالي يبدد مفهوم الانتماء.

يمارس النص التأجيل الدائم واختلاف الدلالة فهو مثل اللغة مبني ولكنه ليس مغلقا ولا متمركزا بل هولا نهائي، لا يشير إلى فكرة معصومة بل إلى لعبة... هو لا يجيب على الحقيقة بل هو يتبدد إزاءها.

النص مفتوح وان القارئ المتلقي ينتجه في عملية مشاركة وهذه المشاركة ليست في الاستهلاك وإنما هي إنتاج قراءة والتأليف في عملية دلالية واحدة بحيث تكون ممارسة القراءة إسهاما في التأليف ناهيك بأن النص ليس نوعا من اللغة بل واقعة غزلية.

أين يكمن سر النص؟

يقول علي حرب: " ليس النص بأطروحاته وبياناته بل بما يتأسس عليه ولا يقوله بما يضمره ويسكت عنه. والنص يسكت ليس لان مؤلفه ضنين بالحقيقة على غير أهلها ولا بسبب تقنيته من سلطة يخشاها ولا لغرض تربوي تعليمي يرمي إليه... بل إن النص لا ينص بطبيعته على المراد ولان الدال لا يدل مباشرة عن المدلول هذا هو سر النص: إن له صمته وفراغاته وله زلاته وأعراضه وله ضلاله وأصداؤه فهو لا يأتمر بأمر المدلول ولا هو مجرد خادم للمعنى ومن هنا يتصف النص بالخداع والمخاتلة ويمارس آلياته في الحجب والمحو أو في  الكبت والاستبعاد، باختصار للنص ألاعيبه السرية وإجراءاته الخفية وهي ما يمكن تسميته إستراتجية الحجب."(10)

ما هو الفرق بين النص والخطاب؟

كثيرا ما نخلط في الاستعمال العادي بين مصطلحي النص والخطاب، بل بين المصطلحين ومصطلحات أخرى كالعمل الأدبي...الخ. ; وقد يكون لهذا الخلط علاقة بالتداخل بين المفهومين. مع ذلك، من المناسب أن نبين الفرق بينهما والحدود التي تفصل استعمال كل من المصطلحين.

نعني عادة بمصطلح النص، ولو أننا نقر بوجود معاني أخرى غير تحليل الخطاب، " متوالية من الملفوظات تتميز بالانسجام والتجانس تشكل وحدة، سواء أكانت هذه الملفوظات مكتوبة أو شفاهية، مسموعة أو مرئية". وهو يقوم على افتراض وحدة لسانية تتجاوز الجملة.

أما مصطلح " الخطاب" فيحيل إلى نفس " المرجع" الذي يحيل عليه مصطلح "النص". ولكن ثمة اختلاف أساسي بينهما. فعندما نستخدم "الخطاب" فذلك يكون للدلالة على النص  وملابسات إنتاجه في الوقت نفسه. ذلك أن الخطاب هو " جملة النصوص منظورا إليها في علاقاتها مع الشروط التاريخية ( اجتماعية، إيديولوجية...) لإنتاجها". لهذا نقول أن الخطاب هو الموضوع المعرفي لتحليل الخطاب، أما النص فموضوعه التجريبي.

تحليل رواية الشمعة والدهاليز للطاهر وطار:

يعد الطاهر وطار روائيا ذا فعالية في القارئ الجزائري والعربي وغير العربي فقد تجلت فاعليته في التأثير الذي أحدثه في المجتمع الجزائري وذلك بما اتسمت به نصوصه من كشف وتعرية ووصف للوقائع الاجتماعية والفكرية والإيديولوجية وسط تلك التناقضات التي عرفها ويعرفها المجتمع الجزائري.

تنقل رواية الشمعة والدهاليز التي تزامنت مع الانقلاب السياسي الذي عرفه المجتمع الجزائري بعد أحاث 05/10/1988 ذلك الواقع الجديد بكل تناقضاته الجديدة. تحاول الرواية البحث عن المسببات والمرجعيات التاريخية التي أوصلت الإنسان الجزائري المتحول باستمرار إلى اتخاذ العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة.

التي كما كان علية عرفتها الجزائر، ثم العودة إلى أحداث الصبا والشباب. يضع الطاهر وطار أمامنا بطله دون اسم انه شاعر وكفى، ثم يسير بنا الروائي لتتبع الأيام الزاهية التي عاشها بطله تحت رعاية عمه المختار، ودخوله مدرسة الميلية ثم ثانوية فرانكو – ميسيلمان (بمعنى المدرسة الفرنسية الإسلامية ) بقسنطينة، أخيرا المعهد الفلاحي بالحراش والمؤتمرات التي شارك فيها في ألمانيا وفي تونس وصوفيا، في غرداية، وبتتبع سيرة البطل ينقلنا الروائي إلى تاريخ الجزائر الحديث في أيام الثورة التحريرية ثم الاستقلال فمرحلة البناء والتشييد، ليقفز بعدها إلى ما بعد أحداث أكتوبر 1988 والتغيرات الكبيرة التي عرفها المجتمع خاصة منها السياسية التي فتحت المجال للتعددية الحزبية، وحرية الرأي والتعددية الثقافية واللغوية. معطيات لم تكن تطورا للمسار التاريخي للمجتمع الجزائري كما كان عليه قبل الاستقلال بل فرضت نفسها على المجتمع كما يجب تقبلها وإحداثها في حياته دون سابق معرفة بها فهو يغيب عنه معنى الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية والفكرية والثقافية. وحتى اللغوية بسبب الفكر الأحادي المنغلق الذي فرض على المجتمع منذ الاستقلال، فانقسم المجتمع إلى جماعات وشيع، كل جماعة تحتمي وراء شعارها وتدافع عنه وتسعى إلى أن يكون هو المثل الأعلى والأصلح لإعادة بناء المجتمع الديمقراطي، مما نتج عنه بروز مفهوم "التيار" السياسي والتيار الديني والتيار الثقافي الذي أدى بأصحاب كل واحد من هذه التيارات إلى دخول معركة تحقيق طموحات التيار منه طموحات الأمة، ومن نتائج هذه المعركة بروز ظاهرة العنف السياسي التي أودت بحياة الشاعر – البطل- وطالت كل أفراد المجتمع.

يستعين الروائي الطاهر وطار في تشكيل خطابه بتقنيات فنية روائية مميزة أنتجت خطابا روائيا جزائريا جديدا من حيث اللغة والبناء والرؤية.

الرؤية السردية:

تتميز رواية الشمعة والدهاليز بشكلها السردي بتجاوزها النمط السردي التقليدي الذي كان قوام الرواية الجزائرية في السبعينات والثمانينات و " التي كانت أحداثها تقع في الماضي وكان السارد في مألوف الأطوار إنما يحكي ما وقع للشخصية، أو للشخصيات في الزمن الماضي أساسا، وذلك على الرغم من أن بعض الأحداث قد تقع في الحاضر، وبعضها الآخر ربما سيقع في المستقبل". (11)

يميز توماشفسكي بين نمطين من السرد: السرد الموضوعي يكون فيه الكاتب مطلعا على كل شيء، والراوي محايد لا يتدخل ليفسر الأحداث بل يصفها وصفا محايدا، يترك الحرية للقارئ ليفسر ما يحكي له ويؤوله. والسرد الذاتي، تقدم فيه الأحداث من زاوية نظر الروائي، فهو يخبر بها، ويعطيها تأويلا معينا يفرضه على القارئ ويدعوه إلى الاعتقاد(12).

يغلب في الرواية موضوع الدراسة نمط السرد الموضوعي فهو مثلا حين يشكل شخصية –بطله- بشكلها وبما يتناسب وقناعتها وخلفياتها الثقافية، ويمزج الروائي بذلك بين زاويتين يتحدد بموجبها علاقة السرد بالشخصية وهما:

-      أن تقدم الشخصية نفسها.

-      أن يقدم الشخصية السارد ( وهو الروائي نفسه هنا )

ومنه تتحدد الرؤية السردية المتمثلة في الرؤية مع : " وهي أن الراوي = الشخصية، وما يعرفه السارد تعرفه الشخصية (13).

يقول السارد: " هذا العصر قدر الشاعر ومعه علماء الاجتماع عديدون كما يعتقد من خلال تصريحاته في مناسبات مختلفة ، دهليز كبير، انه مظلم وغامض، غامض ومخيف". الرواية ص 10.

 ويصف الشاعر نفسه قائلا: " أنا هذا المجرم الذي تتمثل جريمته في فهم الكون على حقيقته، وفي فهم ما يجري حوله قبل حدوثه، أتحول إلى دهليز مظلم متعدد الجوانب والسراديب والأغوار، لا يقتحمه مقتحم مهما حاول، وهذا عقابا لجميع الآخرين على تفاهتهم". الرواية ص09.

 ما نلاحظه في توظيف هذه التقنية في الرواية موضوع الدراسة أن السارد يعبّر عن مواقف الشخصية –البطل- وكأنها يعرفها؛ ويعرف ما يجول في دواخلها وذهنها؛ فهو يصفها من الخارج ومن الداخل؛ ينقلها من مكان إلى آخر ومن ماض إلى مستقبل ومن موقف إلى آخر.

 يقول واصفا الشاعر:" كان نحيفا، طويل الوجه، بارز الوجنتين، غائر العينين، قاسي الملامح، جاف النظرة، يرتدي جاكيطة بنية، بدون بطانة، سروال جين، يتسع للاثنين مثله... لحيته قصيرة، مدببة، تستفز أكثر مما توحي بالاطمئنان. الرواية، ص 22.

فجأة ينقل الروائي الكلام على لسان شخصيته –البطل- وهو يرد على أحد الشباب حين يسأله عن خلو جبهته من آثار السجود:

" جبهتك خالية من آثار السجود"

يجيب الشاعر: " ربما لان وزني خفيف جدا".

نفس الحيلة الفنية يستعين بها الروائي مع شخصية – عمار بن ياسر- قائد الحركة الإسلامية المتظاهرة في شوارع العاصمة باقتراب ودنو قيام الدولة الإسلامية في الجزائر؛ فالروائي يقدمه لنا من خلال صفاته وملامحه واسمه، وحين يعرض أفكاره وإيديولوجيته يحيل اله الكلام معبرا عن مواقفه فيقول:

" كانت ملامح الشباب تتميز تحت النور شيئا فشيئا... عيناه سوداوان مشعتان، انفه بين القصر والطول، يميل قليلا إلى الفلطحة، بينما خنباتاه ممتلئتان بشكل بارز، قامته طويلة منكباه عريضان". الرواية، ص 26.

 في الثلاثين من عمره، مهندس في النفط، قيادي في الحركة، يناصر العقل والاعتدال" يقول عمار بن ياسر مبينا غاية خروجه وأنصاره إلى التظاهر قائلا: "هذه المرة ننجز بإذن الله سبحانه وتعالى، ثورة إسلامية حقيقية ثورة ربانية تخالف كل ما أنجزته المعتقدات الوضعية، ننجزها إن شاء الله، شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية" الرواية، ص 28.

إن لجوء الروائي إلى هذه الطريقة في سرد الرواية " إنها محاولة لممارسة تجريب تعددي على مستوى تقنيات السرد .(14)؛ وهذه الطريقة واكبت التعددية السياسية التي تعيشها الجزائر.

البنية الزمنية:

شغلت مقولة الزمن منذ زمن التاريخ البعيد اهتمام الدارسين والباحثين في الرواية لكونه مكونا سرديا يحمل دلالات وأبعاد عميقة إذ أن اهتمام الأولين به كان اهتماما فلسفيا، تأمليا منه دراسة دقيقة علمية كما هو الحال عند محللي الخطاب الروائي اليوم، وعلى رأسهم جرار جنيت الذي اهتم بدراسة الزمن الروائي و أولاه عناية وافية في مؤلفاته النقدية (خطاب الحكي) و ( خطاب الحكي الجديد). أضحى جيرار جنيت مرجعا أساسيا لدراسة الزمن الروائي، وتعد أبحاثه " مرحلة متطورة في تحليل الخطاب الروائي، لكون نظرياته أقرب من غيرها إلى الشمول والدقة والوضوح. وقد رأى أغلب المشتغلين بالأدب القصصي اليوم أن الاعتماد في مسألة التمييز بين مكونات الخطاب السردي وإشكالية الأزمنة القصصية وما يتفرع عنها جميعا من قضايا نقدية أو فنية" (15).

يتلخص الخطاب السردي عند جيرار جنيت في دراسته للعلاقات بين الحكاية والقصة، وبين الحكاية والسرد، وبين القصة والسرد. وفي إطار العلاقة بين القصة والحكاية يولي الناقد أهمية بالغة لمقولة الزمن التي تتجلى واضحة بين هذين المفهومين يقول: " الحكاية مقطوعة زمنية مرتين,,,فهناك زمن الشيء المروي وزمن الحكاية ( زمن المدلول وزمن الدال)"(16). أي أنه يوجد زمن القصة وهو: زمن المادة الحكائية وهو الزمن الذي تعطى فيه القصة زمنيتها الخاصة من خلال الخطاب في إطار العلاقة بين الراوي والمروي له"(17).

درس جينيت العلاقات بين زمن القصة وزمن الحكاية ضمن ثلاث مستويات:

1-  النظام الزمني (الترتيب الزمني)

2-  المدّة (الاستغراق الزمني)

3-  التواتر (التكرار)

ونحن نحلل روايتنا موضوع الدراسة سنستعين بالمستوى الأول دون غيرها.

تحديد الترتيب الزمني:

يقصد بالترتيب الزمني مواجهة ترتيب نظام الأحداث نفسها في القصة لتكون مفارقات سردية ناتجة عن التنافر بين زمني القصة والخطاب.

تنقسم المفارقات إلى سوابق PROLEPSES وهي حكي شيء قبل وقوعه ولواحق ANALEPSES وتعني استرجاع حدث سابق عن الحدث الذي يحكى.

يتجلى من خلال التتابع الزمني. إن سرد رواية الشمعة والدهاليز يبني روايته على خطين متوازيين أحدهما سرد للأحداث الآنية التي تحدث للشاعر وهو يحاول فهم ما يجري في مدينة العاصمة الجزائر، وثانيهما سرد للأحداث الماضية التي يسترجع فيها الشاعر صباه وتمدرسه ومؤتمراته ونظرياته التي كان يتنبأ بها عن مستقبل الجزائر والتي تتحقق اليوم واقعا،ويتوسط هذان الخطان سردا للأحداث المستقبلية التي يصفها بالمستعصية والدموية إن تحقق مشروع الحركة الإسلامية المناهضة للعقل والعلم.        

يبدأ خطاب الشمعة والدهاليز بالزمن الحاضر باستيقاظ الشاعر- البطل- " مرعبا على أصوات تمزق سكون الليل المجروح بالأنوار المنبثة في الشوارع، متفاوتة القوة والتقارب من شارع إلى أخر". الرواية، ص 08.

ثم يصف لنا السارد طبيعة هذه الأصوات: " لم تكن الأصوات لمدافع، لا ولا حتى لدبابات كما كانت العادة... انه هدير بشري، قوي(...) أصوات تتعالى، غامضة، غامضة، مبهمة الكلمات، لكنها معروفة اللحن (...) لحن يعرفه ويعرفه الشهب الجزائري...". الرواية: ص ص 09-10.

وفي الصفحة11 من الرواية يقوم السارد باسترجاع حدث ماض حيث " عرف الشاعر، انه لا يمكنه اقتحام هذا الدهليز ( يعني قيام الدولة الإسلامية بهذه السرعة في مجتمع أصله مسلم) لأنه إن حاول اقتحامه تاه إلى أبد الأبدين". الرواية، ص 11.

يتتبع السارد الشاعر وهو يجول في المدينة ليعرف ماذا يجري بالضبط، يتلقى بشباب وسط المظاهرات يسألهم عمّا يحدث فيجيبونه أن الدولة، الجمهورية، الخلافة، الحكم الإسلامي قد قام" الرواية، ص 23. انه الدهليز الأول الذي ينفتح أمام الشاعر ولا يعرف سبيلا لاقتحامه خاصة وأن أصحابه لا يعترفون بالعقل كما يظهر من رد قائد الحركة عمار بن ياسر محاورا الشاعر " ... بعض الحركات ينبغي أن تستغني عن العقل عي مرحلة من مراحلها. لو يركن الناس إلى العقل يتوقفون في صنع التاريخ. لقد قال أحدهم يخطط لها الحكماء وينفذها المجانين و... يستولي عليها الجبناء"  الرواية، ص 28.

وفي الصفحة 34 يسترجع الشاعر صباه، وكيف أحبّ العارم ابنة عمه المختار ومنه يفتح الشاعر دهليز آخر مظلم عانت وتعاني منه الشخصية داخل الرواية؛ هو دهليز الثقافة الفرنسية التي ينتمي إليها بحكم تعلّمه وتخرّجه من المدرسة الفرنسية أيام الاستعمار، وكيف يولد هذا التكوين المفرنس عقدة في نفسية الشاعر بعد الاستقلال ومعاناته لتجاوز العائق اللغوي وردّ الاعتبار للغة العربية التي هي أيضا بمثابة دهليز، يسترجع بموجبه السارد الأزمة اللغوية بالجزائر قبل وبعد الاستقلال، ضم يسترجع تاريخ الحركة الثورية واحتمائها بالإسلام كعنصر قوي لاسترجاع الهوية الجزائرية التي أراد المستعمر مسخها. فيعود السارد إلى دهليز الجزائر المستقلة الاشتراكية بانقلاباتها وتناقضاتها السياسية وبين استرجاع وآخر تتسع معرفة الشاعر بالمتظاهرين وتتضح له مآربهم ورؤاهم للواقع والمستقبل3 الوهمي" الذين يلهثون وراءه لهثا ولا يعرفون له سبيلا منطقيا وعقليا يهتدون به، وصار الماضي بثقافته وانجازاته وحتى شخصياته هو مصدرهم وتاريخهم الذي يستمر حاضرا ويدوم مستقبلا.

في الصفحة 186 وفي وسط متاهات هذه الدهاليز المظلمة التي يعيشها الشاعر ذهابا و إيابا؛ حاضرا وماضيا وحتى مستقبلا؛ يعرض علينا السارد لحظة انهيار الشاعر واستسلامه لما يحدث راهنا؛ ويقبل على تعيينه وزيرا للفلاحة في الدولة الجديدة"، لا يستطيع أن يركز على رأي، أو على تصور ما (...) يروح ويجيء فقط يروح ويجيء رأسه وصدره: تهب فيه الأفكار والآراء والصور بدون ترتيب ولا منطق (...) من صباه، من قريته، من معركة التحرير، من ساحة أول ماي، من البلدان التي زارها، من الكتب الكثيرة التي قرأها، من المأزق الذي يجد نفسه شأن الأمة فيه" الرواية، ص 186.

وكنتيجة حتمية لمسار الشخصية الشاعر في أحداث القصة تؤول نهايته إلى الموت ليرتاح كما يقوا من العناء في البحث عن أسباب الأزمة التي تمر بها البلاد والعباد". ليرتكبوا حماقة إرادتي من العناء ليتموا إرادة الله، ليقتلوني، لينجزوا ما حاولت انجازه قبل أن ألتقي بهم". الرواية، ص 204.

أكثر السارد في توظيف الاسترجاعات عي روايته مقارنه بالاستباقات والمتجلية في الماضي البعيد والقريب للشاعر. وكانت الاسترجاعات وسيلة فنية نعتبرها ناجحة فنية ساهمت في تغيير وتحريك عملية السرد وتكسير زمنية القصة وشحنت النص بدلالات تفتح مجالا واسعا للتأويل.

استنتاج:

-    كسرت رواية الشمعة والدهاليز على مستوى البنية الزمنية الطريقة الخطية المألوفة في الكتابة الروائية الجزائرية والعربية الحديثة عموما المتمظهرة في الشكل التالي:

 (الماضي   ـــــــــــ  الحاضر  ـــــــــــ   المستقبل).

ويتبين هذا المكون السردي  على أشكال متنوعة ومختلفة انكسارية تفككية تكشف عن رؤية فنية حديثة وجديدة .

-    يحتفل البعد الزمني في رواية الشمعة والدهاليز بخاصية إيديولوجية في ترسي الزمن فهذا الأخير ومن خلال تقديم السارد الخطاب الإيديولوجي الذي يحرك الشخصيات في مرجعين أساسيين المتمثلين روائيا في: مرجع شخصية الشاعر- البطل- الذي يملك رؤية تقدمية ونظرة استشرافية، وهذه النظرة تعكس موقف الروائي، ومنه يفصح عن طابعه الإيديولوجي، عكس المرجع المقابل، شخصية عمار بن ياسر الذي يمثل الرؤية الزمنية الماضوية والتي يمكن تصنيفها ضمن إطار التفكير الوهمي الذي يتنكر للزمن الحقيقي والجوهري.

-    إن مشكلة الزمن في الرواية زمن ذهني في إطار الأفكار يجمعها " الوهم" والحلم " بحكم أن الشخصيتين المختارتين من قبل الروائي ألا وهما: (الشاعر) و( عمار بن ياسر). يوصف الشاعر بالشخص الذي يعيش في الأوهام والأحلام وكذلك عمّار بن ياسر فهي شخصية تدل على دلالة زمنية مرجعية ماضوية تحلم باسترجاع مجد أجدادها وآبائها ، ليتحول هذا الفعل الوهمي إلى تنافر فكري أيديولوجي ثم إلى تحول آخر لاستقطاب فعل العنف وبعث الإشكالية المعلقة في حل إشكالات الزمن الذي يعكس حقيقة أزمة التفكير العربي الإسلامي.  

-    إن لعبة الزمن في الرواية تطرح إشكالية جوهرية حول مشروعين إيديولوجيين مختلفين تعكس حقيقة الوضع القائم في تحولات الكتابة الروائية الجزائرية المرتبطة برهانات الحاضر الضاغط في فترة التسعينات.

-    رواية الشمعة والدهاليز للطاهر وطار قفزة نوعية في الخطاب الروائي الجزائري المعاصر الذي استطاع تجاوز الكتابة النمطية الضيقة التي سادت فترة السبعينات والثمانينات التي انشغلت بالمضمون دون الشكل.

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07