FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides

    Séminaire International sur les Polysaccharides Polysaccharides de Plantes de Milieux Arides.POLYSAC 2017, Les 22-23 Novembre 2017. 

  • Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement

    Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement "WID TOE 2017", 3 et 4 avril 2017, Ouargla - Algérie

Appel à communication

 

التشكيل اللساني في حوارية الرواية عند الطاهر وطار

 الشمعة والدهاليز ـ أنموذجا

 

عمر عروي

جامعة تيارت (الجزائر)

مقدمة:

لا نقول جزافا حينما نذكر أن هذا العصر عصر الرواية بامتياز، حيث عرف الأدب العربي الحديث أنواعا قصصية متعددة، منها الأقصوصة، والقصة القصيرة، و القصة و الرواية، و السيرة الذاتية و...، والذي يهمنا هنا هو الرواية، و هي التي يعالج فيها المؤلف موضوعا كاملا زاخراً بحياة تامة واحدة أو أكثر، فلا يفرغ القارئ منها إلا و قد ألمّ بحياة البطل أو الأبطال في مراحلهم المختلفة، و ميدان الرواية فسيح أمام القاص يستطيع فيه أن يكشف الستار عن حياة أبطاله، و يجلو الحوادث مهما استغرقت من وقت، ولقد كان نشوء الرواية في الأدب العربي مواكبا لبداية عصر النهضة، و قد كثر الحديث عنها بين النقاد من المستشرقين و العرب حول بدايتها حيث وقفوا  إزاءها مواقف متباينة، أهمها رأيان متباينان: أحدهما يري أن الجنس الروائي حاضر في التراث العربي و الثاني  ينفي أن تكون هناك أية صلة بين الرواية، و تلك الأنماط القصصية القديمة.

وعلى الرغم من أن الكثير من الباحثين أنكروا الصلة بين نشأة الرواية العربية، و بين التراث القصصي عند العرب، إلا أن الاتصال موجود و لو بشكل من الأشكال.

تعتبر الرواية الفن الأكثر تأثيراً وتعبيراً عن تجليات الكتابة، ويكاد ذلك ينطبق على تاريخ البحث عن هوية شخصية داخل الفن الروائي، وهوية تتآلف مع الروائي وشخصياته وبين هذا وذاك، فبروز الرواية كجنس أدبي مستقل عن ذاتها لكونها فن متعدد الأصوات  يعني ذلك بلوغ الرواية مرحلة متقدمة من الوعي المعرفي خلافاً لبقية الأجناس الأدبية الأخرى.

ومن المعروف أيضا أن عصرنا هو عصر السرد في إدراكه للذات الأدبية، ولم تعد للشعر تلك المكانة التي كان يتباهى بها في العصور الغابرة، و حتى القرن العشرين مع المدرسة الإحيائية والرومانسية بتياراتها ومدارسها الإبداعية الديوان، و أپولو، والرابطة القلمية  والعصبة الأندلسية، وشعر التفعيلة في مرحلته الأولى، بل أصابه الكساد إلى حد كبير مع ظهور الشعر المنثور، وشعر الانكسار بسبب التجريد المجاني، والإيغال في الغموض والانسياق وراء الإبهام، لذا، حلت الرواية محل الشعر، فأصبحت أكثر الأجناس الأدبية قدرة على تشخيص الذات والواقع والكتابة الروائية خلقا وإبداعا ونقدا، وغدت هذه الرواية تقارب التاريخ وتفلسف المجتمع، وتنقد الذات من خلال منظورات خاصة ذاتية وموضوعية وصارت تطرح الأفكار الإيديولوجية على محك النقاش وتعدد الأصوات، كما صارت الرواية ملتقى المعارف والفنون وخزان الأفكار، فتنامى وعي الروائي بالمقارنة مع وعي الشاعر. في حين نذكر أن أعمال الطاهر و طار أضحت مرجعية فكرية و اجتماعية و إبداعية خلاقة في مضامين شتى.

إن النزعة الشكلية للرواية أخذت تتناغم مع المعطيات الحديثة للنص، في التصورات والبناءات من جهة ومن جهة أخرى تعرية الدلالات المبهمة للروائي، في استنطاق النص وتفكيك مفاهيمه، من خلال الغوص في أدوات الروائي والإمساك بتقنيته الفنية.

يعتمد الروائي إلى حد كبير على ذائقته الأدبية، في البحث عن أصول الأشياء وكشف خفايا النص، فتراه أحياناً يراهن على مستويات اللغة في الإيقاع والتشكيل، والتأويل والتفسير.

إن اللغة في روايات العصر تتجاذبها سلطات متعددة، سلطة الكاتب الذي يحاول أن يركب موجات اللغة، و التلاعب بألفاظها كي يصل إلى مفهوم المعنى النصي، بأسلوب خاص و طبيعة متميزة، ليصل إلى اللغة الشعرية التي تتحد مع الأسلوبية مشكلة غنائية الخطاب، ثم سلطة النص ذاته التي توحي بقوته، و قدرته على ركوب معناه للوصول إلى المتلقي عن طريق الكشف عن مضامينه، ثم سلطة القارئ أو المتلقي للخطاب الروائي التي تتركز أساسا على آليات القراءة، و سبل تنجيعها و مدى ملائمتها مع الطرح الروائي، ومدى استعدادات القارئ النفسية و الاجتماعية و العليمة لفهم النص، ومن خلال السلطات الروائية الثلاثة تنكشف العلامات المشكلة للخطاب، و تتجلى في الإثراء اللغوي للإبداع الروائي.

بين يدي الرواية:

الشمعة و الدهاليز شمعة منيرة في دهاليز الأدب العربي المعاصر، جزائرية قومية متعددة الدهاليز، سياسية اجتماعية، ليس لها زمن تاريخي، متسلسل أو ممنطق ومحسوب، إنّه زمن أهل الكهف، زمن التذكّر، والتنقل من هذه اللحظة إلى تلكم، من هذه الواقعة إلى تلك، يقع في مناطق مضاءة، مناطق مظلمة ومناطق واعية، ومناطق موهومة، الإحساس فيها يغلب طولها أو قصرها (1)، فالرواية تعود من جديد للاهتمام بذلك التاريخ ـ تاريخ الثورة الجزائرية وبدايات عهد الاستقلال وإفرازات تلك الفترة ـ لأنّ الموضوع الجديد الذي تعالجه الرواية ليس سوى انعكاساً لتلك الإفرازات وما تلاها من صراعات، هذا ما تقوله الرواية التي يعود ليشغلها الطاهر وطّار بذلك الماضي، حيث تحفل رواياته دائماً بما هو تاريخي إلى جانب المتخيّل في النص الروائي، يمثّل جزءاً من ذاكرة وطّار وحياته، و لربما يترك الطاهر وطار في بداية روايته زمنها كي يبعث المتلقي و القارئ على اكتشاف الزمن من خلال ممارسته للخطاب الروائي، يقول الطاهر وطار: (إذا كان هناك تاريخ حقيقي يمكن أن أصرح به فهو الذي سيكتشفه القارئ الكريم) (2)، ثم يعود كي يبرز بعض سمات الزمن الذي تتمحور حوله الرواية، فاسمع إليه يقول: (وقائع الشمعة و الدهاليز الروائية قبل انتخابات 92 التي خلقت ظروفا أخرى لا تعني الرواية في هدفها الذي هو التعرف على أسباب الأزمة، و ليس على وقائعه، و إن كنت وظفت بعضها)(3) .

و الملاحظ أن الطاهر وطار يستخدم اللف تارة من خلال جمع الأزمنة و كوكبة  الزمن، و النشر تارة أخرى من خلال الإفصاح عن زمن تاريخي تتأطر من خلاله الرواية بشكل عام، أما الأحداث فمتشابكة، كثيرة الدهاليز، كل دهليز يضفي إلى دهاليز، و لعله يبحث عن شمعة تضيء سراديبه و دهاليزه، يقول: (وجدتني أخضع لجدلية  العلاقة بين الشكل و المضمون فما إن تبلورت الأحداث في ذهني حتى وجدتني في دهليز يضفي إلى دهاليز سواء أكانت وقائع أو حالات نفسية أو ما يثيره كل ذلك من أبعاد متممة).(4)، وموضوع الرواية على صلة مباشرة بالأسئلة التي أفرزها الواقع المحلي والدولي وهي الأسئلة التي ظلت تعصف بالواقع الجزائري."ما الذي حدث؟.    
"من المسؤول عن زرع الرعب والموت؟" وهذا ما نجده في نهاية الرواية، النهاية المأساوية التي باغتت البطل حيث سبعة ملثمين، وفي ساعة من الليل يقتحمون عليه منزله ثم يشرعون في محاكمته، هي أحداث متتالية، بدأها وطار بشخصية البطل الشاعر، و هو هنا يجعل سيميائية للبطل أكثر تناسقا، و باعثا للتأمل مستوحاة من الشاعرية نفسها، فالشاعر شديد التأمل، غارق في المتخيلات، عزيز النفس، مبحر في الألفاظ، له قدرة استيعاب الوضع كاستيعاب المعنى، كل ما يجري حوله يحاول فهمه، و توظيفه من خلال قصدية شاعريته الكشّافة، حيث يقول: (إنني جزء لا يتجزأ من هذا التاريخ أؤثر فيه و أتأثر به و أبذل كل عمري محاولا فهمه(5))

حوارية الشمعة و الدهاليز:

يعدّ الحوار من أبرز المشكلات والتحديّات الفنيّة التي تواجه الروائي، فهل يصوغه باللغة الفصحى كونها اللغة القومية المعيارية الموحِّدة؟ أم باللهجة العاميّة المتعددة في تشكيلها، وتنبيراتها المحليّة والمهنيّة كونها مستوى من مستويات التفكّك الداخلي لتلك اللغة، وطريقة تعبير عن الخصوصية الاجتماعية والفردية لمنطوق الشخصيّات ومراميها الحيوية؟ (6)

وكان "ميخائيل باختين" من أوائل الباحثين المعاصرين الذي كرس الاهتمام والجهد لثيمة الحوار، و عدّت نصوص باختين مواصلة باهرة لما أنجز منذ عصر أفلاطون وأرسطو، قال معرفا الحوار هو (ظاهرة عامة تقريبا ولا تنفصل عن النطق البشري وشتي تجارب الاتصال بين الناس وأشكاله، وعن كل ما يملك معني ودلالة وحيث يبدأ الوعي يبدأ الحوار) (7)

الحوار في رواية الشمعة و الدهاليز ازدواجي الحدث (8)، حيث زاوج المؤلف بين الحوار الداخلي، و الحوار الخارجي في متن روايته، و على طول مقاطعها فتارة نراه يستعمل الحوار الداخلي، و الذي بدأ به الرواية و لازمه كثيرا قبل أن تضيء شمعة الشخصيات الأخرى، فكان شاعرا يستلهم العبارات، كثير التأمل و التفكر، ثم يعرج على الحوار الخارجي بين شخصيات يستعملها السرد لبناء التركيب الروائي في تصوير و شكلنة الأحداث، و استعمل الطاهر وطار اتجاهين اثنين في الحوار، الحوار الداخلي و الحوار الخارجي، مستلهما في الحوار الداخلي ما تمليه صراعات الأسئلة المتلاحقة عبر تراكمات التاريخ، التي أفرزت للشاعر البطل أسئلة يبحث لها عن حلول في ظل واقع معيش آنذاك و تقلبات وجه السياسة الغشوم، و كان للحوار الخارجي بعد ذلك في رصد الحياة البسيطة للشاعر و حاواراته مع أصحاب التغير ذوي الاتجاه الجديد، و هو متجولا في المدينة، ليخلص بذلك إلى دهاليز أخرى برزت فيها شخصيات صنعت مبدأ الحوار كالخيزران العارم.. و هنا نحاول رصد بعض سمات حواراته الداخلية و الخارجية، و الطاهر وطار استعمل أشكالا من الحوار الخارجي والداخلي، وكانت طريقته الخاصّة في التعامل معها سواء ضمن العمل الواحد أو بين عمل وآخر.

 

01/ الحوار الداخلي:

الحوار الداخلي هو: خطاب أو مناجاة أو بوح الشخصيّة مع نفسها عبر التداعيات والاسترجاعات و الاستباقات الزمنية القريبة والبعيدة.

يتجه الحوار الداخلي في الرواية إلى صراع ضمني بين شخصية المؤلف التي جبل عليها، و ما اكتسبه من علم، و رؤية ذاتية للطبيعة، و تطلّع إلى الغد الموعود الزاهر المنبعث من روح الأدب، و المحيط الذي يعيش فيه الموسوم بعصر الديمقراطية، و العالم التكنولوجي، (استيقظ الشاعر مرعوبا على أصوات تمزق سكون الليل المجروح بالأنوار المنبثة من الشوارع، متفاوتة القوة و التقارب من شارع لآخر)(9)، و هنا كانت أولى محطات صراع الأسئلة الداخلي، و الحوار الضمني الذي يجريه مع نصفه الآخر، محاولا فهم ما يجري، فتساءل بصوت عال، على الرغم من أنه لا يوجه السؤال لأي شخص آخر (10)، ثم يداري تلك الأسئلة التي تتصارع في ذهنه، و ما إن يريد جوابا حتى يأخذه سؤالا إلى غيابات عالم مظلم داخلي يتصارع فيه الواقع مع الفعل.

و يستدرك نفسه أمام أسئلة كثيرة، وقفت أمامه، فانظر إليه كيف يسترجع أنفاسه و يحتار من الأصوات و الجلبة التي سمعها في الخارج متسائلا عن ماهيتها (إنه هدير بشري، قوي، يشبه ذلك الهدير، الذي ينبعث من التلفزة خلال كل عيد، حيث تعرض الصلاة، من البيت الحرام) (11)، و الحوار الداخلي الذي استعمله وطار في بداية روايته لم يكن مقصورا على الشاعر فقط بل تعداه إلى الشخصيات الثانوية، مستلهما تلك التأملات في قضايا الواقع، من خلال الإثراء النفسي، و توظيف الذاتية الحوارية في صناعة الحدث.

2/ الحوار الخارجي:

الحوار في صيغته الخارجية هو: عرض درامي الطابع يتضمّن شخصيتين أو أكثر  وتُقدّم من خلاله أقوال الشخصيّات في الرواية بالطريقة التي يُفترض نطقهم بها. ويمكن أن تكون هذه الأقوال مصحوبة بكلمات الراوي، كما يمكن أن ترد مباشرة دون أن تكون مصحوبة بهذه الكلمات (12).

لقد كان الحوار الخارجي في رواية الشمعة و الدهاليز، تبعا للحوار الداخلي الذي سبقه كثير الانفعالات، بأسلوب يترنح بين الهزل و الجد، و بين البساطة و الغموض، و بين الفصحى و العامية، و بين القوة و الضعف، و نقصد بالقوة الحوار التوكيدي مستخدما أدوات التوكيد، و لعل هذا مرده إلى تنامي الشخصيات فقط بعد صراعات الأسئلة التي أثقلت كاهل شخصية البطل الشاعر، و من ثمة كانت ورود شخصيات ثانوية تباعا حسب مقتضيات المقاطع على طول الرواية.

لقد استخدم الحوار الخارجي وطار في روايته كثيرا متأثرا بالسرد الروائي، من منطلق بناء الرواية على ركوب حواريات الشخصيات، للوصول إلى واقع مراد توصيل معناه. مبتدءا بالتفكير و التأمل الذي تمليه طبيعة الشاعر، فكر وراح يتأملهم، بينما كانوا يتفحصونه بدقة، مطمئنين، إلى أنه لا يوحي بالخطر، رغم أن لحيته القصيرة المدببةـ تستفز، أكثر مما توحي بالاطمئنان (13)

-  لماذا لم ترد عن السلام عليكم

-  ابتسم ابتسامة جد صغيرة، و سألهم:

-  و انتم من تكونون؟

-  إخوة في الله

-  كلنا إخوة، إنما هذه العقارب بين أيديكم لا يحملها عادة إلا الزبانية

-  اطمئن، لم يعد منذ اليوم هنالك زبانية

-  ماذا يجري؟

-  لقد قامت

-  من؟

-  الدولة الإسلامية

-  الجمهورية الإسلامية

-  الخلافة الإسلامية

-  الحكم الإسلامي

 

الملاحظ على هذا الحوار بين الشاعر، و الجماعات التي اعترضت طريقه يستعرض سمات خاصة للطاهر وطار، فهو يستلهم حوارياته من منبت الأسئلة، و بأسلوب آخر تنطبق عليه واقعية الحوار، الذي تمليه واقعية الحدث، بين أشخاص مستلهمين من واقعية التاريخ، و لعل هذا ما جعل دهاليز وطار تضيء بشمعة الحياة، يترنح تارة و يتهكم تارة  و يطول الحوار تارة و تارة يقصر.

-  من تكون

-  أنا شاعر

-  فقط

-  و منكم

-  جبهتك خالية من آثار السجود

-  ربما لأني وزني خفيف جدا

-  وزنك أم إيمانك

-  إذا سمحتم أفضل النزول هنا(14)

اللغة في الرواية: شاعرية اللغة

لا ريب أن الرواية أضحت ظاهرة لغوية في المقام الأول، و هي المادة الأساسية المكونة لثقافتنا، ولمّا كانت الرواية العربية تنافس مخاضها في ظل التطورات الهائلة الحاصلة على الجوانب المتعددة، و المشكلة لعناصر و فنون الكتابة، كان من أهم ما نتج عنه بزوغ مستجدات على تلك الحقبة التي آل إليها الخطاب الروائي العربي، بوجه عام، و الخطاب الروائي الجزائري بوجه خاص، و لا سيما أهم عنصر مشكل للبناء الروائي، و هو اللغة التي بها توجه الرواية للقارئ لكونه المتلقي الأول و الأخير للخطاب الروائي، مع بعض السمات الأخرى كالقصدية، و الجمالية الفنية، و الشعرية ... (15)

تعد اللغة من أهم مكونات الخطاب الروائي إلى جانب الرؤية السردية والبنية الزمنية والفضاء والشخصيات والوصف والأحداث و الحوار (16)، لكن تبقى اللغة هي المميز الحقيقي للرواية عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى، كما أنها المادة الشكلية التعبيرية التي تنبني عليها الرسالة الإبداعية التي يرسلها الكاتب إلى القارئ عبر جمل متنوعة: سردية ووصفية ومشهدية وبلاغية وحرفية. لذلك يتم التركيز عليها كثيرا مادامت شفرة وسيطة بين المبدع والمتلقي لأنها تحمل نوايا المؤلف وأطروحاته المباشرة وغير المباشرة من خلال استعمال تعابير مسكوكة أو مستنسخات تناصية أو تعابير تقريرية أو أساليب إيحائية انزياحية و رمزية، فأي روائي لا يملك ناصية اللغة وقواميسها الحرفية والمجازية ولا يحسن توظيفها توظيفا أدبيا ساميا ويستثمرها في سياقات تواصلية وتداولية ذات مقاصد تداولية فنية وتعبيرية في قمة البلاغة والجمال والروعة الفنية فإنه لن يستطيع أن يكون كاتبا روائيا ناجحا ومتميزا، ومن ثم يمكن القول: إن الرواية هي تشخيص اللغة وتصوير الذات والواقع اعتمادا على التشكيل اللغوي. (17)

إن اللغة في رواية الشمعة و الدهاليز شاعرية تتجاذبها سلطات متعددة، سلطة الكاتب الذي يحاول أن يركب موجات اللغة، و التلاعب بألفاظها كي يصل إلى مفهوم المعنى النصي، بأسلوب خاص و طبيعة متميزة، ليصل إلى اللغة الشعرية التي تتحد مع الأسلوبية مشكلة غنائية الخطاب، ثم سلطة النص ذاته التي توحي بقوته، و قدرته على ركوب معناه للوصول إلى المتلقي عن طريق الكشف عن مضامينه، ثم سلطة القارئ أو المتلقي للخطاب الروائي التي تتركز أساسا في آليات القراءة، و سبل تنجيعها و مدى ملائمتها مع الطرح الروائي، و من خلال السلطات الروائية الثلاثة تنكشف العلامات المشكلة للخطاب  و تتجلى في الإثراء اللغوي للإبداع الروائي، وعلى الرغم من اختيرا الروائي اللغة الفصحى إلا أن الرواية اقتربت في مواقع عديدة من اللهجة العامية بحكم ارتباطها باللهجات و مختلف الفئات الاجتماعية: أزاح السلك (18)، في التلفزيون (19)، البارحة الحملاوي نفذ الإعدام في آغا بالمقهى الكبير (20).

التشكيل اللساني في الرواية:

إن التشكيل اللساني في الخطاب الروائي يحوي في حناياه المؤثرات النفسية التي دفعت وطار إلى اختيار حزمة أساليب لغوية دون غيرها، الاختيار اللغوي محكوم بمؤثر نفسي ينبع من الوعي و اللاوعي و يستطيع المتلقي أن يكشف عن الاشراقات الدلالية للنص و تتفاوت الأساليب التي يتشكل منها النص في القدرة على رصد الاشراقات الدلالية للخطاب الروائي، فالأمر منوط بقدرة المتلقي أن يقف على المثيرات الأسلوبية، ويقصد بالمستوى اللغوي النموذج الذي يحقق الناطقين به صلاتهم الاجتماعية و الفكرية و يحمل الخصائص اللغوية التي تعارف عليها أهله أصواتا و تراثيا و إعرابا (21). للكشف عن أنماط التشكيل اللساني و أثره في بناء النص و ذلك في ضوء دراسة تطبيقية على نص روائي ....التشكيل مفهوم واسع لا يقتصر على النظرة للجوانب التركيبية في النص بل يتجاوز للوقوف على الجوانب الصوتية و الدلالية و النحوية و الصرفية يقول سعيد بحيري: (إن الإفهام أو التواصل لا يتحقق إلا بوقوع المخاطب على قصد المتكلم من خلال التشكيل اللغوي الذي يضم العناصر المنطوقة، و القرائن التي تضم عناصر منطوقة وأخرى غير منطوقة) (22).

فالتشكيل اللساني للرواية هو نمط الصور اللغوية والتشكلات الدلالية، و العلاقات البلاغية، و الضمائم الصوتية، وسجلات التعبير وسماتها الأسلوبية التي تمكن الدارس من تسمية مختلف الإيقاعات السردية المتعلقة بدراسة الخطاب الروائي من منظور تطوري تعلنه أنماط متنوعة من الوعي والصوغ الحكائي المنظم لانتظام النص الحكائي.

أنماط التشكيل اللساني لحوارية الشمعة و الدهاليز :

    إذا تأملنا الخطاب الروائي في رواية الشمعة و الدهاليز في تطوراتها الأسلوبية واللغوية فإننا نجد لها نمطين اثنين من التصوير اللغوي على الشكل التالي:

أ - لغة تصوير مباشرة، بسيطة تغلب عليها البنية السطحية للخطاب، التي تحدد معناها الجوهري الوحيد، و هذا ما يمثله الحوار الأول و الحوار الداخلي لاعتبارات واقعية، لأن الشاعر لما تصارعت بداخله أسئلة كانت مستوحاة من مرئياته الواقعية، و ليست نابعة من ذاتيته الأدبية و نفسيته الشاعرية، لأن الإنسان ليس في موقع شاعرية لفظية في حواراته الداخلية.

ب-لغة تصوير شعرية مجازية، تحددها البنية العميقة للخطاب، و لا تعدو البنية السطحية إلا تمثيلا لمعنى من معانيها الجوهرية.

تعتمد هذه اللغة على التصوير الاستعاري، و الكنائي والترميز، وتفجير اللغة والشاعرية والمفارقة فضلا عن المزاوجة بين المحكي السردي، والمحكي الشاعري، ويعني هذا أن اللغة في هذا الخطاب خليط من الغنائية والسردية الدرامية، وتكثيف للصور الشعرية والنثرية واستخدام كبير للرموز والألفاظ الموحية المعبرة، وتأنيث القاموس وتليينه  باللغة الشعرية النابضة، والتلوين البياني والبديعي، واستخدام الكلمات المتعددة الدلالات واستثمار اللغة الشاعرية الانزياحية، والإيحائية قصد خلق الوظيفة الشعرية والجمالية الخارقة، فكان الحوار يتنوع ما بين السؤال ضمن الاستفهام في حواريات رواية الشمعة و الدهاليز فاستخدم وطار أسماء و حروف الاستفهام، فوظفها بشكل تلقائي حسب مقتضى حال الخطاب الواقعي، يقول: و هل في إمكانه أن يخلط أو أن يقسم؟ (23) هل يجوز لمثقف ثوري مثلي، كرس حياته لخدمة الجماهير، و الدفاع عن قضاياها أن يقف ضدهم؟ (24) أم الهمزة فمثلا: أهي السبب؟ (25) 

و يمكن لنا أن نمثل للتشكيل اللساني في حوارية رواية الشمعة و الدهاليز بالمخطط التالي:


 

نماذج التشكيل اللساني في الحوار الروائي للشمعة و الدهاليز:

الحوار الداخلي: لم يستعمل وطار نماذج الاستفهام ضمن حواره الداخلي إلا على صورتين:

الصورة الأولى

حرف   فعل = استفهام

 

المثال: - هل في هذا العصر المتميز بالفردانية و النفعية يمكن العثور على حشد مضبوط على موجة واحدة؟ (26)

- هل يجوز لمثقف ثوري مثلي،كرس حياته لخدمة الجماهير... أن يقف ضدهم؟ (27)

الصورة الثانية:

 

اسم استفهام  مضاف إليه = استفهام

 

 

المثال: أية نار حامية، غلت فوقها، عواطف هؤلاء الشباب؟ (28)

 

اسم فعل = استفهام   ماذا يفعلون؟ (29)

 

اسم استفهام  اسم موصول = استفهام ما الذي أوصلني أنا شخصيا إلى هذه المواصل؟

 

 

و الملاحظ على الحوار الداخلي الذي بدأه وطار كأسئلة تتصارع في ذهن الشاعر لم يستعمل سوى الحرف هل، و بعض أسماء الاستفهام نحو: ما، ماذا، أي. و ربما عزف الروائي عن استخدام همزة الاستفهام لاعتبار أن الهمزة حرف مهمل، يكون للاستفهام وللنداء، فأما همزة الاستفهام فهي حرف مشترك، يدخل على الأسماء والأفعال، لطلب ( تصديق)، نحو: أزيد قائم؟ و المعنى هنا في الحوار الداخلي لا يقتضي مسائلة تصديق لأن التصديق يطلب شخصا متلقيا للطلب، أو تصورا، نحو: أزيد عندك أم عمرو؟، بينما نجدها في الحوار الخارجي مثل: أهي السبب؟ (30)

- ينعدم التشكيل اللساني الشرطي بصيغتيه و سياقه ضمن الحوار الداخلي، إلا في ملامحه التي تخرج لأغراض كلامية أخرى، مثل: حيث ملايين، إن لم تكن ملايير القضايا (31) على تقدير الجواب سابقا أو تقديره محذوفا يفسره السابق.

- أما التشكيل اللساني الانفعالي فنراه يتأرجح في تهكماته حول الواقع الذي يفرض انفعالاته بقوة، في ظل تمنيه، و تعجبه، و نفيه، إلا أننا نلمس اتجاها جديدا لدى وطار في توظيفه للحوار الداخلي بإقحام الراوي كمتحدث سردي يضمن سيرورة الحوار، هذا ما قلص التشكيل الداخلي.

- أما التشكيل اللساني الإخباري فلا نلمس له شكلا، لأن الموضع لا يسمح بتوظيف الخبر كنمط للحوار الضمني النفسي.

 

حرف  فعل = استفهام

الحوار الخارجي:تضمن الحوار الخارجي أنماط التشكيل اللساني الاستفهامي بشقيه الحرفي و الاسمي بصورة جد معتبرة.

هل كانت هي السبب؟  هل ترانا نحطمه أيها الشاعر غريب الأمر؟ (32)

 

حرف اسم = استفهام  أهي السبب؟ (33)

حرف   فعل = استفهام تعجبي، مثل: أتتحدث جاد؟  (34) - خرج للتعجب –

حرف   فعل منفي = استفهام = تقرير ألا يكفي إننا إخوة؟ (35)   

اسم    فعل = استفهام   ماذا تفعل في الحياة غير الشعر؟ (36)  

 

 

- و ما نلحظه على الاستفهام في الحوار الخارجي: يتسم بالحذف الموضعي و خاصة مع اسم الاستفهام (من)، و يغلب السؤال بفعل الأمر كثيرا أو ما يقتضيه سياق الاستفهام.

- التشكيل اللساني الشرطي، لو كان يصلي معنا في الجامع لقلنا إنه أحد أولياء الله (37)

- التشكيل اللساني الانفعالي نلمس فيه قلة نسق التمني و التعجب و كثرة النفي و النهي على مستوى الحوار الخارجي للشمعة و الدهاليز.

-            التشكيل اللساني الإخباري كثير في جوابات الحوار الخارجي، مثل:

 أقول لكم و لغيركم، إن هذا الحلم ينبغي أن لا يتحطم، على الأقل، بهذا الشكل (38)

و يختم الطاهر وطار روايته الشمعة و الدهاليز بنسق الوصف للحدث المركزي، مستعملا تشكيل الوصف الخارجي، سقوط الشاعر ميتا، مضرجا بالدماء في حالة تبعث على التساؤل، و التأمل، ثم يصف فتاة أخذت إذنا لتجلس عند رأسه.(39)

خاتمة:

بناءً على ما سبق، نقر بأن الرواية أضحت ظاهرة لسانية لغوية، تنافس عدة أجناس في لغويتها، و استباقاتها نحو التصوير اللغوي الخلاق، وستبقى اللغة أهم مكون جمالي وإبداعي في عملية الخلق الروائي بعد أن استغنى الروائي المعاصر عن عدة مكونات سردية مثل الشخصية والحدث والفضاء، ولكنه لا يمكن له أن يستغني عن اللغة في التصوير والتشكيل وسرد الأحداث. وبالتالي، على الروائي أن يكون قادرا على توليدها واستثمارها واستعمالها في أحسن الصيغ الاستعارية والمجازية: تقريرا أو تفجيرا أو إيحاء أو تعيينا، ولابد أن تكون اللغة تناصية خاضعة للتعدد الحواري والأسلبة (40) والتهجين الأسلوبي، ولكن في إطار مراعاة اللغة العربية الفصحى بقواعدها المعيارية وأبعادها البلاغية والجمالية. ولقد صدق عبد الملك مرتاض حينما قال:" اللغة هي أساس الجمال في العمل الإبداعي من حيث هو؛ ومن ذلك، الرواية التي ينهض تشكيلها على اللغة بعد أن فقدت الشخصية(PERSONNAGE) كثيرا من الامتيازات الفنية، التي كانت تتمتع بها طوال القرن التاسع عشر، وطوال النصف الأول من القرن العشرين أيضا... إنه لم يبق للرواية شيء آخر غير جمال لغتها، وأناقة نسجها".

وأخيرا، ننبه إلى أهمية الإلمام و الاهتمام باللغة الروائية، التي يجب أن نحاول دراستها اعتمادا على مفاهيم اللسانيات النصية المعاصرة، والأسلوبية الحديثة، و بمفاهيم تحليل الخطاب بآليات التراث البلاغي، بتحليل المقاطع اللغوية في إطار الوحدة الكلية للرواية مراعين تنوع أسلوبها وخطابها النوعي والإجناسي، وألا نسقط مفاهيم الشعر على الرواية إلا إذا أفرغناها من محتوياتها الضيقة، وشحّناها بطاقات أكثر اتساعا وإحاطة لفهم الرواية وتذوق جمالياتها.

 

تحميل المقال

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07