FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides

    Séminaire International sur les Polysaccharides Polysaccharides de Plantes de Milieux Arides.POLYSAC 2017, Les 22-23 Novembre 2017. 

  • Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement

    Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement "WID TOE 2017", 3 et 4 avril 2017, Ouargla - Algérie

Appel à communication

الصورة السردية في رواية الولي الطاهر

يرفع يديه بالدعاء

 

نجاة عقالي

جامعة باتنة(الجزائر)

 

1- تمهيد:

يتميز النص السردي باعتباره جنس نثري يرتكز على قاعدة السرد، بمظهرين: فهو قصة وخطاب، لذلك فالروائي هو دائما بصدد البحث عن أسلوب روائي خاص يعتمد عليه في عرضه لتفاصيل خطابه، ويتجلى في "سعي الروائي إلى مجاوزة الصيغ التمثيلية المأثورة للوقائع والمواقف والأفكار، وإلى تشكيل نظام صوري تتجانس داخله الدوال الروائية في تشخيص المعنى، وفي الإحالة على نسق منسجم من الإدراك الذهني والارتباط بمستوى خاص من الاستبطان التخييلي. لذلك كانت النصوص المفردة معنية بكشف موقعها من مركبة البلاغة المخصوصة لسياق النوع الروائي، في الآن ذاته الذي تستمر في ابتداع فعاليات وظيفية جديدة للقيم البيانية للنثر، وتوسيع آفاق الأداء الجمالي لصيغ المشابهة والمجاورة"().

والمفترض أنه لم يعد عسيرا على قارئ الرواية، وناقدها الاستنتاج أن هذه الصيغ الخطابية التمثيلية تتجدد بتجدد فعل الكتابة يقول الطاهر وطار: "أنا من الروائيين الذين يؤمنون ويطبقون العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون. فكل مضمون يؤدي بصفة آلية وإبداعية الشكل الذي ينصب فيه، ومن الذين يرفضون الكتابة في قالب واحد، وأترك الحرية للموضوع لتحرير شكله، وللشكل ليستوعب موضوعه"().

أي أننا بصدد "التمييز بين بلاغات روائية متعددة مناط الاختلاف بينها مرتبط بطبيعة المبنى المجازي، وبأفق الرؤية إلى مقامات التناظر والمماثلة الفكرية"()، يصنف القارئ عناصرها انطلاقا من كشف تلك الإمكانات التصويرية، الخاصة بموهبة الكاتب الروائي المستمدة من توظيف التقنيات السردية، في تشغيل طاقة اللغة ضمن الفضاء النصي المحدود للرواية.

2- مهيمنة الحكي التناوبي:

لقد قسم "الطاهر وطار" البنية الكبرى لروايته الولي الطاهر "يرفع يديه بالدعاء"، إلى تسعة وحدات سردية كبرى، وضع لها عناوين دالة وهي: 1/ التحديق في الزمن. 2/ التأرجح المتقاذف.3/ العكس أصح. 4/ رسالة من تحت السواد الدامس. 5/ ما نخاف. 6/ الإرهاب ينتصر. 7/ خذني معك. 8/ انقلاب السحر. 9/ ويل العراق مويلية.

والمتأمل في مجموع هذه الوحدات يلاحظ أنها تقوم بإضاءة مجموعة من الأحداث، جرت في الوقت نفسه. ولكن طبيعة النص تملي تسجيلها اعتمادا على الحكي التناوبي(*). المتدرج عن فعل مركزي هو "دعاء الولي الطاهر" الناجم عن التحديق في حالة السواد، التي عمت العالم العربي الإسلامي "يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف" وهو الدعاء الذي سرعان ما يتحول بإيعاز من "بلارة" إلى الدعاء المضاد "يا خافي الألطاف سلط علينا ما نخاف".

وبالرغم من سرعة الإنجاز الذي اتسمت به عملية كتابة نص الرواية كما صرح "الطاهر وطار" في المقدمة يقول: "لكن ضغط الظروف العالمية والوضعية في العراق والعالم العربي والإسلامي، فرض علي رواية لم أعايشها سنوات عديدة كما هو الشأن لباقي أعمالي"()، فالرواية تكشف عن شهادات صادمة عن أحداث تعاني منها الشعوب العربية في زمننا المعاصر، يغلب على هذه الشهادات نبرة الخطاب التلفزيوني. علامة على أفول مشروع روائي استثنائي مولع بالتجريب، اختصر ببلاغة صوره السردية، وعنف استبطانه وشساعة نظرته الساخرة معاناة أغلبية الشعوب العربية الإسلامية الصامتة.

3- الظلام والضوء الصوري والموضوعاتي: 

"الظلام والضوء" هما القطبان الحدثيان المهيمنان على سجايا السرد عند "الطاهر وطار" يقول: "أما عن فكرة الرواية، فقد وضعت الولي الطاهر أمام شاشة عرضها السموات والأرض، وأطفأت النور بحكم انتشار السواد في العالم العربي وتبخر البترول. وتركت الصوت يصف ما يجري في العالم، توقعت أن البترول نفذ والدولار انخفضت قيمته، وردود الأفعال العربية والدولية"().

فالروائي في الحدث الأول يستعير من الطبيعة لحظة زمنية "الظلام" الذي ساد المنطقة العربية إثر "خسوف كلي فجائي لم يتنبأ به العرّافون ولا المنجمون ولا العلماء"()، ليرسم صورة السواد القاتم الذي يعم الواقع المعاش، في كل الوطن العربي "استعارة رائعة ودقيقة لواقع لا يزداد إلا قتامة وعتامة، في ظل التحولات التي عرفها العالم العربي الإسلامي منذ أحداث 11 سبتمبر"()، وما نجم عنها من وباء "زمن صار فيه العرب والمسلمون جند للمسيحيون، يحملون أسلحتهم ويلبسون ألبستهم، ويروجون لعقائدهم. زمن صار فيه الهروب إلى الفيافي، والبدء من البداية واجبا"()، خاصة بعد أن تخلى الأوصياء على الأمة عن القيام بدورهم التاريخي "يقول إمام جامع الدار البيضاء المنكب بجلاله، يلعق مياه بحر الظلمات في خطبة يعيدها كل جمعة، من ميزات المسلم طاعة الله والرسول وأولي الأمر فيرن صداه في جامع الزيتونة، والأزهر وبيت المقدس، والأمويين ومكة والمدينة، ويأتي الرجع اللهم احفظ أمير المؤمنين"().

هذه الصورة المركزية "الظلام"، التي تتشظى إلى تنويعات تلتحم بالمكونات التخليلية، والأبعاد المرجعية للأمكنة، والشخصيات، والمواقف، بما يخرجها من حسية الإمكان وعقلانيته إلى سخرية المحتمل ومفارقاته()، حيث أن القاص يجد في الظلام دوما، أداة طيعة لتمثيل الواقع العربي، لكنه يلجأ في كل مرة إلى خلق سياقات متغايرة لرسم صورة "العتمة" تكون مواكبة للموقع الذي يتخذه هذا الحدث، في المنظور الجمالي إلى الواقعية التي تعكس صور مختلف الفضاءات العربية الغارقة في السواد من المحيط إلى الخليج.

كل ذلك يفسر انفتاح "الطاهر وطار" على الواقع بشكل كبير بتحويل الصور الكونية الشائعة إلى تخييل يتجلى في صور السواد، التي تتشخّص في النص عبر الموضوعات التالية:

 

‌أ-   الاستعمار: 

يتجلى من خلال تلك القواعد العسكرية، المنتشرة عبر الوطن العربي وإلى ذلك يشير قول السارد "نواق الشوط"، الرباط، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، عمان، القدس، دمشق، بغداد، الخليج الجزيرة ... الجيوش الفرنسية، الجيوش البريطانية، البرتغالية، الإسبانية، المنطقة تنغمر بالجيوش، الساحة تمتلئ بالمسيحيين، تاريخ العرب تعاد صياغته"(). ويرى الراوي أن هذا الغزو يشكل العائق للولي الطاهر فهو "يحاول أن ينام في أحد الفنادق بإحدى مدن الخليج. فيمنعه أزيز الطائرات الأمريكية، التي تحوم تحت حاجز الصوت"()، وهو ما يفسر أيضا تلك الصورة العراقية المفعمة بالذل والعار "مناظر الصبايا العراقيات، يغازلن العلوج الأمريكان"()، الذين أصبح دورهم في العراق يقتصر على سرقة "لما قد يكون هناك من أشياء ثمينة، مثل الحلي والتحف، من الشعب العراقي أثناء المداهمات"()

‌ب-الإرهاب:

تتردد هذه الموضوعة، في مختلف الفضاءات العربية، وهي أنواع ومن أبرزها:

  1. الإرهاب المسلح: وتقوده تلك المنظمات الإرهابية المسلحة التي تميز الفضاء الجزائري بصفة خاصة يقول: "إلى جانب الآذان هناك أصوات متقطعة من الرصاص، تسمع هنا وهناك مع أصوات انفجارات ضخمة يعقبها تكبير جماعي، كما هو معلوم فإن الحركة البربرية هنا: تحاول باستمرار التأكيد على وجودها"()، الذي يعتبر بمثابة النسغ المغذي لذلك الصراع العرقي في السودان بين البيض والسود().
  2. الإرهاب غير المسلح: ويتجلى في تلك المنظمات الإسلامية العمياء، وصفة العمي كناية على أن شرط الرئاسة فيها يعود دوما إلى شخصية الإمام الكفيف (الأعمى)، وهي منتشرة في كل الوطن العربي.

‌ج- الوهم:

يمثله ذلك الحلم الأوروبي الساعي لتحويل بعض المناطق العربية في المشرق، والمغرب إلى أوطان غربية ويخبرنا "الطاهر وطار" عن ذلك قائلا: "يطل على شوارع دبي، يتأمل الروسيات والبلقانيات، الشقر الممتلئات المتراميات في الشوارع كالجواميس الضالة، وحولهن من بعيد أو من قريب علوج، حليقوا الرؤوس يملأ الوشم الملون زنودهم وأكتافهم، وصدورهم ... يصنعون أوروبا وهمية في أقصى الشرق"()، حيث "العمارات الزجاجية الشاهقة، والطرق العريضة المستقيمة، والسيارات الآسيوية البراقة وحلول الوسكي محل لبن الحلال والنوق"().

وفي المغرب العربي، تتحول تونس إلى مزار يهودي مقدس "فقد أرست بواخر تحمل سوّاحا ألمانا يقال إنهم كلهم من يهودي فرانكفورت، سيتوجهون إلى شبه جزيرة جربة بعد أسبوع. هذا إلى جانب حلول طائرات بسائحات روسيات قيل أنهن سيقضين شهرين في الخضراء ولربّما أكثر"().

‌د-  الضعف:

رغم مكانة القوة التي تحتلها الدول العربية، في ظل ارتفاع أسعار البترول، إلا أن معظم الدول العربية يسيطر عليها الضعف حكومة وشعبا. وما يتغياه السارد من صور هذه الموضوعة هو تبيان تبعية الحكومات العربية للهيمنة الغربية، وعلى رأسها الولايات والمتحدة ومن أمثلة ذلك قوله: "ذكرتني بجدار العار الذي يبنيه شارون، والذي لا يفصل فقط بين مدينة واحدة، وإنما بين وطن برمته، بمختلف مدنه وقراه، بين شجرتي الضيعة الواحدة وبدل أن يموت دونه أعضاء السلطة، راحوا يجلبون له الإسمنت من مصر"().

أما الشعوب العربية فإن ضعفها ناجم عن الفقر المدقع، الذي تعيشه كنتيجة لسياسة حكم الحزب الواحد المستبد الذي يحتكر ثروات البلاد، لصالح أغراضه الخاصة. ولذلك فإن الفرد العربي يعاني من حالة خوف حادة، تجعله يعيش في حالة اللاوعي، ومن أمثلة ذلك "ومعي من صنعاء مراسلنا ما عندكم؟ .. والله ليس هناك حالة استثنائية، فكل واحد انبطح قرب كومة أو شجرة القات، وأغمض عينيه وراح يعلف"().

وإذا انتقلنا إلى الحدث الثاني "العودة المفاجئة للضوء"، وبدون مقدمات "النور يتجلى يا عبد الرحيم، والفرحة تعم الناس والوجوه مستبشرة ... والشمس استعادت كل وهجها، ولمعانها وحرارتها أيضا"()، تلك العودة التي صحبتها مجموعة من التصورات يفسرها الكاتب قائلا: "تصورت أن البترول تحول إلى ماء زلال، وبياض اللباس العربي تحول إلى اللون الأزرق، وهو رمز العمل. وتصورت أن إسرائيل انتهت تلقائيا لأن وجودها لم يعد مهما، وأمريكا انسحبت من الوطن العربي لأن ذريعة الحرب التي أساسها البترول انتهت"()، تحولات جاءت مشخصة في النص بموضوعة "السلام" المشتقة من اللحظة الزمنية "عودة ضوء الشمس".

ولكن بالرغم من ذلك فإن القارئ يلاحظ، أن الإنارة لم تخترق كل أقطاب الصورة الظلامية، التي يعرفا العالم العربي ما يؤدي إلى انشطارها إلى قطبين موضوعيين، تفرضهما أحادية الهيمنة على الحكم من طرف الحزب الواحد، في مختلف عوالم المنطقة العربية الإسلامية وهما:

  1. الإرهاب: ومن أمثلته:

-      عودة الخلافة إلى مصر باستيلاء منظمة العمي على الحكم().

-      الجزائر القضاء على محاولة انقلاب فاشلة من طرف العمي().

-      دول مجلس التعاون الخليجي اعتقال الحريات الصحافية(

 

  1. الضعف: مازالت الحكومات العربية عاجزة عن التعايش مع مختلف أقطاب المعارضة السياسية، ومن أبرز أمثلته تكفل بعض وزراء فلسطين باستيراد الإسمنت وتوسيع بناء جدار شارون ليشمل كل فلسطين باستثناء القصر الرئاسي()، وفي ظل هذا العجز تغرق الشعوب العربية في الحزن لفقدانها لحالة اللاوعي "ها هي اليمن كلها عن بكرة أبيها تخرج لتعلن حزنها، لهذا المصاب الجلل .. أشجار القات مصدر رزق الملايين من الناس ومصدر سعادتهم الوحيد، كلها، كلها جفت أوراقها"().  

ولذا فمن الطبيعي أن تتم موقعة "الولي الطاهر" في صلب مشاهد الصورة المركزية "الظلام"، باعتباره طرفا نقيضا بكل المقاييس للشخصية العربية الحاكمة الراضخة إلى كنف الغرب والاستبداد الذاتي.

وبما أن نص الرواية هو فكرة مستوحاة من الواقع، فإن الروائي يعجز عن النقد المباشر لصور السواد. لذلك فهو يلجأ إلى استخدام النقد غير المباشر (السخرية) كأقصى درجة للانزياح بالحدث إلى عالم الخيال الروائي المبدع، الذي يجيز للسارد التعبير بالكلمات المقنعة.

4- الظلام الصورة السردية وبلاغة السخرية: 

تكشف لنا الصورة السردية "الظلام" في رواية "الولي الطاهر"، على أن "الطاهر وطار" يمتلك سننا بلاغيا خاصا. أثمر شكلا بلاغيا يمكن أن نطلق عليه بلاغة السخرية، وهو أصلح ما يكون لتصوير الواقع العربي المضحك إلى حد البكاء، والمبكي إلى حد الإضحاك، فالسخرية أو التهكم هي نمط من أنماط الفكاهة التي تعنى ب "خاصية واقعية مضحكة أو مسلية، إنها تتعلق بالملكة العقلية الخاصة بالاكتشاف والتعبير والتذوق للأمور المضحكة، أو العناصر المتناقضة اللامعقولة في الأفكار والمواقف والأحداث والأفعال"()، يستخلص من التعريف أن السخرية أسلوب غير مباشر مبطن بنوايا نقدية تقويمية، تكشف عن موقف رافض لبعض الأفكار، الأحداث، الأفعال، المخالفة لمنطق العقل.

والعائد إلى تراثنا الأدبي المغربي القديم، يجد كتاب "جمع الجواهر" للحصري القيرواني، مليء بالصور الفكاهية المضحكة، التي تكشف عن أنماط من التفكير، والسلوكات الشاذة التي لا تزال تنتقل عبر الأجيال في المجتمع العربي، كما لو أن الأمر يتعلق بصفات تتوارثها الأجيال.

ويصور "الطاهر وطار" في نصه واقع الهزيمة والاندحار للراهن العربي المعاصر وأي واقع أنسب من هذا ليبرز الخطاب الساخر؟ فلا سخرية ما لم تكن هناك مواطن الضعف والنقص؟، ولقد تسلطت سخرية السارد على الحاكم (الحكومات العربية)، وعلى المحكوم (الشعوب العربية)، وعلى نفسه (الولي الطاهر)، فهو يكشف عن مواقفه ورؤاه في قالب ساخر. تعددت أساليبه، وتنوعت سياقاته النصية الداخلية، التي تكشف عن أهم الآليات الفنية المولدة للسخرية(**)، ومن أهمها:

  1. السخرية بتوظيف الدين:

وهي توظيف آيات وأحاديث وأقوال وحكم ومفاهيم ذات بعد ديني قدسي وإجراءها في سياقات بسيطة مخالفة لمعانيها ومن ذلك في النص أن السارد قد يسخر فيتظاهر بالمدح، وهو في الحقيقة يذم ويتظاهر بالجدية، فيضمن خطابه كلاما من المأثور الديني، ولكنه في الواقع يسخر يقول: "والعمي أيها السادة والسيدات، عوضهم المولى عز وجل عن أبصارهم بالبصيرة الحادة، وصدق الله العظيم إذ يقول: (لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب) ... وهم شديدو الذكاء بالغو الحيلة والمكر وقد تناولهم العلامة العربي الجاحظ برسالة خاصة، ويكفي أن نذكر من جهابذتهم "عبد الله البردوني" و"طه حسين"، و"كشك"، و"صاحب المخصص ابن سيده الأندلسي"، و"الشيخ إمام المغني الملتزم"، الذي زعزع حكم السادات، و"الشيخ السعودي بن باز"، وأخيرا ليس آخرا "الشيخ عمر عبد الرحمن" رهين المحبس الأمريكي وغيرهم كثيرون().

ذلك هو موقفه من شخصيات منظمات العمي (الحركات الإسلامية)، وهو لا يختلف عن موقفه من بعض الأفعال الصادرة عن بعض الحكام العرب (فلسطين، العراق، اليمن، ...) هذه الشخصيات التي استأثرت بالنصيب الأكبر من هذا الأسلوب الساخر.

 

  1. 2.   السخرية بالمبالغة:  

وهي مبنية على التضخيم، أي التظاهر بالتهوين أو التهويل من شأن الحدث الحاصل، وذلك بتحويل صغائر الأمور إلى أمور عظيمة والعكس، وهو يخلق مسافة بين ضعف العبارة وخطورة الحدث، وقد استخدم هذا التهويل عند استعراض الآراء التي فسرت أسبب الحدث الأول ومن أمثلته:

-   رأي أمريكا، الذي يرى أن الظاهرة إرهابية وراءها بلادن وصدام حسين، والوسيلة هي استخدام البلوط المستورد من شمال إفريقيا وأوضحت التحليلات التي أجراها خبراء الولايات المتحدة وإسرائيل أن البلوط إذا ما استهلك بكميات، ووصفات معينة ينتج عنه نوع من الغاز الملون يدمر الحياة().

أما المبالغة بالتهوين فتظهر في ذلك التفسير الذي قدمته الأقمار الاصطناعية الفضائية "أن المتسببة بالسواد كرة مستديرة، في شكل بطن منتفخة، ومرة تتحدث عن شيء مستطيل أشبه ما يكون بقربة معز مشعرة".

  1. 3.   السخرية بالمشهد الوصفي:

وتنبني هذه السخرية على وصف المواقف، ومن ذلك تصوير الروائي لمشهد اعتقال صدام حسين من طرف امرأتين عراقيتين، وهو يستغرق في نوم عميق ربطت يداه بحبل من صوف()، ووصف السارد لصورة جورج بوش الكاريكاتورية كما تظهرها لافتات المظاهرات المناهضة لسياسته في باريس، فهو يظهر مرة في صورة فأر يقرض ورقة من فئة الألف دولار، وأخرى عاريا منقادا إلى سجن أبو غريب()، وتصوير ما كان يحدث داخل الاجتماعات الحكومية (إسرائيل، فلسطين)().

كما قد تنبني هذه النوعية أيضا، على محاكاة الفعل الإنساني باللغة الواصفة وهنا لا نضخك لغرابة السلوك قولا، وإنما نضحك لغرابة السلوك الجسدي ومن أمثلته أوصاف كوندنيزا رايس، الرئيس العراقي، الرئيس الفلسطيني (نوع اللباس، حركة الفم والأطراف)().

5- السخرية باستخدام اسم العلم:

وقد تتولد السخرية باستخدام الملفوظ الساخر كصفة لـ "اسم العلم" ومن ذلك اسم "حنزليقة" الدكتور العربي المختص بالشؤون الإسرائيلية، و"ضر ططوخ" كبير السحرة الإسرائيلي وكذلك الإيراني "بوجمبورة".

ونشأت هذه السخرية في الرواية أيضا بمطابقة اسم "عبد الرحيم فقراء"، على كل مراسلي القنوات العربية، كصورة للمثقف العربي الفقير المتشائم، الذي لا يملك إلا أن ينفعل مع الأحداث عوض صنعها، وهي مطابقة مفضوحة في خطاب الرواية "مع الاعتذار لصاحب الاسم الحقيقي مراسل زميلتنا من واشنطن".

وعليه فإن ما ولّد خطاب السارد الساخر، بقطع النظر عن الآلية الفنية المولدة، هو التقابل بين واقع مرفوض (حاضر في النص ومندد به)، وواقع منشود (غائب عنه وعن الوضعية المنتقدة)، برز أساسا في المفارقة التي تصنعها الشخصيات في الحدث والمواقف والأفعال.

إن بلاغة هذه الرؤية الساخرة لصورة الظلام الذي تتخبط فيه الشعوب العربية قدمها "الطاهر وطار" اعتمادا على التقنيات السردية التالية:

  1. يزاوج السارد في روايته "الولي الطاهر" بين السرد التابع، والسرد الآني، وعمادهما ضمير الغائب، وهو الضمير النموذجي في الرواية الكلاسيكية، لذا يتميز حضوره بطابع الهيمنة (الراوي العليم)، من هذا الموقع المتعالي يساير الشخصية في حوارها الذي تداخلت فيه انفعالات الذات القلقة من مفاجئات الحدث المركزي "الخسوف".
  2. اعتماد الرواية على مفارقات زمنية (الاسترجاع، التناوب)، جعلت الزمن عبارة عن تداخلات بين الحاضر والماضي، وهو ما يجعلنا نصف هذا النوع من الزمن السردي بالزمن العجائبي يتصوره كل من الكاتب والقارئ من خلال رصيدهما الثقافي والمعرفي()، ويتجلى ذلك في دوران زمن الرواية في التاريخ العربي الإسلامي "من بداية الدعوة إلى سقوط العراق في دوامة عرضها من السنغال إلى دكّة وطولها من معركة بدر إلى مثول صدام أمام المحكمة".
  3. السرد العجائبي: وهو نوع من التأليف والسرد الذي يتجاوز قوانين الواقع إلى قوانين الفن الخيالي، وأبرز ما في هذا النوع من السرد، أن القارئ يقبل ما يروى له، ويسرد عليه باعتباره ضربا من التخييل، الذي يتضمن الغريب والعجيب()، وبما أن رواية "الولي الطاهر" هي رواية الحدث فإنا تستمد صفة العجائبية من منبعين:

أ‌-  العجائبي التراثي: تمثله الشخصيات المرجعية الموظفة وما تحمله من صفات "بلارة" (التواجد عبر الأزمنة من الدولة الحمادية إلى الزمن الحاضر، التحول إلى أتان، التضحية) "الولي الطاهر" (التواجد عبر كل الأزمنة الماضي، الحاضر، المستقبل، التحول، الطهارة، الدعوة الموجابة)، الجنية سجاح (الإغواء) وهي صفات لا يمكن أن تتوفر إلا في العوالم الخفية: عالم الكرامة الصوفية، وعالم الأساطير.

ب‌-العجائبي الحداثي: المرتبط بالاكتشافات العلمية في عصرنا الحاضر، كما هو عليه الحال في روايات الخيال العلمي، ومن أمثلته في الرواية أن السارد وظف الشاشة التلفزيونية الغريبة الطول، القطط العجائبية، الغازات الكيميائية الغريبة.

  1. الاعتماد على مشاهد الحوار الصحفي، المستخدم في السرد التلفزيوني، بغية تبطيء السرد الروائي لرسم صورة الراهن العربي، الذي تتفاعل معه يوميا عبر قنواتنا. 
  2. اعتماد السارد على الوظيفة الانطباعية (التعبيرية) كوسيلة لإدراج مواقفه وقناعاته حول بعض القضايا الراهنة، الحركات الإسلامية المتطرفة، حقوق الإنسان، مفهوم الوحدة العربية، التعددية الحزبية، موقفه من المذهب الاشتراكي.

تحميل المقال

 

 

 

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07