FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

الفضاء الجغرافي في رواية الولي الطاهر

 يعود إلى مقامه الزكي

 

منى بشلم

(الجزائر)

 

مرت على النقد العربي فترة تداخل فيها مفهوم الفضاء بمفهوم المكان، وهو ما نعنيه بمصطلح الفضاء الجغرافي، الذي يمثل في العمل الأدبي خلقا عن طريق الكلمات لأماكن لها مقوماتها الخاصة، تؤدي في الغالب إلى إيهام بواقعية المحكي، أو إلى عكس قيم اجتماعية خاصة عن طريق تقديم إشارات جغرافية تكون بمثابة نقطة الانطلاق لتحريك خيال القارئ،لاستكشاف منهجية الأماكن التي تعرضها القصة .

غير أن جوليا كريستيفا Julia Kristeva  ترى أن هذه المنهجية خاضعة لتغير العصر الذي كتب فيه النص الأدبي،ذلك أن الأماكن تحمل رؤية خاصة للعالم ، تسميها "إديولوجيم" L’idéologème و هو الطابع الثقافي العام الغالب في العصر، ففي العصر الوسيط مثلا، اعتمدت الأعمال الأدبية على التعارض بين الأماكن على المحور العمودي فالسماء نقيض الأرض ، و البطل يسافر من عالم إلى آخر متبعا هذا المحور، غير أن هذا الانتقال العمودي يختفي في فترة لاحقة ليستبدل بالبعد الأفقي، ثم ينتفي تعارض الأمكنة، فيشتمل موضع واحد على الفضيلة و الرذيلة معا. و الفضاء الجغرافي عموما هو فضاء مرجعي يمكن العثور عليه في الواقع، أو في أحد المصنفات الجغرافية.

تتمظهر الأفضية الجغرافية في النص الأدبي على شكل أفضية كلية ؛ كأسماء مناطق متسعة مثل :الأندلس،بلاد المغرب...و غيرها. أو في شكل أفضية جزئية مثل: يثرب، بغداد...، و بهذا يكون المكان عينه، واحدا من موضوعات العمل الأدبي يصفه الكاتب أو الشاعر عن طريق الكلمات ـ طبعا ـ ليخاطب الوصف الحواس جميعا ،بنقله للأشكال والألوان و الظلال، التي تخاطب حاسة البصر، كما تنقل الإحساس بالنعومة و الخشونة، و الرائحة و الصوت. غير أن المكان داخل العمل الأدبي ليس هو نفسه خارجه ،لأنه في الداخل ينطوي على تعالقات تجعله يتكثف ،و تضاف إليه رموز و احتمالات تختلف من نص إلى آخر، باختلاف العناصر النصية التي يذاب معها المكان، و تجمعه بها ترابطات خاصة،حتى إن أمكن تخيل المكان أو التعرف عليه من خلال القراءة، لا يكون ذلك كافيا لإدراك البعد الفني للمكان،الذي لا يساوي البعد الواقعي .و حتى تصل القراءة إلى الشاعرية البصرية التي«تزيد من حدة المتعة الحسية» عليها أن تتجه إلى النبش و الحفر ،للوعي بجمالية المكان الجغرافي في العمل الفني ، ذلك أن المكان في مسيرة انتقاله من موقعه الفيزيائي إلى الموقع الثقافي ، يمر من خلال الكائن البشري، الذي يمتلك حاسة مكانية ، تتيح له القدرة على انتظام المكان بالإقامة فيه في المرحلة الأولى ، ثم دمجه في اللغات الجمالية ..في مرحلة ثانية ، ليتميز الفضاء الروائي عن غيره من الأفضية (في المسرح ، السينما..) بكونه لا يوجد إلا من خلال اللغة، فهو فضاء لفظي بامتياز ، مما يجعله موضوعا للفكر، الذي يخلقه الروائي بجميع أجزائه، و يحمله طابعا مطابقا لطبيعة الفنون الجميلة، و لمبدإ المكان نفسه.

و لأنه يتشكل أساسا عن طريق الكلمات فإنه «يتضمن كل المشاعر و التصورات التي تستطيع اللغة التعبير عنها»،هذا إن نحن عاملنا الفضاء على أنه مكون سردي ، غير أن الرواية موضوع البحث، لا تكتفي باستثماره كمكون  حكائي فحسب ؛ بل تتعدى ذلك لأن جعلته إستراتيجية في الكتابة ، و بالضرورة إستراتيجية في القراءة،لأن قارئها مضطر إلى تتبع أمكنة الرواية، و البحث في دلالاتها من أجل بناء فهمه لهذه الرواية.و إذا كانت الإستراتيجية « باختصار شديد هي  السلوك و التنفيذ، بالوسائل الجيدة لتصور معين» ، فإن الطاهر وطار اعتمد الفضاء الروائي إستراتيجية في بناء رواية "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"، ففتح الفضاء الجغرافي على الخطاب التاريخي،و اتخذ من المقام فضاء لسبر أغوار التاريخ ومساءلته ، و فتحه على إعادة النظر ، و العودة للقراءته، بإسقاط هالة القدسية عنه، و فتحه على إعمال العقل، حيث يتعدى المقام كونه مكانا للذكر و التعلم ،ليستعيد التاريخ و يعيد النظر فيه، ثم يتخذ موقف جديد من حوادث التاريخ، و هو ما فعله المريدون ، و الطالبات المسحورات مع  قصة أم متمم و مالك بن نويرة.

كما أن الروائي حمله بدءً من افتتاحية الرواية دلالات ستتوزع على كامل العمل الروائي، بتناقضاتها. فالولوج لعالم هذه الرواية ، هو مباشرة ولوج للمكان الروائي، ذلك أن افتتاحية الرواية تضع القارئ مباشرة أمام فعل بلوغ المكان، لينطلق منه القارئ في فهم و تأويل النص؛ حيث أن تغير الدلالات مرهون بتغير المكان.

 و لأن تتبع المكان في هذه الرواية يفتح أمام القارئ أكثر من قراءة ، بالنظر إلى الكثافة و التركيز الكبيرين الذين وظف بهما الفضاء الجغرافي، من جهة، و انفتاح هذه الرواية على عدد من الخطابات أهمها الصوفي، و التاريخي، ناهيك عن توظيفها الكبير للثقافة الشعبية ، خاصة الإيمان بالقدسي و المتجلي بالمكان/المقام. فإن البحث سيكتفي بتتبع واحدة فقط من القراءات الممكنة، مرتكزا على مفهوم التقاطبات المكانية التي تأتي « عادة في شكل ثنائيات ضدية تجمع بين قوى أو عناصر متعارضة بحيث تعبر عن العلاقات و التوترات التي تحدث اتصال الراوي أو الشخصيات بأماكن الأحداث» فالعلاقات المكانية كما يري يوري لوتمان يمكن أن تمثل وسيلة من الوسائل الرئيسية لوصف الواقع «فمفاهيم مثل: الأعلى –الأسفل، القريب – البعيد، المحدد-غير محدد، المجزأ-المتصل،تستخدم لبناء نماذج ثقافية غير متضمنة لصفة مكانية، و هو ما يقود هذه المفاهيم لأن تكتسب معاني جديدة مثل: قيّم – غير قيم ، حسن – سيء، سهل المنال –صعب المنال، فاني –أبدي» تختلف هذه المعاني نتيجة دمجها في المنظومة الثقافية العامية فنجد مثلا ثنائية أعلى/أسفل تميز البنية الذهنية للثقافة العربية الإسلامية فكل ما ينطوي تحت حقل السمو يتموقع في العلو، و كل ما ينطوي تحت حقل الوضاعة يتمركز في الأسفل  ،و هي الثنائية التي اشتغلت عليها رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي بكثافة،غير أنها لم تربطها بهذه المعاني بل تخرج عنها، لترتبط بمعان أخر و إن كانت غير بعيدة.

و إذ نرى أن الرواية تشتغل بشكل مكثف على المكان، فإن غالبية المشاهد هي تلك التي احتواها الفيف أو المقام،وهما مكانان ، يرتبطان بالثقافة الشعبية،أكثر من ارتباطهما بالمرجعي، أما المرجعي فإنه محدد بأفضية جزئية كالجزائر، القاهرة..وغيرها ، و هي أماكن منفتحة على الدلالات ذاتها، غير أن الروائي لم يكتف بالتوزيع الأفقي للأماكن بل جعلها تتقابل بشكل عمودي ، من خلال فعل التحليق الذي اختُص به الولي الطاهر،سواء على ظهر دابته العضباء،أو تحليقه في الحضرة الصوفية حين « كان الولي الطاهر ملفوفا بهالة من نور، في حالة الحالات.عاري الرأس، عاري الجسم، شعره فائض، كأنه موجة سوداء وسط الهالة النورانية ، التي تستره. ارتفع على الأرض عدة أمتار. ظل هناك لحظات » في واحدة من كرامات الولي التي اختص بها.

 ليقابل الأعلى الأسفل حيث تمتد الأماكن بشكل أفقي ،و هي الغالب على النص،و تحمل جملة من الدلالات أهمها التيه، و هو ما يقابل القارئ في افتتاحية الرواية، فبعد أن كان الولي الطاهر أثناء التحليق واثقا – على الأقل من معرفته للمكان - فـ « شدد على كلمة أرضنا » ، بمجرد النزول للأسفل ينقلب اليقين تيها، تجسده الرواية بحركة المكان، حين يرغب الولي بالصلاة ، و يبدأ البحث عن القبلة و هي « عادة عندما يكون في هذا الموقع وقبالة المقام الزكي على يمينه باستدارة ربع دائرة.استدار. لكن المقام ظل يقابله. استدار من جديد فوجد نفس المقام . ظل يستدير، حتى أكمل دائرة برمتها، وظل المقام يتعدد.»، فالمكان يتحرك، ليفقد الولي اليقين بالاتجاهات ، و يدخله شعورا بالتيه،و هي الدلالة التي يؤكدها تأثيث المشهد حيث يختار الروائي للمكان شمسا « في منتصف السماء لا تنم عن أي توجه لها »، يمكن قراءة ثباتها على أنه يقينها الخاص، لكنه بالنسبة للولي ، يصنع التيه، و يفقده حاسة المكان،في المكان/الأسفل،وللنجاة من التيه يلجأ للنص الديني ،ويستعين به مرشدا.

الأسفل -  فضاء التيه:

الأسفل في رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، هو الفيف ، هذا المكان المحتمل، الذي يشكل «بواسطة اللغة على نحو يتجاوز قشرة الواقع ... غير أنه يظل..واقعا محتملا» يمكن تصور وجوده، و إن لم يحدده النص بمرجع معين.

هو فضاء منقطع عن العالم ، بعيد عن الوباء، لكن و في الوقت ذاته، متصل به إذ «انتقل من شكله الأحادي إلى مستوى التعددي»، حيث  يخترقه عدد من الأفضية المرجعية ، من خلال تذكر الولي للحوادث السابقة، أو من خلال الحالة الصوفية التي يمر بها الولي الطاهر، فتتعدد الأماكن على المستوى السطحي، لتلتقي في المستوى العميق، حيث تحيل كلها على الدلالات التي يحيل عليها الفيف ذاته، و تخلق جميعها فضاء التيه.

هذا الشعور الذي يجسد في الرواية، على أكثر من مستوى، أهمها تيه المكان، تيه النفس في المكان و هي تمارس القتل دون مبرر ، و في كل مكان تستعيده الذاكرة ، و هو بؤرة النص.

تيه المكان:

ينزل الولي الطاهر بالفيف، المكون من المقام الزكي ، التلة الرملية ، و الزيتونة. و المقام يعود إلى الثقافة الشعبية،أما الزيتونة فإنها الشجر المباركة في القرآن الكريم، هذا التأثيث القريب من الواقع ، لا يخلق الإيهام بواقعية المشهد ، كما يحصل و الرواية الكلاسيكية ،لأن الرواية سرعان ما تعمل على تجريده و جعله أقرب للحلم منه للواقع ، و لا تكتفي الرواية بهذا الانزياح بل إنها تخرج الفضاء الجغرافي من التصور القديم بأنه إطارا للحدث ،لتجعله يصنع الحدث،و هو يتعدد و يتناسخ « استدار. لكن المقام ظل يقابله. استدار من جديد فوجد نفس المقام. ظل يستدير، حتى أكمل دائرة برمتها، وظل المقام يتعدد.» ، المقام يتعدد و بدلا من الواحد يظهر للولي قصور ثلاث « صورا منسوخة عن مقامه، رافضا استعمال نعت المقام لها» ، مبررا رفضه بأنها يمكن أن تكون من عمل الشيطان. محاول الخروج من التيه يستدير و يحاول التأكد مرة أخرى، فإذ المكان يتحرك مضاعفا الشعور بالتيه ، فالقصور « تتصاقب في دائرة متساوية الأبعاد...بدت الدائرة في الأول بقطرٍ مساحته نصف ميل، ثم أخذت تضيق كلما تأملها.دائرة رهيبة تتشكل من قصور شامخة في فيف سحيق، لها لون واحد هو اللون الرمادي الباهت، تتضايق زاحفة نحوه ونحو العضباء» دون أن تتغير المسافات التي تفصلها عن بعض، و لا ينقص عددها،فتمتزج الحركة  بالسكون، و يخلق الروائي مشهدا لا يقدر الولي الطاهر على فهمه، فيلجأ إلى عد القصور ليتأكد من أن عددها لا ينقص،«وجميل أن يعد المرء هذه القصور، ليتأكد مما إذا ظلت هي هي، أو مما إذا كانت حقيقية، ومن مصيرها وهي تعاني ضيقان الدائرة.واحد..اثنان..ثلاثة…خمسة وعشرون..ثلاثة وثلاثون…ثمانية وتسعون.المسافة بين القصر والآخر، سبعون ذراعا.قطر الدائرة يصغر. واحد اثنان..ثلاثة..ثلاثة وثلاثون…سبعون..ثمانية وتسعون.»  فيجدها لا يتغير مما يوقعه في تردد، هو «تردد كائن لا يعرف غير قوانين الطبيعة فيما هو يواجه حدثا فوق – طبيعي ، حسب الظاهر » ،هذا المنحى العجائبي في توظيف المكان ، يعمق إحساس الولي بالتيه، بعد نزوله إلى الأسفل.

في صورة أخرى من التيه المكاني، تختفي الاتجاهات، و تفقد المسافات معناها، و تغيب أبعادها فكلما سار باتجاه القصر كلما وجده يبتعد أكثر، «فيبدو المكان شبه سرابي، المسافة إليه غير محدودة، تبعد كلما اقترب منه، لا حيز له تفقد الاتجاهات فيه قيمتها الجغرافية» و تخلق ضياعا وسط المكان الساكن المتحرك في الوقت ذاته، و بقوانين معاكسة لقوانين الطبيعة، فما هو ساكن في الطبيعة يتحرك في الرواية و العكس صحيح.

تيه النفس بالمكان:

هذه الرواية التي توهم قارئها بأحادية المكان الروائي، سرعان ما تفتح هذا المكان الواحد على تعدد الأماكن، من خلال فعل التذكر، حيث يستعيد الولي ذاكرته «صورا وأخيلة ، عن وقائع جرت، لكن لا يميز، أو حتى يتصور زمن وقوعها، الأمس واليوم والسنة الماضية، والقرن الماضي، كلها، آنٌ قد يصغر وقد يكبر، قد يطول وقد يقصر.وميض. وميض. مناظر تتشكل، وتختفي.» ، و بانفتاح المكان و تعدده ، تنفتح الرواية على الخطاب التاريخي، ذلك أن الصور و الأخيلة التي يستعيدها الولي الطاهر، هي مساءلة للتاريخ ، و حوادثه، بدء من قصة قتل خالد بن الوليد لمالك بن النويرة، ليتناسخ فعل القتل في الرواية، بصور عدة، تشترك جميعا في أنها قتل المسلم للمسلم،رغم علمه يقينا أنه مسلم مثله ، و كأن الرواية تجعل من حرب الردة، و أخطائها، نقطة لانفجار الأخطاء التاريخية التالية كلها – إن جاز لنا اعتماد كلمة خطأ – فالإرهاب بحسب هذه الرؤيا، ما هو إلا امتداد لفعل تصفية المسلم لآخرٍ مسلم ،لا يختلف عن قاتله بشيء، و هو ما تؤكده الرواية ، و هي تصف الحروب التي خاضها الولي، فهو يدخل حربا بين فئتين لا يجد بينهما أي فرق، «لهم نفس القلنسوات، ونفس اللَّحى ونفس الجلابيب والمعاطف، ولربما تفوح منهم نفس رائحة المسك.» مع ذلك تستبيح كل فئة دم الأخرى.

تؤطر الرواية هذه الحرب بفضاء جغرافي يتوزع بين الأعلى و الأسفل، و تفقد هذه الثنائية دلالاتها، إذ يطغى الموت على التقابل المكاني،فالطائرات تصب الموت على المقاتلين، و قمم الجبال هي الأخرى تفعل بمدفعياتها، في حين تنزل صيحات " الله أكبر" للأسفل فتمتزج هي الأخرى – على قدسيتها – بالقتل المحرم في الاسلام، و يطغى تيه النفس، و يغيّب كل قدسي، و لا يبقى إلا فعل الموت ، يكدر الفضاء الجغرافي فـ « الدخَان يصبغ لون السماء الأزرق، والدماء تصبغ التراب والماء معا» و كل ما هو أعلى و أسفل يعمه التيه ، ليكون سفك الدم سببا و نتيجة له في الآن ذاته، فالولي الطاهر يحاول تطهير مقامه الزكي من الطالبة الواحدة بعد المائتين ، تماما كما حاول المسلمين سابقا تطهير الأمة من المرتدين، فإذ بلعنة سفك دمها تستمر تطارده، و تدفعه للاستمرار بسفك الدماء. بعد أن تجاهل تحذيراتها الصريحة له بأن : 

«ينمحي مخزون رأسك ولا تستعيده إلا بعد قرون، فيعود إليك قطرة فقطرة ونقطة فنقطة. تجوب الفيْف هذا مئات السنين، فلا تعثر على طريقكة...ستلحقك بلوى خوض غمار الحروب، فتشارك في حروب جرت، وفي حروب تجري، وفي حروب ستجري، إلى جانب قوم تعرفهم، وقوم لا تعرفهم ولا تفقه لسانهم، ولا تدري لماذا يحاربون...ستلحقك بلوى حز الرؤوس وخنق الأطفال والعجائز والعجزة، وحرق الأحياء.تموت ألف ميتة وميتة، ويسقي دمك، كل صقع رفع فيه الآذان، وفي كل عودة لك تعاودك بلوى البحث عني من جديد دون أن تدري عم تبحث.»

هذا المقبوس على طوله، يلخص صور التيه التي تعرض الرواية كلها، و التي سيعود الروائي إلى عرضها، معتمدا تعدد المكان. فيخص الفيف بفقدان الذاكرة، و بلوى البحث الدائم عن مراد مجهول،و يوزع فعل القتل على الأفضية المرجعية.

يصل الولي الطاهر للفيف و قد أمحى مخزون رأسه كما تنبأت بلارة ، فهو يبلغ الفيف، الذي يصفه بأرضنا،ويشدد على الكلمة ، غير أنه لا يردي كم استغرق غيابه عن أرضه هذه،و لا يذكر مما حفظ سابقا إلا سورة الفاتحة،و سورة الأعلى، اللتين يقيم بهما الصلاة ،و يرفع يديه بالدعاء لله أن «لا يعدم الذاكرة مرة أخرى، أو بالأصح أن يستعيد ذاكرته كلها» ،فقدان الذاكرة ، أو النسيان هو واحد من أنواع التيه التي تخترق المقام الزكي، هو البلوى التي تصيب بعض الطلبة بعد أن تزورهم واحدة من الطالبات، فتحمل هذه الظاهرة تهديدا بوصول الداء الذي فر منه الطلبة والشيوخ، هروبا بدينهم إلى هذا الفيف بعد أن « ولم يبق للمؤمن ملاذ أو ملجأ، لا في بيته، ولا خارج بيته.» فقد انتشر الوباء ولم يفرق بين أحد ، لا الذكر و لا الأنثى، الكل عمهم الفجور لكنه وباء لا يخرج عن نطاق التيه، ذلك أنه حالة وسط بين الإسلام و الكفر، بل إنه حالة نفي للاثنين معا «يصيب المؤمن في قلبه، فيضحي، ودونما إعلان عن ذلك، أو إحساس به، لا هو بالمسلم ولا هو بالكافر. قد يصلي اليوم، وقد لا يصلي غدا. بل قد يقطع صلاته،ويسرع إلى خمارة من الخمارات التي انتشرت في كل ركن، يديرها مسلمون» الوباء انتهاك للمحرمات ،وتفريط بالواجبات الدينية ، بل انه قد يتجاوز ذلك إلى حد أن يجتمع في الرجل الواحد المتناقضان ، اللذين مثل لهما الروائي بالصلاة و هي عماد الدين الإسلامي، و خمر التي هي من المحرمات، في هذا الدين. ليبلغ التيه أوجه في بلاد المسلمين،بأن لا أحد يدرك حقيقة حاله، فلا «أحد أعلن عن بقائه على إسلامه، ولا أحدٌ أعلن عن خروجه منه،وعن مِلَّته الجديدة.» فالأمر لا يعدو كونه فقدان هوية، و حالة ضياع عامة،يفر منها الولي إلى الفيف الذي يخترقه ذاك العالم ،في شكل صور و أخيلة ،هي لأماكن مرجعية تحددها الرواية باسم الجزائر ،القاهرة ،غير أن الرواية تحول هذه الأماكن إذ تنقلها «من عالم الحياة اليومية بحسيته و أشيائه و ظواهره المتنوعة و المختلفة إلى عوامل فعالة من التخييل عبر» اللغة. يلتقط الروائي الفضاء المرجعي في لحظة تاريخية ،هي صورة للموضوعة القتل مجسدا في الإرهاب،فلا تنقطع الصلة بين المكان المعاش و المكان الفني، بل إنه باختياره لهذه اللحظات التاريخية يتيح للقارئ أن يتواصل مع هذا الفضاء المرجعي «رغم استقلاليته و خضوعه لقواعد و قوانين النوع الفني الذي يتجسد فيه،يتبادل العلاقات مع المكان المعاش ، بوصفه تجربة وجودية...يتغلغل في كيان الذات و الثقافة » التي طغى عليها في لحظة تاريخية ما مفهوم الإرهاب، و جسد واقعيا بالقتل، و تناقش الرواية دوافع القتل من خلال ارتكاب الولي الطاهر له في كل أرض رفع فيها الأذان – بتعبير الرواية – فإذ هو يدخل القاهرة و يقتل و لا يعرف من ، و يدخل الجزائر ليقتل مرة أخرى،دون أن يعرف من ، بل إن التيه يبلغ أوجه حين تصور بطلها منقلبا على كل من كان يقتل إلى جوارهم «ينتصب حاملا مدفعا رشاشا،و يصب جام حقده على الذين كان واحدا منهم » و يتكرر هذا المشهد مرة ثانية في الجزائر حين يدخل الولي و من معه بيت ممولهم بالسلاح ،لتصفيته ،ثم يتكرر مرة أخرى بعد مجزرة الرايس ينقلب الولي الطاهر على من كانوا معه.

هذا القتل العشوائي غير المبرر هو حالة تيه النفس في المكان ،محددا بالبعد التاريخي الذي يتحرك فيه متنقلا بمسافات زمنية قد تطول ،و قد تقصر ،ما بين «الأمس و اليوم و السنة الماضية،و القرن الماضي، كلها آن قد يصغر و قد يكبر ،قد يطول و قد يقصر»  ابتداء من قتل خالد بن الوليد لمتمم،و انتهاء بما يعرف بالإرهاب،دون تمييز بين الفئة التي تقتل، كما هو حال مجزرة الرايس،مما يفقد الفعل مبرره،لتنتهي كل مذبحة بموت الولي الطاهر،كما تنبأت له بلارة.

الأعلى:

يرتبط الأعلى بمشاهد قليلة من هذه الرواية ،حتى أنه يبدو غيبا فيها ، مجرد انزياح عن الأسفل المهيمن. الأعلى هنا هو الطهر، السمو، القدسية ، التي ترتبط بالولي الطاهر،

فحين تحاصره القصور مقتربة منه و يهدده الخطر «أعلو فأعلو.إنني أعلو إلى السماء»، لينجو من زحف القصور ، ثم يردد دعاءه الدائم "يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف" فينبعث الصوت من الأسفل حيث القصور محملا بتيه الأسفل ، فلا يتمكن الولي من تحديد جنس قائله هو « ليس رجاليا و أنثويا ، بل، بكل تأكيد غير انسي على الإطلاق. و لربما لا ينبعث أصلا من أي مكان» لكنه حين يبلغ الأعلى يكتسي قدسية الأعلى، و يسقط عنه التيه، و يعرف الولي يقينا أنه «موجود في الفضاء في حجم الفضاء » يتردد بإيقاع خفيف لكنه راقص ، ليشبه بذلك الصوت المنبعث من الحضرة حين يمارس طقوسه في مناجاة خالقه، فيرتفع عن الأرض ، و يسمو للأعلى فيعيش الحالة الصوفية ، و قد اختار لها التلة مكانا،قارنا  ليقرن الأعلى بالشجرة المباركة، لتفتتح الطقوس «انطلقت نقرات البندير ،ثم شنشنات الطار ، ثم تغريدة الرباب.بدأ كل شيء خافتا ، يصّاعد،من بساط الرمل الناعم،إلى العنان الفوقي،رويدا،رويدا،في حين راحت أرواحنا تنسل منا،و تتبع الإيقاعات، خفيفة شفافة هفهافة خفاقة.» فيسمو الولي الطاهر، مرتفعا عن الأرض مغادرا لها، مرتفعا نحو الأعلى يطهر نفسه، و ينجو من الوباء ، الذي شرعت بعض علاماته تخترق المقام الزكي ، هذا المقام المرتبط بالأعلى ، إذ أنه بناء مكون من سبعة طوابق، وزع على الفئات تصاعديا،ليخص الولي الطاهر بالطابق السابع ، محتلا المكان الأعلى، و شاحنا المكان بالسمو إذ يصفه بـ «خلوتي و طريقي إلى حبيبي» مما يبعده عن التيه ، و يسمو به إلى تطهير النفس، و يصبغه بالقدسية في نظر صاحبه.

و غياب الأعلى في القصور يغيب استئناس الولي بها،فحين لاحظ تناسخ المقام،و ظهور ثلاث قصور بالفيف «راعه أن الصومعة العالية، التي ترك بها مقامه الزكي، اختفت.اختفت منها جميعها.» ففقد ثقته و يقينه اتجاه المكان. أما للنجاة من التيه، فيكرر سورة الأعلى كل صلاة ، فهي علاوة على كونها نصا مقدسا مصدره علوي،هي تحمل الكلمة بلفظها ،ثم هي تتضمن الدعاء بحفظ الذاكرة "سنقرؤك فلا تنسى" ،و النسيان من صور الوباء، و لمحاربته يستعين الطلبة بقراءة سورة الأعلى بعد أن «يسأل الواحد منا صاحبه،أزارتك؟فيومئ برأسه أن نعم.أ تكشفت لك؟أي نعم.نقرأ عليه جهرا « سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى، فيستعيد وعيه» ، فتكون السورة علاجا من الداء، و ارتفاعا بالنفس نحو الطهر.

و هي السورة التي أوقفت القتال، حين قرأ بعض آياتها الولي الطاهر عرف رفاقه أنه مسلم فــ « ارتفعت الأصوات،و تقرر وقف إطلاق النار من جميع الأطراف » فيكون الخلاص في النص الديني الذي يوحد كل الأطراف المتنازعة ،بل المتقاتلة.

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11