FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

 

اللامنتمي وخطابه في روايات الطاهر وطار:

الإشكال التشكيل التأويل

 

د. محمد الأمين بحري

جامعة بسكرة(الجزائر)

 

تتعرض هذه المداخلة لإشكالية اللامنتمي و تجلياته خطابه الذي سنسعى إلى تحليله عبر بحسب تمظهرات نموذج البطل و أقسامه و ذلك في روايتين تأسيسيتين من روايات الطاهر وطار و هما: (الزلزال و اللاز). اللتان تقدمان صورة نمطية مفصلة عن مفهوم اللامنتمي الذي يعرض لنا وطار رؤيته لعالميه النقيضين: عالم يسكن فيه و هو محل القطيعة و للاانتماء ؛ هو العالم الواقعي المتحقق، و عالم يسكنه، و هو المنشود في مخيلته، لأنه لم يتحقق يوماً، مما جعلنا نقف أمام بطل فصامي يحيا بين واقعين متناقضين واقع معيش منبوذ، و واقع منشود مكبوت و الطريق إليه مقطوع، و هو الأمر الذي زج بالبطل في غمار رحلة خطرة تخوضها هذه الشخصية الإشكالية، و تكابد آلامها، و تتحمل عواقبهاً، راكبة رحلة العذاب التي من شأنها أن تصيغ لنا شخصية مأساوية منفتحة على عواقب غير مقدرة تطرحها للعراء و بلا مأوى تتناهشها أسوأ المصائر من بؤس، و مرض، و انحراف و جريمة و الجنون...الخ.

و كلها مطبات ترمي اللامنتمي على قارعة المجتمع و هامشه، و مخاطر يحصدها جراء خروجه الاضطراري عن مسار صنع له بالقوة، نحو مسار يريد صناعته بالفعل، و ارتضى أن يدفع ثمنه، فصاغ خطاباً روائياً يحكي لماذية و غائية و إشكالية ارتياد هذا الدرب الذي قسَّم الشخصية إلى شخصيات متعدد، و خطابها إلى خطابات خليقة بالدراسة و التحليل و إعادة البناء عسى أن تقود إلى دلالة تستخلص رحلة شقاء بطلها، التي ليست سوى رحلة الإنسان و صراع المثقف، و خلاصة تجربة واقعية و فنية عاشها المجتمع الجزائري، و بلورها الطاهر وطار في تجربته الروائية.

و بيت القصيد في كل تفاعلات الشخصية اللامنتمية للبطل الروائي هو نوعية الخطاب الصادر عنها، و كيفية تشكيله، و بنائه، و كذا الدلالات الضمنية و المحايثة التي تحيل عليها، في حركتها و سكونها، في حديثها و صمتها، في أزمتها و بهجتها.

ما يعني وفق هذا التصور المبدئي أننا ملتزمون منهجيا بإبراز دلالات خطاب اللامنتمي باعتباره شخصية وظيفية لا تتحدد بمظهرها المورفولوجي الخارجي- و إن كان يتشاكل مع ما أُسند للشخصية من أدوار- بقدر ما سنهتم بحركة هذه الشخصية و أفعالها، أي وظيفتها التي ستحسم مصيرها، و بالتالي دلالتها الوظيفية في الفضاء الروائي. و ما يحدد مفهوم هذه الشخصية وفق هذا التصور هو جانبها المضموني و ليس الشكلي.

و نخلص في الختام إلى نوع من التحليل التأويلي لكل صورة من تلك الصور التي شكلها اللامتنمي الوطاري عبر ما يصدر عنه من خطابات قولية، و فعلية تحكيها مسارات رحلته و تفاصيل حركته و تجاوبها مع ما يحيط به من أحداث، و ما يواجهه من إشكالات تُطرح عليه من جهة، فتصيغ لا انتماءه إلى فضاء عام، و ترسم له انتماءً جديدا في فضائه الخاص، و تُطرح علينا من جهة ثانية، فتطالبنا كقراء بالعثور على دلالتها و دلالته معاً.

أولاً-   إشكال اللامنتمي و تشكيله في الخطاب الروائي:

تتعلق مسألة الانتماء أو عدمه أساساً، بالمجتمع و مواضعات الواقع و نواميسه المفروضة، فنكون بإزاء موافقة أو تمرد عن قوانينهه و ضوابطهه هذا المجتمع و الواقع و سننهما، فهل يكمن الإشكال في شخصية اللامنتمي أم في المجتمع و القوانين موضوع التمرد؟

يجيبنا كولن ويلسن عن هذا السؤال الدقيق قائلاً بأن حالة اللامنتمي: "هي في الواقع كونه الوحيد الذي يعرف بأنه مريض في حضارة لا تعترف بأنها مريضة". بينما يعكس بعض اللامنتمين حقيقة أكثر دقة تقول بأن:" الطبيعة الإنسانية هي المريضة و أن اللامنتمي هو الإنسان الذي يواجه هذه الحقيقة المؤلمة (...) لأننا في وضعية سلبية يقول اللامنتمي أنها جوهر العالم كما يراه هو".

و لعل هذه أبلغ عبارة يصلح أن ينطلق منها تحليلنا لهذه الشخصية، أي "رؤية العالم كما يراه هو" و ليس كما يظهر لعموم الناس، ذلك أن اللامنتمي في اعتراضه و مضادته لنواميس حياة المجتمع إنما يود:

-  طرح أسئلته المشككة في صحة سير العالم و استقامته.

-  طرح أجوبته التي يثق في صحتها و يرى فيها الخلاص لنفسه و للعالم.

- طرح بدائله التي يراها أنسب لهؤلاء الموافقون دوماً و المنتمون دون نقاش لحضارة مريضة يشكلون عضال مرضها، و يدفعونها للأمام قدماً نحو مزيد من التفكك.

فاللاانتماء ليس أكثر من رؤية سلبية ترفض فيها الذات موضوعها، بحيث تترجم:"موقف الإنسان المتمرد على واقعه العاجز عن الانتماء له". و هذا يعني أن اللامنتمي للواقع المرفوض، هو منتم بالضرورة لواقع بديل منشود، تنتفي فيه كل ملامح النقص التي ينكرها في الواقع الأول. فتنشأ أزمة اللامنتمي بصورة جدلية بين واقعين: واقع يسكن فيه و يرفضه، و واقع مسكون به، و يسعى إلى تحقيقه، و بين الواقعين تعشش أزمة اللامنتمي و تُفرّخ. دون أن نغفل في هذا الطرح ذلك التفاعل الدائم الذي يغذي هذا الصراع، و القائم أساساً بين طبيعة البناء الاجتماعي و تركيبة البطل الناشئة من صلب هذا المجتمع مصدر التوتر.

و هنا علينا أن ننتظر تداعيات هذا التوتر على المشهد العام من خلال خرجات البطل الذي لا ننتظر منه موقفاً فلسفياً، أو تفسيراً منطقياً، أو حجة دامغة تبرر رفضه، بل كثيرا ما يصدر عن البطل موقف رافض لوضعه يغيب عنه البديل الذي يبدو بعيد المنال مستحيل البلوغ ، طالما أن البطل هو شخص مثلنا تماماً، ليس عالماً بأصول الظواهر، و منطق سير الكون و نواميسه، بل قد نجده لا يعلم سوى قانونه و لا يتّبع سوى منطقه، و يسر الكون وفق منظور أفقه المحدود، فلا نتفاجأ إذا وجدناه  "ينظر إلى المجتمع من خلال مشكلاته الخاصة".

و من موقفه هذا يضيق اللامنتمي ذرعاً بمجتمع لا ينظر مشكلته الخاصة و لا يلبي رغباته الخاصة، و لا يمنحه فرصه تكريس مشروع حياته. فأيقن في غمرة قنوطه بلاجدوى التقدم إلى الأمام، و آثر الوقف في مكانه حينما تمردت جوارحه عن المسير، و توقف عقله عن التفكير، و شلت محاكمته للواقع المتردي الذي لم يعد يدري لرداءته مبدأً و لا منتهى. فجثا صاحبنا على ركبتيه و قابل عالمه بنظرة بلهاء في لحظة تيه اقتنصها الطاهر وطار و جسدها في مختلف أبطاله اللامنتمين في صورة بولرواح الجوال في أزقة قسنطينة يلعن العباد و يتوعدهم بالزوال و يدعو على البلاد و يتوعدها بالزلزال، أو اللاز الذي يهيم على وجهه في القرى و المداشر مردداً أنشودته الغامضة / الواضحة: "ما يبقى في الواد غير احجاره".

I-    إشكالية اللامنتمي و تشكيله في رواية الزلزال:

1- إشكالية اللامنتمي في  شخصية بولرواح

تبدو أزمة بوالارواح أزمة مركبة تتشكل من أزمات عديدة جعلت مشكلته معضلة متعددة الأطراف في انشطارها على الصعيدين الداخلي و خارجي مبددة حلولها كلما أخذت في الاتساع، و ذلك حينما يعرضها علينا الطاهر وطار شائكة لا حل لها . حيث تتركب مشكلة بوالارواح من زوايا ثلاث هي:

-       الزاوية الأولى-  العقم:

و هي مشكلة وجودية تهدد بنسف أمجاده و تراث عائلته الذي بقي متعلقاً به كونه الوريث الوحيد لمجد العائلة التي أوصاه بها أبوه ذات يوم:" يا بني عائلة بو الارواح عظيمة، عظيمة الجاه و المال لكن بقيت فيها خدشة..." . إن انقطاع النسل في مرحلة أولى و صلة الرحم في مرحلة ثانية هو ما يؤرق بوالارواح الذي لا يتوقف عن الشكوى بمصابه في حواراته الخارجية؛ كأن يقول لمحدثه نينو عندما أوصاه بتوزيع أراضيه على ورثته فأجاب بو الارواح:" – على ورثتي؟ ليس لي أبناء مع الأسف. المسألة ليست بالسهولة التي تظن..". و نجده تارة أخرى يشتكي لنا في حوار داخلي :" كنت آمل أن آتي من صلبي بمن يشدون أزري، لكن الرياح تجري بما لا تشتهيه السفن". إثر ذلك هام بوالارواح في قسنطينة،  تتقاذفه أزقتها و أسواقها بحثاً عن رحم يصله، أو قريب محتمل يرثه، لكن دون جدوى. و هو ما من شأنه أن يطرح إشكالية انتماء أُسري و اجتماعي تهدد البطل و أمجاد أسرته بالاندثار.

-       الزاوية الثانية- وارث بلا وريث:

إن أزمة إيجاد وريث للأراضي الشاسعة التي ورثها بوالارواح عن آبائه و أجداده هي سبب مجيئه إلى قسنطينة، بل سبب نكبته و شقائه التي تؤرقه و تزيده بعداً عن بقية طبقات الشعب من جهة، و عن الحكومة التي يشتغل بها من جهة ثانية :"... جئت أقطع الطريق بين الحكومة و بين أراضيَّ، بتسجيلها على أقاربي، شرط أن لا يحوزوها أو ينالوها إلا بعد أن أموت"(8). و عبارة كهذه تفسر درجة استفحال مرض الإقطاعية و الرجعية في هذه الشخصية، و بعدها عن السجايا الإنسانية. فالبحث عن قريب أو وريث ليس حباً في الانتماء إذن بقدر ما هو حب للذات و مقت للآخر مادياً كان (شخص فعلي) أم معنوياً ( هيئة حكومية).

-       الزاوية الثالثة- فشل الانتماء الطبيعي:

يبدو أن مشكلة بوالارواح متشعبة في كل الاتجاهات ، فكما وجدناها في روحه المغتربة و المضطربة، و عقمه البيولوجي الذي زاده مرضاً على مرضه النفسي . ينتقل الداء هذه المرة إلى ظروف حياته الخارجية و المهنية التي زادته بعداً عن بقية البشر. يقول بو الارواح في وصفه لمنزلته اللامنتمية: "لقد ألهاني التعليم عن لعب الدور الأساسي كمالك أرض كبير. بل إنني بسبب التناقض الأزلي بين رجل العلم و رجل المال... لم أستطع أن أنشئ سندا قويا من أفراد أسرتي"(9). و هو اعتراف بيّن بنزوله بين المنزلتين، و شذوذه عن الاعتدال و الالتزام بمكانة قارة و طبيعية في المجتمع؛ فلا هو رجل علم مشهود له، و لا هو رجل مال معترف به.

 أورثته هذه المشكلات الثلاث المتراكبة عقداً نفسية عميقة و أكسبته خصالاً خلقية قبيحة شكلت معاً قوام شخصية اللامنتمي الذي يطرد نفسه من عالم الناس العاديين، و يطردهم من عالمه القفر برؤيته الظلامية لكل ما قابله من مناظر و سلوكات في حياة مجتمعه. و سنبحث فيما يلي كيفية تشكل هذه الشخصية الإشكالية .

2-    تشكيل اللامنتمي في  شخصية بو الارواح - اللامنتمي الإقطاعي

تحمل شخصية بولرواح منذ البداية ملامح توحي بمرجعية دينية الخطاب، إقطاعية التفكير، والانتماء الاجتماعي، بعقلية موظف في سلك التعليم (مدير ثانوية بالجزائر العاصمة) ، ثقافته الدينية و الأدبية تميل إلى المنزع المحافظ،، يظهرها كنقطة تفوق كلما استفزته محاولات الطبقات الأدنى في المجتمع للاختلاط أو الاحتكاك به. فيزجر كل من يقربه منهم بعبارات ملؤها التعالي و التعجرف :"... خسئت يا لعين، يا كلب بن كلب، يا ديوث، أتقول هذا الكلام لي أنا؟ لا حول و لا قوة إلا بالله. لي أنا شيخ الستين، و حافظ كلام الله، و خريج الزيتونة؟ يقال لي مثل هذا الكلام في مدينة ابن باديس و يوم الجمعة؟ ألا تبت أيديكم"

إضافة إلى تشدقه بنزعته التراثية في اللغة العربية ، و نضاله المستميت باسمها و باسم الدين الذي يفاخر بأنه فقيه في مذاهبه باعتبار انتمائه الأصولي لجمعية العلماء المسلمين التي لايفوت مناسبة و لا فرصة إلا و نوَّه بانتسابه إليها: "قرأنا العلم في الريف، و كافحنا مع الشيخ بن باديس، و تفقهنا في المذاهب الأربعة". و يبدو جلياً أن نزعتيه التراثية و الدينية قد ساعدت على منحه ملامح شخصية متزمتة تنحو إلى الرجعية، من خلال أنانيته و مصلحيته المفرطة، و شغفه اللامنتهي ببسط النفوذ و تسيد المجالس، فكثيرا ما نسمعه يتشدق بشرف الانتساب إلى أهل العلم أمام البسطاء إذا ما أراد أن يعرّف بنفسه أمامهم: "أنا عبد المجيد بو الارواح... مدير ثانوية بالعاصمة، و عالم في الدين و النحو و الصرف، ألم تسمع بي من قبل ؟". 

و منحته شخصيته الإقطاعية- نظرة متعالية و محتقرة لبقية الطبقات الأدنى في السلَّم الاجتماعي، و أخلاقاً عنصرية ورثها عن عائلته، حيث يروي بوالأرواح قصة نشأته الإقطاعية، التي يمكن أن تصوغ لدى القارئ نزعة التعالي في سلوكاته، و استصغار الغير في خطاباته :" كان أبي شديد الحساسية لجزائريته، مع أنه كان لا يرى باقي الجزائريين إلا خدما وعبيدا، وأحجار واد لا تصلح إلا أن نمر فوقها". و بهذا المستوى لم تتجاوز مشكلة بو الارواح قط أزمة كل إقطاعي على وجه الأرض، بكل ما تحمل من أنانية، و جشع، و رجعية في الخطاب، و حقد طبقي تجاه الأعلى و الأدنى منه. و مرض نفسي و عقد وجودية لا شفاء منها إلا برحيلها من هذا العالم.

 

 

أ‌-       مظاهر اللاانتماء في شخصية بوالارواح.

*- اللاانتماء الداخلي- الرؤية السوداوية :

 تقدم لنا رواية الزلزال إنسان الخطيئة الذي حوَّل عالمه إلى بؤرة الفساد  يبغي الخلاص منها، و يستشعر حلول اللعنة على البلاد و ينتظرها، بانيا أمام ناظرينا خطاباً إدانياً رافضاً لعالمه الذي تمرد عنه، و داعيا عليه بالزلزال و هو عنوان الرواية التي تنذر بهزة أرضية شاملة يترقبها البطل، الذي رسم فيه الطاهر وطار ملامح مخلوق نكادي ناقم على جيل الاستقلال البورجوازي محدث النعمة، حيث لاحت له أمارات توجب حلول اللعنة. فنادى بوالارواح حاشراً في أزقة قسنطينة التي منحها صورة تلك المدينة الأسطورية الآثمة: "سدوم" الملعونة بخطايا أهلها الآثمين.

و هنا نلحظ انقسام الخطاب السوداوي  لدى بوالارواح إلى ثلاثة أقسام متمايزة:

1-  موجبات اللعنة (الخطايا).

2- الدعاء باللعنة (الزلزال)

3- تصور حلول اللعنة( فضاء الرؤيا).

و نشهد تواتر البنيات الثلاث في كل مشهد من مشاهد قسنطينة يقابله بولرواح،. فلا يكاد يتفوه بكلمة إلا ليصب على الجميع وابلا من الدعوات بالهلاك، متمنياً حلول لعنة الزلزال، و زوال النعمة: "أرحها من الرعاع الذين يدنسونها بأبدانهم النجسة و بأفعالهم المنكرة، سلط عليهم }طَيْراً أَباَبِيْلَ تَرْمِيْهِمْ بِحِجاَرَةٍ مِنْ سِجّيِلْ{ .

ثم يبدأ بتصور مشهد زلزاله المنتظر، و يصفه لنا فيما يشبه حديث الرؤيا الصادقة، فلا نعجب إذا رأيناه يخاطب زلزاله، بل يوجه مساره في أحلام يقظته فيقول له:"ابدأ من هنا من الأسفل واصعد إلى قلبها و طهره (...) سلط الخصي على رجالهم، و العقم على نسائهم، حتى ينقرض نسلهم".

يواصل بوالارواح طريقه موزعاً اللعنات على الجميع:" قابله مقهى معلق في الطابق الأول، ينبعث منه ضجيج اللاعبين، و دقات الحجر، و تمتم عندما قرأ على لافتته عبارة (مقهى الانشراح).

- لا شرح الله لكم صدرا ". و في رؤيته لمقاهي المدينة يشهد مظهراً آخر للفتكك و الانحلال: "كل يوم يمنعون مقهى من بيع الخمر، فيهجرها صاحبها و زبناؤها، الشعب يشرب، و الشعب يبيع، و الشعب لا يرى مانعاً (...) تشربون ((الرهج)). و ها هو يرد على أحد أبناء الشارع الشاردين عندما قال له هذا الأخير: " بابا هيا تمسيحة أو تلميعة لحذائك.(...) دينار فقط يا عمي، تمسيحة متقنة.

أعاد الصبي عرضه. ابتسم الشيخ عبد المجيد بوالارواح ابتسامة ذابلة، سرعان ما تحولت إلى تكشيرة، عندما تقدم الصبي منه، و زمجر:- مسحكم الله من أرضه الطيبة يا نسل الإثم و الرجس."

و يبدو أن لديه أسبابه التي يراها كافية و موجبة للعنة: "قضوا على الكسابين الذين بارك الرسول في عملهم و أحلوا محلهم الزرناجية و الطبالين. يا جهنم افتحي أبوابك وابتلعيهم واجعليهم وقوداً أبدياً لك.(...)

يا سيدي راشد يا صاحب البرهان استجب لدعوة الحضري في مقهى النجمة: حركها بهم و بمنكرهم و فسقهم".

و أجاب حلاق عندما سأله هذا الأخير :"- ألست من الاتحادية ؟(...) قال الشيخ بوالارواح في صرامة ثم تمتم: - لا وحد الله لكم شملا، و لا أبقى لكم سمعاً. تركتم الرعي و الخماسة، و أشغال الحلفة و الصبار، و حفظتم ألحان الشياطين، و اقتحمتم المدن تغوون النساء و الرجال بالفجور و المنكر".

و يواصل صب جام غضبه على فئات المجتمع نساءً و أطفالاً: "...كل نافذة عامرة بامرأة تطل.

بقرات إبليس لا يليق لهن إلا الكهوف و المغاور.(...) يا نسل السوء يا بذور الشر سلط الله عليكم وباء الطاعون. و زلزلت بكم قسنطينة، وابتلعكم وادي الرمال.". و يلتفت إلى التجار فيرميهم:" اللهم لا تبارك لهم في تجارة أو سعي، واقطع دابرهم...".

و يعود تارة أخرى إلى النص القرآني و يستعير دعوة سيدنا نوح عليه السلام على قومه: "} رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكاَفِرِيْنَ دَيَّاَراَ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَ لاَ يَلِدُوْا إِلّا فَاَجِراً كَفَّاَراَ{".

و تارة يستمع إلى شخصين يتحدثان عن أمر المساجد و الأئمة فلا يعجبه خطابهما فيحدث نفسه:"- خسئتما ... لن يدخل الجنة ساكن من أهل الحي، لن تقبل لكم صلاة أو صيام أو عبادة، و لن يوثق لكم في دين. حتى النار لن تدخلوها . ستعاملون كالحيوانات و الحشرات، و ليس لدى الله أو ملائكته و زبانيته وقت ليضيعوه في التفكير في أمثالكم. بعضكم يحشر مع الذئاب، و بعضكم مع الكلاب، و أطفالكم مع القطط و الجديان. خسئتما".

إن هذا الاحساس الكافر بكل من يحيط به لهو عقدة داخلية ناتجة عن جرح غائر في ظلمات نفسه المضطربة بخوف ميتافيزيقي من زوال نعمة يتوقعه، فولد لديه هذا الإحساس عداءً باطنياً تجاه كل من يحيط به و كأنه سينافسه أو يحرمه رزقه. حيث نلاحظ هنا أن من يحقد عليهم و يلعنهم غير معروفين بالنسبة إليه، أي بعبارة أوضح، هو يلعن كل من صادف، موزعاً شتائمه و قبيح دعائه بصورة مجانية و غير محددة معلناً حرباً على الجميع دون استثناء، يقول محدثاً نفسه :" لكن هذا عقاب للجميع ياسيدي راشد، لمن صعد، و لمن نزل، و من ظل في مكانه". و ما يعزز لدينا هذا الطرح المرضي هو أن جل هذه الدعوات تتم بصورة باطنية، أي بينه و بين نفسه. دون أن يجرؤ على النطق بها علناً. بل يكتفي بتمتمة في شكل تذمر، يصدر إحساساً بالغربة و الاغتراب و التطير من هذا العالم الموبوء في نظره.

**-  اللاانتماء الخارجي- الرؤية العدوانية:

في هذا النوع من الخطاب يكشف بوالارواح عن وجه أقبح و نظرة أشرس و أكثر عدائية تجاه أناس الغريب أنه يعرفهم و كانوا مقربين منه قبل هذا، و على الرغم من ثرائه و استغنائه عن الحاجة للناس، فهو يحسدهم نعماءهم و يتمنى زوالها كأن يسمع بابن عمه عبد القادر الغرابلي و قد صار أستاذا في الثانوية، فيخاطب محدثه في حيرة: "- أستاذ؟؟ ماذا؟ هكذا بهذه السهولة؟ (...) شعر بالثقل يشده إلى الأرض و بالانتفاخ في قلبه يقطع أنفاسه، و بمطارق ضخمة تهوي على جمجمته. سال العرق من كامل بدنه. اصفرّ وجهه، ازرقّ، اخضرّ، تنهد من أعماقه – لا بأس؟... عبد القادر الغرابلي. عبد القادر الذي ضيع أرض أبيه أستاذ في الثانوية. و يسكن في عمارات الأساتذة ؟ هذا تحد صارخ لي. هذا تطاول..".

يستبد المرض ببوالارواح، و يستشري في أوصاله، منتقلاً من الداخل إلى الخارج، من السر إلى العلن، و من عامة الناس إلى خاصتهم لديه. حيث بلغ به تفاقم هذا الإحساس المرضي درجة من عماء الإحساس و الحواس معاً، أضاع فيها هويته، و منطقه، و نكصت فيها رغباته النبيلة في إنجاب الولد ، فطفق يلعن كل مولود على وجه الأرض، و ناصب العداء لكل ذي نعمة من الناس البسطاء، وكأن دورة التاريخ لصالح بعض المحرومين، و هبات القدر لبعض الكادحين باتت انتهاكاً سافراً لطبقته، و تهديداً صريحاً لمملكته، و زحفاً وشيكاً على إمبراطوريته، و مكانته الاجتماعية و الاقتصادية. مما أجج سعاره تجاه من تيسر حالهم  من الناس عامة، و من معارفه من البؤساء الذين عرف تاريخهم الكادح خاصة.

إنه حس سادي مبلغ غايته أن يقطع عيشهم و يعيدهم إلى دركات الغبن و البؤس و الحرمان. و ألا يطمعوا أو تسول لهم أنفسهم مجرد التفكير في اللحاق أو المساواة به. فيبقى هو في أعلى عليين و يبقون هم في أسفل سافلين. و هو لعمري تفكير سادي جرائمي لمّا يبلغ حد الفعل الذي يستوجب العقاب، و عماءٌ للإحساس العدواني، الذي يدخل بصاحبه بوابة الجنون .

ب- جنون اللامنتمي:

لا شك أن جنون عبد المجيد بو الارواح كشخصية لا منتمية هو محصلة الأمراض الداخلية و الخارجية السالفة، و حالات الاغتراب الطبقي الإقطاعي التي عصفت به. غير أن العلامة الفارقة في هذه المرحلة النهائية للامنتمي هي اضطراب الرغبات النبيلة المسالمة و امتزاجها بالرغبات الشيطانية المنتقمة في هذه الشخصية. فقد خلّفت عقدة العقم لديه سلوكاً زواجياً مضطرباً حدثت فيه جرائم في حق زوجاته الكثيرات اللاتي أثبتن له أنه هو المعني الوحيد بالعقم. بل دفعه الأمر إلى اغتصاب زوجة خماس لديه. و بعد أن قتلها تزوج ابنتها لكن دون جدوى:" انتظرت أن تحبل زوجة الخماس، انتظرت هي أيضاً. مرت أشهر طرقت ابنتها الباب، حدثتها بأمر ثم ولت، التهبت النار من حولي. ذاب السائل في صدري.. برز السائل إلى الخارج، وغمرني. تراءت لي عائشة. تراءت لي زوج أخي. تراءت لي حنيفة. زاغ بصري. في الصباح وجدتها مزرورقة و في عنقها آثار أصابع.".

هكذا قادته الرغبة في الولد إلى الجريمة بل إلى مضاعفة الزوجات اللاتي لم يعد يذكر عددهن، مما زجت به في ارتكاب جرائم لا حصر لها، و أخيراً أدخلته عُقده المتراكبة في حالات استيهامية و خيالات و تهيؤات يستحضر فيها جمهرةً من زوجات مررن به. فيستحضر صور شبابه الجميلة تخنقها خيبات جليلة. تعصف به في دهاليز التيه و الضياع، و هي حالات عصابية لا يتسطيع وصفها إلا بتشبيهها بالسائل الذي يتكدر تارة و يسيل فيغمره تارة أخرى. و هو تعبير ساذج عن مداهمات نوبات جنون تداهمه حينما يضيق صدره بذكرياته التعيسة. حتى صار أمره إلى العلن و لم يعد يملك له كتماً، فيخبرنا هاهنا بمبلغ جنونه:" خدمي يقولون أنني أهتف بالليل : عائشة، و أنا لا أذكر سوى أنني أمتلئ بالدكن، ثم أغلي، ثم أفيض بالمادة السائلة، ثم أنغمر، ثم أعمى، ثم أروح أتلمس بأصابعي.

فكرت أن أتزوج سبع نساء دفعة واحدة، كل واحدة بخادم.

فكرت أن أتزوج عشرين امرأة، و أن أزوج كل واحدة بسبعة رجال.

فكرت أن أشتري مائة طفل.

فكرت أن أتحول إلى امرأة و أن أتزوج مليون رجل و ألد مليون طفل.

فكرت أن أحفر جباً كبيراً، عميقاً كنهر الرمال، و أن أقذف فيه بألف امرأة و ألف طفل، بألف أب و ألف أم، و بأودية من الحليب.

فكرت في كل ذلك و لم أفعل منه شيئاً. إنما تزوجت بامرأتين في آن واحد. كنت أقول عنهما في قلبي أحياناً: هذه السلطة و هذه الفقه. و أحياناً هذه العروبة و هذه البربرية، و أحياناً هذا الإسلام و هذه النصرانية.

كلما رأيتهما فكرت في ضدين. وشعرت أنني أقوى . بأنني ملك على رأسي تاج كما يقول أبي...

أضربهما معاً. و أقبلهما معاً، و أضاجعهما معاً في وقت واحد و أسألهما معاً متى تحبلان؟"

إلى هنا يضيع الرجل منا و من نفسه إذ قادته حالته اللامنتمية إلى شخصية تشكل خطراً على غيرها أكثر مما تشكله على نفسها. و هنا يخرج الراوي من بولرواح الذي كان يروي من داخله . ليبتعد منه مسافة كافية و يكتفي بمراقبة حركاته من بعيد. و هي لحظة فارقة في مسار السرد. أين نشهد في لحظة تأزم عصابي كيف يخرج الراوي من داخل الشخصية التي طالما لازمها و روى الأحاسيس من داخلها، فيصف الراوي حالة بولرواح النهائية على مبعدة منه هذه المرة، إيذاناً ببلوغها أسوأ مصائرها:

 " – يا بو الارواح. هتف الأطفال، في حين كانت الشرطة تلقي عليه القبض و تمنعه من الانتحار".

إنها مواصل اللاانتماء و تداعيات إحساس مرضي بهجران العالم و إعلان خرابه لمجرد رسوب صاحبه في امتحانات الحياة و فقدان مكانه في قطارها. وانكسار دوغمائية بطل الطاهر وطار الإقطاعي الثائر على تغير حياة الناس من حوله، فخرج عن طورهم رافضاً هبة الحدثان في تاريخ البلاد. و لم يدر أنه خرج عن طوره هو. لنقف أخيراً على شخصية مرضية تشكو مرضها و تعممه على كامل أنحاء مدينته، شخصية نكادية توزع نكدها على عالمها الهزج من حولها، شخصية ظلامية تزرع اليباب في كامل العالم الروائي. شخصية رجعية حالمة، حولت أحلامها إلى كوابيس تهفو إلى زلزال و تنتظره في كل خطوة من خطواتها و هي هائمة على وجهها تجوب الشوارع و الأزقة و انتهت في جنون رحلتها إلى وضع معلق بين السماء و الأرض تبغي الانتحار.

إشكالية اللامنتمي و تشكيله في روايتي اللاز و العشق و الموت في الزمن الحراشي

1-   إشكالية اللامنتمي في شخصية اللاز

يتساءل اللامنتمي في شخصية اللاز و هو ينظر إلى ذاته المقهورة و إلى مجتمعه الذي لا يفتأ يصفه في خطاباته، و في نظراته، و في مختلف أشكال إداناته له بأنه ولد غير شرعي، و هجين، و غير مرغوب في وجوده الشائه بينهم. فيرد اللاز مظلمته بسؤال وجودي تنطق به مختلف خطاباته القولية و الفعلية مفاده:

- هل يُسأل الإبن غير الشرعي عن سبب عدم شرعيته؟، و يدان، و يتحمل مسؤولية خطيئة وجوده؟ ثم من هو غير الشرعي في كل هذه المعادلة: أنا (اللاز) أم المجتمع الذي يدين وجودي ظلماً ؟

يرى المجتمع في شخص اللاز شخصاً مريضاً، مجنوناً لا سبيل إلى شفائه من شذوذه و شروره الفطرية. فمن ولد غير شرعي لا يمكن أن يكون شرعياً في يوم من الأيام.

بينما يرى اللاز أنه كابد ظلم المجتمع منذ رأى النور على وجه الأرض، و كونه ابناً غير شرعي فهذا ليس بيده، و هو معنى جوابه الوحشي لأمه:" و هل اقترحت أنا ذلك يا عاهرة..". و كأنه يبرئ نفسه من جريمة لم يقترفها بالفعل فكيف تلتصق به بالقوة ؟

و من هنا انبنت رؤيته لعالمه: فإن كان هناك ظلم في العالم فهو من المجتمع، و إن كان هناك وجود غير شرعي فهو وجود هذا المجتمع الجائر، و إن كان هناك من أحد يعاني مرضاً ما، فهو هذا المجتمع الذي لا أمل في شفائه؛ يتسبب في ولادة أناس أبرياء ثم يشرع في جلدهم منذ ولادتهم إلى أن يكبروا في ظل خطيئة لم يرتكبوها، فأي مرض و ورم حضاري أكثر استعصاءً من هذا؟

أما منظور اللاز لنفسه : فهو البرئ من الخطيئة الأولى التي تسببت في وجوده، و بالتالي فهو براءٌ من كل تبعاتها، و أكثر من ذلك هو بشر مثل البقية لم تكن كل أفعاله التي يصفها الآخرون بالشريرة سوى ردود أفعال للشر الذي قابلوه به منذ نزوله إلى عالمهم الذي هو عالمه و له الحق في الوجود فيه مثلهم تماماً. و بالتالي فهو يرفض إقصاءه بهذه الطريقة. و من هنا يلتقط مشروعية و جوده فهو إنسان شرعي و طيب و يبحث عن أصل شريف استلب منه بالقوة و يريد استرجاعه بالفعل، لذلك نشهد بداية من منتصف رواية اللاز دليلاً قاطعاً على وجهة النظر هذه؛ و هي ثورة اللامنتمي.

و قد لاحظنا أن إشكالية اللامنتمي في شخصية اللاز تتكون- مثل نظيرتها في الزلزال - من زوايا ثلاث تشكل قوام أزمة مركبة على غرار أزمة بولرواح، و لعل استراتيجية الأزمة المركبة في بناء البطل المضاد هي الطريقة الأمثل لدى الطاهر وطار في هيكلة أبطاله المضادين بالاكتساب (من المجتمع) و الإشكاليين بالانتساب(إلى نظيره في نظرية الرواية الغربية- الواقعية الاشتراكية خصوصاً) و اللامنتمين بالضرورة. لذا يمكننا استجماع قوام إشكالية اللاز من خلال الزوايا الاستراتيجية التالية:

-       الزاوية الأولى- الإشكالية الوجودية:

و تنبني هذه الإشكالية بين اللاز و وجوده في العالم، أي بينه و بين القدر الذي صاغه، كونه قد خلق على خلاف كل الذين من حوله ولادة غير شرعية، و بالتالي فكل أقرانه يملكون أولياء معروفين، أما هو فلا يملك نسباً معروفاً و لا أباً موصوفاً، و بالتالي فهي نشأة مدنسة بالولادة. و من هنا حق له التساؤل الوجودي المشروع " لماذا خلقت ولداً غير شرعي خلاف كل أقراني؟" و هو سؤال سينتقل ليحدد مركزه الاجتماعي و قيمته بين من يحيطون به كفرد حُكِم عليه أن يكون مختلفاً عنهم جميعاً.

-       الزاوية الثانية- الإشكالية الاجتماعية:

انطلاقاً من أزمته الوجودية يدخل اللاز في دهاليز مأساة لا تنتهي تبدأ بنظرة المجتمع العدائية نحوه و تنتهي بسلوكاته العدائية نحو هذا المجتمع. و بين هذين الحدين تدور رحى معركة طاحنة بين اللاز و أبناء مجتمعه، هم يرمونه بأبشع الصفات، و يتمنون زوال شأفته من عالمهم، و هو لا يفوت أية فرصة للانتقام منهم و من أبنائهم دون أن تأخذه في ذلك لومة لائم. و لو بلغ بع الأمر أن يكون عميلاً في معسكر أعداء المجتمع و البلاد من المستعمرين. ليتسلح بقوة إضافية لإذلالهم كما أذلوه منذ صغره.

-        الزاوية الثالثة – الإشكالية النفسية:

تنشأ عن الإشكاليتين السابقتين إشكالية ثالثة تقوم بين اللاز و نفسه. فهو في كل فعل يأتيه مناوئاً لمجتمعه إنما يريد به إثبات وجوده. أو بالأحرى صناعة وجوده بيده. و افتكاك مكانته التي يستحقها بين الناس.

لكن مشروع فرض الذات بالنسبة إليه تعوزه الوسيلة. فغايات اللاز النبيلة في بسط شخصيته في مجتمعه قابلها بوسائل و أفعال منحطة، و هو ما أعاق مسيرته في تحقيق ذاته. و هو أمر طبيعي كونه لم يتلقَّ من مجتمعه و واقعه سوى الصفعات و الآلام، و بالتالي لم يتعلم أفعالاً و سلوكات إلا من جنس تلك المعاملة السيئة. فكان رد فعله عليها بالمثل.

لكن مع أول بادرة حسنة من مجتمعه الذي بعث له برسول السلام (زيدان) الذي أنبأه عن أصله و أخبره عن كونه أبيه الحقيقي. ينقلب اللاز رأساً على عقب، و يحدث ثورة وجودية و اجتماعية و نفسية، كأنما أراد التكفير و التعويض عن كل ما أتاه من مناكر منذ ولادته. و انطلاقاً من هذه العقذ و الإشكالات المختلفة الزوايا نشأ اللامنتمي في شخصية اللاز بعدة صفات صنفته بطلاً متطوراً تنمو إشكاليته طرداً من رواية اللاز إلى رواية العشق و الموتا في الزمن الحراشي يحثها عاملان:

-       أولاً - عامل ثابت: و هو المثل الشعبي السائر:"ما يبقى في الواد غير احجاره".

-   ثانياً - عامل متحول: و هو الذاكرة الشعبية المتنقلة معه و التي لا تغادره سواء في سلامته في رواية اللاز، أو في جنونه في رواية العشق و اللموت في الزمن الحراشي، و هي العوامل التي صنفته شخصية مأساوية حقيقة بلقب اللامنتمي.

2-  تشكيل اللامنتمي في شخصية اللاز عبر روايتي اللاز و العشق و الموت في الزمن الحراشي:

أ‌-   تشكيل اللامنتمي  في رواية اللاز- اللامنتمي بالقوة إلى اللامنتمي بالفعل

تصدر لنا رواية اللاز بطلاً لا منتمياً بالقوة، أي بالولادة. حاملاً ذنبه الأزلي و الأبدي بالفطرة كونه وليداً غير شرعي. و هنا يصدمنا الطاهر وطار بسؤال تتناسل عنه أسئلة جمة تتبادر إلى ذهن أي قارئ لهاتين الروايتين مفاده:

- هل اللاانتماء قضاء منزّل على من ولد في وضع غير شرعي؟

- و هل أن غير الشرعي بالولادة غير شرعي بالضرورة.

- أمحكوم عليه أن يبقى غير شرعي إلى الأبد لما كانت تلك هي بدايته؟

هكذا كان مصدر شخصية اللاز الشقية فهل سيكون مصيرها من جنس مصدرها ؟

يبدأ الطاهر وطار تمهيده لبطله اللامنمي :"اللاز" من حيث اسمه المتفرد فكلمة (Laz) المأخوذة عن الإسبانية تعني الرقم واحد. و الواحد يشير إلى حالة التفرد في الصفات و رفض الشريك أو الشبيه. و هذه هي الصفات المبدئية التي يمنحها وطار لحامل هذا الاسم ليبدو من الوهلة الأولى حالة شاذة مصدراً وظيفة و مصيراً. غير أن صورة اللامنتمي في شخصية اللاز تلتقط مقوماتها من عدة صور تفضي كل واحدة إلى تاليتها حتى تفضي إلى مفهومه الشامل.

*- اللامنتمي المنبوذ:

يبادرنا الطاهر وطار بصورة خلفية لبطله اللاز منظوراً إليه بأعين أهل قريته حينما يشاهدونه مع دورية لجيش الاستعمار. فيقول الربيعي:" هذا اللاز ، تقوده دورية.. إن شاء الله هذه الضربة الأخيرة . تريحنا و تريح جميع خلق الله. كان الربيعي مثل كل سكان القرية يبغض اللاز، و يتمنى من صميم قلبه أن تلحقه المصيبة القاضية". و صفة المنبوذ الاجتماعي تخبر للوهلة الأولى عن الصفات الخُلُقية محل النبذ، و هي العناد و التمرد ز الطيش و الاعتداء، فقد كان منذ صغره:" لا يفارق أبواب و باحات المدارس، يضرب هذا، يختطف محفظة ذاك، و يهدد الآخر إن لم يسرق له النقود من متجر أبيه أو الطعام من مطبخ أمه".

و يسترسل وطار في سرد الصفات المرذولة التي جعلت من هذه الشخصية حقيقة بكل صفات النبذ و الإقصاء من طرف المجتمع: "و لم يكن يجدي معه لا تدخل الآباء و لا تدخل (الشامبيط).. بل الويل كل الويل لمن يتجرأ و يبلغ عنه أباه أو أخاه.. مكابر ، معاند، وقح، متعنت، لا ينهزم في معركة، و إن استمرت عدة أيام، يضربه المرء حتى يعتقد أنه قتله، لكن ما إن يبتعد عنه، حتى ينهض، و يسرع إلى الحجارة (...) ما جعل الجميع كباراً و صغاراً، يهابونه، و يتحاشون الاصطدام معه، و يتنازلون له عن حق أو عن باطل .. اللقيط، كلما كبر اعتقد الناس أنه سيهدأ، أو على الأقل تخف وطأته، ازداد سعاره، و نمت فيه شرور، لم تكن لتتوقع، من السطو على المتاجر ليلاً، إلى الخمر، إلى الحشيش، إلى القمار.. حتى بلغ معدل دخوله السجن ثلاثين مرة في الشهر".

لم تكن هذه الشخصية سيئة السمعة و منبوذة من طرف أفراد المجتمع من الجيران و الأغيار فحسب، بل لم يسلم من شروره حتى أقرب الناس إليه؛ أمه التي لا يخجل أن يخاطبها كأي سفيه من السفهاء أقرانه في هذا الحوار حينما كانت تنوح على بوابة مخزن الشامبيط الذي يسجن فيه اللاز طمعاً في العفو عن ابنها الذي يخاطبها من داخل سجنه مزمجراً: "-اسمعي يا خنزيرة بنت الخنزير.. لو أخرج و لا أجد مائة دورو، أحطم رأسك..

-       لماذا يا اللاز يا بني ذ، لماذا ألست أمك؟ .. تسعة أشهر و أنا أعاني..

-       و هل اقترحت أنا ذلك يا عاهرة..".

لا فصال - عند وصولنا إلى هذا الحد من بذاءة اللسان، و بشاعة الفعل- في أننا أمام شيطان رجيم حقيق بكل الصفات التي نبذه الناس من أجلها، و التي ما تفتأ تتفاقم، فكلما كبر في السن عتا ظلمه و تضاعف طغيانه على الناس، لا فرق فيهم بين قريب و بعيد. لكن لا نغادر عنصر النبذ و الإقصاء من المجتمع دون أن يخلف فينا تساؤلاً جوهرياً عن السبب الحقيقي الذي يكمن وراء هذا السلوك الشاذ، أو الذي صنع من اللاز شخصية شيطانية مقصاة و منبوذة منذ طفولتها.

**- اللامنتمي اللقيط.

بالولادة لا ينتمي اللاز إلى أصل شرعي، و لعل حقيقته كابن غير شرعي قد هيأت مسبقاً مكانته الاجتماعية، و حالته النفسية، و شخصيته الشاذة التي ارتأى أن يفرضها في عالمه الذي يرفضه من الأساس :"بالشغب و المشاكسة، و كأنه ذات ممزقة ضائعة بلا هوية، هذا في الظاهر، و لكنه في أعماقه كان يريد أن يلفت إليه الانتباه، و يعبر عن وجوده بالتمرد و العنف، لكي لا تلفه طيات النسيان و يلتهمه صخب التاريخ المحتدم".

يلتقط اللقيط مقومات وجوده بالفعل بعد أن علم أنه لا منتمِ إلى عامة المجتمع بالقوة (بالولادة). فراح ينسج مغامرة وجود بنفسه و كما يراها هو، لكن ما يراه؛ هو عالم يحتقره منذ صغره، جيران يرمقونه بنظرات مقت ازدراء، خوف و محاذير تلفه في محيطه و بين أقرانه أينما حل. إذن فلا غرابة أن نتوقع ردة فعله تجاه كل هؤلاء، ردة فعل بالمثل، أي بالعداء نفسه، و علاقة التوتر نفسها. فحينما يراه المجتمع شخصاً شاذاً، و بؤرة فساد، و شيطاناً رجيماً لا يجب أن نتوقع أنه سيستسلم لهم و يوافقهم الرأي، و يسلم بمنزلته، بل على العكس، فليستعد الجميع لوابل من ردود الأفعال من هذا الشخص الذي يراهم مجموعة من التافهين الذين لا يستحقون مراتبه،م و لا منازلهم في المجتمع، بل تدلنا سلوكاته الجريئة و المكابرة أنه في موقف دفاع شرعي عن النفس إزاء ظلم فطري نشأ فيه، و يتلقى ضرباته كل يوم من كل فئات هذا المجتمع، لا عجب إذن أن يرى في كل ما يقوم به ردة فعل شرعية، بل و في شخصه إنساناً له الحق في الحياة و عليه أن يدافع عن هذا الحق و ينتزعه من هذا المجتمع الذي لم يرحمه يوماً.

***- اللامنتمي الثوري:

على الرغم من كل ما كابده هذا اللامنتمي في مسيرته المأساوية مع وجوده، و مع مجتمعه، و مع نفسه، نجده يحاول النهوض من انحطاطه، و يحاول التكفير عن جرائمه في حق مجتمعه و يستبسل في فرض شخصيته التي يريد أن يطهرها و يثبت للجميع أنهم قد أخطأوا في حقه منذ ولادته، و أنهم لم يعرفوا حقيقته يوماً ، بل و لم يمنحوه فرصة ليكشف عن نبل الرجل الذي يسكن جوانحه، و أنه لا ينقصه شيئ من خصال عظماء الرجال الذين أنجبتهم الجزائر. لذا يغتنم اللاز أول فرصة يبصر فيها بصيصاً من الشرعية لوجوده، فيستجيب لها من أول نداء. و يبرهن للجميع على أنه إنسان يهفو إلى نبيل الخصال، و  ينتمي إلى أصيل الرجال، و يحمل نبيل الشيم ، مثلهم تماماً أو يفوقهم نبلاً، و يبدو أن هذا كان هدفاً له منذ أمد بعيد، أخفته عن الأنظار هالة من التحرشات و الاستفزازات من طرف مجتمعه جعلته يحاربه حتى بالانضمام إلى أعداء المجتمع ليتركوه بسلام، فيتحاشى شرورهم. و في نفسه ضيم دفين في أن أحداً من مجتمعه لم يمنحه فرصة إظهار مروءته و شخصيته الحقيقية التي لم يعرفوها يوماً:" لقد أرادوه لقيطاً، و لم يكن لهم ما أرادوا، و أراد هو أن يكون شرعياً فكان له ما أراد".

و ندرك هذه الحقيقة التي يثور فيها اللاز عن ماضيه المدنس، و يرفع فيها شعار النبل و الشرف و نخوة المروءة التي انتزعها منه المجتمع بالقوة و هاهو يستعيدها بالفعل، بداية من صحوته في منتصف الرواية. و ذلك حينما علم بأصوله الحقيقية، و تعرف على أبيه (زيدان) فـ :"بعد أن تعرف على أبيه تغير مجرى حياته، و كبر وعيه، و أصبح مناضلاً فاعلاً في حركة الثورة". فيصحو اللاز و يغادر شخصية المرذولة و الشاذة و ذلك بعد أن بلغ ذروة إثمه. و هو منضوٍ تحت لواء أعداء الأمة من المستعمرين. و بعد سوء سمعته الذي طاول السماء، يدخل اللاز في حالة غيبوبة محمومة، مثلت مرحلة فراغ أو مرحلة انمحاء للشخصية الماضية، هي مرحلة انتقالية إلى شخصيته الجديدة المعاكسة لماضية، شخصية اللامنتمي الثوري، في عنفوان أسطوري ينهض فيه كالعنقاء من رماده فيهدم في أفعاله القادمة كل الدنس الذي ألحقته به شخصيته السابقة، فقضي اللاز الثوري على صنوه اللاز الحركي، و يتخلص اللاز الشرعي من نظيره غير الشرعي، و يقتل النبيل نظيره الخسيس، و يتبرّأ التائب من نظيره المجرم.

و هي بالأحرى ثورة على الذات قبل أن تكون ثورة على الآخر أكان المستعمر أم مجتمعه الجائر الذي لم يعذره يوماً كلقيط حمل لاشرعيته من لا شرعية مولده، و يستعد هذا المجتمع نفسه الآن لاستقباله كمناضل أخذ شرعيته من شرعية ثورته.

ب‌-تشكيل اللامنتمي- في رواية "العشق و الموت في الزمن الحراشي"- اللامنتمي المتعالي

لأنه مقدس و غريب و غامض، لأنه متحول عن ماضيه المدنس، و بالخصوص لأنه قادم من العدم و متجه إلى المجهول، فهو لا منتمٍ بالضرورة في مجتمع يؤسطر كل غريب، و يقدس كل ما يجهل، و يبارك كل خطاب متجه إلى المستقبل، و كل هذه الصفات متوفرة في اللاز الذي خرج من عالم الدنس في رواية اللاز، و داخل عالم القداسة في رواية "العشق و الموت في الزمن الحراشي". أما مقولته الغامضة التي تمجِّد الماضي و تدين الحاضر و تستشرف المستقبل:"ما يبقى في الواد غير احجاره"، فهي مقولة ثابتة على امتداد الرواية، لكن صاحبها متحول الوظائف و متعدد الحضور سواء تعلق الأمر بالحضور الفيزيولوجي أو الإيديولوجي باعتباره" همزة وصل بين الماضي و الحاضر(...) إذ نجده مرة يؤدي وظيفة شخصية مرجعية، بوصفه يمثل فكرة و رؤية، و مرة يؤدي وظيفة واصلة (...) و مرة يؤدي وظيفة تكرارية إذ نجده يعيش في ذهن الناس كحلم و كأسطورة، أو كأمل، بل تحوَّل إلى شخصية ميثولوجية سيطرت على ذهنيات سكان القرية، و خاصة النساء اللائي يزرنه بهدف التبرك و طلب البركات"(40). و هنا يكون قد حدث انعراج مهول في مسار هذه الشخصية اللامنتمية بين روايتي اللاز و العشق و الموت في الزمن الحراشي، إذ تنتقل عدوى جنون اللاز في الروائية الأولى إلى المجتمع الذي يقدسه، و يعينه درويشاً مركزياً في الرواية الثانية. في حركة سردية سنطلق عليها تسمية الجنون المتبادل.

*-  ولادة اللامنتمي المتعالي (المتسامي ) - الدرويش

يتسامى اللاز شيئاً فشيئاً في فضاء اللاانتماء منتقلاً من مكانة لا منتمية مدنسة شهدنا خطابها في رواية اللاز إلى نظيرتها المقدسة في رواية العشق و الموت في الزمن الحراشي التي يولد فيها لاز آخر تختفي فيه كل ملامح اللاز الأول بل تنقلب إلى النقيض. حينما يشبه الراوي مولده الجديد هنا بمولد على شاكلة مولد سيدنا المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام: "اللاز تحدث عنه سيدي علي بن الحفصي و قال: لا يموت و لا يفنى و لا يكذب. اللاز قالوا: كل شعرة من شعراته مباركة و زكية. خرج سيدي عبد القادر على أمه في الليل، أيقظها ثم أمرها بالنوم، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم هتف فيها : أنت أمي و أم جميع الأولياء و الصالحين . لم يطل بها الوقت حتى ولدته".

إننا أمام ولي لم يولد من حبل طبيعي بل من حبل روحاني، من رؤيا رأتها أمه فتمثل لها سيدي عبد القادر في منامها و بثه في رحمها، و لعل اللاز هو نسخة متأخرة عن سيدي عبد القادر: "اللاز بقي في بطن أمه عدة قرون. لا تسع سنين. لا سبعاً. لا سنة و تسعة أشهر. لا بضعة أشهر لا غير. ستة أو ثلاثة أو شهراً و احداً. اللاز ولد أسبوع و ليلة.

اللاز ولد كن فيكون. قالها سيدي عبد القادر. أنت أمي و دخل بطنها و خرج رضيعاً يبتسم (( أمر الدم الذي في صدرها أن يتحول إلى حليب فصار)) رضع و خرج يسجل أحوال الدنيا". هكذا يتسلل مرض اللامنتمي المتحول من شخصه إلى مجتمعه الذي انتقلت إليه عدوى جنون بدأ فردياً يخص اللاز، و ما لبث أن صار جماعياً حين تلقفه المخيال الساذج لأهل القرية.

**-   الجنون المتبادل - من درويش المجتمع إلى مجتمع الدراويش

تنتقل عدوى اللاز كالهشيم في مجتمعه، و يطير خبر شخصيته المتعالية  في كل أرجاء القرية، باعتباره أحد المرابطين المقدسين، و سرعان ما اتخذ في مخيالهم صفات ما فوق بشرية، و ها هم يحتضنون شخصيته و يتبنون جنونه و يجنون معه: " عندما يعود إلى كوخ أمه ... يجد بعض العجائز هناك يقمن بخدمته ، يوقدن الشموع، و يذررن البخور في النار...- مرحبا بك سيدنا - نورت المقام سيدنا - هل يسمح بالزيارات سيدنا... يزمجر بندائه دون أن يلتفت إليهن. متيحا لهن فرصة إطلاق الزغاريد الحارة. إنهن يفهمنه في جميع الأحيان و الحالات يخيل إليهن أنه قال كلاما بليغا". و هكذا يتحول مجتمع السذج إلى دراويش، لكن دون أن يتحولوا إلى لامنتمين لأنهم تبع للاز و ليسوا مثله. فهم يكتفون باتباع جنونه دون أن يفهموا أو يحاولوا الفهم. مكتفين بجعله قائدهم الروحي الذي يسوقهم بجنونه حيثما شاء. و هم في ظلمات خرافاتهم يعمهون.

إنها صورة طقوسية نمطية توحي باستشراء وهن ثقافي و حضاري يحمل صورة فانتازمية تحول فيها الجماعة هزائمها إلى انتصارات، و آلامها إلى لذات. فصار اللاز لديهم نجماً يسطع كلما ساورهم العجز في مواجهة واقعهم المرير:" عادت المرأة إلى الخلف منحنية كأنها في حضرة ملك الملوك... تقدمت امرأة أخرى منحنية بدورها في يدها مبخرة. طافت بها سبع مرات باللاز و شجرة الخرنوب التي كان يلتصق بها ثم واجهته محافظة على انحناءتها . قبّلت أطراف قشابيته في شغف و راحت تتضرع: ... يا سيدي يا شفيع المغلوبين، الملائكة تسبح لك و الروح و الجن و العفاريت، تخدمك مطيعة ذليلة، و النجوم و الكواكب تنتظر كلمة منك لتعلن على ساعة الفناء. يا من لم يكن لك أب أو ولد. و لا أم و لا سند، يا من خرجت من شعاب الخلود جسداً يضم كل أرواح الطاهرين و الصالحين. يا ولد سيدي عبد القادر الجيلاني، يا سيدي اللاز، يا سيد الخير، يا مولا البرهان. جئتك. قصدتك. و ليس لي من مقصد. أستغيث بك و أستجير . ألطف بي و بالسبعة الذين ورائي يا سيدي اللاز". و من هنا حق لنا التساؤل: من هو المجنون الحقيقي، اللاز أم المجتمع الذي يتّبعه؟

فإذا كانت عدوى الجنون قد انتقلت من اللاز إلى المجتمع فإن الصفة التي لا تقبل العدوى هي اللاانتماء التي لا يشاركه فيها أحد كونها صفة تساميه و تميزه عن الجميع.

***-  غائية التعالي- التسامي La transcendance:

  حينما تكتمل ولادة اللاز المطهر، و المتسامي، و يكتمل جنونه و دروشته و تنتقل عدواهما إلى المجتمع، تبدأ هذه الشخصية الفانتاستيكية في التحليق في عوالم ميتافيزيقة مفارقة لواقع الناس و المجتمع، ملؤها السرمدية و الأزلية و تلاشي الحدود. فنشاهده في صورة خيالية لا تتحقق إلا كرؤيا حلمية أو في حالات غيبوبة صوفية، أو نيرفانا بوذية، يحل صاحبها في اللازمان، و يسكن اللامكان: "إنه في غرب الغرب حيث لا نور إلا نوره. و لا صوت إلا صوته. و لا رحمة إلا رحمته".

  و نجده تارة أخرى في بعد متلاشِ يعانق كل الأزمنة و ينتحي كل الأمكنة في آن: "اللاز كائن و غير كائن. كائن حيثما حللنا و ولينا وجوهنا. اللاز يملأ الدنيا. هنا في الجزائر، هناك في المغرب، في تونس، في مصر، في الهند، في السند، في كل مكان لم تقم فيه ثورة العدل، و في كل موطن يذبح فيه زيدان.. و غير كائن لأننا لا نستطيع أن نشخصه في فرد معين. لا نستطيع أن نلمسه أو نحدق فيه، و لا أن نعطيه ملامح معينة. إنه أنا و أنت ، و كل الناس، و هو في نفس الوقت لا يمكن أن يكون أنا أو أنت أو أي أحد آخر. اللاز حق و غير حق". إنه شخصية بالغت في اللاانتماء حتى صار تعيينها ضرباً من المستحيل، بل يتحدد تماماً غي خانة عدم التعيين.

أما عالمها الذي تعيش فيه فلا يمكن إلا التكهن به، أو استحضاره على سبيل الافتراض و الإمكان و الإيهام:" اللاز يوهم الناس بأنه هنا، أمامهم، في هذه الدنيا الغرارة ثم يسافر. في غرب الغرب تماما، حيث لا صلة هناك بهذا العالم الفاني. هناك حيث الظلمة في الأصل. تقام الحفلات النورانية. يلتف بسيدنا حشد كبير من قوم لا يشبهوننا، و لا يضطرون لاستعمال اللغة، أو حتى إلى الالتفات إلى بعضهم. يتوسطهم في الهيئة التي خرج بها من بطن أمه. هيئة نورانية محضة. يتنور غرب الغرب، و يزول الدجى. يختفي".

هكذا يدثِّر الطاهر وطار بطله اللامنتمي في هالة من القداسة، تحت قناع الدرويش الذي فارق العالم الأرضي المدنس و عانق بغموضه عالم السماوات المقدس. فانقلب الميزان حيث ارتفع اللاز الذي كان مدنساً في طفولته و شبابه إلى مصاف القداسة في كهولته، بينما انحدر المجتمع الذي كان يتعالى على سلوكات اللاز العدوانية و الدنيئة، و صار أدنى منزلة من اللاز نفسه. في لعبة استبدال أو تبادل للأدوار. لا يمكن أن تخلو من دلالة ضمنية تشير و لا تعبِّر، توميء و لا تصرِّح بمكنونها الذي يحمل مقولاة ضمنية يلح الطاهر وطار على تبليغها رمزاً و إحالة و سيمياءً. لا تبوح بمكنون إحالاتها في أي قراءة بغير طرائق التأويل، و التفكيك و إعادة البناء.

ثانياً- تأويل خطاب اللامنتمي عند الطاهر وطار في نموذجي: بوالارواح و اللاز:

1- تأويل خطاب اللامنتمي في نموذج  بوالارواح:

أملت مقولات اللامنتمي و خطاباته على الطاهر وطار كي يكملها، أن يوقظ بطله و يضعه في مكانه الصحيح. آية أخرى على أن المقولة لا تكتمل إلا بشفاء البطل من مرضه، و انفتاح عينيه على الواقع، لذا يستيقظ بوالارواح من هيلمان الإقطاع الذي كان يلفه و يحجب رؤيته، فيبصر العالم على حقيقته، و حينها يدرك حقيقة عقمه و عقم المبادئ التي كان ينشدها، و الخطاب المحنط الذي كان يردده، و يكتشف انسداد الطريق الذي ابتغاه، و انقضاء العهد الظلامي الذي يغلّف عالمه. إذ لم يكن لديه- و ربما لا ينبغي له حسب رؤية الطاهر وطار - أولاداً يخلفونه، أو عقباً يرثه، حتى و إن تزوج حسب تعبيره "مليون امرأة"، و هكذا فقد حُكِم عل على عهود الإقطاع بالعقم و الانقطاع، حيث:" يصرح وطار بأن هذا العقم يرمز إلى عقم الفكر الإقطاعي، وليس لهذا الفكر من يخلفه، ويحمل مفاهيمه إلى الأجيال القادمة".

و حينما ينتهي مسعاه الإقطاعي و فكره الاشتراكي إلى الفشل، و ينقطع نسله و يوقن بانقراضه، فإن البطل بوالارواح لا يسلّم بالواقع بل يتنكر له لكي يبقي على صفة اللامنتمي في شخصه، و لا يتراجع عن أفكاره، بل يواصل مسيرته عكس التيار، و الهروب إلى الأمام، و هي - حسب أحداث الرواية - مسيرة مجنونة بل انتحارية ولا شك. و هذا هو المصير الحتمي لهذا التحدي و التحجر الدوغمائي لعقول هذه الطبقة البائدة. فنقف على بطلنا في آخر أنفاس الرواية يلفظ أنفاسه الأخيرة منتهياً في مرحلة أولى إلى الجنون، جنون من عرف الحقيقة التي كان يخشاها، و هي أن مساره منذ البداية كان مخطئاً، و تفكيره زائفاً، و ثبات العالم على شاكلته مستحيلاً، و ليس من سبيل إذن سوى الانتسحاق تحت عجلات التاريخ المتقدمة أو الجنون: "والجنون هنا يشير إلى لا معقولية الفكر الإقطاعي بعد ثورة تحريرية كبرى كان وقودها فلاحون صغار وعمالاً مسحوقين". و هؤلاء على امتداد الرواية هم المنبوذون على لسانه لأنهم حفاة عراة أرادوا حسبه التطاول في البنيان. لذا فلتحن ساعتهم، و لم يكن يدري أن تحديه لصيرورة التحولات في المجتمع يعني قيام ساعة طبقته و ملكها: «هذا تحد صارخ لي، هذا تطاول... يوم يتطاول الحفاة العراة، رعاة الشاة في البنيان، ويوم تلد الأمة ربتها، تقوم الساعة".

إن قيام الساعة هنا صيغ في قالب رمزي" القصد منه قيام ساعة هذه الطبقة وانقراضها". لذا ينتقل به مرض اللامنتمي من حالة الجنون في لحظة يقين بزوال النعمة، إلى الخطوة الثانية و هي الانتحار لما أيقن بضرورة زوال وجوده و طبقته من حياة الناس، و ذلك حينما أضحى هو العقدة الوحيدة في فضاء الرواية، و لا تجد عقدة الرواية حلها إلا بالخلاص منه.

و يبدو – حسب بناء الطاهر وطار لهذه الشخصية-  أن أمر الخلاص من هذه الشاكلة من الناس ليس بالأمر الهين، لأن بوالارواح يحمل معضلة استعصاء موته في اسمه الذي "يحيل على مرجعية سلبية لها ما يفسرها في تراث الذاكرة الجماعية الشعبية، فالهر يدعى (بو سبع ارواح) كناية عن طول عمره، و قدرته على اجتياز الصعوبات التي يعتقد الناس أنه هالك فيها (...) كما تطلق (بوالارواح) على الشخص المجرم الذي لا يرعوى عن القتل، و تصبح الجريمة لديه سلوكا و ممارسة عادية".

 و عندما استحال عليه الانتقام من الجميع بالقول و بالفعل، ينتقل  بوالارواح في لحظة جنون إلى ارتكاب جريمته الأخيرة في حق نفسه، إذ لم يبق له من حل سوى الإلقاء بنفسه من جسر وادي الرمال. و هي نهاية رمزية أبقاه فيها الروائي معلقاً بين السماء و الأرض فلم يرحمه بالموت التي تمناها، و لم يرحمه بمعيشة سويةبين الناس. بل أبقاه في حالة لا انتماء أبدي في منزلة بين المنزلتين؛ إذ حكم عليه بألا ينتمي إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء. فينتهي مصير هذا الإقطاعي بين يدي الشرطة. بعدما فقدت شخصيته في أقواله و أفعاله و أفكاره مكانتها من العقل و المنطق و السواء.

2- تأويل خطاب اللامنتمي في نموذج اللاز:

لا تحل عقد رواية اللاز و لا نعرف مصيره النهائي  إلا في رواية العشق و الموت في الزمن الحراشي، و لا تحل عقدة هذه الأخيرة إلا بحل عقدة صاحبها، و لا تُحل عقدة صاحبها الطاهر وطار نفسه إلا بشفاء بطله اللاز من مرضه، و جنونه و دروشته، و هذا ما يُقِرُّ به الروائي حينما يتدخل في جملة طريفة و غير متوقعة في هذه الرواية رواية حينما صرّح على لسان راويه قائلاً: "اللاز مسكين مريض. مليون جميلة لا تستطيع إيقاظ مشاعر اللاز. و سيظل الطاهر وطار يعاني عقدة الشعور بالذنب ما لم يستيقظ اللاز".

 و هذا يعني أن المؤلف عازم منذ البداية على أن تكون هذه الرواية هي رواية استيقاظ اللاز و انتقاله من حالة السلب إلى حالة الإيجاب. خلافاً لمسار بوالارواح .

و لعل وصولنا إلى هذه المرحلة الحاسمة التي سيحدث فيها انقلاب ثالث لشخصية اللاز، أي انتقال آخر من حالة السلب و الجنون ( التي تجاوب معها و قدسها مجتمع الدراويش) إلى حالة الإيجاب و هي مرحلة لم يتكلم فيها اللاز مطلقاً بل ترك تأويل مساره المتقلب بيد القارئ الذي منحه الروائي إشارات إضافية تعينه على استقبال خطاب هذا اللامنتمي المتقلب الذي انتقل من عالم الجريمة و الدنس إلى عالم الجنون و المرض، فعالم القداسة و التعالي، و أخيراً إلى الاستيقاظ و الشفاء أو استعادة التوازن النهائي.

 و كما لو أنه نزع كل الأقنعة السابقة، يعلن اللاز – مثلما أوحى به الطاهر وطار فلي بداية الرواية(ص 28)- استيقاظه و شفاءه النهائي ليستعيد وعيه بالعالم:" عمَّ نبأ استيقاظ اللاز، القرية بسرعة فائقة. كان الدليل اليقين، لمن يعلن استيقاظه، أنه غير ثيابه. نزع القشابية المزيفة بالحرير الأحمر. ارتدى بدلة عصرية أعطاها له الشيخ مبارك. حلق ذقنه. قص حتى شعر رأسه. زار كوخ زيدان أول ما زار. كان يسلم على سكان القرية، كأنما يلتقي بهم لأول مرة. كان يسير و يلتفت كأنه غريب". توحي الكلمة الأخيرة إلى أن اللاز ما عاد غريباً الآن، بعد الشفاء من كل أمراضه، بعد الاستيقاظ من غيبوبته، بعد العودة من رحلته الميتافيزيقية المجهولة. أي أنه شفي أخيراً و انمحت فيه ملامح اللاانتماء. التي قطعت صلته بالمجتمع، و استيقاظه :" يوحي بزوال كل هذه التناقضات، و لا يبقى من ((الزمن الحراشي)) إلا الأقوى و الأنفع و ذلك من خلال استحضار الذاكرة الشعبية بواسطة المثل الشعبي السائر((ما يبقى في الواد غير احجاره))" و هو تفاؤل بمجيء عهد اندثار ترسبات أزمنة الرجعية. و لا يدوم في النهاية سوى الحق و الصح: "و قد شرح أكثر من ذلك حجارة الوادي بأنها الصح، الحق. و اللاز إلى يومنا هذا يهتف بهذا النذاء الثوري المتفائل".

و شفاء اللاز من مرضه، و استيقاظه من غيبوبته، و عودته من رحلته، كان إيذاناً بتوقف هذا النداء، و توقف نداء "ما يبقى في الواد غير احجاره" دلالة على أنه قد رضي أخيراً بالعودة، كأنما استجيب له، و ذهب غثاء السيل أخيرا، و حل عهد جديد يبشر بما كان بنادي به البطل. لذلك ينزع قناع الجنون و المرض و الدروشة و يلبس بدلة جديدة، و يرمي بزمن الرجعية و اللاانتماء، فقد حل عهد قرر فيه اللاز أن لا يبقى لازاً و أن ينتمي و يعود من رحلة قطيعته مع الناس، و آية الانتماء أن يباشر فور عودته ما عليه من واجبات: "وقف في ساحة الشهداء، أكثر من عشر دقائق، تأمل العلم كثيراً و رفع حاجبيه تعجباً. كأنما يقول: سبحان الله العظيم. أيكون قد حدث هذا بكل هذه السرعة؟".

 إنه عهد جديد يبشر بميلاد بطل جديد تنمحي فيه ملامحه السابقة، و لعلها حانت اللحظة كي نستقصي مفهوم اللاز، و نستمع لإجابة الطاهر وطار نفسه حين يفرد أمامنا المعاني المتعلقة بمشروعية لاانتماء بطله؛ جنوناً و مرضاً، و غيبوبة عن هذا العالم: "في كل قرية و في كل مدينة لاز. و لا يعقل أبداً، أن تبقى قريتنا بلا لاز (...) أن اللاز هو الشعب. و أن الشعب هو المستقبل. و أن الإيمان بالمستقبل، هو سلاح كل مناضل و مناضلة". و من هنا تنتثر تباعاً المعاني المتعلقة بمشروعية وجود اللاز و رمزيته في العالم الروائي تاريخاً و فناً، و من هنا نتعرف مشروعية قرار استيقاظ اللاز من غيبوبته، و عودته من رحلته، و شفائه من مرضه و جنونه و لا انتمائه في آن.

 و تنتهي هذه الرواية كما انتهت رواية الزلزال حيث حُلَّتْ عقدة اللامنتمي، إما بالخلاص من اللامنتمي المريض الرافض للعودة لعدم توفر مبررات عودته و شفائه. فيتخلص العالم منه و من عقده، و إما أن يشفى البطل و يتخلص من شخصية اللامنتمي فيه عندها يحدث التحول و ينزع القناع السابق الذي طالما قابلنا به في الرواية، و يشفى من كل أمراض اللامنتمي.

و كما لا يحسم وطار مصير بوالارواح بالقضاء عليه أمام أعيننا بل يخبرنا بحالة جنونه و إقدامه على الانتحار و يترك نهايته مفتوحة و معلقة على هذا المصير المشئوم، فإنه لا ينهي شخصية اللاز أيضاً إلى الوفاق التام مع مجتمعه و الارتماء في أحضانه، بل يخبرنا فقط بأنه قد عاد، و شفي، و استفاق، و أول فعل إيجابي يقدم عليه هو زيارة مقبرة الشهداء و بيت أبيه زيدان الذبيح لمواقفه الاشتراكية من الثورة. لكنها نهاية إيجابية تؤشر على نهاية عهد و بداية عهد جديد، آية على الانفتاح على مستقبل متفائل يطرقه الطاهر وطار و وطله اللاز بحذر شديد من خلال حالة الترقب الحذِر التي ترافق شفاء اللاز و استفاقته.

 و هي حالة التوازن النهائية التي تسم بداية خروج صاحب القطيعة من عالم اللاانتماء المغلق و المنقضي، و بداية نسج أول خيوط الانتماء إلى العالم الجديد.

و لا منتمي الطاهر وطار بهذا المعنى لا يتحدد بخروجه عن نطاق مجتمعه، و طوره فحسب، بل نجده يخرج على حدود مفهوم البطل الروائي كما حددته نظرية الرواية، فلا هو ملحمي مثالي المسعى في تحديه لضرورات الطبيعة التي تهده في الأخير، و لا هو مأساوي يصارعه انفعالاته و أهوائه التي تقوده إلى حتفه. بل نجده بطل وطاري درامي المسار، يتبرم عن الجميع بأفكاره الغريبة المتعالية إذا ما حاصره المجتمع و منطقه، فيواجهه بمنطق مضاد، و قول مناوئ، و سلوك يخرج عن مألوفه، و هذا هو خطابه الذي يواجه به إشكالات عالمه، و ظروفه المعقدة، و زمنه البليد. بطل لا يقبل الاختزال إلى مجرد ضحية لظروفه و عازف على إيقاع عصره، و حالب في إناء قومه. و لا ينتهي إلا مسدداً لثمن وجوده، سواء كان هذا الوجود، شرعياً في مجتمعه أم غير شرعي، مرغوباً به أم مغضوب عليه. رضي عنه الروائي أم لم يرضَ فهو في النهاية صاحب القرار الأخير و الكلمة الفصل، و ابن كلمته و موقفه و ضحية لهما.

 

تحميل المقال

 

 

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11