FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

شعرية العنوان بين الغلاف والمتن

ـ مقاربة بين الصورة والخطاب الروائي /اللاز نموذجا

 

محمد الأمين خلادي

جامعة تبسة( الجزائر)

مقدمة

أريد بهذا البحث قراءة الجديد المتجدد في مسار الخطاب الأدبي والعمل الروائي "الوطاري" وعلاقته المتلاحمة بالعنوان المختار له و بالصورة  الفوتغرافية أو الإلكترونية أو المأخوذة من فن الرسم التشكيلي كاللوحة الزيتية في الغلاف... وغيره؛ سواء أكانت عنوانا أم لوح غلاف أم رسالة ونوعاً فنياً تؤدي الوظيفة الجمالية التأثيرية في النص الإبداعي ( المتن ) أوأبلغ منه أحيانا أخراة.

ولما كانت الآثار الأدبية والبيان الأدبي شعراً ونثراً قائمة أصالة على أسس الصورة الفنية/الأدبية/البلاغية/الشعرية/النثرية/الروائية /الجمالية /…، فليس غريبا أن تتوالج الرسالة اللغوية والأدبية مع" الرسالة الصورية" (من الصورة الفنية المشكلة باللون والحجم والأبعاد والظلال والأشكال)؛ ذلك لأن ثمة انسجاما توْصالياً ما بين القراءة العينية البصرية والقراءة التقليدية؛ وعلاقة كل منهما بالآخر أثِيلة تكاد تتحدد في شاكلة فنية جمالية تفرض ذاتها اليوم في التداولية الخطابية بالأوجه الشتى و الأضرب الإبلاغية غير المنتهية.

كما أذهب في مباحثة هذا مذهب من ينقب عن نكتة ثقافية، هي في المبتدإ نكتة العنوان الصورة/ الصورة العنوان؛ الواجهة التي تتصدر الأثر الأدبي الروائي لدى وطار في بعض أعماله، وما هي العلاقات بين المتن والغلاف والصورة الملتقطة للبطل؛ مثل: ر يعود إلى مقامه الزكي، فأجوس خلال العلامات اللغوية والبصرية والفنية والتقنية الإلكترونية والتأثيرية التوقعيc… مبتغيا الإجابة عن أسئلة مركوزة في وصال ما بين الأدب وحقل الصورة الإلكترونية، وبناء على مراعاة الحجم الخاص بمقام المؤتمر وزمنه وباعتبار تعميم النموذج على الأعمال كلها؛ ارتأيت اختيار رواية" اللاز"شاهدا وعينة للدراسة، قارئا تلك العلاقات في "عين النقد الأدبي" معتمدا بعض دراسات متنوعة في تخصص الموضوع وبطرق متعددة متفرقة.

عتبات في العتبات

العنوان في العربية مأخوذ من مادة " عنن" و" عنى" بمعنى الظهور والابتداء وكذا الاعتلاء...، وعنوان الشيء سمته التي تميزه عن الآخر وتعينه وتحدده؛ ومثل هذه الكلمة مثل الاسم الذي من وظيفته بيان الشيء أو الشخص وتمييزه عما سواه ؛ ومن أمثله الإعجاز السورة القرآنية التي تحيط بكل الآيات الكريمات معنى ومبنى كالسور البياني لكل وحدة لغوية ودلالة مضمونية تحقق التطابق لكل جزء في السورة ، كما أنها تدل غالبا على أبرز أمر قد حوته تلك السورة خلاف غيرها، وذلك من خلال آلة التكرار والترداد لذلك الأمر تركيزا على بؤرته داخل منظومة الخطاب.

وعنونت العرب بيانها الشعري بقولها إنه ديوان العرب، كما كانت تعنون أشعارهم ومعلقاتهم الشهيرة باسم القصيدة على أساس القافية فيها كقولهم لامية امرئ القيس وهلم جرا، أضف إلى ذلك إطلاقهم ألقابا مخصوصة على خطبهم وقصائدهم مثل البتراء والعصماء... وقس على ذلك.

ومن آليات التسمية والعنونة تفضيل المبدع اسما يختاره عنوانا لقصيدته أو خطبته أوقصته أو روايته من متن إبداعه نفسه ؛ كاختيار اللفظ الدال على مناسبة القول وباعث الإنشاء، أو لفظ قد تكرر كالظاهرة البارزة الدالة على معنى أساس أراده المبدع ... وثمة أسباب وحوامل وآليات أخر.

وأطلق على العنوان عناوين وتسميات أخراة؛ كقولهم " العتبة" دلالة على مبتدإ الشيء وناصيته؛ إذ يجمع الأستاذ رحيـم عبد القادر بعضا من التعريفات بقوله «  يذهب جاك فونتاني (Jaques fontanille) إلى أنّ العنوان مع علامات أخرى هو من الأقسام النادرة في النص التي تظهر على الغلاف، وهو نص موازي له".

ويعرّفه ليوهوك (LEOHOEK) بقوله:"العنوان مجموع العلامات اللسانية (كلمات مفردة، جمل...) التي يمكن أن تدرج على رأس كل نّص لتحدّده، وتدل على محتواه العام، وتغرّي الجمهور المقصود" بمحتواه، فالعنوان عند ليوهوك(LEOHOEK) يحظى باهتمام بالغ، نظرا لكونه "أكبر ما في القصيدة، إذ له الصدارة و يبرز متميزًا بشكله و حجمه"  منتصبًا في مقدمة الكتاب، و كذا لكونه أداةً تحدٌد النّصْ، وتعيّنه "فهو رسالة لغوية تعرّف بهوية النص، وتحدّد مضمونه، وتجذب القاريء إليه، وتغويه به" وهو بعد ذلك "نظام دلاليٌّ رامز له بنيته السطحية، ومستواه العميق مثله مثل النّص تمامًا"  من حيث إنّه حمولة مكثفة من الإشارات والشفرات التي إن اكتشفها القارئ وجدها تطغى على النّص كله، فيكون العنوان مع صغر حجمه نّصًا موازيا(Paratexte)، ونوعا من أنواع التعالي النّصي (Transtextualité)، الذي يحدد مسار القراءة التٌي يمكن لها أن "تبدأ من الرؤية الأولى للكتاب"انطلاقا من العنوان ولوحة الغلاف، و شكل الكتاب..» (1)

وتلك التفاتة تنظيرية تأسيسية لحقيقة العنوان ومهاياه المعرفية والمنهجية، بل وعلاقته بالنص والمتن والخطاب، وكذا المتلقي والأبعاد التي تنجر عن اختياره دالا منضغطا عاما وأساسا على النص ومدى نجاح صاحبه في الاصطفاء وخبرة التأثير في المستقبل...

و يضع الأستاذ عبد الفتاح الحجمري قواعدا و أسسا لتحديد مختلف العلاقات التي تحكم متن الرواية وعنوانها و غلافها و كاتبها و كذا متلقيها و أثر الناشر و النقاد المعلقين عليها، فيقول : « القاعدة الأولى: وتقف عند المظهر التركيبي للعتبة من حيث قدرتها التمثيلية على احتمال شروط الإنتاج النصي وبدائله، إنها قاعدة تنظر إلى العتبة في إطارها العام كنص مواز لسياق العمل الأدبي والنقدي والفكري.القاعدة الثانية: وتعتبر العلامة النصية علامة تضمينية تحقق نوعا من التجاور والتحاور بينها وبين بقية مكونات هذا العمل أو ذاك ، والتضمين مقترح مركزي يستفاد منه تفضيل الحديث عن جملة من المقدمات التي تحقق نوعا من التحليل السياقي الذي يجعل من العتبة بنية نصية ضرورية لإنتاج المعنى. القاعدة الثالثة: وتعرض لها خاصية القراءة المتعددة التي ترتبط بتوظيف العتبة باعتبار سياقها النصي أو النصي الموازي المنفتح على مقاصد المؤلف وإمكانات الكتابة »(2).

فالعنوان هو عمل روائي مواز لمتن الرواية المكتوبة و هو نص مشفر يحتاج إلى جملة من الآليات و الأدوات التحليلية التي من شأنها تبيان مكونات النص الروائي و إجلاء معانيه كالعلامة النصية مثلا، كما أن تعدد قراءات الرواية مع عدم إغفال نص العتبة الموازي و إعادة قراءة تلك القراءات هي من مستلزمات فقه الرواية ونقدها و إدراك معانيها.

والعنوان أول علامة وأكبرها في متن الخطاب وكل حيثياته ودقائقه؛ وهي العلامة الضامة لجماليات المعجم والتركيب والدلالة والصيغة الصرفية والمعنى النحوي والتصوير والإيقاع ، وأسئلة أساس في الفهم والإفهام مثل : هل ثمة فرق بين زمن كتابة الرواية وزمن كتابة العنوان ، وهل يسبق أحدهما الآخر ؟ أو يتوازى تأليفهما بمعية ذات جدلية ؟ وهل يكرر الروائي النظر في صيغة العنوان بدءا وختما ؟...

من أجل ذلك فالعنوان العلامة المكثفة المنضغطة الساحرة الجاذبة المحيرة الفاتحة أبوابها على تأويلات لطاقاتها المشحنة ببيان وأشكال يذهب المتلقي في اسقبالها أيما مذهب ؛ ومنه فالقاري أول ناقد لتلك العلامة كما أنه كاتب جديد متجدد للرواية بفعل قراءاته المتعددة المختلفة.

بناء العنوان والانسجام الحدثي في الرواية

تتسم الرواية بأحداثها وتشابهها وتواترها المكثف المعتمد على اشتقاقات فعلية وقولية للشخصيات، والحُبكة الفنية الروائية تكرار جمالي موضوعي به يوزن نجاح الخطاب الروائي؛ والحُبكة الروائية إيقاعها الروائي الذي هو عبارة عن إطار دلالي يظل حي التوقيع والحركة في ذهن المتخيل وقلب المتلقي مجرد يسلم نفسه إلى الرواية إسلاماً صادقاً؛ فالإيقاع الروائي من أعظم التردادات في النص الروائي وهو الذي يحفظ سلامة التردادات التي تنتشر دون حدود «...وطالما أن للنثر إيقاعاً خاصاً به فقد أفرد له إ.م.فورستر فصلا خاصاً في كتابه "ملامح الرواية"، فإذا كانت الحكاية تثير حب استطلاعنا، والحبكة تعتمد على ذكائنا – فإن الإيقاع يتوسل إلى الشعور بالجمال فينا، فإليه يرجع الفضل في أننا نرى الرواية ككل»(3)؛ وبهذا يصان إيقاع الرواية ودراماها في انسجام الخطاب رغم طول الرواية وتشعبات تلافيفها وعقدها...

فـ" حكايات حارتنا"(4) تتضمن خيطاً روائياً يحفظ تناغم كل الحكايات؛ ومحتويات الرواية هي مجموعة تلك الحكايات التي بلغت ثمانية وسبعين حكاية؛ وكلها حلقات تتماوج حول المكان (الحارة والتكية) وتلك الشوارع والبساتين، إذ يرسم الكاتب نجيب فسيفساء الحدث الروائي بريشة الأفعال والأقوال التي باتت مركوزة في بؤرة المكان الذي اختزل في عنوان (حكايات حارتنا).

ويدعو الدكتور مرتاض روايته (مرايا متشظية) وهذا عنوان يحيل إلى عوامل الانسجام والإيقاع الروائيين المبسوطين في كل أجزاء الرواية كأنها تلك الأحداث/ الأجزاء المهشمة وشظاياها، كأن كل جزء مرآة قائمة بذاتها تنعكس فيها كل الأحداث الروائية مادامت المرآة/ الجزء الواحد لا يتجزأ من صورة الكل، ودليل هذه الإحالة الجمالية الرمزية فاعل الترداد بأنواعه وقد حرصت عليه سردية الكاتب كي يحفظ انسجام النص وتماسك الخطاب إيقاعيا؛ كإيقاع الحقول الدلالية التي تُماسِك كل المشاهد منها الدم والنور والظلام والطوفان والعطر؛  والتشظي أطفأ نور المرآة التي كانت سليمة صافية نائرة، فتداعت إلى شظايا بعثت غول الظلام، هذا الحقل الدلالي الذي تجاوز ثلاثمائة تارة في النص.

ومن الكتل التردادية المزدحمة التي ملأت فصول هذه الرواية (شظاياها) تواترات التجانس والسجع والطباق والتشاكل والجمل القصيرة المتوازنة...(5)

وشبيه بهذا رواية "كوابيس بيروت" للروائية "غادة السمان"، ورواية "المستنقع"(6) للروائي حنا مينة خطاب يضم إيقاعاً مكانياً يتردد في ألفاظ تحيط بالمستنقع لرداءة صورها، وهي الكوخ، وأراضي المزرعة وعذابات الفلاحين وسطوة السيد خريستو على أسرة البطل وخدمة أمه في بيت السيد وفقر الأسرة وضياع الأب وتشرده وأكواخ الفقراء من حولهم، وكثرة الأمراض... وكل المشاهد التي أحاطت بالشخصيات؛ فكل الأحداث متناغمة تجري في دائرة المكان والزمن العقيم رغم طول الأحداث واستطراد الفصول، تظل كل الأجزاء متماسكة بإيقاع المستنقع وظلاله المخزية (7).

التكرار الروائي والتلقي

لا ريب أن اللغة هي أوْلى الأدوات المحتومة التي يجب أن تُتقن من جهتين، جهة المرسل الروائي، ثم جهة القارئ/ المتلقي كي يحظى النص/ الرسالة بمصداقيته الفنية الجمالية والمضمونية، ذلك لأن المتلقين أظمأ كائنٍ حي لمصدر معادلٍ ينوب عن الواقع البديل لواقعهم الذي يحاولون تجاوزَه، لا سيما أن معظم الموضوعات الروائية الجادة تتعمق في معاناتهم وتحكي حياتهم وكأنها رجعُ أصواتهم ومفضوح مخبؤهم النفسي والاجتماعي والفكري(8).

ولهذا فإن معظم الروايات الناجحة هي التي تكرس بحث القضايا التي تؤرق المتلقين كالثورة والحرية والسلام والمرأة والسعادة والظلم والوحدة والتمزق والفقر والمرض والألم والأمل وقضايا المجتمع والأُسَر والتعاون والتنابذ والرفض والحلم...؛ فرواية (زينب) لـ"هيكل" و(ريح الجنوب) لـ"عبد الحميد بن هدوقة"وغيرهما ترداد موضوعي يوسع دائرة التأثير الإبداعي في قرّائه ويعمل على إنجاح البديل النفسي والدواء المعنوي للمتقبلين.

ومنه فضبط اللغة الواضحة المتماسكة معجما ونحواً وأسلوباً وصورة ويسورة وعمقاً...يساعد على امتلاك قراء يمنحون كُتابهم ثقة الرسالة وتبادل الاستجابة والمثير في جدلية قرائية تمنح الأدب الخلود والإنسان السعادة.

ومن أجل هذا وغيره، فربما استطالت أحجام الروايات وتعددت أقسامها وامتدت متونها، لأن عمقَها وعقدَها تحتاج إلى قارئ صبور، وما الروائي إلا الكائن القارئ الأول الذي يسبق القارئ بعد اكتمال الرواية« فالنص السردي إن هو إلا نسيج فضاءات بيضاء وثغرات ينبغي ملؤها.

ومن يتكهن أنها ثغرات سوف تُملأ، فيتركها بيضاء لسببين: الأول هو أن النص يمثل آلية مقتصدة تحيا من قيمة المعنى الزائدة التي يُدخلها المتلقي على النص. أما الثاني فهو أن النص يترك للقارئ المبادرة التأويلية، فإن النص إنما يُبث إلى امرئ جدير بتفعيله، ذلك المرئ هو القارئ المتخصص القادر على فهم النص»(9).

وفي هذا يُفهم أن إحكام اللغة بيد الروائي وترقي المتلقي إلى درجات الدّربة اللغوية ومداومة القراءة والاطلاع هو السبيل الأولي التي ينشأ عنها القارئ المتخصص الناجح والروائي الخالد، والإشارة السانحة التي تجذب المتلقي لملء الثغرات إشارة فنية مائزة تكثر في النص الروائي قصد تلوين الحركة السردية بين الترداد والإيجاز بالحذف وغيره، حتى لا يسأم المتلقي، في الوقت ذاته يقترب من صناعة المشهد وهو ابن الواقع؛ ولعل التأويل وجه من أوجه الترداد الروائي الذي يضيفه القارئ/ المتقبل إلى ذاكرة الرواية ونقد الروائي، هو ترداد القراءة المستقبلة إلى ذاكرة الرواية وأحداثها ومدى تأثير شخصياتها وفواعلها في النفس المتلقية، وقد تشترك الملاحم السردية مع الرواية في طول نَفَسها البياني ومغاليق المشاهد ودهاليزها من خلال فاعلية التكرار والترداد(10).

التكرار بين العنوان المكتوب وعنوان الصورة

تتلاقح الآثار الأدبية مع فنون أخرى بطرق مباشرة وغير مباشرة، فكما أن العمل الأدبي لا يُفصح عنه إلا بفعل التخريج الفني برسم الخط وتقنيات الكتابة وأدوات الإيقاع؛ فإنه لا يستغني –أحيانا- عن فنون أخرى كالرسم والتمثيل والمسرح والموسيقى والسينما والفن التشكيلي وغيرها، مادام أن بعضَ هذه الفنون في حِوج إلى النص الأدبي، كحاجة المسرح والسينما إلى متن الرواية والقصة.

والرواية عنوانها يُفصح عن هويتها؛ في حين قد تأخذ فضاء معادلا وظهيرا فنيا تستعين به كفضاء الصورة المرسومة في غلاف الرواية الأمامي –غالبا- ليكافئ دلالة العنوان المكتوب؛ ومنه فالصورة على هذه الشاكلة ترداد بياني بالمعنى دون الكيفية يؤدي إبلاغية مقصودة وإرسالية وظيفية تجذب القارئ؛ وتحاول تسريع الرصد الدلالي لمحتوى العنوان ولقطة مشهدية تُدرَك بالعين القارئة قبل تقليب صفحات الرواية وتأمل مشاهدها المكتوبة بالحرف والحركات ودلائل الكلمة والجمل  وأدوات الرسم الخطي... ! فوظيفة الصورة اختزال استعراضي يُحرج المتلقي ويثير انبهاره، وما العيب في هذا ما دامت الإحراجات الإشهارية لحاجات الإنسان أكلا وشربا ولباساً ومركباً وتطبيباً... تطالعه كل حين بالجديد بل تضايقه وتأخذ بلبه؛ فإن كان ولا بد من ذلك جسديا فإن الحاجة إلى إنماء الفكر والذوق والشعور أولى وأقمن، لأن خدمة الجسد لا تُغني عن خدمة العقل والقلب، وخلاف ذلك أدخل في الصحة وبها آكد.

فللعنوان وظائف عديدة بها يقع التوازن في إنجاح عملية التلقي كالوظيفة الدلالية والجمالية، « وأما تجاريا فيتعلق بتوظيف العنوان لترويج الكتاب وإغراء الجمهور باقتنائه وقراءته. لذلك نجده يعتمد على العديد من المظاهر الاقتصادية والجمالية والعلوم مثل علم النفس، والفنون مثل فنون الإعلام والاتصال والإخراج والكتابة والرسم والتلوين وغيرها. فكم من كتاب كان عنوانه وراء كساده، وآخر وراء رواجه»(11).

ومهما يكن فصورة العنوان وبالأحرى عنوان الصورة يخضع إلى دراسة علمية تستنير معارف عديدة وتستشير أهل اختصاص كُثر؛ وخصائص الصورة العنوانية في شكلها وحجمها وألوانها وظلالها وأبعادها...إنما هي تقريب للتفصيل الرواي وإلْماع خاطف لما هو مبثوث في المتن وخطاب منضغط عابر، مثلها مثل كلمة الناشر أو إشهار الإعلامي في الجريدة أو في الوسائل المرئية المسموعة...وقس على ذلك، وسيمياء تلك الصورة حية متحركة في مخيال المتلقي الحصيف المتمرس قبل شروعه في قراءة الخطاب الروائي محاولاً صنع العلاقة بين العنوان المكتوب والصورة، ثم يفتح باب التأويل والتفسير ساعة إقباله على المقروء، وتظل تلك الفواعل التواصلية الاحتمالية نشطة طوال زمن القراءة وبعد تمامها، بل تنقش الصورة نقشا، فتحيا في الذاكرة، إذ الرواية المقروءة –لدى ذلك القارئ- هي صورتها المحفوظة في مخياله(12).

"الجذور" رواية للكاتب"أليكس هاليني"، وترجمة "د.فؤاد أيوب"، والمحامي "سهيل أيوب"، تحكي حياة الرقيق ومأساة الزنوج في إفريقيا وألوان العذاب التي تلقوها تحت سطوة العنصرية والظلم، عنوانها موصول بالبطل "كونتا كينتي" من أسلاف المؤلف (1750م 1962)، وتسرد مشاهد الشقاء والإيمان والحب والشجاعة والصراع في أدغال غامبيا الإفريقية وغيرها، المكانِ الهاجسِ الذي زاد الإنسان الإفريقي تشبثا بجذور الوطن فساق إليه تكالب الاحتلال والغطرسة...

والغلاف وقد كتب باللون الأحمر لون الدم والخطر ممزوج باللون الأسود ذي السيمياء التاريخية التي تؤشر إلى عقدة اللون ووقوع الزنوج تحت وطأة البيض العنصريين، وحركة الخط مستطيلة ترمز إلى تجذر هؤلاء في أرضهم، ثم إن مشهد الصورة جزء من مشاهد الرواية، فيه تلميح للقيود والأعمال الشاقة إذ إن قُضبان الخشب والسلاسل والصدور العارية...كلها أجزاء تفاعلت ألوانها وأشكالها وأبعادها ومسافاتها لتعادل عنوان (الجذور/ Les Racines) ومتن الرواية بأكمله(13) ،« وفي الواقع فمنذ ظهور الكتاب، صار الارتباط بين النص والصورة عاديا، ويبدو أن هذا الارتباط لم يدرس جيدا من الناحية البنيوية، فما هي البنية الدالة لهذا التزيين بالرسوم ؟ هل تُضاعفُ الصورة بعض معلومات النص بواسطة ظاهرة الإسهاب، أم أن النص يضيف خبراً جديداً  للصورة ؟ »(14)؛ فبارت يستنتج لزوم الصورة للنص قياساً بتطور الإيصالية وأدواتها، وتَشاركِ مصادر ذلك في رسالة التلقي، ومثل هذه الأسئلة تبحث في الوظائف المركبة التي قد تأتيها النصوص مع الرسوم والرموز؛ والمضاعفة هي نفسها الإسهاب، ولعلهما الترداد الذي أريده في دراستي، مضاعفة الدلالة النصية بدلالة صورية (رسمية/تصويرية)، وهي مضاعفة بالمعنى دون الكيفية، فاللون الأسود والأحمر وأجسام الرقيق الشقية...دلالات مشكلة في غلاف الرواية (الجذور) تتناغم وذلك العنوان، حيث إن نص العنوان يضيف حقيقة تاريخية للألوان والأجسام والقضبان والسلاسل...وهي دلالة الجذور على أصول الشجرة الزنجية ومدى تعلق الأرقاء بها تاريخياً وجغرافياً، وإِنْ تُحُوّل بهم إلى جغرافيا الولايات المتحدة الأمريكية !

ورواية (ريح الجنوب) ذات عنوان يسم النص بجمالية المكان تؤشر بجغرافيا الأحداث الريفية الفلاحية الجزائرية، وروح القرية بادٍ في العنوان، بل إن لفظ العنوان أول دالّ معجمي تُكتب به الرواية(15) في أول سطورها، وصفحة الغلاف في واجهة الرواية تحمل عنوان الصورة المركبة من عنوان الرواية المكتوب (ريح الجنوب) مصحوبا بعنوانات إيقونية هي علامات غير لسانية تتكون من صورة تقريبية لـ "نفيسة" بطلة الرواية وقد وضعت كفيها على خديها وتحت ذقنها جاحظة العينين مشدوهة النظرة إلى المجهول، وخصلات شعرها متطايرة يعبث بها الريح، وبجوارها جرّة العجوز "رحمة" رمز الجنوب والبيئة الريفية الفلاحية والمعتقدات الشعبية، وهي صانعة الأواني الفخارية التي تنقش فيها بأناملها رسوماً ثوريةً للذكرى والمجد...؛ ولتلك العلامات التقريبية إشارية إلى ترداد الريح الذي من شأنه الحركة وتيارات التغيير والعراك الفكري والاجتماعي، كجحوظ عيني نفيسة وقِعْدتها رمزِ السهر والتعاسة وتضارب المواقف مع القيم والعادات؛ تلك الطالبة الريفية التي تنتقل إلى الدراسة بالعاصمة مضحية بكل شيء محاولة الفرار من كل القيود الأسرية والاجتماعية... !؛ فهذه الأحداث والمتغيرات نابعة من ترداد المكونات البيانية وتكرارها في المتن الروائي(نفيسة، الريح، رحمة، الصراع، الأب المتسلط،...) وهذه بعض الأجزاء المرسومة في واجهة الرواية إشارات للتأويل والاحتمال والبحث عن مدى علاقاتها في الصورة الكلية للغلاف بمحتوى الرواية، حتى إذا راح القارئ يتدرج من مقطع روائي إلى آخر شرع في تحقق توقعاته، لذلك قالت "جوليا كريستيفا" « هكذا يُدخل التكرار في كل مرة، بعدا جديدا يسير بالقارئ أكثر فأكثر، نحو محتمل مكتمل» (16).

و "الصورة الروائية " كما الصورة الشعرية يمكن التقاطها من الجدارية الكبرى والمتمثلة في الخطاب، صورة تجمع من الكل؛ خيالا و واقعا و ذاتا و ألوانا و إيديولوجيات و ثقافات ومكتسبات، وفنية شاعرية مقذوفة في إيقاعية الترداد الذي يبرز أوجهها من زوايا مختلفة تؤكد وطأتها بوعي الكاتب.. وذلك من خلال رابط(17) يشكلها في إبداع متكامل، فالصورة تجربة عميقة شكلتها الرؤية الوجودية، و أما تركيب شظايا الصور المساهمة في إثراء المغزى الكلي للخطاب فهذا من نصيب القارئ..

« ما يرمي إليه النص الروائي الجديد في علاقته بالقارئ هو أن ينظر إلى العالم نظرة نقدية. فليست هناك أية شخصية يمكن أن نتماهى معها أو نسقط عليها أحاسيسنا. و عندما يحصل ذلك فإننا سننتهي إلى نقد ذواتنا إذا كانت ممثلة في بعض هذا العالم »(18) و ذات القارئ بين طيات الصفحات والصمت المتعاقب.. في نقد و تعرف كبيرين لحقيقة الذات في وجوه الشخصيات و صراعاتهم في صورة الأمكنة التي تأنسنت ببراعة الفكرشاشة الرواية بين عنوان الصورة وصورة العنوان.

عنوانات ذاكرة الجسد/ فوضى الحواس/ عابر سرير... سَنَن بياني جمالي تعتمد الروائية ركوبه، وهو غموض الفن وإيحاء المشهدية المختزلة في واجهة العمل الروائي ليكون لغزاً بيانياً يفصل في قفا العناوين ليشرحَه الكاتب في مشرحة الزمكان ومعركة الفواعل الإنسانية والقدرات الفاعلة الأخرى، فسيفساء الصورة (الواجهة) ترداد جمالي رامز يخفي التوقع  الخطر والمفاجآت الأليمة ويغري طاقة التلقي، لأنه القارئ الذي يتحرّق إلى إيضاح الصورة المتلبسة بالشكوك والاحتمالات ومنارات الأسئلة... فالرواية عنوانها، وعنوان الرواية هي كل شيء من حيث إنه لا شيء فيه يشفي الغليل إلا بتصفح الرواية، بل وأحياناً لا يتم الإشفاء إلا بالفيلم/ السينما أو فن الخشبة والمونولوج... وما الفن الرابع والسابع وغيرهما بذلك الترتيب إلا دلالة على فعل الترداد الفني الأجناسي التخريجي لخدمة الموضوع الواحد... !

ولا شيء كذخيرة الموضوع وشعلة الفكرة وهاجس الوجدان القلق ودموية الموقف ونور الأمل وزعزعة الوجود ... هي مورد الرواية متنا وعنواناً وتأثيراً واستجابة (19).

لوحة الغلاف شاهد فني ومنهجي ومعرفي دال على أن الرسام والفنان التشكيلي متلق ناجح إلى حد ما؛ إذ ليس من ريب أنه تملى المتن الروائي واضطلع الخطاب أيما اضطلاع فراح يبحث جادا متحذرا عن شرائط الانسجام والتلاؤم التي تهيئ الصورة الغلافية المقترحة لتطابق عتبة العنوان الذي يسم الرواية وسما مخصوصا بالغاية التي هدف إليها المرسل، ومنه فالرسام مبدع من نوع آخر أي إنه من الدرجة الثانية؛ فهو كاتب بالألوان والرشة والناقد والمتلقي الأول، وقد يستبق المتلقين التالين الذين يتواترون بعده، فيأخذ بألبابهم من حيث إن القارئ لابد أن يبصر الغلاف فيقرأه قراءة معينة،  ومهما تكن فإنها آلة علامية تؤشر للمحتوى.

متن الرواية "اللاز " للروائي الطاهر وطار

قد لا يتعرف القارئ على راوي هذه القصة و يحدده لأنه في المعتاد أن يكون الراوي بطلا أو شاهدا يرويها؛ لأنه سمعها و مع ذلك يظهر فيها بصفته راو خارجي بعيد عن أحداثها وأماكنها.

فكذاك كانت رواية "اللاز" للطاهر وطار في أن  كل الشخصيات تتقاسم دور البطولة  وبالتناوب إلى أن تغيب كما تغيب أحداث الناس عنا بسبب البعد المكاني أو عدم تواردها في الأحاديث لكثرة المواضيع فتتناسى، ليس عمدا و لكن  لانشغالات الأبطال الآخرين الذين يسلط عليهم  ضوء الانكشاف في فصل من فصول الرواية المتلاحقة و على سبيل المثال "قدور بن الربيعي".

هذا البطل الذي يعرفه القارئ ووالده يترحم عليه بعد استشهاد بطولي ثم يذكر "اللاز" رفيقه في الجبل و الذي عنونت الرواية به.

الرواية قطعة من سنين الجمر، من زمن الحقب الاستعمارية، وزع الكاتب أحداثها على ألسنة أبطالها متفرقين و مجتمعين كما كان العمل آنذاك بين الثوار كل شيء جماعي.

    كانت الصفحة الأولى مقدمة قصيرة دون أن تعنون بها  بـ "مقدمة " لأنه إذا ما قورنت بالفصل الأول تكون إشارات  وامضة  غير واضحة  المحتوى،  كما أن ما قدم  في هذه  المقدمة لا يتواصل  زمنيا و مكانيا  بأحداث الفصول اللاحقة ، و لكنه بداية النهاية أو القسم الأول من النهاية .

هكذا اختار الكاتب أن يدخل روايته تحت الأضواء المنعكسة من الخاتمة و التي عنونت بها  وقد  يكون عدم كتابة المقدمة في البداية سقوطا مطبعيا أو أنها اعتبرت فصلا قائما بذاته أوأنها  أوكلت  كتابتها  بعد معرفتها للقارئ .

تتألف الرواية من عدة فصول تفوق العشرين فصلا إضافة إلى المقدمة و الخاتمة، لكن المقدمة لم تكن تحكي مجمل القصة كما في المقالات، و لكنها مشهد من مشاهدها النهائية.

تبدأ الرواية بمكتب المنح التي تقدم إلى عائلات الشهداء و في ذلك الطابور الطويل  يتنهد الشيخ الربيعي  متذكرا ابنه قدور و تذكره  أيضا  الحكمة  الرنانة  التي زأر بها اللاز  "ما يبقى في الوادي غير حجاره " وهو يمر على الشيخ بعد أن اعتصرتهما  فجائع الموت و الوحدة.

تبدأ من قرية تحيط بها الجبال، جميلة بأناسها  البسطاء و الذين يعكر صفوهم و هدوءهم العساكر الفرنسيون  بدورياتهم، و كذلك  "اللاز" الابن  الطائش الذي  يفتش عن المصائب  تفتيشا  مستديما  إما بالسرقة  أو الاعتداء أو السب و الشتم و غيرها  و الأكثر من ذلك مصاحبته للضابط الفرنسي فاعتبره أهل القرية "خائنا" لا تهمه سوى مصلحته، إلا القلة  القليلة  التي  كانت تعرف سره.

فألقي عليه القبض بسبب تضييعه لخطة الضابط لما أفشى سرها والتي عزم فيها القبض على الثوريين بما فيهم زيدان، فعذبه كثيرا لكنه تمكن من الهرب  بفضل مجموعة من المجاهدين الفدائيين  الذين مكنوه من الصعود إلى  الجبل و كله أمل في لقاء والده  "زيدان" هذا الثوري  المحنك الذي تابع معه الكاتب فصولا كثيرة، و هناك التقى اللاز بعمه "حمو" الرجل الذي علمته الحياة كيف يعيش بفقره و ينقد و يتكلم بعفوية وسلاسة، أما قدور فكان الصديق الوفي للاز  قدور البطل الذي مات و هو يحلم بالزواج بزينة بنت الشيخ السبتي، لكنه يموت دون ذلك وتموت هي الأخرى  بعد ما حملت  من خائن في الجيش الفرنسي فرمت نفسها  في بئر، أما زيدان  المثقف فذبح و هو يحلل فلسفة الموت  ويتألم من الشوق لابنه اللاز الذي لم يعش  معه متحسرا على قساوة الحياة بعد أن يعرف ابنه بأن والده  قتل متألما على قسمة ابنه،  فبعد أن عاش  متشردا منبوذا جاءت ساعة الرشاد  ليعيش حياة الثورة إلى جانب أبيه متحملا كل شيء مهما  كان ، فالمهم أنه إلى جانب الرجل  النموذج، و كله أمل في حياة أفضل بشخصية  أخرى  حقيقية عكس التي عرفه بها الناس.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ إذ شاهد مقتل والده على يد المجاهدين دون أن يعرف سببا لذلك سوى أنه حرم من الشخص الأوحد الذي أحس به و أحبه  فجن و انهارت  أعصابه وراح يردد كلمة السر التي ترددت بين المجاهدين " ما يبقى في الوادي غير حجاره"،  تائه  في البلدة  لا يتفوه إلا بهذه الحكمة ...

هذه الحكمة و إن كانت تعني لا يبقى إلا الحق  أو الصحيح  بين كل الأشياء؛ فكذلك تعني :  "كل ما  فوق  التراب  تراب" بعد العديد من التأويلات التي تنفتح عليها.

يروي الكاتب أحداث هذه الرواية بصفته شاهدا ينظر إلى الأحداث عن قرب ثم يقدم الدور للشخصيات التي تكشف عن نفسها فصلا بعد فصل.

كانت فصول الرواية متناوبة  في مشاهدها  أيضا  بين الثكنة العسكرية و بين المجاهدين في الجبل فصلا  بفصل، وإلى جانب الجهاد و التضحية و المحبة بين رفاق  الثورة  يلقي الكاتب  الضوء على  بعض المظاهر  الواقعية القبيحة  التي فرضت  فرضا على  بعض  أبطال  الرواية  كعلاقة اللاز بالضابط و العلاقة الجبرية التي فرضها الضابط بعطوش مع خالته حيزية أم قدور، والعلاقة التي رغب فيها حمو مع الأخوات  الثلاث.

و في الأخير تخلص الأبطال في زمن الثورة من بعض  العادات السيئة التي رافقتهم، كما تخلص بعضهم كـ "بعطوش" –مثلا- من ثقل الذل و الخيانة  بقتله  الضابط و التحاقه  بالجبل.

فكانت الثورة تطهيرا  لقلوبهم الطيبة و درسا أكبر في الاستقامة  و الإيثار،  هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يحسس الكاتب بخطورة الرجعية و التزمت في المواقف التي تحتاج إلى الليونة  و تقبل الآخر؛ و هذا ما ذهب  ضحيته "زيدان" مع مجاهدين آخرين، فاختلاف الرأي  كثيرا ما يفسد  القضايا  إذا لم  يتوفر الوعي في الطرفين.

صورة شخصية اللاز في الرواية

" اللاز" اسم شخصية من شخصيات رواية الطاهر وطار، إنه اسم غير عربي، قد يعود استعماله في الجزائر إلى فترة الحكم العثماني ، وزاد من شيوعه اللعبة الورقية المعروفة، على أن اللاز كما يتردد هو الرقم "واحد" فيها.

وقد ورد التعليق على هذا الاسم لما هرب هذا البطل من الثكنة العسكرية بعد أن خيب آمال الضابط في الاعتراف بتردده ثم بفراره ، فبدأ يتذكر الأوجه التي يبرز فيها، فخلص إلى أن هذا الاسم حقا يشمله في وجه من وجوهه لأنه يعني في واحدة منها "اللقيط"، ومع ذلك لا يريد أن يعترف له بالبطولة لأن" المعنى المجازي للاز هو البطل" (20) ، فهل اللاز حقا بطل؟

يبدأ الفصل بصرخات اللاز وهو وسط الجنود الفرنسيين يقودونه إلى ثكنتهم بعد أن وشى به أحد"الحركيين" -أي الخونة -(بعطوش)، فالجميع فرح لما قبض عليه لأنه كان مشكلة في حد ذاته، كان شبحا مخيفا دوما، يعيش معه السكان على الأعصاب في دوامة من المشاكل يوميا ، لقد تعود دخول السجن وسياط الشامبيط.

وهناك صار يتردد على الضابط ليشاركه الشراب والأخبار وغيرها، وكان الضابط طامعا باعتقاده أنه إذا أذاقه أغلى الخمور والسجائر وغيرها سيخبره عن أمور "الفلاقة" "المجاهدين"، لكن اللاز رغم التعذيب بعد الوشاية به لم يستسلم ولم يبح بشي مع العلم أنه يعرف كل شاردة وواردة عن قريته وأهلها " لا لا لن أعترف وإن اقتضى موتي تحت التعذيب، لن أسلم اللاز الحقيقي مهما كان الثمن ، لا أستطيع ذلك" (21) ، لأنه ابن القائد "زيدان"، الذي مات على يد المجاهدين، وهو واحد منهم بسبب الخلاف مع أن الهدف واحد هو تحرير البلاد من الاستعمار .

عاش اللاز يتيما متشردا ،يحيا حياة الصعاليك دوما في صراع مع أمه وجيرانه بسبب الفقر و الإهانة التي يتلقاها ، و مع ذلك هو طيب لأنه من صلب نبيل عاش حياة الصعاليك بوجهيها، و كانت  تلك  الحياة آلية يدافع  بها  عن نفسه  ليعيش.فتعلم عن  السرقة  ... و غيرها، لكنه في قرارات نفسه ثوري لا  يبيع بلاده بجرعات  من النبيذ الراقي، و عدم اعترافه  دليل  على ذلك  كما أن التحاقه بالمجاهدين - و كله طموح  في صنع  شخصيته الحقيقية التي يؤمن بها و التي  يجب أن يقتنع بها الناس – كان ذا تجربة ناجحة دالة على جودة  معدنه و بطولته.

لكن ما كل الحسابات التي يحسبها المرء تنجح؛ لذلك  كانت نهاية "اللاز" في الرواية  مأسوية ، لأنه بعد كل ذاك الإقناع  و الطموح  المتزايد صدم بقتل أبيه على مرأى أمتار من عينيه.

الأب الذي حلم دوما  بلقائه  قضى طفولته و سنين  من شبابه  و لم يعرف  والده ، ولكنه  كان معجبا  بشخصية "زيدان"  و بكلامه ورصانته ولما  أخبر زيدان  بحقيقة العلاقة  بينهما  بكى بكاء حارا فرحا  بهذه الأبوة و هذا القدر و تلك الحقيقة غيرت مسار حياته و جعلته ناضجا واعيا  بمجريات الأحداث.

ثم عندما نجا من فك العذاب في الثكنة و تراءت له سبل الحياة الكريمة  في كنف والده الحنون توقف كل شيء لحظة و ذهب كل ما كان يخطط له إلى الهاوية  فتبنى الجنون وصار لا يفقه من الكلام سوى "ما يبقى في الوادي غير حجاره".

كان اللاز بطلا من أبطال الرواية وربما مواقفه و الأحداث التي ظهر فيها لم تصل إلى الكم الذي ظهرت فيه شخصية والده، فكان بإمكان الكاتب أن يعنون الرواية  باسم "زيدان" ، لكنه اختار لها "اللاز" باعتبار أن الجزائريين لا يهمهم من الأول و من الأخير في  المهمات والأدوار؛ فألبسه الكاتب لباس المجرم، لكنه في باطنه يحمل شهامة رجل فحل في المواقف و الخطوب.

وقد يكون سبب اختيار الكاتب لللاز عنوانا كونه غريبا في مجتمعه مهمشا فيؤكد بهذا الاختيار حكمة القائل: ( إن البعوضة تدمي مقلة الأسد )؛ وتسليط الضوء عليه دليل على أهمية هؤلاء المشاغبين أو الفوضويين كما ينظر إليهم المجتمع لأنهم يحتاجون إلى فرصة يثبتوا بها للعالم أنهم غير ذلك.

و بذلك فقد أصاب الكاتب لما اختار العنوان من أسماء أبطاله إذ لا يمكن أن نقول هذا هو البطل الرئيس في هذه الرواية ،  فكل شيء فيها يتقاسمه الجميع (النهج الاشتراكي) حتى في أداء الأدوار داخل الرواية.

العلاقة بين الغلاف و العنوان


 

لقد كانت صورة غلاف الرواية لقطة عن الثوار في ميادين الوغى حيث إن بصماتهم تنوب عنهم؛ فلم تكن صورة للعنوان في حد ذاته، و لكن لكل الجزائر في تلك الفترة الاحتلالية على أن اللاز واحد ممن دخلوا الميدان.

لقد كانت للعنوان شعرية أقوى من الصورة الغلافية - التي أعتمدها في هذه الدراسة - ؛ فالرسام لم يقدم النص في تشكيلة مختلفة عن المتن-  نوعا ما- فقد كانت تكرارا للنص فقط. وشعرية العنوان تعود إلى الاسم بعينه لأنه غير شائع بين الناس كتسميات مدنية يعرفون بها ، و إن سمي سيكون كنية فقط؛ لكن اللاز هذا هو اسمه ولا اسم آخر له  غير اللقيط،  ليشرح بها معناه و الآخر دون  النظر إلى وجهه المخفي الذي يعني البطولة والفداء والوطنية...

و ما يؤكد غرابة هذا الاسم أنه لا يشبه بقية الأسماء في الرواية ، فالأسماء  الأخرى شعبية متداولة مثل قدور المشكلة من" عبد القادر " و "حمو"  من "محمد"، أما اسم زيدان فهو معروف و شائع أيضا  رغم أنه قليل في الجزائر  وهو  أكثر شيوعا  في المشرق  العربي. وعليه كانت الصورة الغلافية نسخة طبق الأصل لماهية رواية اللاز؛ ولكن لكل الروايات التي كتبت عن الثورة،  فيمكن نزع هذا الغلاف من الرواية ووضعه في أي رواية واقعية ثورية، لأن ملامح الثورة بارزة فيه، لكن القارىء قد يبحث أكثر عن العنوان في الصورة، إلا أن شخص اللاز همش– كثيرا - من جديد في صورة الغلاف بوعيه و جنونه.

وكما سبق كان بإمكان الكاتب أن يعنونها بأي شخصية أدت أدوارا أكثر من اللاز، لكنه اختاره هو لما يتميز به  من إتقان في أداء الأدوار بشخصية مزدوجة  فإذا كان في قريته قد عاد إلى طيشه  فأتقنه حتى ظنوه عفريتا  منغصا لكل جميل ؛ فإنه مع الثوار ثائر مثلهم.

فالكاتب أعاد لقرائه الصعلكة في زمن الثورة  فليت منتقي هذه اللوحة انتقى فكرة أخرى متبنيا تيارا فنيا في الرسم  و يخرج  الرواية  إخراجا جديدا  فتكون الصورة في حد ذاتها  رواية تحتاج لمن يفجر معاينها و الوقوف أكثر على شعرية ألوانها و القضايا التي تخفيها التدرجات  اللونية بين الظل و النور ،  و هذا ما يسمى الغموض الفني وبالتالي كان للصورة الغلافية  علاقة  بالنص الروائي  كطرح  عام غير عميق  وعلاقة مباشرة ؛ أما علاقتها بالعنوان فقد اندمج في باقي البصمات.

مقاربة بين صورة الغلاف و المتن الروائي

صورة غلاف الرواية في طبعة 2007 بمناسبة "الجزائر عاصمة الثقافة العربية / 2006" هي لوحة زيتية مليئة بدوائر تأخذ شكل بصمات تتساقط كحبات الثلج الملونة على قمم الجبال وسفوحها، كما أنها تأخذ اتجاها آخر كأنها خطى تتصاعد من بين الجبال و الأرضين نحو السماء تاركة أثر مرورها على تلك الأماكن يوما ، و برؤية أخرى تحول هذه البصمات إلى حمم بركانية متقاذفة  في عنان السماء المغبرة  لتستحيل بتساقطها المتتالي جمرا متوهجا.

وإلى جانب هذا مرر الرسام ريشته راسما قمما في الفراغ متحولة إلى طريق طويل منعرج غير متناه في الجبال، و في  سماء  هذه الجبال تحلق الأجساد في صورة أشباح متناثرة متخذة وضعيات متعددة كالقفز و السقوط و القعود و التحوّل إلى دخان يتلاشى شيئا فشيئا في ظلام  ضبابي و ديجورية مدلهمّة.

هكذا تكلم الرسام الذي غاب اسمه في غلاف الكتاب؛ وقد تكلم بألوانه و أشكاله بعد أن قرأ الرواية و عبر عن انطباعه بهذه الخطوط المنحنية و بالبصمات و الجبال ليخرج رواية مرسومة لغتها الألوان لا الكلمات.

و الجميل في اللوحات التشكيلية أنها تمنح لمشاهدها تأشيرة يدخل بها إلى عوالم خيالية متعددة قد لا يصل – أحيانا- من خلالها إلى ما يبتغيه الرسام من معنى حقيقي، لكنها تقربه من موضوعها العام.

وبذلك حاول الرسام أن يقارب النص الروائي بلوحته معبرا عن الثوار بالبصمات لأنهم صنعوا تاريخا مجيدا بالبطولات حينما اعتزلوا زينة الدنيا فجعلوا الجبال مأواهم و حب الشهادة قوتهم و الجهاد ديدنهم فضحّوا بأنفسهم ليبقوا على كل شبر اسمه الوطن ، فبعد أن ثاروا كالبركان و خرجوا إلى ميادين القتال قتل منهم الكثير؛ و هكذا قضوا شهداء فتصاعدت أرواحهم إلى السماء مخلفين وراءهم عطر الشهادة الذي تحفظه ذاكرة التاريخ في سجل الأسماء الخالدة، فبدل رسم شخوص المجاهدين رُسمت بصماتهم الدالّة عليهم و على مواقفهم.

ومن المعروف أن البصمة من الوجهة العلمية قد تبرئ صاحبها و قد تدخله السجن لأنها أداة إثبات قطعي للجريمة، ومع أن هذه التقنية لم تستعمل آنذاك -زمن الثورة- إلا أنه كان هناك ثمّة خدعة هي فزع بعض الجزائريين إلى فرنسا بدافع الإعجاب أو الخوف أو الطمع ليكشفوا عن خطط إخوانهم و أماكنهم وهذا ما أشار إليه الكاتب بـ(القومية) و جسده بعطوش الذي انتصر لنفسه أخيرا بعد إحساسه بدمه الجزائري الحار ليضحى ثوريا لامعا و قائدا مغوارا.

كانت قمم الجبال في الصورة هي ميدان الثورة و أما الطريق الملتوية فقد كانت الطريق الصعبة و الوحيدة التي تحفظ كرامة الجزائري؛ ولما كان الثوار فقراء فقد كان الفرنسيون يمثلون الضفة الملونة إشارة إلى الترف و الثراء الفاحش.

لكن بالتحدي و الصبر نسي الثوار بؤسهم و همومهم لما ضحوا بأنفسهم و هم يساعدون إخوانهم على الحياة الآمنة.

كما أن رسم الطريق الملتوية هو إشارة فنية وصفية للطريق الجبلية الوعرة بمنحدراتها وفجاجها و أوديتها، صعودا و نزولا و دخولا و خروجا...  من قرية إلى قرية و من دشرة إلى دشرة... تلك هي الطريق التي اتخذها اللاز لما هرب مع رمضان عندما فجروا الثكنة ليلحقوا بزيدان و قدور و غيرهم ممن يبحثون عن القمم الشاهقة، المكان الذي يساعد الثوار على رؤية النازلين و الصاعدين إليهم، كما أنه الثغر الأقرب من الموت تحت تحليق الطائرات الحربية الناثرة قنابلها فوق رؤوسهم.

أما الأجسام المتطايرة فهي صورة من صور المواجهة بين الفرنسيين و الجزائريين؛ فبعد كل مواجهة ضحايا و ضحايا الثورة التحريرية المخلصين شهداء عند ربهم يُحتسبون.

هكذا حاول الرسام أن يختزل الصفحات و يستجمع الأحداث ليصنع منها هذه اللوحة وبهذه التشكيلة الفنية و بتلك الألوان القانية و على رأسها الأحمر الدال على جريان الدم و تطهير الأرض من شرور الخونة.

بالتالي لم تكن صورة الغلاف صورة لللاز و لكنها صورة لموضوع الرواية و هذا ما يقرأ في بساطتها لأنها لم تكن غامضة و لا مبهمة بعد قراءة المتن.

كما أن الرسام لم يأت بجديد و لكنه رسم القضية عامة و هي الثورة كما أنه لم يخرق توقع  القارئ الميزة الفنية التي تمنح  للنص شعرية و بالتالي كانت اللوحة بسيطة.

 

العلاقة بين الغلاف و العنوان

لقد كانت صورة غلاف الرواية لقطة تشكيلية ماسحة لكل الثوار الأحرار في ميادين الوغى ولم تكن صورة للعنوان – اللاز- في حد ذاته لأنها صورة معبرة عن كل الجزائر في تلك الفترة الاستعمارية على أن اللاز واحد ممن دخلوا الميدان.

كما كانت للعنوان شعرية أقوى من الصورة؛ فالرسام لم يقدم النص في تشكيلة مختلفة  عنه، بل كانت تكرارا للنص فقط.

وشعرية العنوان تعود إلى الاسم بعينه لأنه غير شائع بين الناس كتسمية مدنية يعرفون بها، ولا اسم مرادف آخر لللاز غير اللقيط دون النظر إلى وجهه المخفي الذي يعني البطولة .

و ما يؤكد غرابة هذا الاسم أنه لا يشبه بقية الأسماء في الرواية فالأسماء الأخرى شعبية متداولة مثل قدور المشكلة من" عبد القادر " و "حمو"  من "محمد" أما اسم زيدان فهو معروف أيضا إلا أنه أقل شيوعا في الجزائر بخلاف المشرق العربي.

وعليه كانت الصورة الغلافية نسخة طبق الأصل -ليس إلا- لكل الروايات التي كتبت عن الثورة و الثوار؛ إذ يمكن نزع هذا الغلاف ووضعه على واجهة أي رواية ثورية أخرى؛ إلا أن القارىء قد يبحث أكثر عن العنوان في الصورة التشكيلية التي غاب فيها رسم اللاز.

وكما سبق، كان بإمكان الكاتب أن يعنونها بأي شخصية أدت أدوارا أكثر من اللاز لكنه اختاره هو لما يتميز به من إتقان في أداء الأدوار بشخصيته المزدوجة؛ فإذا كان في قريته عاد إلى طيشه و أتقنه حتى ظنوه عفريتا منغصا لكل جميل و إذا كان مع الثوار كان صنديدا مثلهم.

فالكاتب أعاد لقرائه قصص الصعلكة التي كانت سائدة زمن الثورة فليت منتقي هذه اللوحة انتقى فكرة أخرى متبنيا تيارا فنيا أكثر دقة و عمقا و يخرج الرواية إخراجا جديدا لتكون الصورة رواية جديدة في حد ذاتها تحتاج لمن يفجر معانيها و يستلهم شعرية ألوانها و مختلف الإيحاءات التي تخفيها تلك التدرجات اللونية بين الظل و النور و التركيب و التبسيط ... و هذا ما يسمى الغموض الفني وبالتالي كان للصورة الغلافية علاقة بالنص الروائي كطرح عام غير عميق إذ كانت الصورة مباشرة أما علاقتها بالعنوان فقد اندمج في باقي البصمات.

 تحميل المقال

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11