FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides
  • 30 ieme ukmo
  • Ramadhan karim

    بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، يتقدم رئيس جامعة قاصدي مرباح ورقلة  لكافة الأسرة الجامعية  بأبلغ التهاني الودية و أصدق الأماني داعياً المولى عز و جل أن يعيد هذه المناسبة الكريمة علينا وعليكم بموفور الصحة و مزيد من الإيمان.

    Ferienhaus Ostsee

الرواية الوطارية من منظور استشرافي

 

مديحة عتيق

المركز الجامعي سوق أهراس (الجزائر)

 

توطئة:

تهدف هذه المداخلة إلى استجلاء مقروئية روايات الطاهر وطار عند الغربيين من خلال القنوات الاستشراقية التي تتكفّل بترجمة أدبنا العربي ،ونشره ، ودراسته والتعريف به للقارئ الغربي ، لذا سنحاول في هذه الأوراق  معاينة دوافع المستشرقين للاهتمام بالأدب الوطاري  ترجمة وقراءة ونشرا ودراسة ، ومدى نجاحهم في ذلك متوقفين عند المستشرقين الإنجليز والروس لأسباب سنشرحها فيما بعد :

المستشرقون والأدب العربي الحديث:

لطالما ارتبط النشاط الاستشراقي بالأدب العربي القديم حيث عكف المستشرقون على مدارسته وتحقيقه وتحليله تدفعهم إلى ذلك نوايا علمية حينا واستعمارية أحيانا أخرى ، وبرز من هؤلاء أسماء بات يعرفها أغلبنا كمرغليوث  و بلاشير ،و هارتموت فهندريش وزيغريد هونكه وغيرهم ، ولكن لم يلق الأدب العربي الحديث اهتماما استشراقيا إلا في وقت متأخر، ومردّ ذلك هو حداثته من جهة فالرواية والمسرحية والقصة القصيرة أجناس أدبية مستحدثة  لم تترسّخ بشكل لافت للانتباه أثناء انشغال المستشرقين بتراثنا القديم ، ومن جهة أخرى ، فقد كان هناك حكم مسبق في أذهان المستشرقين أنّ الأدب العربي الحديث هو مجرد "صدى" لنظيره الغربي ، قصة ورواية ومسرحية ، خاصة في ظل نشاط الأبحاث المقارنية الفرنسية التي تبحث علاقات التأثير والتأثر بين آداب الأمم ، وكثيرا ما طرحت مواضيع على غرار"أثر بوشكين في قصص محمود تيمور " ،الأثر  الفرنسي في مسرح توفيق الحكيم" ، وغيرها من المواضيع التي تجعل الأدب العربي مجرد تابع وظلّ للأدب الغربي، وما زاد الطين بلّة هو اعتراف بعض الأدباء بهذه التبعية المطروحة ، فلقّب بعضهم ب"موليير العرب" ، و" بلزاك العرب" ، وديكنز العربي"..الخ

وفي المقابل كان هناك تيار يعمل على تأكيد خصوصية الأدب العربي ، وفرادته موضوعيا وشكليا بما يطرحه من قضايا قومية ، وأطروحات محلّية ، وما يوظفه من أشكال فنّية تراثية وذاتية ، ويندرج الطاهر وطار في هذا التيار بما يبذله من جهد لخلق "خصوصية"للرواية العربية عموما والرواية الجزائرية على وجه الخصوص ، وهذه الخصوصية هي التي  لفتت المستشرقين إلى رواياته ومسرحيات وقصصه ، ولعلّ المتصفّح لأي بحث عن مسيرة وطار العلمية يفاجئ بعدد اللغات التي ترجم إليها أدبه ، فتذكر موسوعة ويكبيديا أنّ أعماله ترجمت إلى الفرنسية ، والإنجليزية ، و الألمانية ، و الروسية ، والبلغارية ، واليونانية ،و العبرية ، والأوكرانية ، ..الخ.

ولعلّ السؤال الذي يطرح الآن : أين تكمن خصوصية الأدب الوطاري التي جعلت إقبال المستشرقين ملفتا للنظر؟

يفاجئ الباحث عن الإجابة لهذا السؤال بغياب ثقافة الاستطلاعات والإحصاء في المؤسسات الرسمية العربية وخاصة فيما تعلّق بمقروئية الأدب العربي عند الغربيين فلا توجد إحصاءات رسمية حول عدد الراويات العربية  (بما في ذلك روايات الطاهر وطار) التي ترجمت ، وسنوات ترجمتها ، وأسماء مترجميها بل إنّ الأمر منوط بجهود الأفراد كالباحث صالح جواد الطعمة الذي اجتهد في وضع إحصائيات حول هذا الموضوع ، ومتابعة آخر التقارير الدولية عنه.لذا ستكون نتائج هذه المداخلة مبنية على شذرات معرفية  وأخبار صحفية متناثرة هنا وهناك . وقد تمكنّنا من تتبّع اهتمامات المستشرقين الإنجليز والروس بالأدب الوطاري والوقوف على حيثيا وملابسات هذا الاهتمام ، ولنبدأ بـ:

الرواية الوطارية في مرآة الاستشراق الروسي:

اهتم المستشرقون بالرواية الوطارية ضمن اهتمامهم بالأدب الجزائري المكتوب باللغة العربية ، وقد بدا هذا الاهتمام لرغبة المثقفين والأكاديميين الروس في التعرف على "الآخر" وتجاوز الأحكام المسبقة  التي طرحها المفكرون الغربيون -الأوربيون تحديدا- ، ولبناء علاقات ثقافية أساسها فهم الآخر ومحاورته واحترام اختلافه وخصوصياته ، وكان "الأدب" هو خير قناة لتحقيق ذلك الفهم والمحاورة لذا عكف المستشرقون  الروس على قراءة الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية لغلبته ثم بدأ الاهتمام بالأدب المكتوب باللغة العربية منذ ستينيات القرن الماضي " وعدّ الناقد والباحث فيكتور بالاشوف أول من التفت في روسيا إلى الأدب الجزائري ، و أوّل من وجّه أنظار كوكبة من الباحثين والطلبة نحو هذا الأدب ، وقد كتب عدّة مقالات عن أعمال الكتّاب الجزائريين ن ودخل الأدب الجزائري بفضله "الموسوعة الأدبية الموجزة" عام 1962."(1)

وصنّف المستشرقون الروس الأدب الجزائري ضمن ثلاث خانات:

* باعتباره أدبا مستقلا يعكس خصوصيات محلية .

*باعتباره جزءا من أدب المغرب العربي ونعني أدب تونس والمغرب وليبيا تحديدا.

*باعتباره جزءا من السيرورة الأدبية في القارة الإفريقية .

وفي كلّ هذه التصنيفات كان  الطاهر وطار حاضرا باعتباره أحد الأسماء البارزة جزائريا ومغاربيا وإفريقيا ، وخصوصا بروايتيه "اللاز" و"الزلزال" لقيمها النضالية المتميزة ، فهاتان الروايتان –كما يرى المستشرق الروسي روبرت لاندا " تعرّف القارئ بالثورة الجزائرية في مختلف مظاهرها  ، وبمرحلتين هامتين من حياة الجزائر المعاصرة ، وبأفكار ومشاعر الشعب الجزائري ،وفضلا عن ذلك  تقدّمان فكرة عن مكاسب الثقافة الجزائرية ، وعن الاندماج النشيط للأدب الفنّي المعبّر بالعربية في حياة الشعب ،وحين نفرغ من قراءة الروايتين نتعرّف بلا شكّ وبشكل أفضل على العالم الروحي والفنّي وثقافتهم الأصيلة "(2) .

تروي روايات وطار ظمأ "الآخر " المتعطّش لمعرفة أبجديات الثورة الجزائرية تاريخيا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا وحتى دينيا لما تشكّله ثورة الجزائر من علامة فارقة في التاريخ المعاصر ، ونقطة بارزة في تاريخ ثورات التحرير ، ويبدو للوهلة الأولى أنّ أهمية الموضوع ( ونعني الثورة الجزائرية) هي التي جعلت القارئ الغربي يلتفت إلى روايات وطار ، لكن ّ المستشرق الروسي لاندا يؤكّد أنّ طريقة وطار في التعاطي مع هذا الموضوع هي التي جعلته اسما مطلوبا في الثقافة الروسية ، ويوضح أن المقصود بطريقة وطار هو إصرار الكاتب غن نزع القداسة عن الثورة ، الوقوف عند مختلف الشرائح الاجتماعية بتنويعاتها الإيديولوجية وتوضيح مواقفها من الثورة ومن الكفاح المسلّح ..وبهذا يؤكّد لاندا من خلال دراسته أعمال وطار أنّ الموضوعات العظيمة لا تصنع بالضرورة نصوصا عظيمة بل طريقة الكاتب في التعامل مع الموضوعات هي التي تحدّد ذلك.

كان الطاهر وطار أحد الأسماء العربية التي عللت بها الباحثة الروسية  كيربتشنكو سرّ الإقبال على القصة العربية في الاتحاد السوفيتي حين تقول " نجد تقاربا بين الروح العربية والروح الروسية (...) ولعلّ السبب يكمن في روعة السرد العربي المتأنّي الذي يباغت القارئ بالتشبيه المدهش والمرادفات المبتكرة ، أو لعلّه يكمن في مستلزمات هذا الفنّ الحيّ وفي كثير غيرها، ومثلما رأت إنسانية هذا الأدب تعنى بمصير الثقافة الوطنية ، وتجسّد بصدق مشكلات المجتمع والصراع بين الخير والشر ، وانتصار الخير ...(3)

كانت روايات وطار –حسب كلام الباحثة كيربتشنكو- إجابة عن سؤال المحلية والعالمية حين أثبتت أنّ المحلية هي طريق أكيدة للعالمية إذا توافرا للأديب شروطا خاصة ، ويبدو في هذا السياق أنّ رأي الباحثة كيربتشنكو جاء تأكيدا وتثمينا لما قاله مواطنها لاندا بشان قيمة روايات وطار فنيا وموضوعاتيا .

ولعلّ ما عبّد طريق الرواية الوطارية نحو القارئ الروسي هو جودة الترجمة الروسية ، فمن حسن حظّ الطاهر وطار أن ترجمت أعماله إلى الروسية على أيدي باحثين أكفاء وعلى رأسهم العالم والمستعرب ديمتري ميكولسكي الذي التحق في سنة 1972 بفرع اللغة العربية بمعهد بلدان آسيا وإفريقيا التابع لجامعة موسكو ، وأبهر أساتذته بتفوّقه وسرعة إلمامه بتاريخ الحضارة العربية ، كما اهتمّ ميكولسكي بالأدب العربي المعاصر ، فترجم للروسية "رجال في الشمس" لكنفاني ، و"عبّاد الشمس" لسحر خليفة ، و"المتشائل" لإميل حبيبي ، (...) ومن الأدب الجزائري شارك في ترجمة روايات عبد الحميد بن هدوقة ، وكتب عدّة دراسات عنه وعن الطاهر وطار "(4)

وما يلفت الانتباه في إنجازات هذا المترجم الروسي أنّه تجاوز تصنيفات الأدب الجزائري السالفة الذكر، بمعنى أنّه لم ينظر إلى وطار كقلم جزائري أو مغربي أو إفريقي فحسب ، بل رآه روائيا  عربيا يذكر إلى جانب غسان كنفاني ، وسحر خليفة ونجيب محفوظ متجاوزا بذلك تقسيم الأدب العربي إلى أدب مغاربي و آخر مشرقي ، ولم يكن ميكولسكي وحيدا في اعتباره وطار قلما روائيا عربيا ، فقد شاركه في ذلك مواطنه فلاديمير شاجال الذي "يعدّ من أبرز المستعربين المعاصرين في روسيا في مجال ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى اللغة الروسية ، فيعود إليه الفضل في ترجمة روايات نجيب محفوظ، وحنا مينة، والطيب صالح، وعلي عقلة عرسان، والطاهر وطار، وغيرهم ..(5)

ومن الضرورة الإشادة بدور هؤلاء المستشرقين الذين لم يكتفوا بترجمة أعمال وطار بل ذيّلوها بدراسات وافية عن مضمونها وخصائصها الفنية وملابساتها التاريخية مما يساعد القارئ الروسي على فهمها واستيعاب أطروحاتها الإيديولوجية وتصنيفها في إطارها الفنّي المناسب.

 

الرواية الوطارية في مرآة C:

تعدّ ترجمة روايات وطار إلى الإنجليزية مكسبا ثقافيا هاما لصالح الرواية الجزائرية – خاصة المكتوبة بالعربية- وذلك لأنه لا يختلف اثنان في أنّ اللغة الإنجليزية هي اللغة  الأولى عالميا من حيث نسبة الاستعمال والانتشار، فهي لغة  الحواسيب والإعلام والانترنت ، وهي اللغة الرسمية لأهمّ المنظمات العالمية وعلى رأسها الأمم المتحدة ، أضف إلى ذلك أنّها اللغة الأولى عالميا التي يترجم إليها من سائر اللغات ، فـ " يورد دليل اليونسكو للترجمة لعام 1998 إحصاءات وبيانات مذهلة عن سيطرة اللغة الإنجليزية في تصدير الترجمات حتّى إلى تلك البلدان التي كانت لغاتها إلى أمد قريب لغات مصدّرة لا مستوردة ،وفي مقدّمتها اللغة الألمانية التي أصبحت اليوم في صدارة اللغات المستوردة من الإنجليزية إلى جانب اليابانية طبعا"(6) فاللغة الإنجليزية تضمن طريقا سريعا نحو الشهرة والانتشار والرواج بل والعالمية .

قراءة في ترجمة عناوين روايات وطار :

تذكر موسوعة ويكبيديا  أنّ  معظم روايات وطار ترجمت إلى الإنجليزية ، فترجمت "الزلزال"  إلى (Earthquake) و"عرس بغل" إلى (Mule’s wedding)و "الشمعة والدهاليز" إلى (The Candle and The Dark Corridors)والحوات والقصر إلى (Al Hawat wa Al Kassir)و"الطعنات" إلى (Taanat)   و"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي " إلى (Al wali Attaher Yaoud Ila Makamihi Ezzaki)وبقراءة سريعة لعناوين الروايات المترجمة يمكن أن نطلق حكما متحفظا على طبيعة ومستوى الترجمات ، حيث يمكننا أن نقسّمها إلى ثلاثة أقسام :

* قسم يعتمد على المكافئ الدينامي(Dynamic Equivalent) أي ترجمة لفظة بما يقاربها في المعجم الإنجليزي معنى وثقافة ، ومن ذلك ترجمة "الزلزال"  إلى (Earthquake) و"عرس بغل" إلى (Mule’s wedding)و "الشمعة والدهاليز" إلى (The Candle and The Dark Corridors) فهنا نلمس جهدا في نقل النص بكل ثقله التاريخي ومرجعياته الثقافية إلى لغة لها خصوصياتها النحوية والثقافية.

*قسم يعتمد النقل الحرفي لافتقاده المكافئ الثقافي ، ومن ذلك ترجمة "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي " إلى (Al wali Attaher Yaoud Ila Makamihi Ezzaki) ، ففي هذا السياق يبدو "الولي " و "المقام الزكي" كلمتان مثقلتان بحمولاتهما الدينية والتاريخية مما يصعب إيجاد مقابل لهما في اللغة الإنجليزية مما حذا بالمترجم إلى "أنجلزة" الكلمتين ، و لا شكّ أنّه اضطرّ إلى وضع شروحات مطوّلة لتقريب مفهومها إلى القارئ الإنجليزي ، وهذا ما يجعلنا نؤكّد أنّ الترجمة وحدها غير كافية لخلق حوار  ثقافي بين القارئ الغربي والنص العربي ، وهذا ما جعلنا نثمّن جهود المستشرقين الروس الذي ذيّلوا ترجماتهم لروايات وطار بدراسات وافية حولها.

* وهناك ترجمات اعتمد النقل الحرفي دون أن تتعب نفسها بالبحث عن المكافئ اللغوي ، من ذلك ترجمة "الحوات والقصر " إلى Al Hawat wa Al Kassir) مع وجود بديل لغوي صحيح وهو (The Fisherman and The Palace) ولا شكّ أنّ هذا الكسل الترجمي سيخلق صعوبات غير ضرورية في الفهم .

ولعلّ أهمّ ترجمة للرواية الوطارية إلى الإنجليزية هي ترجمة "الزلزال" بقلم ويليام غرانارا(William Granara )وهو أستاذ مستشرق بجامعة هارفارد في كاليفورنيا ، ووضع مقدمة الترجمة الناقد المصري المعروف جابر عصفور، "وقد تمّت ترجمة هذا العمل الروائي الذي أدرج في مناهج التدريس في الطور الثاني للتعليم الأساسي على حدّ تعبير الأستاذ غرانارا على أساس إيمانه بأنّه لا يمكن فهم ما يجري في الجزائر حاليا إذا نقرا رواية "الزلزال" ، ويلتقي  رأي الدكتور ويليام غرانارا برأي الدكتور جابر عصفور الذي أبدى في تقديمه لترجمة "الزلزال" قناعته بأنّها أصدق ما كتب عن العنف الإسلاموي"(7)

لفتت "الزلزال" انتباه المستشرقين الإنجليز بوصفها أول رواية جزائرية تتحدّث عن الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين ، وقد روّج جابر عصفور في مقدمته لهذه الرؤية حين عدّ الرواية معالجة للتطرف الديني بل عدّ بوالأرواح أبا الإرهابيين لمجرّد أنّه قرأ في الزيتونة ،يقول" معظم الإرهابيين ذوو شهادات جامعية عالية ، ويتبنون مبادئ إيديولوجية تشبه قناعات بوالأرواح(...)فهؤلاء الجامعيون هم المسئولون عن العنف في الجزائر اليوم  (...) في الحقيقة تسجّل عودة بوالأرواح الثانية بتفعيل الأنشطة السياسية التي تدار في الجزائر من قبل الذين يبررون الإرهاب بتأويلات دينية"(8)

وفي رأيي فإنّ  هذا الطرح مغالاة للحقيقة و تحميل للرواية أكثر مما تعنيه ، بل وإقحام تصوّر مسبق على الرواية ، فعبد المجيد بوالأرواح  ليس رجل دين كما يريد له المترجم الإنجليزي والناقد المصري ، فكثرة الشواهد القرآنية والأحاديث الدينية التي تعجّ بها الرواية ليس كافيا لجعل البطل رجل دين ، هو بذرة للمتطرف الديني الذي سيكون مسؤولا عما ستؤول إليه البلاد لاحقا ، ففي ٍرأيي الشخصي أنّ عبد المجيد بوالأرواح ليس أكثر من إقطاعي ساءته الإجراءات الحكومية المتخذة فسعى جاهدا للالتفات حولها مستعينا بالحسّ الديني للتأثير في ذويه وإقناعه بمخططه ، لذا لا يمكن أن تتسع شخصيته لهذا التأويل.و لا بأس أن ندعم رأينا بما قالته مستشرقه إنجليزية أخرى وهي ديبي كوكس التي "ترى أنّ عقم بوالأرواح دليل على أنّ الطبقة التي يمثلها بلا مستقبل ، وأنّ سلطته آيلة للنهاية ، بل يدلّ عقمه على أنّه ينتمي إلى عالم ينتمي إلى الماضي"(9)

ويقودنا هذا الإشكال إلى طرح نقطة أراها في غاية الأهمية ، وهي الوجه الآخر من اهتمام الآخر بأدبنا ، فبقدر ما يبدو الأمر جذابا ومغريا للوهلة الأولى فما أروع أن يدرس روائيونا في مدرجات جامعة هارفارد ، ويال وميتشيغن ، فإن جرس التحذير يقرع حول طريقة التدريس والأفكار التي يراد إيصالها للقارئ العربي حول هويتنا وثقافتنا ،ونظرتنا لذاتنا وللآخرين .فـ"الترجمة تخضع ،كصناعة وحرفة، لعوامل ليست مرتبطة بالضرورة بجودة العمل الأدبي ، فمنها أفق التوقع الغربي أي الجمهور المعني بهذه الترجمة ، وحينما نكون بصدد القارئ العام فذلك يعني مخاطبة ذوقه وميله والتطابق ، بقدر الإمكان مع أفكاره المسبقة والمتوارثة عن الشرق الإسلامي والعالم العربي ." (10) لذا قد يلجأ إلى إسقاط أفكاره المسبقة وإقحامها إقحاما لتلبية أذواق القارئ الغربي.

كما ينظر لروايات وطار من قبل المستشرقين على أنّها نموذج للأدب ما بعد الكولونيالي الذي يلقى رواجا واهتماما متزايدا في الأوساط الأكاديمية الغربية منذ نشر إدوارد سعيد كتابه الشهير "الاستشراق" ، وقد عرفت ويكيبديا الطاهر وطار بأنه أحد الروائيين ما بعد الكولونياليين الجزائريين الذين رصدوا تحركات المجتمع الجزائري وتحولاته السياسية ، والثقافية ، والاجتماعية ، وخاصة في روايتيه "اللاز" و"الزلزال"

وإذا كان قضية الهوية هي الموضوع الأثير لدي منظري ما بعد الكولونيالية فلا عجب أن يحظى أدب وطار باهتمام خاص لدى هؤلاء الدارسين وذلك لإصراره على الكتابة باللغة العربية متحدّيا الميراث الكولونيالي الذي يصرّ على أنّ الفرنسية مكسب ثقافي للجزائريين وجزء نوعي جديد في الهوية الجزائرية ، يتحدّى وطار هذا الطرح ، ويصرّ على الكتابة باللغة العربية دون أن ينفي أثر 130سنة من الاستعمار في تشكيل الهوية الجزائرية ،وهذا ما يعيدنا إلى مقولات أدب ما بعد الكولونيالية حول الهوية ف" أدب ما بعد الكولونيالية لا يتعامل مع الهوية جوهراً ثابتاً، أو ماهية مكتملة، سابقة على وجود الإنسان، بل حقيقة متبدلة، ومصنوعة بأدوات ومواد خام الواقع والتاريخ، أي على أيدي البشر وبإرادتهم.. إن مفارقة الهوية التي مصدرها الانتماء المتعدد إلى الأمكنة والأعراق والثقافات، والمترشحة عن تجربة ذات أوجه متنوعة تتسلل إلى نسيج العمل الأدبي المعروف بأدب ما بعد الكولونيالية فنكون إزاء بعثرة بدلاً من تماسك كاذب، وانفتاح على ممكنات الحياة بدلاً من العزلة، وهذا ما ينعكس على الشكل والأسلوب أيضاً فنشهد تصويراً بارداً، حاداً، حيادياً، بلا مديح أو رثاء أو أحكام فضفاضة(11).

فالبنسبة للمهتمين بالدراسات ما بعد الكولونيالية يعتبر روايات وطار خطوة عملية لتشكيل الهوية الجزائرية ما بعد الكولونيالية المتبنية لقضية العوربة خصوصا أنّ وطار أعلن موقفا واضحا من الفرانكفونية ، حيث يقول "الكتابة بالفرنسية تختصّ بها نخبة معينة تكتب لعوالم غربية بشروط غربية ، فدور النشر والمؤسسة الثقافية الفرنسية تشترط على الكتّاب العرب أساليب ومواضيع ، ويسوءني أن ادخل في هذه المقارنة "(12)

كان وطار أحد الأقلام التي وقفت عندها ديبي كوكس (Debbie Cox) في كتابها "السياسة ، اللغة ، والنوع في الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية " (13) وهي تعالج أدب ما بعد الاستعمار في الجزائر أو ما تسميه أحيانا أدب ما بعد الاستقلال مركزة على الفترة الممتدة ما بين (1972-1988)،وكانت روايات الطاهر وطار مادة اختبارية حيوية لمساءلة قضية اللغة ، والنوع الأدبي،و الإديولوجيا، وعلاقة المجتمع بالثقافة من جهة، وعلاقته بالدين من جهة أخرى .

وتوقفت الكاتبة عند رواية "اللاز" لتدرس إشكالية التعامل مع التاريخ ، وقداسة الثورة ، ومكانة النخبة الفرانكفونية، وقضية العوربة، ولم تقف الكاتبة عند المعطيات المضمونية لروايات وطار بل عرّجت على الجانب الجمالي أو الشكلي كتوظيفه العجائبي(fantasy) و والأليجوريا (Allegory)، وكان اهتمام الكاتبة بروايات وطار جزءا من اهتمامها بالأدب الجزائري الذي عدّته جزءا من الأدب الإفريقي من جهة ومن الأدب العربي من جهة ثانية محاولة أن تسدّ فراغا رهيبا في المكتبة الإنجليزية عن الأدب المغاربي الذي يبدو شبه مجهول بالنسبة للقارئ الإنجليزي مقارنة بالأدب المشرقي.

وقد استوقف الجانب الجمالي هذه المستشرق الإنجليزية أثناء دراستها رواية "عرس بغل" حيث أشادت ببنائها الجمالي المراوغ ، والمستفزّ ، فهي تراها" رواية تقوم على انعدام الخطية في شكلها النصي ، بالإضافة إلى تذبذبها الزماني والمكاني ، وهلوساتها ، التي تساهم في جعل الأحداث التاريخية (التي تكوّن مضمون الرواية) في موضع تحدّ لوحدة الإيديولوجيا ، فالرواية ترتكز على المقتطفات المجتزأة مع إصرار على عدم التسلسل،والمراوحة بين مشاهد الماخور وأحداث رحلة الحاج كيان بشقيها الزماني والمكاني "(14)

بعبارة أخرى ، ترى هذه المستشرقة أنّ حداثة "عرس بغل" بتعقيداتها وغموضها تمثّل محاولة لزعزعة الإديولوجيا المترسّخة ،ولتحريك القناعات الراكدة ، فبدل أن يلجأ وطار إلى أسلوب الوعظ والخطابية راح يعزف على وتر الخرق والعدول والمفاجأة على مستوى الشكلي /السردي. 

   وفي الأخير يمكن القول أنّ وطار –في رأي معظم المستشرقين - ساهم مع قلّة من أدباء الجزائر والبلاد العربية بالارتقاء بثقافتنا ولغتنا العربية إلى العالمية ، بينما ضاع آخرون من الباحثين عن العالمية بلسان الآخر ، وفقد بعضهم في نهاية المطاف حقوق الأنا عليهم أي صدق وموضوعية التعبير عن تجربة الوطن في بعدها الإنساني ، وبقوا ثقافيا على هامش الآخر.

 

تحميل المقال

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11