FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides

    Séminaire International sur les Polysaccharides Polysaccharides de Plantes de Milieux Arides.POLYSAC 2017, Les 22-23 Novembre 2017. 

  • Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement

    Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement "WID TOE 2017", 3 et 4 avril 2017, Ouargla - Algérie

Appel à communication

النص الروائي الوطاري وتمثله لنظرية التلقي

ضمن خصائص التجربة الجمالية

 

شعيب مقنونيف

جامعة تلمسان(الجزائر)

 

تمهيد:

لعل من أكثر التحولات التي أحدثتها نظرية التلقي في ميدان الدراسات الأدبية والنقدية هو تحول ثنائية " النّص/ القارئ ". وكان هذا التحول نتيجة أسئلة تبحث عن إجاباتها مُحدِدّة بذلك آليات فعل القراءة. ولعل أحكام القارئ على النّص واستجاباته له تكون وراء أسئلة التلقي المتداخلة من جهة أخرى مع أسئلة التأويلية التي ترتكز على علاقة المفسّر بالنّص، ذلك أن المفسّر قارئ أيضا، لأن النص الأدبي يبدأ بالاشتغال في لحظة اتصال المتلقي به من خلال القراءة. وتبدأ قِيَمُهُ الجمالية والمعنوية بالتحقق على نحوٍ يرتبط فيه مدى أثر النّص بطبيعة القراءة ومراميها. وبعبارة أوضح إن ما يمكن للقراءة أن تستكنهه من محمول النص الجمالي والدلالي يتوقف مدى عمقه على مستوى آلياتها المنهجية ونوعها، وهي آليات يفترض أن تستوفي، في وظيفتها التحليلية والتفسيرية، المنطلقات النظرية الأدبية التي تتأسس عليها رؤية القارئ/ الناقد.

أولا: في آليات القراءة وأهدافها

 إن ثمة تطوراً كبيراً شهدته القراءة في آلياتها المنهجية وغاياتها، عبر تاريخ من الإنجازات النقدية التطبيقية والنظرية، التي استلهمت كشوفات علوم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، وعلوم اللغة، ولعل في معطيات تطور النظرية الأدبية ما يوثق ذلك. والمتأمل في حركة التطور هذه يمكن أن يخلص إلى جملة من الاستنتاجات لعل أهمها:

- إن القراءة، عبر تاريخها المدون، قد اشتملت وفق منطق دواعيها التفسيرية والتأويلية على عناصر العملية الإبداعية الأدبية وأركانها بوصفها عملية اتصالية ( المؤلف / المنشئ / المرسل، النص / الرسالة، القارئ/ المتلقي/ المرسل إليه).

- إن القراءة، في ضوء البعد التداولي والاتصالي الذي يحققه النّص، الرسالة بين المرسل والمرسل إليه، وعبر تطور استراتيجياتها، تعبّر عن النّزوع الدائم للوعي الإنساني للبحث عمّا يعتقده حقائق أعمق وأشمل متعلقة بما تُوَلِّدُهُ العملية الاتصالية من " أثر"  تتفاعل فيه الارتجاعات النفسية والفكرية على نحوٍ يبعث باستمرار هامشاً من الشك في مستوى الاطمئنان لما تتوصل إليه كشوفات القراءة.  إن هذا النزوع الذي يغذيه الشك، باستمرار، يحظى بترجمته في أرصاد القراءة التي ما تفتأ تبحث عن زوايا مختلفة للنفاذ إلى الكامن من حقائق النّص، كما في التأويلية والسيميائية والتفكيكية. إنّها أرصاد تفتح فضاءات أوسع لمغامرة الكشف على مستوى حدوس الرؤية التي قد تقترب، أحياناً، من مصاف الرؤيا.

بيد إن ما يمكن أن يُلمَح ، فيما يتصل بفاعلية هذه الأرصاد القرائية، وفق منطق التفاعل الجدلي بين الإنسان والظواهر المختلفة في الوجود، ومن بينها الظاهرة الفنية والأدبية ، أنها لابد وأن ترتد وتنعكس على المتلقي على النحو الآتي: 

- إن المتلقي ( الناقد ) عندما يقوم بقراءة النص" المكتنز بالمعنى على وجه الخصوص" ، فإنه يستنفر لذلك طاقته للتفكير في استجابة طبيعية لما يشكله النص من تحدٍ نوعي خاص يرجع إلى طبيعته اللغوية والبنيوية ، وسيتوسل ما يمتلكه من إمكانات أدواته القرائية المنهجية المناسبة للنفاذ إلى بنية النص العميقة وجوهرها الدلالي عبر استبطان كل ما يتعلق بعناصرها وعلاقاتها ومستوياتها.

- إن هذه القراءة، في أثناء تفعيلها ، تمثل نوعاً من الحوار بين القارئ والنّص ، بين قصدية وعي الذات المتلقية، وقصدية الذات الكتابية " النّص" << إذ النص رسالة تصدر عن قصدية تعبر عنها رؤية المرسل وموقفه >> ، بين ما تحمله توقعات القراءة، وما تحتمله قرائن الكتابة "النّص " من أوجه على مستوى الدلالة .

- إن القراءة، في الوقت الذي تنجز فيه وظيفتها الجوهرية " الفهم والتفسير" ، وتتحول إلى نص يمثل في المنظور النقدي لمناهج ما بعد الحداثة: << إعادة إنتاج للنص الأدبي المقروء ، سيصبح هذا النص الذات الكتابية للمتلقي في مقابل الذات الكتابية للمرسل>>.

- إن هذا النّص بوصفه ذاتاً كتابية للمتلقي يبدو، في تحوله إلى مشروع للقراءة، مزدوج الوظيفة والدلالة، فهو إذ يمثل، من جهة، سبراً لمستويات صياغة النّص الأدبي وتشكيله وكشفاً لرموزه ودلالاته، فإنه من جهة ثانية، ووفقاً لما احتمله فعل القراءة من إسقاطات المتلقي من تصورات ورؤى فكرية ومنهجية على نحو يقترب فيها مفهوم هذا الفعل من فكرة الاختبار الاسقاطي في علم النفس، يشكل استنطاقاً وكشفاً لذات المتلقي الكتابية، بما يفضي إلى حقيقة أن فعل" نص" القراءة هو كشف لذات المتلقي الكتابية بقدر ما هو كشف لذات المرسل الكتابية. بمعنى إن فعل القراءة يحقق غايته باتجاهين متعاكسين: القارئ والنص المقروء. إنه فعل كشف متبادل بين القارئ والنص. في ضوء ذلك << يمكن أن تكون فكرة " النص القارئ " إمكانية منطقية معقولة >>

-  وإذا كانت القراءة، في أحد أبعادها، تمثل حواراً بين القارئ والنص، فإن النص بغوامضه وإشكالياته سيشكل باعثاً على توليد أفكار تسهم في صياغة مقترحات منهجية جديدة تؤسس لكيفية أكثر فعالية للقراءة.

وسواء أكان القارئ، ضمنيا، داخلا في فعل الكتابة ذاته ، أم عاديا أم محترفا وناقدا، سيقف أمام النّص مستفهما: ماذا أقرأ ؟ هل أقرأ أفكار الكاتب ومشاعره وتجليات ذوقه، أم أقرأ ما أراه انعكاسا لذاته، أم أنّ النّص ماثل في تركيب متكامل البناء والدلالة، ينتمي انتماءين لا انفصام بينهما: الانتماء إلى الكاتب الذي منحه وجوداً مستقلاً، والانتماء إلى ميدان الكتابة ونظامها الإبداعي الخاص والثقافي العام ؟

ذلك كله يمكن أن ينطوي عليه فعل القراءة الذي تضعه نظرية التلقي في المكانة الأولى، لأن هذا الفعل يجعل القارئ حيويا كالكاتب تماما. فسيرورة القراءة ليست عملية بسيطة وليست خطّية. بل هي عملية معقدة ذات اتجاهات عمودية وأفقية، استرجاعية واستشرافية تتقاطع فيها مكونات ثقافة القارئ بما تشمله من مخزون أدبي وفني وعاطفي. وهكذا يسهم القارئ في تحقيق النّص، وفي ملء ما بين علاماته، وما بين سطوره من فراغات يعتمد تحليلها على تأويله هو. ومن ثم فإن النّص يوجه إليه تلميحات عليه أن يؤالف فيما بينها حتى يبني معناه العام. وهو، بذلك، << يقيم صلات وروابط ضمنية، ويسّد ثغرات ويتوصل إلى استنتاجات وتجارب من أحاسيس باطنية؛ وذلك يعني الاعتماد على معرفة ضمنية بالعالم عموما وبالأعراف الأدبية على وجه الخصوص>>.

لكن اختيار سيرورات استجابة القارئ للنّص الأدبي يمكن أن يكون موضوعا للقراءة الجمالية ومنطلقها الأول هو التجربة الجمالية من حيث هي لحظة امتلاك الذّات القارئة للنّص الذي يشكل واقعا جماليا في بنيته ودلالاته. وفي هذه اللحظة التأملية والمعرفية قد تستعاد لحظات مشابهة عاشها القارئ عبر نصوص أخرى، وتتواشج مع الجو الذي تخلقه اللحظة الحاضرة. إنها اللحظة التي تلتقي فيها حساسية الكاتب وحساسية المتلقي، وتتقاطعان مع إشعاعات الدلالة في النص، ومع ما توقده في ذات القارئ من أفكار ومشاعر كاملة. وما دام كل أدب جديد حاملا تَشَكُّل المتغيرات الاجتماعية والثقافية، فمن الطبيعي أن تقترن التجربة الجمالية بسياق التحولات التي تطرأ على المجتمع. وما اقترانها سوى موقفٍ مما ينعكس على منظومة القيم الجمالية من جرّاء التحول الاجتماعي. ذلك أن استجابة المتلقي الشعورية لما يقرأ إنما هي نواة موقف فكري معيّن يقصد الكاتب أن يوحي به. وحول هذه النواة يتكون حكم القيمة الذي يصدر عن المتلقي. وحكم القيمة المسوغ منطقيا هو ركن من أركان التجربة الجمالية، الغاية من المنطق هنا هي استشارة التفكير، واستنفار قدرات القارئ على المحاكمة، ومن ثمّ على وعي مشاعره.

وفي مرحلة لاحقة تجيء الغاية النقدية بنتائجها الأكثر موضوعية، فترتقي بأحكام القارئ، وتسهم في انتظامها، وزيادة فعالياتها الثقافية التي ستنعدم حين تظل سائبة لا يضبطها ضابط، ولا تحتويها التجربة الجمالية في نسقها العام المؤتلف.

 إذاً فالتركيز على ما يمكن أن ينعقد من أواصر بين التلقي والتجربة الجمالية، يفتح أبوابا واسعة لتعميق تحرير النص الأدبي. وسوف نحاول أن نستبين حقيقة ذلك من خلال بعض النصوص الروائية العربية التي تخمن أن نظامها الرمزي يحدد ملامح استجابة القارئ لها.

ثانيا: التلقي و التجربة الجمالية 

إنّ القاسم المشترك بين التلقي والتجربة الجمالية هو المتلقي، وعن هذا القاسم العام تتفرع قواسم أخرى ألصق بذات المتلقي؛ كحساسيته، وثقافته، وطريقته في التفكير، وهدفه من القراءة. وإذا أخذنا تفريق " آيزر" بين نظرية الرقع الجمالي المتجذّرة في النّص، ونظرية التلقي المتجذّرة في أحكام القارئ التاريخية، وأخذنا مفهوم التجربة الجمالية وفق ما عرفناه، ألفينا أنه يتداخل معهما في أكثر من موضع.

 ثم إن للتجربة الجمالية في الرواية تداخلات أخرى مع طرائق دراسة النصوص السردية وخصوصا مع علم السرد، والشعرية، والسيميائية. إلا أن هذه التداخلات، على ما لها من أهمية، لن تكون في عملنا غاية مستقلة عن إضاءة مساحة التداخل المركزية بين التلقي والتجربة الجمالية، فضمن هذه المساحة يقع، في رأينا ما يسمى بـ" التفاعل النّصي(La transtextualité) وما يتفرع عنه من مصطلحات كالتّناص، والنّص الجامع (L’architexte)، والنّص الناقد( Le metatexte)، والنّص السابق( L’Hypertexte )، وغيرها مما جاء في كتاب: "مدخل إلى النص الجامع " لجيرار جينيت، وعلّة ذلك أن قواعد الإحالة النصية ستكون منظورة من زاوية ما تثير في ذات المتلقي، لا من زاوية بناء النص. فالقراءة تجربة جمالية، وهي وليدة هوى المعرفة المؤجج في ذات القارئ جذوة التساؤل المستمر مشيعا جوا من المتعة: متعة الفهم ومتعة الاكتشاف.

 ويرتبط وجها المتعة هذان ارتباطاً وثيقاً بعلاقات النص الحاضرة المتمثلة بتشكيله وبنائه، وبعلاقاته المترائية أو الغائبة بوصفها علاقات معنى وترميز، كما ألمحنا آنفا، حيث إن فهم الأولى يستتبع اكتشاف الثانية بموجب الرابط الجدلي بين المقول وغير المقول.

استنادا إلى ذلك يكون فضاء التجربة الجمالية فضاءاً دلالياً لا وجود لمتعة القارئ بمعزلٍ عن نصيبه فيه، ونصيبه كامن في غائب النص الذي لا يُفتح إلا بمفتاح حاضره. كذلك يتعذر انفتاح النص وعمل الإحالة فيه خارج الفضاء الدلالي.

 وباختصار نقول: لما كانت التجربة الجمالية موفِّرة متعة الاكتشاف المفترضة للإحالة النصية أو المتلازمة معها، فإن فضاءها فضاء دلالي بالضرورة، لكن الإحالة النصية ليست إيجابية دوما، فقد تنأى عن أداء دورها الحقيقي في النص ويصير أثرها سلبيا ينوء به القارئ. ولا سيما حين لا تأتي في سياقها المناسب. وسياقها المناسب هو أن تلامس حساسية القارئ، وحكمه الجمالي الذي يبدأ من إدراك الجنس الأدبي المقروء، ومعرفة خصائصه وينتهي بدمجه في مخزون الخبرة الخاصة بها. وحينئذ فقط تغدو التجربة الجمالية تلك اللحظة التأملية التي تتقاطع فيها النصوص الأدبية يستدعي بعضُها بعضَها الآخر في أثناء القراءة. ويترافق تقاطع النصوص مع تقاطع ضروب المشاعر المرافقة لها، ومع اللّذة المفترضة في وعي القارئ لأبعاد ما يبدعه الأدب من عوالم تحتضن أحلام الإنسان وتوقه إلى مجاوزة شروط وجوده بعد أن يستخلص منها رؤية ونظرة ومعرفة كما بيّنت "جوليا كريستيفا" في مقالتها " الطوية الهائلة ".

 لكن كون التجربة الجمالية كذلك يحتّم علينا تخصيص فقرة نشرح فيها آلية تداعي السياقات، وضمن هذه الفقرة سندرج الإطار العام لاستدعاء النّص المقروء نصوصاً موظفة فيه أو متقاطعة معه دلاليا، والإطار الخاص لاستدعاء النّص المقروء نصوصاً تجمعه معها وحدة الموضوع بالإضافة إلى استدعائه نصوص موظفة فيه أو متقاطعة معه، لكن بدرجة أقل أهمية من وجهة نظر نظرية التلقي.

ثالثا: آلية تداعي السياقات

1/ الإطار العام

يُلاحظ هنا أن إحالة النص المقروء على المرجعيات الثقافية والأدبية إحالة غير مقيدة، لذا تظل التجربة الجمالية للمتلقي مفتوحة، ويظل تركيب تقاطع النصوص وغناه منوطين بثقافته ومدى إطلاعه. وهكذا فحين يقرأ رواية " كـوميديا الأشباح" لِـ" فاضل العزاوي"، سيقف أمام العنوان الذي يذكر بـ " الكوميديا الإلهية" لـِ " دانتي أليجيري " وربما فكر في دواعي تسمية النّص رواية، مع أنه منسوج عموما على منوال الكوميديا الإلهية: فثمة " فرجيل " دليل بطل الرواية " آدم " في" الجحيم " مثلما كان دليلاً لدانتي، وثمة أيضا فردوس، ومقاطع شعرية مأخوذة من نّص دانتي حيث يستعير الكاتب افتتاحية فصل"الجحيم " ليفتتح بها روايته. وقد تساعده خبرته الأدبية على إدراك الفروق بين النّصين، وعلى متابعة مسار السرد حيث سيضم الكاتب إلى فرجيل شخصيات ملحمية وروائية ومسرحية ودينية كثيرة جدّا، فضلا عن الشخصيات التاريخية والأدبية، و مشاهد استحضار شهرزاد وشهريار والسندباد من ألف ليلة وليلة. بعض هذه الشخصيات" الأشباح" سيندغم مع معرفة القارئ السابقة وإن احتفظ بخصوصية توظيف الكاتب له في نصّه ففرجيل كان دليلا في العالم الآخر الذي تخّيله " دانتي "، وتحديدا في الجحيم والمطهر، وبقي دليل "آدم" في كوميديا الأشباح من البداية إلى النهاية لأن الرواية لا تصور سوى الجحيم. وبعض الشخصيات ستثير اختلافا في الحدث وسياقه ودلالته، وهدف ذلك قد يكون نابعا من طبيعة التوظيف ما ترمز إليه كل شخصية، إذ أن العدول بالحدث عن مجراه يشد انتباه القارئ إلى المرمى الجديد الذي يريده الكاتب. مثال ذلك ما أورده الكاتب في المقطع الآتي: » ثم خرج يوسف من البئر فرأى الذئب ينتظره. نزع قميصه ورماه عليه فتحول إلى حمامة، ثم رأته زوليخة جالسا في السوق على دكّة يقشر برتقالة فأومأت له بأصبعها وهي في عربتها، فتبعها حتى بلغت بيتها وجرته من يده.. ».

لقد نقل الكاتب وجود الذئب من الخيال إلى الواقع، وحوله إلى حمامة بعد أن جعل القميص وسيلة خلاص بدل كونه دليلا على افتراس الذئب ليوسف كما هو معروف. وهنا لا بد أن يصادف المتلقي اضطرابا في سيرورة القصة التي سردها الكاتب عن يوسف. مما يدفعه إلى استبصار ما هو مسرود في ضوء ما اختزنه في ذاكرته. وعندئذ سيستفهم عن موجبات وجود يوسف في مصر وعدم رجوعه إلى أبيه بعد أن نجى من الذئب المزعوم.

وعن أسباب تغيير مكان اللقاء بينه وبين زوليخة. و لا شيء سيروي فضوله غير سياق قصة يوسف في نص الرواية: فالبطل آدم في غيبوبة أي فيما وراء الذاكرة الواعية، حيث خرجت في وقت واحد أشباح الأزمنة السحيقة وأشباح الأمس القريب واختلطت في عوالم الجحيم الذي صنعته حروب العراق مع جيرانها. لذا صارت منطقة ما وراء الذاكرة محكومة بفوضى تعادل فوضى الحرب ومآسيها، وانقلبت الأدوار التي رسّخها الدّين والتاريخ والأدب والثقافة في ذهنه » القارات تنبثق في الذاكرة من وراء ستارة دخان في الأفق … حياة البشرية كلها مرت أمام عيني مثل شريط لا نهاية له … خونة وعشاق. لصوص وشرفاء، مؤمنون وملحدون، شعراء وكهنة … وجنود بخوذهم وبأساطيلهم وبنادقهم ينحدرون من فروج أمهاتهم في صفوف طويلة، ذاهبين إلى الحرب … كانت الصور تتقطع في رأسي، متداخلة حتى لكأن كل شيء يحدث دفعة واحدة   وكانت ثمة بغداد دائما. الأصدقاء والأعداء أولئك الذين يقفزون فجأة من الذاكرة ويعرضون أشرطتهم السينمائية الغريبة. يهوذا يصعد الجلجلة باكيا، وعلى رأسه تاج الشوك، حيث أَلْف مسيح يجرونه إلى الصلب « !. وأيّا كان حكمنا على "كوميديا الأشباح" التي جمع بناؤها بين الشكل الملحمي والسرد التاريخي، والاستبطان والتذكر، والغرائبية وأنماط الخطاب المختلفة، فلن يخلو عالمنا الشعوري من اهتزازات ناتجة عن تفاعلنا مع تلك الأشباح الداخلة في صلب ثقافتنا الأدبية، وخبرتنا المتكونة خلال القراءات السابقة، هذا بصرف النظر عن كون التفاعل إيجابيا أم سلبيا.  كذلك لن يغيب عن ذهننا أن الكاتب يستخدم أشكالا شتى محاولا صهرها في شكل روائي قد يخطو خطوة أو خطوات على طريق التجديد.

أما مصدر اللذة المفترضة في وعي القارئ للعوالم المتخيلة فهو تحديدا النشاط العقلي المنبعث من تقاطع النص المقروء مع نصوص يعرفها، ومن المقارنة بين المستجد فيه وفيها، وها هنا تثرى التجربة الجمالية وتتطور، ولا سيما عندما يكون النص رفيعا. وحتى ملاحظة ما يعتوره من نقص فنّي وتعبيري تسهم في إثرائها وتطويرها ما دامت يقظة الإحساس والعقل قائمة ترصد التقاطعات وتركبها في نظرة كلية متكاملة أو قريبة من التكامل. وعليه

فهل قوام التجربة الجمالية تداع للسياقات الفنية والأدبية المتشابهة أو المتقاربة ؟

تكمن الإجابة على هذا السؤال في أن التجربة الجمالية فعل ثقافي يقتضي تداعي السياقات وتقاطعها. ولما كان الفعل الثقافي الصادر عن خبرة مصقولة وحدة يذوب فيها الموقف المنفعل بالتجليات الجمالية في النص، والموقف الفاعل المعبر عن امتلاك القارئ لذاته، أي عن تذوقه تلك التجليات ، اتّضح بأن التجربة الجمالية تيار واحد متعدّد الفروع والروافد المتمثلة في ضروب الفنون وأشكالها المختلفة، مما يسوّغ نظرية الفن العامة، هذا من جانب، ومن جانبٍ ثانٍ دراسة القواسم المشتركة فيما بين الفنون التي تندرج في منظومة متكاملة، يطبعها بما يعرف بـ" التراسل"، أو بـ" التقاطع "La correspondance ، والرؤية الحديثة للأدب، وهو من صميم التجربة الجمالية. تتناوله بوصفه كلاً نصيًا Ensembletextuel له موقعه في الكل الاجتماعي.

وفي ضوء ذلك يكون النص الأدبي مهما بدا جديدا، مرابطا بصورة ما مع طائفة من النصوص المكونة للمرجعية الأدبية والفكرية والثقافية، التي تتطلب التجربة الجمالية إلمام القارئ بها.

إذن إن تذوق القارئ للنص ومتعته بمعرفة تقاطعاته المعتمد على تحصيله الثقافي، يدخلان في صلب وعيه الجمالي الذي ينتقل به من الانفعال بالأثر الجمالي إلى فعل مركب وفاعل في الوقت نفسه: فعل امتلاك الذّات واختبارها وتوسيع آفاقها مع كل نص جديد. ففي أثناء القراءة تنعقد بين القارئ والنّص علاقة " حضور "Présence متعدّدة الأطراف؛ حضور النص، وحضور النصوص الأخرى وحضور فكرة القارئ عن فن الأدب عموما، وعن كل جنس من أجناسه بصورة خاصة. ولكل حضور لحظته وسماته المميّزة.

2/ الإطار الخاص

ضمن هذا الإطار تضيق دائرة التقاطع، وتضيق معها حدود التلقي التي ترتهن بوحدة الموضوع بين النص المقروء والنصوص الموظفة فيه دلاليا. ذلك أن قارئ رواية "اللاز" لـ "الطاهر وطار"، سيفقد طرف الخيط الدلالي إن هو لم يتبيّن مغزى النقاش النقدي الذي دار بين أفراد المجموعة الشيوعية في جبهة التحرير الجزائرية حول روايتي" لمن تقرع الأجراس" لهمنغواي و" تيربرز دي كيرو " لفرانسوا مورياك. وحقيقة النقاش مؤسسة فعليا، إذا أخذنا بمفهوم النّص الناقد، على إعادة قراءة الروايتين وفق معطيات حرب التحرير الجزائرية والمواقف الفكرية للفصائل المشاركة فيها تحت راية " الجبهة " وخصوصا موقف الفصيل الإسلامي قائد الجبهة، وموقف الشيوعيين المحاصرين. وإذا علمنا أن قبطانا إسبانيا وعددا من الفرنسيين تطوعوا للقتال مع الشيوعيين في سبيل حرية الجزائر، ظهر سبب نقاش الروايتين المذكورتين فإرنست همنغواي يعرض في روايته الحرب الأهلية الإسبانية محللا جوانب الضعف في قيادة الجيش التقدّمي. وفي الوقت نفسه يصور " روبرتو "، وهو الأمريكي المتطوع، متحمسا حتى آخر لحظة، بينما أظهر معظم الأبطال الأسبانيين في مظهر اليأس وانهيار المعنويات، وهذا ما أثار تساؤل القبطان. وكان آخر قد ساءل رفاقه: » هل من الجائز أن يدين همنغواي قيادة الجيش ويتهمها بالبيروقراطية ؟ »،  و" روبرتو" يجسد همنغواي أصلا؛ فمن المعروف أن هذا الكاتب تطوع لصالح التقدميين في الحرب الإسبانية. والعلاقة بين موقف همنغواي وبطله من ناحية، وموقف القبطان ورفاقه من ناحية ثانية لا تكتمل دلاليا إلا إذا أخذنا بالحسبان مشقة ما يشعر به الشيوعيون إزّاء " الشيخ" الذي يضمر عداءا صارخا ضد الشيوعية وضدهم مع أنهم يحاربون الفرنسيين من خندق واحد. ولما ضاعوا بين الوفاء لمبادئ الحزب، والحفاظ على وجودها، وشكلوا لجنة أممية يمثل فيها كل منهم حزبه، كان مصيرهم الإعدام ذبحا بأمر من الشيخ. وكأنهم بذلك كرروا خطأ التقدميين في الحرب الأهلية الإسبانية، وهو ما ركّز عليه همنغواي في روايته.

 وتبدو " تيريزي دي كيرو " بطلة رواية "مورياك" شخصية حسّاسة،  شديدة الانطواء تنحفر في أعماقها أنفاق الكراهية لزوجها فتحاول قتله ولكنه يشهد لصالحها، ويقرر منحها حريتها فيرافقها من " اللاز " إلى " باريس "، ويتركها وحيدة في مقهى من المقاهي. ويستنتج "زيدان " ورفاقه الشيوعيون في " اللاز " بعد أن تساءلوا عن صلة " تيريز"  بالأوضاع في الجزائر المكافحة لنيل استقلالها أنّها، مجرد برجوازية طغى عليها فراغ مهول، توسوست و راحت تبحث عن نفسها ، وأن " مورياك " أفرز من خلالها ما يعتمل في نفس جيله من أسى وقلق واضطراب وإذا بأحدهم ألمح إلى أنها تمثل انعدام الشخصية، وأضاف آخر أنها جزء من تاريخ فرنسا بعد الكومونة ،  فقد أكّد القبطان ضرورة ألاّ تفضي قراءة الرواية إلى اليأس، فالحرب التحريرية لن  تهزم بسهولة،  مثلما فرنسا لن تخرج من الجزائر بسهولة، والأجدر بالتأمل في الفارق بين " تيريز " والشعب الجزائري أن « ما كان يعوزها هو معرفة ماذا تريد.. من البدء. أما جماهير الشعب هنا، فإنها تعرف، حتى بغريزتها، ماذا تريد..وستصل إليه طال الزمان أو قصر.  «

و هذا ما كان حقا، إلا أن سحابات الحيرة لم تنقشع من فضاء النص، بل على العكس بقيت تدوم حاملة في ثناياها ما يمكن أن يلتحم مع دلالة الروايتين المذكورتين.

يشهد على ذلك الوعي الناقد لواقع الجزائر بعد استقلالها، ولما آلت إليه الثورة حين تدافع الانتهازيون إلى جني ثمارها على حساب مبادئها ومَن قاتلوا مِن أجلها. وتزداد تلك السحابة قتامة في الكتاب الثاني من " اللاز" وعنوانه الفرعي:" العشق والموت في الزمن الحراشي ". فمع أن الكاتب يركز على الثورة الزراعية يظل مصرع " زيدان " والد اللاز مدويا، وتظل الحكمة الشعبية: " ما يبقى في الوادي غير حجاره " صدى لذلك الدوي ينبعث من أعماق     " اللاز" علامة على استمرار دعوته إلى تطوير الثورة الذي يتولاه " الهواري" و الشبيبة الجديدة.

وفي هذا الجزء من الرواية يوظف الكاتب نصوصا أخرى أيضا؛ فيلجأ إلى التضمين حينا، وإلى الاستشهاد حينا آخر مبتكرا حزمة دلالية متكاملة مركزها مقتل " زيدان" و استمرار اللاز، وعناصرها المشدودة إليه هي النصوص الموظفة والحق أن تضمين النص مقاطع شعرية لـ" بابلو نيرودا "، وإيراد نّص من "مختارات لينين "  على سبيل الاستشهاد يظهران بعيدين عن مركز الحزمة إذا ما قيسا إلى توظيف رواية " قدر الإنسان " La condition humaine)) لـ " أندريه مالرو " وإسنادها إلى خلفية الأسطورة الهندية المصورة إله النّور " برماتا " خارجا من البيضة الذهبية لمحاربة الظلمات بعملية الابتكار ذاتها: » إن برماتا الذي لا يُدرك بالعقل وحده، الطيف الخفي، والمحيط بجميع المخلوقات، أظهرذاته بذاته: ثم بدا له أن يخلق المخلوقات من جسمه ! ! ! فخلق أولا الماء بالفكر!  ثم ألقى فيها بذرته فصارت هذه البذرة بيضة ذهبية لها لمعان كالشمس. وانبعث منها برماتا ذاتُه، في صورة براهما، جد العلم كله ! «.

لقد كان "زيدان" ضحية؛ ليس لأنه أخطأ تقدير الموقف فحسب، بل لأن في الثورة الجزائرية، كما هي حال الثورات الوطنية والاجتماعية، التباسا يعود في أصله إلى تعدد انتماءات فصائلها فكريا وسياسيا من دون نشوء أي حوار بينها. و" زيدان" أيضا شهيد قضية بلاده  مثلما كان "بابلو نيرودا " و "تشي غيفارا".

وإذا كانت قوى الظلام قادرة على أن تضع حدا لنضال أي مناضل، بقتله أو بزجّه في السجن، فإن آثاره، كآثار برهما، يستحيل أن تمحى. وهذا ما كان يعلو به صوت  " اللاز"،  و هذا ما يكسب عناصر الحزمة الدلالية قوتها الموحدة؛ إذ يتماهى زيدان مع نيرودا وغيفارا وبرهما، وتنصهر عبارة " ما يبقى في الوادي غير حجاره " في قول " نيرودا " في ديوان " أحجار تشيلي ": « أصمت أيها البحر، وليصل الزبد في صمت «. ويدعم هذه القوة المحمول الرمزي في شخصية " اللاز" شبه الأسطورية: فهو المبشر بعصر جديد، وهو الكائن وغير الكائن:  « كائن (…) يملأ الدنيا. هنا في الجزائر، هناك في المغرب، في تونس، في مصر، في الهند، في السند. في كل مكان لم تقم فيه ثورة العدل وفي كل موطن يذبح فيه" زيدان"، وغير كائن لأننا لا نستطيع أن نشخصه في فرد معين (…). إنه أنا وأنت، وكل الناس، وهو في الوقت نفسه لا يمكن أن يكون أنا أو أنت أو أي واحد آخر !! . «

و اللاز ينبئ بمنطق التاريخ في مجتمع كاد ينساه، حتى إن الكاتب يجعله روح التاريخ  ويمهد من خلال ذلك لتلك الموازاة متعددة الأقطاب بين مصائر الشخصيات الثورية في الواقع وفي الأدب. ولعل في نبرة اليأس الصادرة عن اللاز وعن الكاتب ما يشرح لنا علة توظيف رواية " قدر الإنسان "  لـ "مالرو" وطبيعة الموازاة أيضا.

وفيما سبق من ملامح توظيف الطاهر وطار للنصوص الأدبية السابقة لنصه الروائي، دلائل على انفتاح هذا النص  ليس على مرجعية ثقافية وأدبية يشترك فيها كل من الكاتب والقارئ، بل على نصوص الكاتب الأخرى. ذلك أن ما يولده النص المنفتح لرواية اللاز من قراءات إضافية للخلوص إلى معرفة مرامي التوظيف النصي، يسهم في فهم منطلقاته الفكرية المبثوثة في نصوصه المختلفة. فمن يقرأ قصة " الشهداء يعودون هذا الأسبوع " للروائي عبد الحميد بن هدوقة بعد قراءة اللاز أو قبلها، سيتوقف، من غير شك، أمام التقاطع الذي يفرض استدعاء أحد النصين للنص الآخر. أي أن ما عانته " تيريز دي كيرو" من فراغ وبحث عبثي عن ذاتها لن يلبث أن يلتمع في ذهن القارئ وهو يعيش مع الشخصيات الثورية الحقيقية همومها وواقع ضياعها في جو الانتهازية والبيروقراطية، والتنّكر لمبادئ الثورة أو أنه سيتذكر ذلك حين يقرأ الآتي:

»لا تحرجني يا عمّي العابد، إنك تعرف، إن عشت الحقيقة من أوّل الثورة حتى اليوم. أين التضحية ؟ أين الإخلاص ؟ أين الحماس ؟ أين الأخوة ؟ أين تجنّد الجميع من أجل الصالح العام ؟ كل شيء بالبطاقة اليوم يا عمّي العابد ؟ الماضي الثوري لا بدّ من بطاقة تشهد عليه. النضال لا بدّ من بطاقة تثبته. حسن السيرة لا بدّ له من بطاقة: الخيانة فقط، لن توضع لها بطاقة، نعرف كلنا الخائن ولكن لا نستطيع أن نواجهه لأن البطاقة هي الصّح «.

وأن يكون النص مفتوحا يعني أن مستقبل فعل القراءة سيناط به لاستكشاف قدرته على التنبؤ، ولربطه بنصوص روائية جاءت بعده. فقارئ اليوم لن يكون إلا مأخوذا باستبصار رواية اللاز لما عانته الجزائر خلال التسعينيات من القرن المنصرم من مذابح، ولن يغيب عن باله، وهو يفرغ من قراءة رواية "ذاكرة الجسد " للكاتبة "أحلام مستغانمي " التماثل بين ذبح زيدان ومقتل أخ البطل في أثناء وجوده في العاصمة التي قدِم إليها من قسنطينة باحثا عن عمل وهذا ما يعطي إمكانات واعدة لدراسة ظروف التلقي بمساعدة مفهوم زمن القراءة، ويعطي أيضا الأداة المساعدة في معرفة بعد جديد من أبعاد التجربة الجمالية للقارئ.

و ختاما إن ما قدمناه في هذه المداخلة لا يزيد على معالجة أولية لخصائص التجربة الجمالية التي تتقاطع مع مبادئ نظرية التلقي. و لا شك في أن اعتمادنا مفهوم التجربة الجمالية لا مفهومات التلقي بحاجة إلى نقاش، وربما إلى إعادة نظر. لأننا، في الواقع، لم نتناول من النقاط المشتركة بينهما إلا الحد الأدنى الذي وجدنا أنه يساعدنا على المضي الحثيث إلى تحليل النصوص الروائية من حيث منطلق كل استنتاج نظري. ولما كان مجال الدلالة هو المجال الذي اختبرنا به حساسية القارئ وبعض جوانب استجابته للنص المقروء، بدا لنا أن الاقتصار على تداعي السياقات في أثناء القراءة سيضع أيدينا على العوامل الفعّالة في إغناء التجربة الجمالية للمتلقي. لكننا لم نتعرض لقضايا المتلقي المعروفة كالقارئ الضمني، وأفق الانتظار، على حين أننا أولينا مسألة الإحالة النصية، وعلاقتها بالمرجعية الثقافية للقارئ الاهتمام الأول.

 

تحميل المقال

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07