FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

إيديولوجية الزمن في رواية الشمعة والدهاليز للطاهر وطار

 

البار عبد القادر

جامعة ورقلة (الجزائر)

 

تجري وقائع رواية الشمعة و الدهاليز قبل  انتخابات 1992 ميلادي التي يشير فيها الطاهر وطار إلى الشرارة التي أشعلت الأحداث الدموية المتمثلة في إلغاء السلطة لنتائج انتخابات 1992 مما أدى إلى التشبث بالنظام الأحادي و الذي ممثلته السلطة مما أثار حساسيات وأفكار إيديولوجية تمثلت في تيارات معارضة للسلطة أهمها التيار الإسلامي الذي مثل أخطر قوة  هددت هيكل النظام بعد أن فشلت السلطة التي ورثت الثورة في تحقيق مشروع المجتمع و تمثل الصراع في  الشمعة و الدهاليز في شخصية عمار بن ياسر الذي يمثل الشباب الحامل لأفكار جديدة الذي يقف في مواجهة والده (جيل الثورة) يقول عمار بن ياسر :" لم يتمكن أبي من أن يكون  سوى  واحدا منهم ،فقد كان التيار قويا فانساق في الدهاليز المظلمة يمتصه سرداب ثم يقذفه لسرداب آخر ، انكب على مشاكله و احتفظ بلقاءات دورية مع بعض قادة الثورة  يلعن الحاضر و يتغنى بالماضي متشائما من المستقبل لكونه ليس وزيرا أو واليا أو سفيرا"

حاولت رواية "الشمعة و الدهاليز" التأريخ لمأزق السلطة زمن تفكك الإيديولوجيا الاشتراكية الماركسية و الإيديولوجيا الدينية فالتيار المركسي يستعيد مشروعيته إلى العقل و العلم ، أما  التيار الديني فيستلهم مشروعيته على المطلب الإلهي ،بينما يستمد النظام فمشروعيته من الثورة و تاريخها ،

وسننحاول في هذه المداخلة أن نتحدث عن زمن قيام الإيديولوجيا الدينية الإسلامية و انحسار  الإيديولوجيا الاشتراكية .

ولعله في المحطة الأولى يتبادر إلى أذهاننا السؤال الآتي :هل استطاعت الرواية أن تطوع الإيديولوجيا لخدمتها لتصبح عنصرا من عناصرها التخيلية ؟

"لم يعد الروائي يهتم بالتسلسل الكرونولوجي للأحداث بل إنه جعل يفجر الزمن فتتداخل خيالات و تداعيات الماضي مع أحلام المستقبل في لحظة من الحاضر يتم خلالها اللعب بالزمن على مستوى ترتيب الأحداث "

إننا إذا بحثنا في رواية "الشمعة والدهاليز"لنجد ترددا في الزمن بين ماض، و مستقبل و حاضر مما يجعل الزمن يسير وفق طريقة غير واضحة ،و الحقيقة أن القص في رواية "الشمعة و الدهاليز" يبدأ من الزمن الحاضر و فيه يستيقظ الشاعر على أصوات تقرع سكون الليل تنطلق من ساحة أول ماي بالعاصمة بمظاهرة سياسية احتجاجية لأشياع الحزب الإسلامي، من هنا نزل الشاعر ليرى الأحداث فقد "قرر أن ينزل إلى المدينة أو بالأحرى أن يتتبع مصدر الأصوات ليعرف ماذا هناك ؟ ماذا يجري بالضبط ؟ فالمسألة مهما كان الأمر تعنيه "

 

لقد كان لاهتمام أصحاب التيار الإسلامي بالحالة الاجتماعية للمجتمع أثر في جمع كل شرائح المجتمع الجزائري الذي عجزت عنه السلطة الحاكمة؛ و لأن الزمن كان متموجا يعود الشاعرفيه من ساحة أول ماي إلى قريته بالميلية ،و كيف شارك مع أبناء قريته في مكافحة الاستعمار يقول :"لوت على زنديه بحزامها الصوفي توثقه حصل ذلك في لحظات قلائل وكما لو أنه في حلم تجـري فيه الأحـداث بلا زمـان ،حاول أن يخلص ذراعيه و يستعيد المبادرة ،إلا أنه لم يفلح ، كانت قد قفزت و تناولت الرشاش ، و طعنته بخرطوشة ، رفعت رأسها مع الشعبة فقابلها ابن خالتها ، يرقب ما يجري خلف صخرة ، اسبقني و اخبر عمك المختار بما يجري ....إنه استنفار عام كيف علم هؤلاء الناس بما جرى في الوادي؟  ويقررون في هذا الوقت القصير أن عملية تمشيط كبرى ستجري "

و أثناء هذه العودة يتم الانزياح عن زمن الأحداث نحو الزمن الماضي ،فالشاعر يعمد إلى إدخال بعض المقاطع الثورية من أجل استثمار عنصر الذكريات ، و هذا ما يسمى بالسرد الاستنكاري (الاسترجاع) و هي خاصية حكائية تمثل أحد المصادر الأساسية للكتابة الروائية في العودة إلى الماضي ، و هذا الاضطراب في الزمن عبر عنه الطاهر وطاررحمة الله عليه في تقديمه للرواية بقوله :"الزمن ليس زمنا تاريخيا متسلسلا أو ممنطقا أو محسوبا ، إنه زمن أهل الكهف ،زمن التذكر و التنقل من هذه اللحظة إلى تلكم ،من هذه الواقعة إلى تلك ،و لقد تعمدت حينا و اضطررت حينا آخر إلى طي الزمن و جعله وقتا حلميا يقع في مناطق مظلمة و مناطق مضاءة ، مناطق واعية و مناطق موهومة ، الإحساس فيها يغلب طولها أو قصرها ."

و في هذا الصدد تقسم سيزا  قاسم الزمن إلى : ذاتي يتصل بالأبعاد النفسية للفرد و طبيعي يتجسد بشكل أساسي في النصوص الأدبية الذي يستند إلى اختيار الروائي .

وتمتزج في الذاكرة أزمنة متضاربة ، زمن الماضي "مدرسة الميلية" و الرغبة في امتلاك الحياة في الحاضر يقول :"قررت من تلقاء نفسي أن ألتحق بالثانوية الفرنسية بقناعة داخلية بضرورة الاطلاع على دهليز مظلم ، يسلط عليه الفرنسيون الظلمة و يحاول شيوخنا و عجائزنا دون جدوى في كل مرة إيقاد شمعة ما للاستنارة بها "

و في ظل ما عرفه بطل الرواية من تحولات  فكرية ها هو يؤكد وطنيته يقول:"يصعب على أي كائن آخر أن يكون جزائريا ، ولد جميع الشياطين و جميع الملائكة ، ولد البحر والبر ، و لد الساحل و السهل ، والتل و الصحراء ،الروماني و الوندالي ، و لد الحماقة و الحكمة ، ولد الوطنية و الخيانة ، القاتل و المقتول ، الجرح و الجريح ."

و في هذا الإطار يستشعر المتلقي وجود "خيوط لا مرئية دقيقة تحكم البناء الزمني للرواية و تقيم أساسه دون أن تتأثر بالمفارقات السردية المنتشرة عبر الخطاب "

و كثيرا ما يفاجئنا الكاتب بنافذة ينتقل فيها إلى الحاضر ،ليفتح للقارئ فسحة يشعره بتواجده الدائم مع الحدث متمثلا في شخص عمار بن ياسر الذي يقول :"لا أحد يدري كيف قامت، و لكن ها هي قائمة ، لقد أصيب جسد هذه السلطة الغاشمة منذ سنوات طويلة بفقدان المناعة إنما حرارة الروح كما يقال، و التشبث بالمصالح الخاصة للفئات المنتفعة جعل عروقا هنا و هناك تأبي الاستسلام لقضاء الرب سبحانه "

و بذلك "يتقاطع التاريخ الفردي لصيرورة الشخصية في الرواية مع التاريخ الجماعي لمسيرة شعب الجزائر و الذي يغطي زمني الاستعمار و الاستقلال، مما جعل محكي الرواية ينبني على المزاوجة بين هذين الزمنين الذين تربط بينهما علاقة جدلية بحكم التأثير و التأثر "

قامت خلفية النص على استنزاف المرجعية التاريخية من خلال رؤية مقارنة بين تاريخ الجزائر في مرحلة الثورة و تاريخها المعاصر عبر الاستقلال ، و كأن الزمن الماضي عبر تقنية التذكر يعبر عن تناقضات الحاضر فقد حاول الكاتب أن يستعرض المسيرة التاريخية لوالد عمار بن ياسر الذي كان قائدا في الثورة يقول : " أبوه اسماعيل أحد قادة الثورة المسلحة ،خاض معارك عديدة و قام ببطولات مشهودة ،و بلغ رتبة عسكرية عالية ، يعمل مع الشهيد مصطفى بن بوالعيد على بث روح الوطنية ،تعرفه قمم وروابي و شعاب الأوراس كما يعرفها و يعرف أشجارها "

لكن هذا القائد الشهم يستسلم إلى دهاليز المصلحة "ليحصل في كل مدينة كبيرة على محل أنشأ فيه تجارة ... هنا مقهى ، هناك خمارة ، أو كشك لبيع التبغ و الجرائد، معمل في هذه الناحية و آخر في الناحية الأخرى"

إن الصراع بين والد عمار اسماعيل و ابنه زعيم الحركة الدينية الذي يرى في أبيه امتدادا للمستعمر ،يؤمن بالديمقراطية التي تكون في صالحه ، و في هذا يبدو الطاهر وطار منحازا إلى الجيل الجديد و مستاء من الجيل السابق ،الذي استغل نفوذه و ماضيه النضالي ليتحول إلى جيل  مستبد ، هكذا "ينبني الزمن في الرواية على المقارنة بين بنيتين فكريتين أساسيتين ، قدم النص إحداهمـا في مظهر تمثيلي للماضي ، في حين صاغ الثانية في صورة الحاضر المتوثب نحو المستقبل ،حيث أصبح المجتمع يعرف لقاء زمنين مختلفين ، هما الماضي و الحاضر ، وإذا كان هذا اللقاء طبيعيا و ضروريا في مسار كل تجمع بشري و ضمانا للتواصل الإنساني بخلفياته الاقتصادية ،و الثقافية فإنه يطرح بصيغة تصارعية صدامية ،لأن شريحة من المجتمع تنظر إلى الماضي بوصفه  المستقبل المنشود و القيمة المثلى"

كما يحضر التاريخ في الرواية من خلال الإيديولوجيا الاشتراكية في فضاء النص و أسباب انهيارها رغم صلابتها لافتقادها إلى العقل ، جعلت الجزائر تتأرجح بين اشتراكية لا تنفع ،و رأسمالية بليةلا تصلح.

جاءت الرواية تفجيرا للذاكرة في إطار البحث عن وقائع الماضي من أجل صيرورة الأحداث التي يموج بها الحاضر ،و الوقوف على خيوط الأزمة الجزائرية عندما انضم التيار الديني السلفي إلى الكتلة السياسية في الجزائر .

إن هذا التلاعب في الزمن بين الحاضر المعيش ،و الماضي الذاكرة ،إنما ينبئ عن قوة الرؤية عند الراوي التي تفرض على القارئ تواجده الدائم مع الحدث .

يبقى الكاتب بين الاسترجاع والاستشراف ، هذا الأخير الذي يتسم بالتعقيد في ظل تعدد الدهاليز و السراديب ،إلا أن النظام الإسلامي الذي نجح أيام الخلافة الإسلامية قد لا يتحقق في الجزائر ، يقول الطاهر وطاررحمه الله :" أقول إن شاء الله و أنا أتصور أنك تطمح إلى اقتحام دهليز خطير ،و التعرية على سراديب لا منتهية "

و قد قال احد أنصار الحركة إن المقصود بالشجرة المباركة التي ليست شرقية و لا غربية ،هي الجزائر المتموقعة في وسط المغرب ،الذي أقام فيه الخوارج دولتهم الرستمية.

إن الصراع بين الماضي و الحاضر تراوح بين التنبؤ الغامض و التطلع المشرق  فيتجلى عبر العلاقة التي جمعت الشاعر بالخيزران ،الذي يستعرض الكاتب جانبا من حياته الشخصية ،وتبلغ قمة التداخل الزمني مع بلوغ العلاقة درجة عالية من التصوف و الانسجام و هي العلاقة التي يختلط فيها الواقع مع الخيال و الحقيقة مع الوهم ، فتجعل "المتلقي يغوص في عمق الإنسان من اجل وصف  الأشياء في نفسه وتتبع اللحظات الخالدة في شعوره "

ثم يتطور البعد الصوفي في النص ليبلغ مداه حيث يتوحد الشاعر و الخيزران ، يقول الشاعر :"تتيهين في المدى ، أعود فأبقى وحدي أتفرج على أشيائك المحدودة القيمة أتعاطف معها حبا لك ، آخذك ، نطير عبر حاوية الفضاءات و نحن نطير عبرها غادين رائحين ، أنت واحدة من ست ، وأنا واحد من واحد ، عندما نجتمع نشكل صفرا "

ينتهي الكاتب إلى زمن الحاضر و يعيش على وتيرته ،دون الارتداد إلى الماضي لينتقل تدريجيا إلى اغتيال الشاعر ،هكذا اهتم الطاهر وطار بعنصر الزمن في الرواية باعتباره أحد العناصر الأساسية التي يقوم عليها فن الرواية ،خاصة في تخليه عن الزمن الخطي ،حتى ليظل القارئ مشدودا نحو تتبع مسار الزمن طول مسافة الرواية عبر مفارقاته المبعثرة

إن تداخل الزمن هو السمة البارزة في رواية الشمعة و الدهاليز ،من خلال تقنية الاستذكار و الاستشراف باعتبارهما "يشكلان مركز التوجيه الزمني في الرواية و يمثلان عصب المفارقة الزمنية كما تظهر و تشتغل في الخطاب الروائي انطلاقا من حاضر القصة الذي يمكن اعتباره درجة الصفر للزمن السردي "

لقد حل زمن السرد الاستشرافي في شكل إشارة سريعة لا تتجاوز الفقرة الواحدة بينما شغل المقطع الاستذكاري حيزا أكبر في السرد لذلك قامت الحركة السردية في الرواية على عنصر الذكريات ليتحول الماضي إلى زمن السرد الحقيقي و لولا عودة الحاضر لكان هذا النص تعبيرا عن مرحلة تاريخية انقضت أحداثها في الماضي و جاء الأدب ليعيد طرحها من جديد و هو ما يعكس تعلق الكاتب بهذا الزمن ذي الدلالة الإيديولوجية التي تخدم مشروع الرواية الفكري و النظري .

 

 

تحميل المقال

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11