FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee
 

المنهج والخصوصية الحضارية: إشكالية قراءة التراث الشعري عند مصطفى ناصف

رشيد بلعيفة

قسم اللغة والأدب العربي ـ المركز الجامعي عباس لغرور ــ خنشلة

 

1) استهلال :

تعتبر إشكالية المنهج النقدي من أهم الإشكاليات المعرفية ، إن لم تكن أهمها ، ذلك أن المنهج هو المفتاح الإجرائي الذي بوساطته تفتح مغاليق النصوص ، و تنزع أردية التدثر عن المعاني المكتنزة داخل هذه النصوص ، و تتوقف فاعلية الإجراءات النقدية على حسن توظيفها و تمثلها ، و حسن استثمارها من قبل الباحث أو الناقد ، الأمر الذي تنسحب عنه نتائج تكون قمينة بالاحتفاء والتبجيل ، و تجعل من النص الأدبي كنزا مشعا بمختلف الدلالات و المعاني. إلا أن المعضلة الحقيقية التي وقع فيها النقد العربي الحديث ، هي مدى الإفادة من مناهج البحث الغربية ، التي تم استقبالها في بيئة النقد العربي ، و في كثير من الأحيان يتم الخلط بين التطبيق الآلي الصنمي لآليات المناهج و بين سوء توظيفها وسوء ترجمة مصطلحاتها ، مما يجعلها آليات هدم بعدما كانت في الأساس آليات بناء، و في الوقت نفسه عدم المعرفة بالخلفيات المعرفية و المرجعيات الفلسفية التي صاغت هذه المناهج ، باعتبار أن " المنهج طريقة في التعامل مع الظاهرة موضوع الدراسة ، تعتمد على أسس نظرية ذات أبعاد فسلفية وأيديولوجية بالضرورة ، و تملك – هذه الطريقة – أدوات إجرائية دقيقة و متوافقة مع الأسس النظرية المذكورة و قادرة على تحقيق الهدف من الدراسة".

ترتيبا على هذا ، وقع الكثير من نقادنا المحدثين ضحية الانبهار و التسرع في استثمار الوافد من الثقافة الغربية ، انطلاقا من مقولة المغلوب مولع بتقليد الغالب ، فلم يحسن النقاد العرب المحدثين في كثير من الأحيان التعامل مع هذا الوافد ، و لا الوعي بهذه المرجعيات الفلسفية التي تقبع وراء كل منهج أدبي أو نقدي ، إنما تم التعامل معها و كأنها مسلمات مشاعة بين كل الأجناس، وفي كل الحظارات، و إمعانا في إظهار مدى الخطورة المعرفية على الذات من قبل الآخر ومحاولة منها لكشف ملابسات الإستقبال والتمثل، تسعى هذه المحاضرة إلى التعريف بعلم من أعلام نقدنا الحديث و المعاصر ، بغية إضاءة مشروعه النقدي ، الذي خص فيه مدونات الشعر الجاهلي بالدراسة و المساءلة قصد الوصول بالعملية القرائية إلى آماد بعيدة من الفهم و التفسير. فهل كان هدف مصطفى ناصف من هذه القراءات هو الوقوف عند الدلالة الأولى (الحافة) لهذه المتون ؟ أم أن الرجل يروم تجاوز هذه الدلالات إلى معاني تنأى عن الحصر و تتجه إلى مغايرة الطرح ومغايرة النتائج؟ و ماهي الآليات القرائية المعتمدة من قبل ناصف في عملية الحفر و الاستنطاق؟ و كيف كانت عملية التناول و المعاينة و توظيف هذه الآليات ؟ و هل الجهاز المفهومي و المصطلحي المتوسل به من قبل الناقد كفيل بإضاءة هذه النصوص ؟ أم أنه قاصر و متهافت و هزيل ؟

تسعى هذه المحاضرة للإجابة عن هذه التساؤلات و غيرها ، محاولة التعرض لكل العملية النقدية التي صاغها عقل الرجل ، و إمكانية تتبع هذه التجربة النقدية التي خلفها ناصف .

2)  المنهج و الخصوصية الحضارية :

ترتكز كل عملية قراءة - تهدف الوصول إلى سبر كنه النص ، و فكّ شفراته و فتح مغاليقه ، و نزع أستار الحجب عن المعنى - على منهج نقدي معين ، ترتاد به هذه المتون و تحاول مستعينة به تفكيك البنى اللغوية الكبرى ، و الوصول إلى دلالات تقع في العمق من العملية الإبداعية ، و لا مناص لأي باحث من الاحتكام لآليات منهج معين ، بغية الوصول إلى كشف الحقيقة/المعنى/الظاهرة المنطوية في شكل نص أو إبداع  و المنهج بهذا الطرح "يتعدد بتعدّد أنماط المعرفة ، و أنّه يلحق بها و لا يسبقها ، و أنه تبعا لذلك معرض للتطور و التجدّد و النسبية في كل ذلك ، و أنه بهذا لا يقبل الوصف بالشمولية و الإطلاق ، و لا يحتمل أن يفرض أو يعمم أو يلصق بأي مجال معرفي - كيفما كان – ينقل إليه أو يُتبنّى فيه".

تأسيسا على هذا ، لا يعتبر المنهج منبت الصلة بالحاضنة الفلسفية الحاملة له ، و لا يمكن عزله عن الحقل المعرفي الذي أنتج فيه ، و لا عن خلفياته الفكرية و مرجعياته الفلسفية التي عملت على بلورته و نضجه ، إذ "يمكن النظر في علم المناهج بصفته نظرية عامة شاملة للمناهج المفردة ، أي المناهج الموظفة و المستثمرة في مختلف العلوم ، و حقول المعرفة ... و ترتيبا على ذلك يفضي البحث في المنهج إلى مجال فلسفة العلوم أو نظرية المعرفة أو ما يمكن تسميته اختصارا : الإبستمولوجيا ، و هو ما يتولّد عنه خطاب نظري من درجة ثانية يصطلح عليه بالخطاب النظري الواصف أو ما بعد النظري".

إنّ محاولة تأصيل مناهج البحث و الدراسة الأدبية هي ما يرومه عدد غير قليل من نقادنا المحدثين ، وعملية التأصيل في حقيقتها هي البحث عن أصل لهذه المناهج في التراث النقدي و البلاغي العربي ، على اعتبار أن الموروث النقدي حافل بالكثير من اصطلاحات العلوم و الفنون ، غير أن الأمر لا يمكن التسليم به بهذه البساطة ، فالكثير من القضايا النقدية الحديثة و المعاصرة لم تجد ما يماثلها على الصعيد الفكري و الفلسفي تراثيا، و الكثير من المقولات البلاغية و النقدية القديمة أثبتت عقمها ، و عدم جدواها على الساحة النقدية المعاصرة ، ما أدى إلى التوجه رأسا صوب الحضارة الغربية في محاولة لاستثمارها و الإفادة منها ، يقول محمد برّادة : " معظم نقادنا منذ حسين المرصفي قد اتجهوا صوب المستودع الأدبي الأوربي (= الغربي) ، بحثا عن أدوات التحليل و التفسير ، حتى عندما حاولوا إعادة تقييم روائع التراث العربي ، و هذا ما ترك في نفوسنا الانطباع عند قراءة العقاد و المازني و طه حسين و هيكل ... بأنهم يجهدون في إبراز قيمة التراث عن طريق إظهار إمكانية تطبيق المناهج الغربية على جوانبه الهامة ، حتى لا يكون مختلفا في شيء عن التراثات الأدبية للأمم المتقدمة" .

و استتباعا لما تمّ تقديمه حول العلاقة بين النقد العربي الحديث و النقد الغربي ، و ما نجم عن عمليات المثاقفة التي لا غنى للنقد العربي عنها ، و عمليات التلاقح التي تمت بين التيارين العربي و الغربي ، فما من شكّ في أنّ هذه العلاقة منذ مرحلة البدايات ، أو بداية الاتصال بالثقافة الغربية كانت علاقة الأستاذ بالتلميذ ، أو التابع بالمتبوع ، و الإقرار بذلك يدخل في صميم العملية النقدية و الحضارية التي من شأنها أن تدفع بالتيارات النقدية و الأدبية إلى مزيد من التقدم على الصعيد المعرفي ، و لا نغالي في الاعتراف بأن  مرحلة النقل و الاستنساخ و الإسقاط مثّلت مرحلة قاتمة في تاريخ النقد العربي الحديث ، ذلك أن كثيرا من النقاد العرب سار في اتجاه الأخذ من الغرب دون وعي بمختلف المرجعيات و الخلفيات التي تحتكم إليها هذه المناهج ، إنما حصلت عملية تدافع نحو المنتوج الغربي ، و محاولة محاكاته باعتباره المثال و النموذج و المركز ، يقول نبيل سليمان مبرزا عملية التدافع الحاصلة لاستثمار الوافد الغربي ، فالناقد العربي " يستورد من الآخر ما هو جاهز استيرادا شرعيا أو تهريبا يحاول التوليف مع مقتضيات الواقع الفكري و النقدي و الأدبي ، تتصاغر ذاته أمام الآخر الكلي ذي الجاذبية و التفوق".

إلا أنّ تلك المنجزات الغربية على صعيد النظرية و المنهج و الإجراء و الرؤية ، تجعل من عملية الأخذ والتمثل حقا لا بدّ من استثماره ، و محاولة مزجه بما للذات العربية من أصول تراثية ، بغية الخروج من العملية النقدية بطائل، فعملية التثاقف و التلاقح هي من يعرف الذات على مثالبها و محامدها ، يقول فؤاد أبو منصور بشيء من الأريحية و اليقين : " الغرب مرآة تساعدنا على رؤية أنفسنا في السلم الحضاري ، و تحدد لنا على أية درجة نقف ، و كيف سنتوجه ، و أية أدوات نستعمل لاستكمال مشروع المعاصرة".

و الواقع أن العلاقة مع الآخر الغربي على صعيد إنتاج المعرفة إنما تجد مسارها الصحيح عند بعض النقاد فيما سمي بـ"المقارنة" ، أي مقارنة منجزات الغربي بما لدى الذات على الصعيد التراثي ، عندما تنكفئ هذه الذات إلى ماضيها علّها تجد فيه ما يثبت حضورها على الصعيد المعرفي في مجابهة هذا الآخر الغربي الذي أعطى لنفسه مركزية تامة ، و رمى غيره إلى مدارات الهامش ، و الحال أن عملية المقارنة في مثل هذه الأمور لا تستقيم أبدا ، نظرا لحجم الفوارق و التباينات الحاصلة على عدد غير يسير من الحقول المعرفية ، إلا إذا رمنا التبسيط و الاختزال و التجديف ، فإننا نقرّ بمثل هذه المقاربات ، " إنّ الانخراط تحت لواء المقارنة لمراقبة التأثيرات و التأثرات ، و ضبط درجات تمثل النقاد العرب للمناهج الغربية ، لم ينتج سوى مجموعة من المقايسات الشكلية المجرّدة التي تحاكم الممارسات النقدية العربية بمنطق "أستاذي" ، يوزع بأقساط غير متساوية نياشين الفهم و علامات التمثل وفق معيار الاقتراب من / الابتعاد عن المثال النموذج".

إن عملية الاحتذاء و المقايسة هي التي أسهمت في وقت ما في صياغة متطلبات المرحلة النقدية العربية، و عجلت في ذات الوقت بإصدار عدد لا بأس به من المدونات النقدية راعى فيها أصحابها تلك الخصوصية الذاتية التي بلا شكّ تختلف عن المظان الأم لتلك الأعمال. و انطلاقا من هذا ، بات الناقد العربي مسهما و لو بالقسط اليسير في صياغة الوعي النقدي للذات العربية ، و مسهما كذلك في بلورة العديد من وجهات النظر الخاصة به و بمشاريعه النقدية. يقول الناقد توفيق الزيدي :" ظاهرة التصرف في المناهج واضحة ، فلا نجد اتباعا كليا لتلك المناهج ، و إنما استلهم نقادنا مبادئها العامة كوجوب استنطاق النص ، و الانطلاق من مبناه للوصول إلى معناه ، أو تفكيك النص ثم تركيبه ، أو استغلال جهاز التواصل بوظائفه الست ... و لعل هذه الظاهرة تجعل نقدنا اللساني يتسم بالسطحية".

و دون موارية ، اتسمت المرحلة النقدية العربية الحديث بنوع من الاستلاب ، مارسه الخطاب الغربي على الذات العربية ، و اقتحمها مفككا أسسها الإيديولوجية و المعرفية ، معرضا هذه الذات لنوع من التشظي الذي أسهم فيما بعد في اغتراب الذات عن هموم عصرها و مجتمعها ، و دون وعي منها بخطورة الأزمة تلاشت مقومات هذه الذات و أصبحت معول هدم لانتمائها الحضاري الذي كان بالإمكان أن تكون لبنة بناء في صرح هذا المجتمع ، و دون أن نلقي باللائمة على الحضارة الغربية و إفرازاتها يجب أن نقف موقف نقد لهذه الذات ، و كيف استلهمت هذه الحضارة ، و كيف نمت في أحضانها ، و كيف أقصت كل اعتبار حضاري للخصوصية العربية ؟ .

يكتب إدوارد سعيد معلقا على مثل هذا النقد أو الجلد الذاتي قائلا :" يساورني الانطباع بأننا في العالم العربي نقوم بالنسخ المباشر ، ما إن يقرأ الواحد منا كتابا من تأليف فوكو أو غرامشي حتى يرغب في التحول إلى غرامشاوي أو فوكوي ، لا توجد محاولة لتحويل تلك الأفكار إلى شيء ذي صلة بالعالم العربي ، نحن ما نزال تحت تأثير الغرب من موقع اعتبرته على الدوام دونيا و تتلمذيا ، تأمل العدد الكبير من الأفراد في شمال إفريقيا في المستعمرات الفرنسية السابقة ممن يكتبون و كأنهم تلاميذ فوكو أو ديريدا أو تودوروف ، إنها نوع من فنطازيا التكرار التي أجدها مضحكة في معظم الحالات ، و القسط الأهم راجع في نظري ، و هذا مجرد انطباع ، إلى فهم ناقص لحقيقة الغرب ، أعتقد أننا لم ننل قسطا بعد من سيرورة التنوير و التحرير بالمعنى الفكري ، و أعتقد أن اللوم يقع على المثقفين، إذ ليس بوسعنا أن ننحو باللائمة على الامبريالية والصهيونية".

انطلاقا من هذا الطرح في إبراز معظلة التلقي العربي لمناهج النقد الغربية ، واستثمارا لآليات هذه المناهج في عمليات النبش عن أصول التراث الشعري العربي ، تسعى هذه المحاضرة لمحاولة التعرف على الإجراءات القرائية المعتمدة من قبل الدكتور مصطفى ناصف، وإبراز مدى فاعليتها في عملية القراءة والحفر، وتحسس مفاصل التواشج والتظام التي حفلت بها هذه القراءة ، والنتائج التي توصلت إليها. فالموروث الشعري الجاهلي يمثل مرحلة البدايات بالنسبة للشعر العربي على مرّ العصور ، وهو الأنموذج الأعلى الذي احتذى كلّ الشعراء حذو سابقيهم في نظم القصيد ، لأن البنية العقلية للإنسان الجاهلي عامة ، و الشاعر بالخصوص ، إنما تشكلت في بيت الشعر ، و كانت بمثابة مرحلة الطفولة بالنسبة للشعر العربي كافة ، غير أن هذا الموروث الحضاري لم يدرس و يقرأ على الطريقة النقدية المثلى ، إنما كانت جلّ الدراسات التي انبرت له سطحية لا عمق فيها ، و تعتمد في جملة ما تعتمد على الملاحظة العابرة ، والتفسير اللغوي الذي يقف عند حدود الجملة لقياس الشاهد و تفسير الوحدات اللغوية تفسيرا لا حركية فيه، الأمر الذي حدا بجملة من النقاد المحدثين إلى إعادة قراءة هذا الموروث قراءة واعية هادفة إلى سبر أغواره ، وفكّ شفراته ، و استخراج مكنونه ، و إنطاقه بما سكتت عنه مدونات النقد العربي القديم ، " و من أسباب دعوة هؤلاء النقاد إلى إعادة قراءة الشعر الجاهلي هو قصور النقد القديم عن درسه ، و كأن إحساس النقاد القدامى لصفاء هذا الشعر و نقائه ، و بعد قائليه عن المؤثرات الوافدة هو الذي صرفهم عن دخول عوالمه وحال بينهم و بين فتح مغاليقه ، فظلت القصيدة القديمة مجهولة ، أو شبه مجهولة ، لم تسلم جميع أسرارها و لم تكشف عن كل ذخائرها الشعورية و البيانية".

انطلاقا مما تمّ طرحه ، ترتكز قراءة مصطفى ناصف للتراث الشعري الجاهلي من دافع النزوع نحو القراءة المثلى لمختلف المتون الشعرية ، بغية الوقوف عند الدلالات الثانية التي بقيت عصية في الفهم على الكثير من النقاد و الباحثين ، الذين اكتفى بعضهم بالدلالات الظاهرة على مستوى البنيات السطحية للخطابات الشعرية، متغافلين عن إبراز مناطق الفراغ و مساحات المسكوت عنه في هذه الخطابات ، و يرجع ذلك ربما إلى قصور في أدوات التحليل و آلياته ، أو اكتفاءً بما تمّ التوصل إليه من نتائج سالفة جعلت من مرحلة التجاوز أمرا عصيا على ذلك ، فانبرى مصطفى ناصف من خلال قراءاته منقبا و محلّلا و مفسّرا و مؤوّلا لمختلف الظواهر التي شكّلت العمود الفقري لمختلف الخطابات الشعرية القديمة بهدف إعادة بعث الماضي في الحاضر ، منطلقا من فرضية أساسية تنص على أنّ الأدب العربي قبل الإسلام لم يقرأ قراءة حسنة ، كما أثبت ذلك "طه حسين" في غير موضع من أعماله.

و لعل من الأسباب التي تقف وراء هذه القراءة القاصرة هو جملة موانع نفسية و عقلية حالت بيننا وبين عملية الفهم السليم لشتى المظاهر و الظواهر الأدبية ، و لعل ما ينعاه ناصف على جمهور النقاد المحدثين هو اتهامهم ضمنا بالقصور النقدي أمام هذه النصوص ، و عدم الاجتهاد في طرقها و تحليلها ، إنما الاكتفاء بما تعوّد عليه الأسلاف من قبل.

تتألف نظرة مصطفى ناصف للشعر الجاهلي من مزيج متجانس حينا و متباين حينا آخر من القراءات النقدية التي صاغت الفكر النقدي العربي الحديث ، و عملت على ضخ منظومة فكرية كبيرة ، عملت على إيضاح رؤيته للشعر الجاهلي منذ مرحلة البدايات الأولى للكتابة النقدية عنده ، ذلك أن قراءته استمت بشيء غير يسير من العمق في التحليل ، و ارتياد مناطق قصية في القصيدة العربية القديمة ، لم تحظ بالعناية من قبل في الدراسات النقدية ، سواء القديمة أم الحديثة ، فالشعر الجاهلي لم يكن يمثل لناصف لحظات عابرة مرّت على خريطة الشعر العربي ، إنما هو " حقبة مهمة في حياة الشعر العربي ، و معنى ذلك أن الشعر العربي نشأ من الشعر الجاهلي ، ثم نمت الشجرة و ترعرعت و لكن جذورها ظلت ثابتة في ذلك الشعر". و يضيف قائلا :" إن أوائل الشعر العربي شكّلت أواخره ، و أن الجذور هي التي أنبتت الفروع العالية في السماء ، و أن الشعر العربي مدين بجوهره للشعر الجاهلي ".

و في ربطه الشعر العربي بجذوره الجاهلية  يكتب ناصف حول مرحلة الطفولة قائلا :" الطفولة تكون عادة ضئيلة التجارب ، قليلة الخبرة ، لا عهد لها بالتأمل في الحياة و لا التفلسف ، و لا تعرف البحث عن حقائق الحياة المجردة ، و لا تكاد تتجاوز الأشياء القريبة ، و لكن الشعر الجاهلي ليس طفلا بهذا المعنى ".

و من الدوافع الرئيسة التي جعلت ناصف يرتاد هذا النوع من القراءة هو ملاحظته ذلك التشابه الكبير بين مختلف القراءات ، سواء كانت قديمة أم حديثة ، دون أن تكون عميقة في منحاها النقدي ، الشيء الذي حدا به إلى محاولة التجاوز المعرفي لما هو كائن ، و تطلعه لما يجب أن يكون ، لأن القراءة في تعريفاتها المتداولة عنده هي " فنّ كسر الحواجز ، التي تفصل بيننا و بين قصيدة من القصائد".

و الحق ، أنّ ناصف تأثر في اختيار منهجه و قراءته بأستاذه طه حسين من قبل ، لكن توظيف هذه الآلية يختلف بين الرجلين ، فإذا كان شكّ طه حسين منصبًا حول الماهية ؛ أي وجود الشعر في حدّ ذاته ، فإن شك ناصف انصب حول الكيفية التي قرئ بها هذا التراث الشعري ، يقول طه حسين في معرض حديثه عن ماهية الشعر الجاهلي :"... إنّي شككت في قيمة الشعر الجاهلي و ألححت في الشك ... ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، و إنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام ... وأكاد لا أشك في أنّ ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا و لا يدلّ على شيء ".

تنهض قراءة مصطفى ناصف للتراث الشعري الجاهلي من فرضية مفادها أن جلّ النصوص الشعرية الجاهلية تعتمد في تشكيلها على الرمز و الأسطورة في عملية التصوير الفني و الجمالي ، و أنه يجب على الناقد الحصيف أن يتسلّح برؤية خاصة تمكّنه من اكتناه هذه الرموز و فكّ طلاسمها و شفراتها ، قصد الوصول بها إلى مساحات رحبة من الدلالات و المعاني ، و لبلوغ هذه الغايات يحتكم الناقد إلى توظيف آليتي التفسير و التأويل اللتين تمكّنان حسبه من  تقليب النص الشعري على أكثر من وجه ، و الخروج من العملية القرائية بطائل ذي بال ، و التأويل عند ناصف " فنّ صعب المراس ، يستنطق فيه النص من أجل خدمة اتجاهات لها أهمية في سير الحياة و الفكر ، التأويل رؤية للنص من باطنه ، و هو يتميز من التناول الخارجي الذي يهتم بالعلاقة بين النص و البيئة ، أو النص و المؤثرات ، إذا اهتم الباحث بالمؤثرات ضاع النص".

يستثمر ناصف المرتكزات النفسية التي أتى بها منهج التحليل النفسي و يقرّ بشرعية طروحاتها في الحقل المعرفي النقدي العربي ، إلا أنه لم يرجع تفسيراتها و تأويلاته للنصوص على أساس اللاشعور الفردي للظاهرة ، و نفى ما دعا إليه التحليل النفسي من إرجاع كلّ الظواهر الإبداعية إلى عقد جنسية ترجع إلى مراحل الطفولة البدائية أو الأولى ، إنما تناول طروحات التحليل النفسي من منطلق أن العمل الأدبي في استقلالية تامة عن صاحبه ؛ لأنه " يتحرك حركة ذاتية خاصة به ، لا حركة تابعة لذات صاحبه".

يضيف ناصف إلى هذا ، أنّ العمل الأدبي ليس وثيقة لإثبات هوية صاحبه ، و أنه بمعزل عنها ، و ربما قد يخالف النص شخصية مبدعه ، " إذا كان العمل الفني جميلا ، فليس معنى ذلك أن وراءه نفسا جميلة ، فإن تاريخ حياة العظماء كثيرا ما يظهرهم صغارا من الناحية الخلقية في خارج مؤلفاتهم الممتازة التي تتسم وحدها بالعظمة".

إنّ ما يريد ناصف إثباته هو أن العمل الأدبي كيان قائم بذاته ، مستقل استقلالا تاما عن صاحبه ، ونحن في قراءتنا لهذه النصوص إنما نعزلها عن كل ما يحيط بها من سياقات قد تتدخل أثناء عملية القراءة ، و من جملة هذه السياقات الحالة النفسية للمبدع وقت إنتاجه لنصه ، غير أن ما فات ناصف التنبيه له هو ذلك الجانب الإيديولوجي أو العقدي الذي يحمله النص من خلال اللغة . و قضية الاحتكام إلى النص وحده قضية أثارها المدّ البنيوي في مجال النقد ، و ما مهّد فيما بعد لظهور مقولة "موت المؤلف" وتقاطعها مع فكرة        " النسق المغلق" أثناء عملية القراءة ، غير أن الذي نحن بصدد إبرازه في الخطاب النقدي عند مصطفى ناصف هو محاولته الاحتكام إلى النصوص و معاينتها معاينة رمزية أسطورية ، باعتبار النص عالم مكتف بذاته ، و أنه حمّال أوجه ، و أنه لا يجب " على الناقد البحث عن دلالات للعمل الأدبي خارج إطاره اللغوي ، إنّ مهمة الناقد هي تحليل النص بتشكيلاته اللغوية و بيان عناصرها و دلالاتها الجمالية ، و إلى جانب التحليل يجب عليه مقارنة النص بنصوص أخرى تنتمي لنفس النوع الأدبي بهدف الكشف عن دور هذا النص في دائرة التقاليد الأدبية . ماذا أخذ منها و ماذا أضاف إليها".

3) منهج مصطفى ناصف في قراءة النص الشعري الجاهلي :

إن المنهج النقدي الذي ارتضاه مصطفى ناصف لقراءته النص الشعري هو التوظيف الرمزي والأسطوري للصورة ، وأنّه اتبع في جملة مدوناته النقدية العديدة معضلة المعنى و إشكالياته ، سواء في البحث عنه في النصوص الشعرية أو في المصنفات البلاغية القديمة ، أو حتى في استثماره الوافد من النقد الغربي ، فقد شغلت قضية المعنى الجزء الرئيس في جميع متون الرجل النقدية.

تسعى هذه المحاضرة لتكشف آليات المقاربة النقدية عند ناصف ، و لماذا ركز على الشعر الجاهلي دون سواه ؟ و ماهي آليات القراءة المعتمدة ؟ و هل تنسحب النتائج المتحصل عليها على باقي الشعر العربي الجاهلي؟ أم أن لكل قصيدة خصوصياتها ؟ .

ينطلق مصطفى ناصف في قراءة الشعر العربي القديم من إرجاعه إلى مظانه الأسطورية التي ترجع إلى اللاشعور الجمعي ، كما بلوره "كارل يونغ" ، و أن الكثير من الظواهر المعتمدة في متون القصائد الجاهلية إنما ترجع في حقيقتها إلى رموز أسطورية موغلة في القدم ، يتم استحضارها بين حين و آخر من قبل الشعراء ، ويؤكد ناصف أن الشعر العربي قبل الإسلام لا يعوّل في شرحه على الظروف الخاصة لشاعر من الشعراء ، إنما " نحن بإزاء ضرب من الطقوس أو الشعائر التي يؤديها المجتمع أو تصدر عن عقل جماعي لا عن عقل فردي أو حالة ذاتية ، و الحق أن الشعر الجاهلي – كلّه – يوشك أن يكون على هذا النحو ، بمعنى أنّ مراميه فوق ذوات الشعراء".

لا يكاد ناصف يتجاوز هذه الإشكالية حتى يوضح إشكالية أخرى ، و هي قضية التزام الشاعر الجاهلي بقضايا جماعته ، و ليس بقضاياه الفردية ، " ... فالشاعر من حيث هو فنان يوشك أن يكون ملتزما ، و يأتيه هذا الالتزام من ارتباط غامض بحاجات المجتمع العليا ، و كل نابغة في العصر القديم يشعر أن المجتمع يوجه أفكاره إلى حيث يريد". لا يقرأ ناصف الشعر الجاهلي كظاهرة فردية تعاورت في إيجادها قوى شعرية ما ، إنما مرجعها الأساس اللاشعور الجمعي ، و هو في هذه القراءة يستعين بمفهوم اللاشعور الجمعي ، و هو " ذلك الجزء من النفس الذي يدين في وجوده لعامل الوراثة النفسية  و ينشأ أساسا من الأنماط العليا Archetypes ، وهي أشكال محددة في النفس موجودة وجودا قبليا ، و كل شكل منها يحمل جزءا صغيرا من نفسية الإنسان ، قدره ، بقية أفراحه و أحزانه ، تتكرر فينا كما وقعت في حياة أسلافنا ، و حين يقع الموقف النمطي الأعلى ينتاب الفرد شعور بأنه في قبضة قوة خارقة ، و في هذه اللحظة لم يعد فردا ، بل أصبح الجنس البشري كله ، لأن صوت كل البشر يتردد فيه".

تقوم تفسيرات مصطفى ناصف و تأويلاته للتراث الشعري ، انطلاقا من كونه جملة من الرموز الأسطورية التي تعبر بصدق عن هموم المجتمع الجاهلي برمته ، فأثناء معاينته لظاهرة الطلل في الشعر الجاهلي يذهب في تأويلها تأويلات بعيدة ، حتى أنه يربطها برمز البعث و الحياة ، و أن الشاعر الجاهلي ملتزم بهذه التقاليد التي توطد علاقة المجتمع به ، فالطلل حسبه هو " الماضي الذي ذهب و لن يعود ، هو قطعة من الحياة التي تهرم كلما مضى منها جزء ، الطلل المرئي رمز للماضي الذي يستطاع ردّه". و عند بكاء الشاعر الطلل، فإنه " يبكي ما ضاع من الحياة أو العمر".

يدلل ناصف لقراءته بأن بكاء الشاعر على الطلل " يشبه صلاة جماعية على الماضي الميت و إذا تأملت تفصيلات الطلل الرمزي الذي يهز إحساس الشاعر بفعل الموت المستمر في حياته وجدت كلّ شيء يعين على هذا الفرض".

إن ما يحاول الناقد إثباته من خلال هذه النصوص التي تقف شاهدا على القراءة الرمزية للطلل ، هو أنه لازمة كل نص شعري مؤثر ، و هو عادة مقدسة ترتفع بالقصيدة إلى رتبة سامقة في سماء الأسطورة المقدسة ، و الأمر الآخر أن الطلل هو الرمز الأول للحياة في القصيدة الجاهلية على اعتبار أن الرمز الثاني هو الناقة في كل القصائد الجاهلية ، " إن هذا الفهم المستند إلى وجودية هيدجر يفضي إلى أن الشاعر الجاهلي يستشعر أن وجوده هو وجود نحو الموت ، و لأن الشاعر الجاهلي متمسك بالحياة فإنه يصر على بعثها في هذا الميت (أعني الطلل) ، و هنا تتحول مفردات الطلل و لغته إلى تعويذة سحرية تعيد الحياة إلى الطلل".

يستند ناصف في قراءته لإشكالية الطلل على موروث نقدي و بلاغي عريق ، أسهم فيه تضلع الرجل في هذه العلوم اللغوية و البلاغية ، ليصل إلى أن مفهوم " البكاء على الطلل ليس حزنا سلبيا عاجزا ، و ليس هزيمة أمام الموت ؛ لأن الحياة – من وجهة نظره – تظل مستمرة ، و وظيفة عقل الشاعر في هذه الحال وظيفة إيجابية ، فهي دعوة غامضة إلى تغيير النظر إلى الماضي أو دعوة إلى مبدأ استمرار الحياة من حيث هي نشاط وفاعلية" .

ترتبط رمزية الطلل بقضية أخرى لا تقل أهمية عنها ، و هي قضية الوشم و الكتابة في النصوص الشعرية الجاهلية ، و ارتباط الوشم بالطلل قديم قدم النصوص ، لكن رمزية هذه الصورة هي ما أثاره الناقد من تأويل لها ، باعتبار الأطلال " أشبهت الوشم و الكتابة ، و الكتابة هي ذاكرة الإنسان و ماضيه ، فهي مجددة لا تزول  و كذلك الماضي لا يزول ، الماضي ذو طابع متناقض يقف الإنسان أمامه عاجزا ، و بعبارة أخرى يبدو معاكسا لشعوره لحياته من حيث هو فرد ، و لكنه من جهة أخرى ذو طابع خلاّق ... و من ثمّ بدا الفناء السطحي أو الفردي جانبا جوهريا من عملية تطور إبداعي ، و لا شيء أدلّ على هذا الإبداع من فكرة الكتابة و الوشم ، فكلاهما تعبير عن حفظ الحياة و إحالة أحداثها المتغيرة على الدوام إلى رموز باقية" .

إن المعضلة الأساسية التي وقف الشاعر الجاهلي إزاءها هي معضلة الزمن ، و ما ينطوي عليه من تجريد لفكرة الفناء و الاندثار ، متمثلة في الطلل و الوشم و الكتابة ، يكتب الدرابسة معلقا حول عملية الفهم لهذه الإشكالية قائلا :" فهم مصطفى ناصف الرمز الكامن في الوشم و الكتابة ، فالشاعر الجاهلي وفق مبدأ الديمومة يكامل بين الماضي و المستقبل ليبعث الحياة في الأشياء و الكائنات الميتة و من هنا يصبح الزمان عامل دفع حيوي لا عامل تصدّع و انهدام".

لقد جعل الشاعر الجاهلي لنفسه معادلات موضوعية – بتعبير إليوت – يحتمي بها من هذه النوائب والنوازل ، و لعل صورة الناقة هي من مثلت هذه الرمزية بامتياز ، إذ لا تقترن صورة الناقة بهذه الرمزية فحسب، بل تتعداها لصورتها الآمنة التي ترتقي إلى حدّ التقديس ، كما ذهب ناصف ، و هي " رمز لعدّة مفهومات ، لفناء القوي الشاب ، و الانتصار على الصعوبات ، والحياة الفاضلة ، و المثل الذي تهون في سبيله التضحية و الفداء ، و لكن أقصى ما يقنع به العقل المشغوف بملاحظة الأسباب أن الناقة صديق رفيق ، وليست مجرد أداة للرحلة و الاتصال ... هذا طرفة يرى في الناقة الموت الذي يقترن ببلوغ الحياة أقصى نضوجها".

تحتكم تفسيرات ناصف لمختلف النصوص الشعرية الجاهلية إلى مبدأ البحث عن المغيب في النص ، والنبش عن مختلف المعاني المختفية ، و المتدثرة بنوع من الغموض و الإلغاز ، بغية السير قدما بالعملية النقدية والتأويلية خصوصا إلى مناطق قصية من البحث ، و لا ترتبط صورة الناقة بهذه القدسية فحسب ، فهي كذلك رمز للتعبير عن قوى الشر ، كما نجد ذلك في قراءته لرمز الناقة في أبيات زهير ، يعلّق ناصف قائلا :" أصبحت الناقة حيوانا أسطوريا يلجأ إليه الشعراء في التعبير عن قوى الشر المسلطة على الإنسان أو قوى الموت".

إن هذه المكانة التي تتمتع بها الناقة في الشعر الجاهلي على مستوى التجريد و على مستوى الواقع المعيش  هي مكانة مرموقة و هامة في الوقت نفسه ، و شكلت مادة ثرية على مستوى التداول بين الشعراء ، و الصورة الأساسية التي تبوأتها الناقة – على الرغم من اختلاف الصورة – هي رمزيتها على القوة و المنعة ، و لأنها شكلت نسبة كبيرة من الموضوعات الشعرية المطروقة خاصة في ما صورها به طرفة في معلقته ، فالناقة في هذه القصيدة تبدو " بفضل ما أتيح لها كالملجأ الأمين الذي يقي صاحبه من كثير ، لأن هناك صورا تعبر عن الوقاية و الاحتماء مثل الباب المنيف الممرّد و بيوت الوحش في أصول الشجر و قنطرة الرومي ، و جناحي النسر ، والسقف المسند ، و الظهر العالي ... كل هذه الصور متآلفة ، و قد توحي بأن طرفة يعاني من الخوف و أن الخوف ينتهي إلى طلب الاحتماء و الاختباء ، و هذه القوى الكثيرة المجتمعة في الناقة تعني أن منطق الشاعر هو أنه لا ملجأ من الناقة إلا إليها".

تتوالى التأويلات النقدية من قبل الناقد مصطفى ناصف ليتناول جملة من القضايا الأساسية التي شكلت الإطار العام لنمو القصيدة الجاهلية ، فبعد أن يرفد نظريته التأويلية بهذه الرموز الأسطورية التي ترجع في أصلها إلى أساطير بدائية قام الشاعر الجاهلي باستثمارها و تحويرها ، و من ثمّ توظيفها جماليا في شكل إبداعات خالدة لما انطوت عليه من جماليات رسّخت نظرة الإنسان الجاهلي إلى الحياة ، و الموت ، إلى الأرض و إلى السماء ، إلى الوجود و إلى الأزل.

 يتناول الناقد رمزا آخر من رموز الشعر الجاهلي لا يقل أهمية من حيث التوظيف والتداول عن باقي الرموز الأخرى ، ففي قراءته لرمزية العنب الذي توالى وصفه من قبل الشعراء في سياقات معينة و أوقات مختلفة، و ما ينطوي عليه من دلالات خاصة بالمجالس الخمرية التي كانت تعقد في الجاهلية بين الشاعر و نفر من الندامى ، ففي هذه الصورة رمزية معقدة حسب الناقد ، إذ يريد "شارب الخمر أن يحقق أحلاما أو أفكارا أو رؤى لا يستطيع أن يتناولها بغير هذا الطريق ، أي أن الخمر في نظر شاربها تعتبر وسيلة إلى ضرب من المعرفة التلقائية الغامضة لحقائق صعبة ، حقائق الحياة و الوجود".

تعتبر الخمر بديلا هاما عن حالة الاضطراب الأنطولوجي التي يعانيها الإنسان الجاهلي ، و من خلالها يقوم الفرد بما يشبه التعويض النفسي عن حالة الحرمان المعيشة ، و في تأويل آخر لبيت من الشعر يقول صاحبه:

                    و قد لاح في الصبح الثريا لمن رأى      كعنقود ملاحية حين نوّرا

يتجه ناصف رأسا إلى استثمار الأسطورة باعتبارها المعين الأول لفهم كل هذه الرموز و الصور ، فيقول:" الأساطير الجاهلية تحدثنا أن العنب رمز لحلاوة الدنيا ، فاختيار الملاحية أو العنب يؤدي أكثر من معنى  فحلاوة الدنيا إذن مقصورة على الأرض ، بل تتعداها إلى الثريا في السماء ، من أجل ذلك يبدو الحسي الجامد ذا حظ من الحياة و النشاط ، أضف إلى ذلك أن العنقود يرمز إلى الخصب و النمو و التوالد ، و الثريا إذن في هيئتها و تقاربها و ضوئها قريبة في النفس من منظر الطفولة و الأطفال"  ، ثم يستدرك ناصف عمن يتصور اعتراضه من القراء بقوله:" و في وسعك أن تقول إن الشاعر لم يقصد إلى هذا التكلّف ، و في وسعي أن أقول إن المقصد يشبه العنقاء كلاهما خرافة".

إنّ هذه الرمزية الأسطورية التي طبعت القراءة النقدية عند ناصف ، خاصة في مؤلفيه "قراءة ثانية لشعرنا القديم" و " دراسة الأدب العربي" ، لم يحتف بها ناصف في مؤلف آخر وضعه هو الآخر لدراسة الشعر العربي القديم ، و هو "صوت الشاعر القديم" ، ففي مقدمة الكتاب يضع ناصف قارئه أمامه و يستحضره بقوله:" لقد قدمت تجربة سابقة في القراءة و أنا الآن أقدم تجربة مختلفة". مما يبين أن الشغل الشاغل للرجل هو إعادة قراءة الشعر العربي القديم قراءات عديدة ، و أن هذه القراءة ستكون مغايرة من حيث المنهج والطرح النظري والتطبيقي عما سبقها من دراسات ، الشيء الذي يعمق الفكرة أكثر هو اشتغال الناقد حول ما عرف في أبجديات النقد المعاصر بمنهج "الكلمات المفاتيح" Mots Clefs ، يقول في ذلك :" إن الإقبال على طائفة من النصوص أكثر من مرة مشقة لا تخلو من المتعة ، فالنصوص تتحدانا ، و تظل تعلق بعقولنا ، و كل طائفة من الأدوات تفتح معالم لا تستطيعها سواها ، و لكن الأدوات لا تنبع من الخارج ، و إنما تكشف من داخل النصوص ، فالنصوص خالقة أدواتها ، و حينما عاودت التأمل في الشعر القديم في أزمان متباعدة خيّل إلي أحيانا أن مشكلة هذا الشعر تتعلق ببعض الوجوه باستعمال طائفة من الكلمات الأساسية التي يسمونها أحيانا كثيرة باسم الكلمات المفاتيح".

كانت كيفيات التناول قائمة حول الوصول إلى المعاني و الدلالات انطلاقا من الكلمات المفاتيح التي تتشكل بها رمزية اللغة ، و تنأى الدلالة عن أن تكون ظاهرة ، و تمت معالجة الكثير من القضايا ، لعل من أهمها "بنية القصيدة العربية" و " البحث عن وحدة الشعر " كذلك ، و المؤلف في مجمله عبارة عن تساؤلات معرفية تحمل أبعادا أنطولوجية و جمالية يتم الإجابة عنها انطلاقا من هذه الرمزية السامية للغة من جهة ، وللجانب الوجودي للإنسان من جهة أخرى ، من أمثلتها : لماذا أعجب الشاعر القديم بوكنات الطير ؟ أليست الوكنات مرتبطة بالظلمات ؟  ، و منها أيضا : لماذا لم يتمتع الشاعر القديم بتأمل حرية الحيوان ؟ إنه على العكس يتمتع على الدوام بالتعرض لهذه الحرية .

لا يكاد ناصف يحيد عن معالجة القضايا الأساسية في كتابه هذا ، لأنها تشكل استمرارية و صيرورة وجودية تناولها الناقد سابقا ، لكن معالجته الحالية مختلفة بعض الشيء ، خاصة في عدم إرجاعه هذا الشعر إلى أصول أسطورية ، فالصحراء (الفلاة) مثلا في أبيات الأعشى في قوله :

                             و فلاة كأنها ظهر ترس             ليس إلا الرجيع فيها علاق

"ليست أقلّ من مواجهة أعماق الوجود ، أو أعماق الذات التي لا تنكشف أمام الشاعر فيما تسميه باسم تجربة المحبة ، أعماق الذات موكولة إلى الفلاة ، و قد يرى الشاعر ذاته مجدبة مقفرة لا تجد ما يداوي سأمها ، و حينئذ يلجأ إلى الفلاة ... لأنه شديد الحاجة إلى الشعور بعالم ظاهره القسوة و الاستغناء والاستعلاء على العاطفة المتغيرة".

و يرجع ناصف فلسفة الكتاب "صوت الشاعر القديم" إلى تحسس مفاصل الاختلاف و الائتلاف بين الشعراء ، و أن عملية الإبداع لم تكن أبدا شخصية فردية ، إنما كانت تجارب جماعية ، يقول :" فالأعشى في الظاهر لا يقيم وزنا لحاجاته النفسية الدقيقة إلى هذه الفلاة و الجرأة و اقتحام المخاطر ليس أكثر من مداواة سأم عجيب ينتاب الشاعر الجاهلي كثيرا ، و لا نقيم له ما يستأهله من عناية ، و لم يكن زهير حين شكا السأم يعبر عن قضية شخصية كما يوهمنا و نتوهم معه ، هذا السأم يصدر عن تجربة الكلل و تذكر الأحباب ، و ليس السأم في الحقيقة إلا شعورا بأن الذات لم تحقق بعد كل ما يمكنها ، و لم تخرج بعد دفائنها المكنوزة ، ولم تعثر بعد على ما يكافئ همومها المتفتحة ، و من أجل ذلك يلجأ إلى الفلاة"

4) خاتمة :

إن مايمكن أن نصل إليه في الختام هو الوقوف عند جملة من النتائج رصدتها هذه المحاضرة فأبرزت المطبات المعرفية التي وقع فيها ناصف عندما أرجع تفسيراته للشعر الجاهلي إلى أصول أسطورية وطقوس بدائية ترجع إلى الأصل البدائي للإنسان ، وأنّه لم يرجع إلى الأساطير العربية الأصيلة التي شكلت المصدر الرئيس لانبجاس هذه الصور و الطقوس ، أضف إلى ذلك تلك الإسقاطات الانطباعية والتلفيقية التي وقع ضحيتها ، لأنه سقط في فخ المقايسة و المطابقة بين ما هو موجود من نصوص إبداعية ، وبين ارتباط اللاشعور الجمعي بالشعائر و الأساطير ، مما أوقع نتائجه في جانب كبير منها فريسة التهافت والاضطراب و حتى التناقض ، ذلك أنه ينعى على الكثير من النقاد الانقياد وراء الذاتية و التأثرية المفرطة التي من شأنها أن تسيء إلى العمل من حيث تريد الإحسان إليه ، إلا أنه يقع في المحظور نفسه ، و لم يستطع بلورة نظرة خاصة تكون بمثابة الحصن الحصين من الوقوع في هذا القصور المعرفي و هذه المزالق النقدية.

إنّ ما قد حذّر منه ناصف من مغبة الوقوع في المحظور الانطباعي وقع فريسته دون أن يعي ، فتفسيره الشعر العربي قبل الإسلام بأنه نمطي (تكراري) ، و يرجع إلى أصول أسطورية مغروسة في اللاشعور الجمعي دون أن يحدد بدايات و أصول هذه الأساطير و لا أنماطها الميثودينية العليا ، هو ما أوقعه في هذا الاضطراب المعرفي إن جاز التعبير . يعلّق الدكتور عبد الفتاح محمد أحمد عن هذه القضية بقوله :" لا يشدّ أزر الدكتور مصطفى ناصف و يعضد ملاحظاته عن هذا الطابع الأسطوري أو تلك البقايا الطقوسية شيء سوى قراءاته التي لا تخلو من انطباعية تفتقر إلى التوثيق ، و إلا فأين الأسطورة التي تمثل النمط الأعلى للفرس ؟ و أين الطقوس الجليلة التي تعبر عن قدسية الناقة ؟ و أين الأصول المقدسة لقصة عدوان الكلاب على الثور ؟ كل ذلك و غيره لم يضع الدكتور ناصف يده عليه ، و لكنه اكتفى بالقول بالطبيعة اللاشعورية الجمعية لشعر ما قبل الإسلام".

رغم ذلك تبقى قراءة مصطفى ناصف للتراث الشعري الجاهلي من أرقى القراءات و أكفئها ، و أولاها بالعناية و التمحيص و توظيف مقولات نقد النقد للوصول ربما إلى نتائج تكون قمينة بهذا الإنجاز المعرفي والنقدي ، و لا شكّ أن الرجل قد أفاد من جملة المناهج النقدية الحداثية وبخاصة مقولات المنهج الأسطوري في قراءة النص الشعري الجاهلي و أنه استثمرها بما يخدم الغرض العام للبحث ، و أن استثماره جاء مغايرا للعديد من الباحثين و النقاد الذين اكتفوا بمماثلة الآخر ، و لا يكادون يتجاوزونه ، إن على المستوى النظري أو حتى الممارسي .

إن ماأضافه ناصف لقراءة التراث الشعري تجاوز به الكثير من التطبيقات العربية الحديثة التي تعسفت في الإمتياح من المستودع الغربي لاستنطاق المدونات القديمة، وحملت النص أكثر مما يحتمل كما هو الحال مع دراسات أسطورية حديثة، حاولت استثمار آليات المنهج الأسطوري في قراءة الشعر الجاهلي، فوقعت في مطب المماثلة والمقايسة والخلط المنهجي مما أدى إلى تهافت النتائج التي توصلت إليها في الكثير من الأحيان.*

 

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11