FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides

    Séminaire International sur les Polysaccharides Polysaccharides de Plantes de Milieux Arides.POLYSAC 2017, Les 22-23 Novembre 2017. 

  • Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement

    Workshop: Dynamiques des Territoires Oasiens et leur Environnement "WID TOE 2017", 3 et 4 avril 2017, Ouargla - Algérie

Appel à communication

 

الإحصاء الكمي لبنيات السرد: بنية الفضاء الجغرافي عينة

 

حمزة قريرة ـ فائزة خمقاني

قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة (الجزائر)

 

تمهيد:

يشغل الفضاء مكانة مهمة بين مكونات الرواية، وتزداد أهميّته من خلال أشكاله المتعدّدة التي يظهر من خلالها للمتلقي؛ فبعضها متعلّق بما تحمله لغة الرواية من إشارات مباشرة إليه، فيتم رسمه عبر ربطه بقرائن مكانيّة واقعية، وهو ما ندعوه بالفضاء المعادل للمكان الجغرافي، حيث يمثّل الفضاء في هذه الحالة مختلف أشكال المكان بِبُعدها الجغرافي داخل الرواية(01)؛ أي الأماكن المحسوسة التي توهم بواقعية الأحداث فتجعل المتلقي يدرك عالم الرواية كأنه واقع. وهناك نمط فضائي آخر ندركه عبر اللغة وهو فضاء دلالي يتشكّل من اللغة في ذاتها، التي تقدّم لنا سلسلة دوال وتربطها بمدلولات أوليّة مباشرة ومحدّدة، سرعان ما تتجاوزها إلى ما هو أعمق دلاليا- المجاز- وعليه تكون الصورة المجازية هي الشكل الذي يتخذه الفضاء اللغوي، ورمزا لفضائية اللغة الأدبية في علاقتها بالمعنى(02). كذلك من أنماط الفضاء المهمة نجد الفضاء النص (L¢espace - textuel)  وهو فضاء شكلي محسوس، حيث يمثل الفضاء الذي تشغله الكتابة على مساحة الورق؛ أي الحدود الجغرافية التي تحتلها مستويات الكتابة النصية في الرواية، ويشمل ذلك تصميم الغلاف ووضع المطالع، وتتابع وتنظيم الفصول وتغييرات الكتابة المطبعية وتشكيل العناوين(03)، وغيرها من المظاهر الشكلية لنص الرواية. ومن بن طرائق تحديد ورصد أنماط الفضاء المختلفة خصوصا الفضاء الجغرافي يحتاج الباحث لأدوات إجرائية متنوعة ومختلفة المشارب كي يضبط حدود دراسته ويتمكّن من الرصد الصحيح للفضاء باعتباره بنية، ومن بين هذه الأدوات نذكر الإحصاء وهو عملية رصد وحساب كمي لظاهرة معيّنة في النص، وسنحاول خلال هذه الدراسة التركيز على آلية عمل هذه الأداة في رصد الفضاء الجغرافي في العمل الروائي من خلال عيّنة محددة وهي رواية السماء الثامنة لأمين الزاوي.

1-      ماهية الفضاء المعادل للمكان الجغرافي:

يمثّل الفضاء المعادل للمكان الجغرافي مختلف أشكال المكان بِبُعدها الجغرافي داخل الرواية4؛ أي الأماكن المحسوسة التي توهم بواقعية الأحداث فتجعل المتلقي يدرك عالم الرواية وكأنه واقع محسوس، "فكل رواية تحمل طوبوغرافيا* نوعيّة، تمنحها نغميّتها الخاصة، ذلك أن الروائي يختار موضعة الحدث والشخوص داخل فضاء واقعي، أو مستعار من الواقع"5. كما يتشكّل ويظهر هذا الفضاء الجغرافي بأنواع مختلفة حسب عدة اعتبارات، وحسب الزاوية التي نقرؤه بها؛ فإذا نظرنا له مباشرة من حيث الإشارات اللغوية عليه عبر محطات الرواية المختلفة، حدّدناه بشكل عام، فيكون التصنيف في هذه الحالة عاما يبحث في الفضاء الجغرافي أينما وُجد داخل نص الرواية، عبر إحصاء مختلف الإشارات اللغوية عليه، فلا يحمل بذلك أية ميزة، لأنه ينتقل خطيا في رصده وتسجيل ميزاته دون ملاحظة ما يحمله من ظواهر متشعّبة. 

         أما الاعتبار الثاني في تحديد الفضاء الجغرافي- وهو ما سنركّز عليه-  فتقدّمه لنا ظاهرة لغوية متمثّلة في الثنائيات التي نميّز نوعيْن منها؛ نوع تتشكّل الثنائيات من خلاله عبر الاختلاف، كما هو الحال بين الفضاء الجغرافي الواقعي والمتخيّل، فهما ثنائية تقوم على علاقة الاختلاف. أما النوع الثاني فتمثّله الثنائيات الضدية حيث تقوم العلاقة بين طرفيها على التضاد مثل الفضاء الجغرافي المرتفع مقابل المنخفض، أو المتسع مقابل المنخفض وغيرها من مظاهر الثنائية الضدية التي يمكن رصدها داخل الرواية.

وتعد هذه المحددات هي أسس عملية الإحصاء ويمكن تتبع شروط الإحصاء في الشكلين على التوالي:

1-                باعتبار الإشارات اللغوية المباشرة إلى الفضاء الجغرافي:

في هذه الحالة يتحدّد الفضاء الجغرافي بما تقدّمه اللغة الروائية للمتلقي، حيث يعد رسم الفضاء من هذا النمط بواسطة اللغة هو السبيل الأكثر انتشارا في الفن الروائي عموما6، فيُقدّم إما بشكل مباشر عبر ظروف المكان ومختلف الكلمات والعبارات الدالة على المكان، مثل: البيت، المقهى، الشارع، الغرفة، السجن، فوق، تحت...إلخ وغيرها من الظروف. وإما بشكل غير مباشر عبر الإيحاء بالمكان من خلال كلمات وعبارات محدّدة تتجاوز دلالتها الدلالة المعجمية، لتوحي بالفضاء الجغرافي، مثل: كلمة "الباب" التي توحي بالدخول أو الخروج من المكان، كذلك كلمة "النافذة"، وأسماء بعض الألبسة عندما تقترن بصفات لتحديد المكان، كالحذاء الضيق، والقميص الواسع وغيرها.

2- باعتبار الثنائيات التي يظهر من خلالها الفضاء الجغرافي:       

2-1- الثنائيات القائمة على أساس الاختلاف:

     نرصد منها ثنائية الفضاء الواقعي والمتخيّل وهي مركّبة بشكل خاص، حيث لا تحيل على التناقض بل على الاختلاف، وهذا يختلف عن الثنائيات الضدية – كما سنرى- التي تحمل في طيّاتها التناقض بن عالمين أو وسطين، مثل التناقض بين الحياة والموت فكل العناصر والعلاقات الموجودة في عالم الحياة تناقض الموجودة في عالم الموت، كذلك التناقض بين الواسع والضيق، فالعناصر المشكّلة للوسط الواسع تناقض بشكل متقابل العناصر الموجودة في الوسط الضيق. أما في الواقع والخيال فالأمر مختلف فالعلاقة بينهما علاقة اختلاف لا تناقض. ومن أجل توضيح الأمر بشكل أكثر نقدّم مفهوم كل من وجهي هذه الثنائية، عبر تحديد مفهوم الواقع والخيال في الرواية كالتالي:

2-1-1- مفهوم الواقع وحدوده في الفضاء الجغرافي:

بداية نميّز بين بعدين  للواقع حسب المجال الذي ينتمي إليه، فالواقع كما يعيشه الإنسان يتميز ببعده الحسي، فهو موجود بالفعل، لكن الأمر يختلف إذا ما دخلنا عالم الرواية، فالواقع فيها يختلف عن الواقع في العالم الحقيقي، إذ يُعتبر نسخة عن واقع معيّن، أو تصوّر للواقع، يوهم المتلقي بالواقعية،"فالكتابة، كل كتابة، تنهض على مستوى المتخيّل، بمعنى أن الكاتب، حين يكتب لا يتعامل مباشرة مع الواقع، بل مع ما يرتسم في ذهنه، أو في مخيّلته، من صور تخص هذا الواقع، أو تمثّله وتعنيه"7، بهذا يمارس الروائي وظيفة فنية متمثلة في دور الوساطة بين عالم يبنيه باللغة والعالم الحقيقي، حيث يوهم المتلقي أنه مجرّد ناقل8، لهذا فتسميتنا للواقع في الرواية من باب التجوّز، لأنه لا وجود لواقع حقيقي في الرواية، وعليه فكل دراستنا للواقع داخل الرواية من باب أنه إيهام بالواقع لا أكثر، أما مفهومه فهو الوسط المكاني المرتبط بالزمن وتدور فيه الأحداث وله مرجع واقعي؛ أي يتم تقديمه من طرف الراوي على أنه واقعي بالنسبة للأحداث والزمن والشخصيات، فيغطي المستوى الظاهري الواقعي لعالم الرواية، ويمكن حصر ميزات هذا الفضاء فيما يلي:

- مرجعياته واقعيّة؛ أي يحمل في طيّاته ما يوهم بأنه واقع.

- يمثّل عالم الحقيقة في الرواية، وإن كانت الرواية خيالية تماما، فالفضاء الواقعي يجسّد المستوى الأول الذي تنطلق منه الرواية ببنياتها، لتتجاوزه إلى الفضاء المتخيّل.

- تترابط مكونات الرواية في الفضاء الواقعي بشكل مباشر وسببي، في الغالب، لتُحدث الإيهام بالواقعية.

- يحفظ الفضاء الواقعي للرواية خيطا يربطها بالعالم الحسي، حيث نجد للمكان الواقعي وجود حقيقي في جغرافية الإنسان الطبيعية المعروفة والمتداولة9، وقد يجنح الراوي في الكثير من الروايات إلى الخيال، ليقطع كل صلة تجمعه بالواقع والحقيقة، إلا أن بعض الإشارات للفضاء الواقعي في طيات الرواية تحفظ لها تواصلها مع العالم الحسي الذي يحتله المتلقي بالدرجة الأولى.

 2-1-2- مفهوم الخيال وحدوده في الفضاء الجغرافي:

يتصل مفهوم المتخيل "Imaginaire" مع مفاهيم ومصطلحات كثيرة  من نفس مصدر جذره كالخيال والتخييل والمخيال، وترتبط جميعا في الدلالة على الحركة والتلوّن من حال لأخرى10، وبشكل عام يعتبر الخيال مجرّد تصوّر أحداث أو أشياء أو أفكار دون مرجع واقعي لها، أي نوع من الخلق وهو المستوى الإبداعي للخيال عند الرومنسيين، ولا يكاد يختلف مفهومه بين الفلسفة والأدب، ففي الرواية يعتبر الخيال أحد المستويات التي يلجأ لها الراوي لتقديم أحداث الرواية، التي تعد ممارسة رمزية، حيث تحاول إعادة بناء الواقع عن طريق المتخيل، ثم تقدّمه في شكل أنساق لغوية11. ويتجلى المتخيّل في الرواية من خلال ما يقدّمه الراوي عبر سرده، حيث يخلق عوالما من خلال الحلم أو الأمنيات وغيرها من المظاهر غير الواقعية في الرواية، ويمكن أن نميّز أهم خصائص الخيال في الفضاء الجغرافي ونجملها في ما يلي:

- الخيال لا يرتبط بالاستذكار، لأن ذاكرة الراوي أو الشخصيات تستدعي أحداثا  واقعية وقعت فعلا في الماضي، لهذا لا تدخل في باب الخيال الذي يتميّز بالإبداعية، فالشخصية أو الراوي يُبدع أحداثا أو شخوصا لا مرجع لها في الرواية إنما مرجعها خياله وما نَسَجَهُ، بهذا قد ينتفي المتخيّل في عدة حالات منها حالات استرجاع الذاكرة لأن الذاكرة تعيد إنتاج الواقع المحسوس بواسطة اللغة12، ولكن هذا لا يمنع من ظهوره أحيانا في الذاكرة خصوصا لما تضيف المخيّلة شيئا من عندها للذاكرة لتحسّن من موقف الشخصية، ففي هذه الحالة قد يبرز المتخيل ويقتحم واقع الذكريات.

- يرتبط الخيال بالحلم، الذي قد يلجأ له الراوي أو أحد الشخصيات.

- قد يرتبط الخيال بالاستباق؛ أي ما تستشرفه الشخصية أو الراوي لأن ذلك غير مرتبط بمرجع إنما يُنسج ويُبدع من لدن الراوي أو الشخصية.

 2-2- الثنائيات القائمة على التضاد ونحدّدها من خلال عدّة اعتبارات:

    هناك عدة تقسيمات للتقاطبات الفضائية منها ما هو قائم على مفهوم الأبعاد الفيزيائية، فنجد اليمين واليسار والأعلى والأسفل والأمام والخلف، ومنها ما نرصده من خلال مفهوم المسافة كثنائية القريب/ البعيد، ومنها ما يقوم على مفهوم الاتصال كثنائيتي المنفتح/ المنغلق و داخل/ خارج13، وفيما يلي نقدّم أهم هذه التقسيمات:

2-2-1-       اعتبار الاتجاهات: نرصد خلال هذا الاعتبار تقابلات الفضاء الجغرافي حسب الجهات، ونميّز فيه بين نمطين من التحديد أولهما نمط الاتجاهات الأربعة وهي: الشمال والجنوب، والشرق والغرب، ونجد ذلك في الرواية كقولنا "شرق المدينة العتيقة"، فكلمة "شرق" تقدّم لنا إشارة عن ثنائية ضدية بين اتجاهي الشرق والغرب.

  أما النمط الثاني فهو الاتجاهات التي يعتبر الإنسان مركزها، وهي: الأمام والخلف، واليمين واليسار،ومثال ذلك عبارة " أمام البيوت المحطّمّة" فكلمة "أمام" – ظرف مكان- رسمت حدود ومعالم فضاء جغرافي، يقابل فضاء آخر هو خلف.

2-2-2-      اعتبار الاتساع والضيق: من خلاله نجد فضاء يعبّر عن الاتساع مثل فضاء الصحراء، وآخر عن الضيق مثل فضاء الزنزانة، الذي يعد ضاغطا على الشخصية، كما نجده "مهيمناً في الروايات الحديثة. فهو يذكي الحقد، أحيانا، كما يذكي الثورة أحيانا أخرى، في قلب الشخصية."14 وهذا عكس الفضاء المتسع كفضاء السفر الذي يفتح آفاقا رحبة للشخصيات، "كأنه وعد بالسعادة".15

2-2-3-      اعتبار الانغلاق والانفتاح: عبره نحدّد الفضاءات التي توحي بالانغلاق كالبيت المغلق، وأخرى توحي بالانفتاح كالساحات. فالفضائية داخل الرواية تقدم لنا مستويات متنوعة من الانفتاح، فقد تبدأ الأحداث في مكان واحد ثم تتواصل في أمكنة مختلفة، أو تتوزع على كل النطاقات16.

2-2-4-      اعتبار الارتفاع والانخفاض: من خلال هذا الاعتبار نعيّن الفضاء الدال على الارتفاع مثل الجبل، وما يقابله – الدال على الانخفاض- مثل الوادي أو البئر. ويدخل معه فضاء فوق/تحت.

2-2-5-      اعتبار الخارج والداخل: نحدّد من خلاله الفضاء الخارجي، مثل خارج المنزل أو خارج الوطن، ويقابله فضاء الداخل.

مما تقدّم نلاحظ أنه" أيا كان الفضاء المستعمل في الأدب، أكان واقعيا أو عجيبا، أو محدودا أو لا محدودا، فإن الجغرافيا الروائية تقوم على تقنيات، في الكتابة، تؤدي وظائف محدّدة"17، يتوقّف دورها على مدى حضور الفضاء كميا في الرواية، ومن أجل رصد هذا الدور نقوم في ما يلي بتحديد الطرائق الحصائية التي يتم بها رصد الفضاء الجغرافي في الرواية.

2- كيف يتم تحديد الفضاء الجغرافي داخل الرواية؟

يقودنا هذا التساؤل إلى أداة إجرائية رياضية تسمح لنا بالتحديد الدقيق للفضاء الجغرافي حسب مختلف الاعتبارات وهي الإحصاء الكمي، فمن خلاله نتمكن من تعيين مختلف الكلمات والعبارات الحاملة للفضاء، على اعتبار أن الفضاء في الرواية فضاء لفظي بحت18؛ أي تحدّده الألفاظ والعبارات رغم ما يوهمنا به من واقعية. وتبدأ عملية الإحصاء بعد القراءة المتكرّرة - قراءة نقدية- للرواية يتم من خلالها إحصاء كل الكلمات والعبارات الحاملة لدلالة الفضاء بمفهومه الجغرافي، ثم نقوم بتصنيفها حسب اعتبارات أنواع الفضاء الجغرافي، ومن خلال التصنيف نحدّد نِسَب مختلف الأنواع، وأخيرا نعلّق على ما تمّ إحصاؤه.

وفيما يلي نقدّم عينة عن كيفية عمل هذه الأداة الإجرائية - الإحصاء – من خلال رواية السماء الثامنة لأمين الزاوي، وسنركّز على الفضاء الجغرافي في حالة التقاطبات الضدية.

3- الإحصاء الكمي للفضاء الجغرافي في حالة الثنائيات الضدية في رواية السماء الثامنة لأمين الزاوي:

نقوم بتتبّع عدد من الثنائيات الضدية حسب اعتبارات مختلفة، فمنها ما هو قائم على مفهوم الأبعاد الفيزيائية، التي يتم إدراكها حسيا، فنجد اليمين واليسار والأعلى والأسفل والأمام والخلف، وبعض الثنائيات نرصده من خلال مفهوم الاتصال كثنائيتي المنفتح/ المنغلق و الداخل/ الخارج19 ، وغيرها كثير، بهذا تصنّف التقاطباتُ الضدية الفضاءات من خلال البحث في دلالاتها في شكل ثنائيات متضادة، وهذا يعكس علاقات مختلفة بين قوى وقيم متعارضة20، وسيتم رصدها حسب حضورها الكمي في الرواية من خلال مختلف الاعتبارات كالتالي:

 - اعتبار الاتساع والضيق.

 - باعتبار الارتفاع والانخفاض، وتدخل معه ثنائية فوق/ تحت التي تمثل حضورا لافتا في الرواية.

- اعتبار الانفتاح والانغلاق.

 - اعتبار الخارج والداخل.

 - اعتبار الاتجاهات: نحدّد من خلال هذا الاعتبار الفضاء الجغرافي في حالات التقابل حسب الجهات، ونميّز فيها بين نمطين من التحديد؛ أولهما نمط الاتجاهات الأربعة وهي: الشمال والجنوب، والشرق والغرب. أما النمط الثاني، فيمثّل الاتجاهات التي يعتبر الإنسان مركزها، وهي: الأمام والخلف، واليمين واليسار.

وبعد تحديد ورصد مختلف الثنائيات الضدية عبر الرواية، نقوم بتصنيفها والتعليق على نسبها، ثم ربطها بطبيعة تدرّجها مما يسمح بالتعرّف على طبيعة الإيقاع الذي تولّده بحضورها.

من أجل تسهيل عملية الإحصاء نقوم بتقسيم هذه الاعتبارات إلى مجموعتين تتقابل عناصرها مثنى مثنى، فجميع التقاطبات – كما رأينا - تأتي في شكل ثنائيات ضدية تجمع بين قوى أو عناصر متعارضة21، حيث تحتوي المجموعة الأولى على أنماط الفضاء التالية: المتّسع والمرتفع والمنفتح والشمال والشرق والأمام واليمين والفوق والخارج. أما المجموعة الثانية فتحتوي على أنماط الفضاء المقابلة للأولى على الترتيب كالتالي: الضيّق والمنخفض والمغلق والجنوب والغرب والخلف واليسار والتحت والداخل.

 كما نشير إلى أن هناك عبارات كثير توحي بالضدية، لكننا لم نحصها بشكل مباشر، بسبب عدم إشارتها اللغوية المباشرة للفضاء الجغرافي، لهذا اعتمدنا على العبارات التي أشارت للفضاء في حالة الضدية - مباشرة - فقط كما فعلنا مع إحصاء الفضاء الجغرافي عموما، ومن تلك الفضاءات الضدية نذكر : الفارغ والممتلئ والإقامة والانتقال التي يمكن إدراجها مع ثنائية الداخل /الخارج، وغيرها من الثنائيات الموحية بالضدية في الفضاء ولكن لم تظهر بشكل جلي، إلا أن هذا لم يمنع من إيرادها ضمنا في الفضاءات الضدية المذكورة.

قبل تتبّع عدد ونسب الفضاء حسب الثنائيات الضدية، نشير إلى أنه ليست كل الفضاءات المعادلة للمكان الجغرافي، التي تم إحصاؤها في الرواية حاملة للثنائيات الضدية، رغم أن الفضاء "موجود بالضرورة أثناء جريان الوقائع"22، لهذا سنبحث بداية على عدد ونسب الثنائيات الضدية المتضمَّنة في العدد الإجمالي من حضور الفضاء الجغرافي عموما عبر مفاصل الرواية، لنعالج المحدّد منها فقط، ونستثني مختلف العبارات الأخرى الحاملة للفضاء الجغرافي لكن ليست طرفا في الثنائيات الضدية، ونلخّص ما تم الوصول إليه في الجدول التالي:

 

الجدول رقم(01) (جدول يقدّم حضور الفضاء الجغرافي باعتبار الثنائيات الضدية)

المفصل الروائي

(م- ر)

ع

م1

م2

م3

م4

م5

م6

م7

م8

م9

م10

م11

المجموع

عدد مرات ذكر الفضاء الجغرافي عموما في كل مفصل

(مج-ج)

01

05

30

187

110

129

253

84

192

80

56

32

 

1159مرة

عدد مرات ذكر الفضاء الجغرافي الحامل للثنائيات

(مج- ث)

01

04

08

36

27

36

80

21

40

21

20

09

304مرات

أي بنسبة

26.22%

من العدد الإجمالي

مرتفع

1

03

0

1

1

3

4

2

3

0

2

0

20

منخفض

0

0

0

0

1

3

3

0

2

0

1

0

10

واسع

0

0

0

1

0

1

1

0

0

0

0

0

03

ضيق

0

0

0

0

0

0

2

0

0

1

0

0

03

شمال

0

0

0

2

0

0

1

1

1

1

1

0

07

جنوب

0

0

1

2

0

0

0

2

0

1

1

1

08

شرق

0

0

0

0

0

3

2

0

1

1

0

0

07

غرب

0

0

0

0

0

3

0

0

4

1

0

0

08

أمام

0

0

2

3

1

4

10

3

7

3

3

2

38

خلف

0

0

1

1

2

1

5

0

3

0

1

1

15

يمين

0

0

0

0

0

0

3

1

2

1

1

0

08

يسار

0

0

0

0

0

0

2

2

0

1

0

0

05

الداخل

0

0

1

12

15

5

22

6

8

5

4

1

79

الخارج

0

0

0

2

1

1

15

1

2

1

3

0

26

المنفتح

0

0

1

0

0

0

0

0

1

1

0

1

04

المنغلق

0

0

1

1

0

0

1

0

2

1

0

1

07

فوق

0

1

1

7

3

7

9

3

3

3

3

2

42

تحت

0

0

0

4

3

5

1

0

1

0

0

0

14

المجموع

 

 304 مرات

نمثّل للبيانات التي جاءت في الجدول (01) بالمخطط البياني الموالي: حيث نرمز لعدد مرات ذكر الفضاء الجغرافي الحامل للثنائيات بـ (مج - ث) و الثنائيات الضدية بـ (ث- ض).

 

 

من خلال المنحنى سنبحث في الثنائيات الضدية وذلك حسب اعتبارات محدّدة، حيث سندرس في كل ثنائية على حدة المسائل التالية :

- عدد مرات حضور طرفي الثنائية في الرواية.

- المقارنة بين جزأي الثنائية وذكر وظيفة كل واحد منهما من حيث الإيجاب والسلب.

- نبحث في حالة حضور أحد جانبي الثنائية وغياب الآخر، ثم في حالة حضورهما معا، إن وُجدت.

- نتتبّع علاقة الثنائية بغيرها من الثنائيات.

التعليق:

من خلال إحصاء الثنائيات الضدية في الرواية عبر الجدول (01) نلاحظ أن حضورها لم يكن متقابلا في مختلف مفاصل الرواية، حيث حضر كل جانب من جوانب الثنائية بمفرده، ولم يحضرا معا إلا في بعض المواضع فقط، ومنها ما جاء في المفصل (5) في قول مصطفى:" مهما شرّقت أو غرّبت "23. ونتيجة لقلّة ورود الثنائيات بشكل متلازم في الرواية، نجدها لا تشكل ظاهرة مميِّزة، لهذا سيتم التركيز على الثنائيات في حضورها المتفرّد؛ حيث يحضر جانب منها ويغيب الآخر، ليُشكّل الأول النص الحاضر، والثاني الغائب، كما سنركّز على ثنائية واحدة مما تم رصده لنعلّق عليها فقط وذلك لضيق المساحة النصية المتاحة، حيث سنختار ثنائية الداخل والخارج باعتبار سيطرتها وهيمنتها على باقي الثنائيات. فأوّل ما نلاحظه من خلال المخطط رقم (01) هو غلبة بعض جوانب الثنائيات عن غيرها، وعلى رأسها فضاء الداخل الذي بلغ حضوره -79 مرة- من بين -304 مرات- لحضور فضاء الثنائيات عموما؛ ويصل ذلك إلى نسبة 26%، أي أكثر من ربع ما تم إحصاؤه من ثنائيات، وهي نسبة عالية تجعل من فضاء الداخل، وهو فضاء الإقامة، مهيمنا على غيره، حيث نجده يحضر في مختلف مفاصل الرواية بداية بالمفصل (2) الذي عبّر عن داخل الثكنة، والرغبة في الرحيل إلى المنفى للانتقام "المهم ألا أعيش في بلد- داخل- يشبه الثكنة العسكرية"24، وفي المفصل (3) كذلك حضر الداخل بقوّة  خصوصا في القصة المتخيلة حول بلاد البربر" دخل طارق بن زياد مغارة بضواحي قرية أزفون "25، حيث شكّل الداخل مركز التأمل ومنبع الحكمة ومصدر الأحكام التي أطلقها طارق بن زياد بعد ذلك، وقد استمر حضور الداخل في هذه القصة بدخول الجند العزلة داخل خنادق حفرها لهم، حيث "أدخل إليها مئة وثلاثة وسبعين رجلا وخمس نساء"26**، ليخرجوا مستعدين لخوض غمار البحر نحو الأندلس، فالداخل كان فضاء للتعبئة حيث أخذ في هذه المواضع صفة الإيجابيّة.

وقد استمر فضاء الداخل في مركزيّته بالنسبة للفضاءات الأخرى كما نلاحظ ذلك في المفصل (4) وقصّة مصطفي في الغرفة بالفندق في فرانكفورت "دخلت غرفتي"27 ، حيث تجلى الداخل بشكل واضح من خلال ما عانته شخصية مصطفى داخل الغرفة في انتظار الإسباني أو الألمانية " لماذا لم يدق الإسباني ولا الألمانية باب غرفتي"28!. وبقي حضور فضاء الداخل قويا في باقي مفاصل الرواية، حيث بلغ في المفصل (6) الذروة فتكرّر خلال هذا المفصل لوحده حوالي- 22 مرة- ويعود ذلك لمكانة هذا المفصل المحوري في الرواية، ولاحتوائه على أحداث أوجبت حضور الفضاء الداخلي، لتتفاعل عناصره، ومن بين هذه الأحداث؛ حكاية مصطفي في طفولته داخل بيت العائلة، حيث مثّل البيت فضاء الداخل والإقامة بالنسبة له ولبقية الشخصيات "تدخل أمي ... ليُدخل عليهم لالة خديجة... انسحبتُ إلى غرفة في أقصى الحوش"29، إضافة لفضاء الداخل في الضريح "عدت إلى الداخل...داخل القبر"30، حيث انتقل هذا الفضاء من السلبية إلى الإيجابية، فكان في البداية سلبيا وموحشا للشخصية - مصطفى – ثم تحوّل إلى ملاذ بعدما شاهد ما شاهده. لهذا يتقابل الداخل الآمن بالخارج الموحش، حيث نجد لهذه المقابلة حضورا كبيرا عند الكثير من الروائيين؛ وذلك بمقابلتهم بين الأمان الذي يكون في الغرفة المغلَقة، أو الداخل، والطابع العدواني المميِّز للخارج31 الذي يمثل الانفتاح، على المجهول.

  أما بعد المفصل (6)، فقد بدأت نسبة فضاء الداخل تتضاءل إلى أن وصلت أقلها في المفصل (11) حيث ذُكر مرة واحدة، ولعل ذلك يعود لتغيّر في الأحداث ودخول شخصيات جديدة، متحرّرة من الداخل وسطوته، ومن ناحية أخرى بدأت الأحداث تتقلّص نصيا مما يجعل ذكر تفاصيل الداخل مستبعدا، فجاءت قصة الأخضر -مثلا- في المفصل (8) عن مدينة ندرومة - تلمسان- ووفاة أمه دون أن تحتوي بشكل كبير ذكرا مباشرا لفضاء الداخل، كذلك قصة اليوم الأخير في المفصل (10) حيث عبّرت الفضاءات على الخارج والانعتاق "بجنون سقط على الأرض حين وضع قدميه خارج الثكنة"32، فالرغبة في الهروب من الثكنة لم تدع المجال لفضاء الداخل بالبروز ليعوّضه فضاء الخارج، وهو ما سنبحث عنه في مقابل فضاء الداخل،الذي لا يحضر مع فضاء الخارج بشكل متلازم إلا نادرا، بهذا  فإن كل حضور للداخل يختفي خلفه - فيه – الخارج والعكس، "فنحن ندرك الأشياء في ضوء ما يقابلها"33، وعليه يعبّر الفضاءان على تضاد حاد بين عالمين، وبمقابلتهما نجد أن الداخل يطغي على الخارج الذي لا يتعدى -26 مرة- أمام فضاء الداخل الذي بلغ- 79 مرة- أي أكبر منه بثلاث مرات، ولكن رغم طغيان الداخل إلا أن فضاء الخارج يعد محوري في تحريك الأحداث، حيث يبرز في الأغلب أثناء الرغبة في الهروب والخلاص من القيد، كما نجده ذلك في المفصل(5) في حكاية خروج مصطفى من وهران "يجب أن أسافر إلى أيّ مكان فيه مكان خارج وهران"34، كما يبرز من خلال الداخل ذاته، باعتبار فضاء الخارج غائب أمام الداخل الحاضر، ونلاحظ ذلك في المفصل (4) في قصة مصطفي في الفندق بفرانكفورت، حيث تجري أغلب الأحداث داخل الغرفة "دخلت غرفتي"35، ورغم ذلك يمكننا رصد ملامح الخارج من خلال هذا الداخل ذاته، فالخارج مرتقب ومطلوب "لا زلت أنتظر...لماذا لا أقوم... وأنزل - أخرج- على ليل فرانكفورت"36، فالخارج يبرز من حضور الداخل الذي أصبح في هذا الموضع قيدا وحصارا - سلبيا- يجب فكّه ولا يكون ذلك إلا بفضاء الخارج – الإيجابي في هذه الحالة- الذي فتح عالما نقيضا للداخل، كما نلاحظ أن فضاء الداخل بقي يمثل الحصار والقيد للحرية رغم أمانه وشعورنا بالطمأنينة فيه "ها أنا في الضريح أشعر بمحبة للذي بداخل القبر"37.

ومن جهة أخرى يمكننا رصد الداخل الغائب من خلال فضاء الخارج الحاضر ونجد ذلك في المفصل (6) وحكاية مصطفى في فندق الملكة بروما " كي أخرج كالحلزون"38 فالخارج يمثل في هذه الحالة ملاذا للشخصية حيث الانفتاح والتحرر من القيد، فيحيلنا لفضاء داخلي غائب نستحضره، فالغياب في عمومه لغة مسكوت عنها، ويتم استجلابه من خلال الحضور39، فنقابله به، فنحصل على فضاء الداخل والتقوقع الذي أوحت به "الحلزون"، فالداخل في هذه الحالة أيضا رغم أمانه مقارنة بما يحمله فضاء الخارج من خطر، إلا أنه يبقى في مثل هذه الحالات سلبيا وقيدا للشخصية.

مما تقدّم نلاحظ أن هناك حالة من عدم الاستقرار بين الخروج والدخول، لدرجة أنها مسألة تتعلق بالوجود ذاته، فلا ثبات في الحالتين، حيث كل شيء متكرر، وغير مباشر وملتو، حتى أن وجود الشخصيات في الفضاءين على تعبير باشلاريتحول إلى "مسبحة من إقامات مؤقتة"40.

كما يمكننا تتبع باقي الثنائيات بذات الطريقة في التعليق حيث يمثل كل منها جانبا من ظاهرة متضادة تنبئ بعالمين مختلفين في القيم وهذا ينعكس على الرواية وموضوعها.

الخاتمة:

من خلال عملية الإحصاء تمكنا من التحديد الكمي للظاهرة في النص الأدبي وهو ما يجعل النتائج أكثر يقينية لكونها حسية كمية، كما تعكس لنا عملية الإحصاء الإمكانات المتوفرة للمبدع لاختياره الألفاظ والعبارات المناسبة، مما يتماشى مع طبيعة عمله، وهذا يكشف جانبا خفيا من عملية الإبداع قد لا يكتشفها المبدع نفسه، إضافة إلى هذا فالإحصاء يمكننا من الكشف عن مظاهر أسلوبية داخل النص مما يفسّر توجه الكاتب ويعطي صورة على طبيعة تركيب العمل ككل، وعليه فالإحصاء عملية وأداة إجرائية مهمة في الكشف كميا على طبيعة بناء النص وتشكّله.

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07