FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

 

تكامل المنهج في مقاربة النصوص الأدبية 

قراءة في محاولات التأسيس لمنهج تطبيقي في تحليل النصوص الشعرية من خلال نماذج

(عبدالله الغذامي. محمد لطفي اليوسفي. أمنة بلعلي)

فريدة بوزيداني

المدرسة العليا للأساتذة – الجزائر

 

تمهيد :

     إن النص النقدي العربي الحديث كان دائم الحضور والمتابعة لكل جديد في الساحة النقدية الغربية وقد أفاد من هذا الحضور القوي في مقاربة الخطاب الأدبي، نجد من المشتغلين في النقد نخبة حاولت - بدل الخوض في تطبيق مناهج غربية على النص العربي مباشرة - التأسيس لمنهج خاص يعتمد على مجموع قراءات للمناهج المعاصرة، واستخلاص لما يخدم خصوصية النص العربي، هذه الخطوة تكمن في مقاربة النصوص الأدبية وفقا لما تمنحه هذه النصوص نفسها، ولأجل هذا عمدت حركة النقد هاته إلى النظر لأول خصوصية يتميز بها النص العربي عن غيره من النصوص الغربية وهي انتماؤه، فبدأت بناء مشروعها النقدي المميز لها بإعادة النظر في كثير من القضايا والطروحات النظرية والتطبيقية مستمدة من التراث العربي ومن النظريات النقدية الغربية والمناهج الحديثة ما يساعدها على تأسيس حركة نقدية خاصة بالأدب العربي الحديث ككيان مختلف عن الأدب الغربي دون أن يكون غارقا في جلباب القديم، وهذه الحركة النقدية تحاول استثمار المعطيات النقدية الغربية دون إهمال للرصيد التراثي وهذا ما تسجله الساحة العربية ممثلا في حضور بعض الأسماء التي كرست جهودها لخدمة هذا المشروع .

محاولات التأسيس لمنهج تطبيقي في تحليل النصوص :

عبد الله محمد الغذامي والبحث عن النموذج :

    عندما نتحدث عن الغذامي فإننا نكون أمام فارس بل و فاتح من الفرسان القليلين الذين تعرفهم الساحة النقدية العربية ، فالنص هو المضمار له و هو المغامر يحكي مغامراته

الغذامي في كتاباته هو التراثي الثقافة بالإضافة إلى ثقافته الغربية الواسعة ، و قد حاول التأسيس في كل كتاباته لمشروع نقدي عربي تمتد جذوره عميقة في التراث دون إغفال لما يسمح به جديد الساحة النقدية الغربية ، ففي كتابه " الخطيئة و التكفير ، من البنيوية إلى التشريحية " نجده ينطلق من التحديدات النقدية الغربية ( من تشخيصات رومان جاكبسون لوظائف اللغة إلى تداخل النصوص عند كريستيفا  ، إلى رولان بارث ) ليتذكر بجدارة الناقد الفذ حازم القرطاجني في منهاج البلغاء و سراج الأدباء  و الجاحظ لا ليقارن بين مجهودات هؤلاء بل ليذكرنا أن ما تحدث عنه الغربيون و العرب القدامى هو أسماء لحدث انحرافي ساحر يقودنا إلى اعتبار واحد و هو أن النص " جسد حي على حد وصف العرب له _ كما نقل عنهم بارث _ ( لذة النص ) ، وما دام النص جسدا ، فلا بد أن يكون القلم مبضعا يلج إلى هذا الجسد لتشريحه من أجل سبر كوامنه و كشف ألغازه في سبيل تأسيس الحقيقة الأدبية لهذا البناء ، أي أن ذلك تفكيك و نقض من أجل البناء و ليس لذات الهدم ." ( الخطيئة و التكفير ، ص 88 )  

 كما يقول هو في كتابه سابق الذكر " انصب على تأصيل بعض المفاهيم الحديثة في التراث و تكريس منهج لمقاربة النصوص الابداعية قائم على أسس واضحة مستمدة من التراث غير مهملة لجديد النقد الغربي أيضا ، او كما يقول في كتابه " ثقافة الاسئلة " " لكي يتكلم النقد بالعربية " و في كتبه الأخرى " الموقف من الحداثة و مسائل أخرى "و المشاكلة و الاختلاف " المرأة و اللغة "، تأنيث القصيدة و القارئ المختلف "و " النقد الثقافي " نجده ينحو إلى محاولة جادة تفرض نفسها في الساحة النقدية العربية و لكي يجسد هذه المحاولة فهو لا يتوانى عن المناداة بضرورة الممارسة التطبيقية ، لأن النقد لا يكون كذلك إن لم يشرح لنا النظرية و هي مكرسة في النص ، و ليس أدل على ذلك من  كتاباته التي ينتقل فيها بين الشعر الجاهلي و الشعر العربي المعاصر ، فالغذامي و كما هو معروف عنه يوظف مصطلحات نقدية جديدة في تطبيقاته ، و بعض هذه المصطلحات يستلهمها من التراث العربي و قد سعى الناقد إلى بناء نظرية في تكاملها و تواصلها في كتبه الموالية " ثقافة الأسئلة "و "المشاكلة و الاختلاف ، قراءة في النظرية النقدية العربية و بحث في الشبيه المختلف " ، فالنص كما أراد أن يؤسس له الغذامي هو ذلك النص المختلف ( و قاعدة الاختلاف مبدأ نصوصي يصل بجذوره إلى الجرجاني ) ، هذا النص يؤسس لدلالات إشكالية ( النص شبكة من الدلالات المتصلة فيما بينها من حيث البنية ، لكن منفتحة من حيث الإمكانات الدلالية المختلفة ) و النص يتشاكل بوصفه ( لغة ) مع الأشياء بوصفها ( واقعا مقررا سلفا ) .

محمد لطفي اليوسفي و المغامرة

    نقرأ محاولة أخرى لناقد آخر مجد في مجاله هو الناقد التونسي محمد لطفي اليوسفي إذ نجده يحاول أن يؤسس لمنهج تطبيقي في تحليل النصوص الشعرية العربية معتمدا في ذلك على رؤية قائمة على "التغاير " كما يقول و يعني به " الوقوف على ما تحجب في صميم الثقافة العربية من قوى متكتمة على نفسها في صميم النصوص الإبداعية لائذة من الواقع بأصقاعه المحجبة ... " ص 6 ، " في بنية الشعر العربي المعاصر " ، و يعتمد اليوسفي في دراساته منهجا اعتبره قائما على مسلمتين :

" _ تخص الأولى كيفية التعامل مع النظريات الحديثة و المناهج المبتدعة تعاملا خاصا هدفه الوقوع على القوى المحركة لتلك النظريات و المناهج قصد الاغتذاء بها و عدم الاكتفاء بتطبيقها قهرا و اغتصابا ...و النظر فيها ليس حلولا في رحابها و امحاء في تلاوينها ، بل هو ضرب من ...تمثل قواها المحركة ، و ممارسة نوع من الترحال بعيدا عنها لبناء القوى الذاتية الخاصة

_ تتعلق الثانية بالنظر في منجزات السلف ...لا باعتبارها تراثا تفصلنا عنه القرون ، بل بالانطلاق من الوعي التام بأنها حالة فينا ، تحيا معنا ، منقوشة كالوشم في صميم ذواتنا ، لذلك لا بد من تمثلها و تفهمها قصد تحقيق حدث التملك ... للشروع في بناء ما لم يفكروا فيه ..." ص 7 " في بنية الشعر العربي المعاصر.

وفقا لهذا الطرح فإن القراءة النقدية تصبح حدثا غاية في الأهمية و الخطورة ، إنها تمثل فعل احتواء للنص ، فهي ليست فعلا بريئا و ليست مجرد شرح للنص أو تقييم له ، بل إنها تعني أيضا الوقوف عند الأسئلة التي يثيرها حضور نص ما في ثقافة ما عبر كل تاريخها و وفقا لهذه النظرة فقد توجه الناقد إلى مقاربة النصوص من داخل النصوص نفسها بدراستها تفصيليا ، انطلاقا من أن كل نص يتميز ببنية خاصة ، ثم القيام برصد حركات النص و تفكيك رموزه و علاقاته الداخلية و الرؤية التي يبثها و بهذا الشكل يمكن الحفاظ على وحدة النص كنص شعري متميز بخصوصياته المتمثلة في تشابك عناصره و تناغمها  و أيضا " ... التمكن من ضبط الطريقة التي تعمل بموجبها تلك العناصر أي عندما تتفاعل و يشارك بعضها في تأسيس البعض الآخر أو في بلورته ، ثم تلتقي في النهاية لتشكل نسيجا خصوصيا من الكلام يتفرد به الشعر " ص 25 " في بنية الشعر العربي المعاصر ".

آمنة بلعلى و الأبجدية الجديدة :

     نقرأ للناقدة الجزائرية آمنة بلعلى محاولاتها الجادة في رسم تفاصيل مثل هذا المنهج التطبيقي ،   ففي كتابها " أبجدية القراءة النقدية ، دراسة تطبيقية في الشعر العربي المعاصر " تتحدث عن المقاربة الأسلوبية القائمة على الكشف عن توظيف الرموز عند شعراء الحداثة الرواد " السياب ، صلاح عبد الصبور ، خليل حاوي ، و أدونيس و تعتمد الناقدة المنهج التطبيقي للتأكيد على أن الرمز بكل طاقاته التي يحتويها " كأنه الطاقة الدلالية التي تشد شروخ النص و تفاصيله و لذلك يصعب الفصل بينه و بين بقية العناصر إلا نظريا " ص 3 " أثر الرمز في بنية القصيدة العربية المعاصرة " و لا تركز حديثها على الرمز إلا متزامنا مع حديثها عن الصورة و اللغة باعتبارهما وحدتين أساسيتين في بناء الرمز و خلق سياق التجربة و رسم معالم الرؤية التي تحددها ، كما تؤكد الناقدة على أهمية الأخذ بعين الاعتبار للظروف التي أنتجت النص إذ " تأكد للجميع أنه لا بد من التعامل مع النص من الخارج ليس من باب إسقاط الظروف الاجتماعية و السياسية و النفسية عليه ، و لكن من أجل الاقتراب أكثر من بنيته ، و نظامه ،و مميزاته ، لأن النص بنية تنتجها ذات ضمن بنية سوسيو نصية ، و من ثم نتمكن من الكشف عن شعريته أو ما يعرف اليوم بنصية النص .

     كانت هذه قراءة في بعض المحاولات النقدية  المتميزة بنزوعها نحو التأسيس لمنهج تطبيقي يتعامل مع النصوص مباشرة و الجامع المشترك بين كل هذه المحاولات هو هذه النظرة المستغلة لما يسمح به الدرس النقدي الغربي دون إهمال للرصيد التراثي العربي ، و أيضا اتفاقهم على التأسيس لمنهج تطبيقي لتحليل النصوص بدل الاكتفاء بالطروحات النظرية .

    جاءت  قراءتي مقتضبة  _ لما يقتضيه المقام _ تفادت التعمق في تفاصيل هذه المحاولات لأن كل ناقد  يستحق كثيرا من التوقف.

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11