FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

 

مناهج النقد الأدبي في الجزائر من خلال الدرس الجامعي بين النظرية والتطبيق

د/ فيصل حصيد

المركز الجامعي عباس لغرور ـ خنشلة

 

1-ضعف التأصيل المعرفي وتحديد الإطار التصوري:

إذ معظم المتدخلين لتدريس مناهج النقد المعاصر لا يستطيعون الإمساك بالأصول المعرفية والأطر التصورية للمناهج المدرسة، فتوصف كلها بأنها مناهج حداثية، دون التأصيل لحركة الحداثة نفسها، والتي تعتبر المبرر الأول لظهور هذه المناهج، وإذا ما تعرض الباحث لتوصيف الحداثة وقع في إشكالات لا حصر لها، فإما أن يحددها كمصطلح فلسفي، أو يوصِّفها بأنها حركة فكرية مفاجئة، أو أنها نتاج غلو الفكر المادي الغربي وثورته على الأوضاع السائدة، أو يبشّر بها على أنها الخلاص القادم من الغرب، هكذا من غير تمحيص ولا تأصيل.

صحيح أن مصطلح الحداثة في حد ذاته مصطلح قلق لكن يمكن إنزاله إلى الدرس النقدي وتيسيره باعتبار أن  "الحداثة في أبسط صورة لها، هي وعي الذات في الزمن. لكن هذا الوعي للذات في الزمن يتخذ شكلاً ضدياً، فهو لا يعني الحاضر في عزلة، بل في علاقته بالماضي. الحداثة إذن، هي جوهرياً وعي ضدي للزمن، ووعي ضدي للذات في الزمن. لكن هذا لا يكفي، بل يجب أن يقيد بأن الحداثة هي وعي الزمن لا بوصفه شيئاً رياضياً، بل بوصفه حاملاً للتغير. الحداثة إذن هي الزمن بوصفه حركة تغير.والحداثة تعني التغير بوصفه تقدم إلى الأمام، وذلك سر مأساتها، فكل تقدم هو انفصام عن ماض، ومن هنا كان وعي الحداثة لنفسها بوصفها انفصاماً، والانفصام دائماً فعل توتر وقلق ومغايرة"().

ومفهوم الحداثة بوصفها انفصاما أو انفصالا عن الماضي شكل وضعا بالغ الخظورة في المناخ النقدي الجامعي وعزز من ثقافة الرفض غير المؤسس للتراث، وقد كان المخرج هو التوضيح بأن "الانفصال لا يعني شيئاً آخر سوى أنه قد يحدث أحياناً في خلال عدة سنوات أن تكف ثقافة ما عن التفكير على النحو الذي درجت عليه في تلك الآونة، لكي تشرع في التفكير في شيء أخر وعلى نحو أخر"().

والوعي الحداثي الذي نتحدث عنه ليس خاصا بزمن دون غيره، ولا علاقة له بالمتقدم والمتأخر، بل هو حالة فكرية صحية تتلبس بها حضارة ما في وقت ما، وقد يكون التراث في حركيته وحيويته لحظة إنتاجه أكثر حداثة من المعاصر في تبعيته وتقليده للآخر، و" لو ألقينا نظرة عامة سريعة على النقد العربي القديم وتحوله إلى علم للبلاغة، سنجد جذوراً إبستيمولوجية وفلسفية واضحة هي ثمرة الخبرة الحيوية، والاجتماعية، والأدبية العربية الخاصة، فضلاً عن تأثيرات بعض الترجمات الفلسفية اليونانية، في مجال الشعر والخطابة خاصة()"

وإذا كانت لدينا تحفظات منهجية وفكرية واكاديمية على منطق الحداثة الغربية، فلا يجب أن ننسف الحق العربي في التحديث والحداثة، وندفع به إلى التخندق في معسكر تراثي أصبحنا عبئا عليه، بل علينا ان نؤسس في درسنا الجامعي إلى أن "الحداثة العربية هي محاولة بحث عن شرعية المستقبل، بعد أن فقد الماضي شرعيته التاريخية، في عالم توحده الرأسمالية الغربية بالقوة، ويهيمن عليه الغرب، وتنفي فيه الأطراف إلى الذاكرة التاريخية، حيث لا تستعاد إلا بوصفها فلكلوراً، أو دليلاً جديداً على تفوق الغرب وقدرته على نفي الآخرين وإبادتهم. البحث عن الشرعية هو بحث عن محاولة التخلص من خطر الإبادة ومحاولة إيقاف تدمير الذات عبر القبول بتدميرها الجزئي، إنقاذ اللغة... الانطلاق من الحد الأدق من أجل إيقاف التدهور الشامل ومحاولة البناء انطلاقاً من هذا الحد الأدنى"().

وهذا عمل ليس بالهين ولا اليسير إنزاله على أرض فكرية لم تستفق بعد تراكمات تاريخية وثقافية واجتماعية، وطقوس بيداغوجية كانت ولا تزال تحتفي وتلتزم بالتلقين والتوجيه بدل التحليل والمشاركة والتأصيل، لأن ذلك سيزيد من حدة الخلخلة الفكرية، "فلقد انطلق الأمر من صدمة عميقة اهتزت لها المسلمات الذهنية وارتبكت معها عديد الموثوقات المعرفية، وبين مد وجزر كادت تعصف رياح الشك بمقولة التراث من حيث هو قيمة مرجعية إذا نسفناها حكمنا على كل مشروع مستقبلي بالانتقاض الحتمي"().

2-صعوبة الفرز بين المكون المنهجي والمحمول الإيديولوجي:

         إن المناج ليس وسائل تقنية محضة تستعمل لاسنطاق النصوص خالية من الخلفيات والحمولا، بل إنها في حد ذاتها مذاهب قامت على انقاض أخرى، للإيديولوجيا فيها النصيب الاوفر من الحمل والتوجيه، والإيديولوجيا باعتبارها مكونا أصيلا في المنهج تكتسي معرفتها واكتناهها أهمية كبرى فهي"تساوي الفلسفة وتساوي النظرة الكونية الشاملة، وتساوي السياسة، أي مجمل الأفكار التي تحرك مجتمع ما، أو تكون أساساً لوجوده وحركته، وهي لا تشمل فقط النظريات والأفكار العامة، بل تشمل كذلك كل أنساق القيم والمعتقدات()".

والإيديولوجيا وإن كانت لصيقة بالتنظير، فإنها لا تتجلى بوضوح إلا عند إنزال مقررات المناهج على واقع النصوص تطبيقا، لأن الواقع هو الذي يعري الإيديولوجيا، وهذا الذي ينبغي على الدرس النقدي في الجامعة الجزائرية الانتباهله، لأنه يشكل عاملا حاسما في نوعيت التكوين النقدي الذي نرجوه.

لكن هذا لا يعني "أن ليس للإيديولوجية قيمة في فهم الواقع أو التأثير فيه، ولكنه يعني أن الإيديولوجيات لاتفهم بمعزل عن السياق الاجتماعي، والتاريخي خارج الشروط الثقافية والسياسية التي تظهر فيها، وتنمو وتتطور تركيباتها ووظائفها كأداة من أدوات الصراع، ويعني أن الإيديولوجية هي التي تفهم في ضوء الواقع وليس العكس. فبينما تجيب الإيديولوجية أساساً على أسئلة من نوع: ما هي المنظومة الأفضل أو ما هو الاختيار الأسلم، وما هو الهدف الأكثر واقعية، يتركز السؤال العلمي على كيفية حصول الظاهرة، وما هي شروط تحققها التي تسمح للمجتمع أن يتحكم بها ويحولها من الداخل. ومن الأسئلة العلمية في مجال الثقافة العربية السؤال عن كيفية حصول التحول الثقافي في المجتمع العربي وماهي عوامله وغاياته، وما أصل فكرة الحداثة، وما أصل الايديولوجيا التي ترتبط بها، وما هو مصيرها عندئذ... نستطيع أن نفهم عملية التحديث العربي كواقع علمي، وكهدف اجتماعي قائم منذ تماس العرب الأول بالحضارة الغربية الحديثة"().

 بعد أن سلمنا أن كل فعل صادر عن فكر إنساني، هو فعل إيديولوجي، فإننا سنسلم حتماً بأن النقد فعل إيديولوجي، لكن هل كل النقد إيديولوجي؟ وهل كل نقد هو إيديولوجي؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فإننا سننتقل إلى السؤال الثاني:

- ما هو الحامل الإيديولوجي (أو الحوامل) في النقد؟ وإذا تم اكتشاف هذا الأخير فإن السؤال الموالي هو:

- ما هي مستويات تجليه في المنهج؟ وإذا أجبنا على هذا فإننا سنجيب حتماً على السؤال الآخر والذي هو: كيف يتم تشكل المكون الإيديولوجي في المنهج؟ لنصل في الأخير إلى جوهر القضية ألا وهو: هل يمكن أن يوجد نقد نقي من الإيديولوجيا ؟ بصيغة أخرى هل يمكن للنقد أن لا يكون إيديولوجياً؟ ثم ألا يمكن أن تكون وظيفته هي البحث عن المكون الإيديولوجي والبؤرة التي يفيض منها داخل النص؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تسهل علينا وتربطنا من جديد بقضية التأصيل لتدريس المنهج النقدي من خلال طريق علمي، ينطلق من مقدمات سليمة تجعلنا ننطلق من غير عقدة في الإقبال على المناهج الغربية بدل التصدي العنيد، والتحجر أو الانطواء على الذات.

3-التداخل المنهجي وأزمة المصطلح:

إن الحدود الفاصلة بين المناهج تكاد تكون حدودا مدرسية وهمية اكثر منها حدودا حقيقية، نظرا للبناء التراكمي في الثقافة المعاصرة، حيث تتناسل المعارف من بعضها بعضا وفق السنن المعرفية والكونية التي تحكم السيرورة والتطور، و"من المؤكد أن العلاقة في غاية الوثوق بين المصطلح والمنهج، وذلك أنَ الفصل بينهما يعني الفصل في البناء الفكري وبالتالي في الحقل المعرفي بصفة عامَّة، إذ لا يقبل أن نستعمل المصطلح النفسي ومضمون الدراسة مضمون اجتماعي أو اقتصادي، كما لا يجوز أن نطبّق المنهج الواقعي النقدي ونستعمل لذلك أدوات ومفاهيم المنهج النفسي، وبما أن غاية المنهج النقدي هي التأسيس وبناء جهاز مفهومي متكامل، فإنه يتعين على الناقد الأخذ بعين الاعتبار هذه القضية وعدم الفصم بين المنهج (كطريقة قي التحليل ووسيلة من وسائل المقاربة الأدبية) والمصطلح (كمفهوم أو مجموعة من الأدوات لا يمكن لها أن تمارس فعاليتها خارج نظامها المعروف()".

وتزداد هذه القضية تعقيدا عندما تكون المناهج والمصطلحات قيد الدراسة قد انتقلت من مجالها الجغرافي والثقافي والمعرفي إلى مجال آخر، يختلف عنها في المسافة الزمنية، والخصائص الحضارية، مما يجعل مساحة المشترك خاضعة لتصالحات وتنازلات، او لاختزالات وإقصاءات.

لأن "عمليات التبادل الثقافي والانفعال بثقافات أخرى (تؤدي) بين ما تؤدي إليه إلى انبثاق مفاهيم، وفصلات، وتصورات قد لا تكون متبلورة في الثقافة المنفعلة، وقد لا تكون موجودة فيها أصلاً. ويكون لهذه المفاهيم في الثقافة الأخرى دوال مخصصة لها، ومميزة لحقولها الدلالية، ولاستخداماتها في الإنشاء المنتج في الثقافة فعل، في هذه الحالة تواجه الكاتب في الثقافة المنفعلة مشكلتان: فهم المفهوم فهما دقيقاً والسعي إلى إدخاله في الثقافة أولاً على صعيد مفهومي، ثم ابتكار الدال الدقيق المخصص المميز له، ومن الضروري هنا أخذ عوامل عديدة بالحسبان: قابلية المفهوم للاندراج في حقل المفاهيم التي تؤلفها الثقافة، وقابلية الدال للدلالة الوافية دون التباس بدوال أو مفاهيم مألوفة في الثقافة المنفعلة، ثم قابلية الدال للاستعمال العملي العقلي والتصريف في الصيغ التي يحتاج إليها في الدوال عادة: فعلاً واسماً، ومصدراً، واسم فاعل، وحالاً، وتمييزاً إلخ"(). 

هذه العمليات المنهجية بقدر ما تبدوا علمية تقنية، فهي ثقافية فكرية بالدرجة الأولى، لأن المصطلح ما هو إلا اختزان لمجموعة من الحمولات المنهجية والفلسفية والحضارية والإيديلوجية، ولأنك "في كل ذلك أنت لست متنقلا بين مصطلح وآخر، ولست متجولا بين البدائل، وإنما أنت مع كل لفظ تبرم عقدا فكريا جديدا له حيثياته وله أشراطه".

وقد اكتسبت إشكالية المنهج والمصطلح هذه الأهمية من منطلق علاقتها باللغة نفسها، لان اللغة كما يصفعا هيدجر هي بيت الكائن الذي يحوي ملاذه وخصوصياته، ومشاعره، وتنبئ عن طبيعة وجوده،"ومن ثم يجيء وصف باختين 1975 – mithail Bathtin للغات بأنها معركة ليست بريئة وأن كل الملفوظات مكتظة بالآخرين، أي أنه لا توجد لغة فارغة، يمكن أن تنظر من زجاجها إلى الواقع بحياد، وأن تسكن فيها لتبدأ تفكيرك موضوعياً من الصفر"()".

 

4- تشعب المعرفة النقدية وإشكال التضافر المنهجي:

لقد أصبحت المعرفة النقدية ثقافة من العيار الثقيل لا تلين للكسالى ولا لطالبي اللجوء الدراسي بغية تحصيل شهادة أو إثبات مستوى، ولا تقبل المتقوقع داخل مجاله التخصصي لا يطلع على ما يدور حوله في العالم،فهذا العالم قد ضاقت أبعاده المعرفية، واختزلت أفاقه الجغرافية بفعل التطورات التكنولوجية والعلمية الحاصلة اليوم، وعليه فلا يمكن لأستاذ أن يدرّس النقد ولا لطالب أن يدرسه وهو لا يملك معارف حول علم النفس والاجتماع الأنثروبولوجيا والفلسفة والمنطق، والتحليل النفسي.

وذلك باختصار " لأننا نتعامل اليوم مع مع مبدأ توالج العلوم من موقع الاستثمار المعرفي مسلمين في ذلك بأن هناك فرقا جوهريا بين التقاء علمين على سبيل الصدفة والتقائهما على أساس الاستدعاء النظامي: فالتظافر بهذا المعنى الجديد نسق ذو قواعد في أساسياته لأنه ينطلق من تخاصب الثقافتين ويرمي إلى توظيف إحداهما خدمة للأخرى".

مقابل ذلك علينا إعادة موضعة النقد ووظيفة الناقد ضمن سلم القيم الاجتماعية والثقافي والسياسية، لكي نعطيه المكانة التي تليق به، والاعتراف بأن  "للناقد اليوم على الآخرين حقوقا أبعدها وقعا أن يصادقوا على انه مؤسس منهج، ومنظر علم، ومهندس معمار، وأن يقروا له بأنه مساهم في حوار المعارف الإنسانية بقسط فاعل. ذلك أن خفاء هذه الأساسيات عن وعينا، أو احتجابها تحت ضغط الالتباس المتكرر والإلغاز المتواتر، لممّا ينشئ اليوم ظاهرة غريبة الشأن تتمثل في الحكم على الناقد انطلاقا من بيداغوجية مضنونة تحكمها ثنائية مزدوجة فيها المفهوم وغير المفهوم من جهة، والمقبول وغير المقبول من جهة ثانية، حتى لكأنما المفهوم هو دائما المقبول وغير المفهوم هو دوما غير المقبول لأنه غير مفهوم".

لكن الهدف الأسمى للناقد ولتعليمية النقد هو أن ننتقل فيها من التلقين إلى المشاركة، بحيث يصر النقد حسا وسلوكا عند الباحث والطالب قبل أن يكون معرفة ونظريات

 

تحميل المقال

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11