FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

 

التأويلية في النصوص الأدبية ـ التموقع والمرجعيات والتطبيق

عائشة عويسات

قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة (الجزائر)

 

   " الكتابة تجعل النص مستقلا عن مقصد صاحبه. فمعنى النص (المكتوب) لا يطابق تماما ما أراد  الكاتب قوله.إن المعنى المنطوق، أي المعنى النصي، والمعنى الذهني، أي المعنى السيكولوجي، يتوجهان نحو مصيرين مختلفين" بول ريكور

المقدمة:

إن الحديث عن تأويل النصوص الأدبية أمر ملحّ في ظل التبعية والنمطية في اختيار عناوين البحوث ومناهجها، و الملاحظ أنه لايوجد توجه نحو الإبداع، ولا عن معالجة الموضوعات من وجهات نظر جديدة ، تمنح للباحثين معان جديدة وتفضي بهم إلى نتائج وتأويلات لها أصولها المنهجية، بتطبيق آليات إجرائية دقيقة، وكل مايسود عمليات البحث هو عدم الجدوى والاقتناع بالنتائج المتوصل لها على أساس من المقولة التي سادت في النقد القديم " ما ترك الأول للآخر شيئا". تأتي هذه المداخلة لتضيء منطقة هامة من مناهج البحث في الأدب، لنأخذ فيها التأويلية في تموقعها في النظرية الأدبية والنقدية المعاصرة؟ وفي مرجعياتها الفلسفية وأهم أعلامها؟ وعن التأويلية في التاريخ الفكري العربي؟ وهل توجد نماذج في النقد العربي القديم عن التأويلية؟ هذا ما سنشير إليه فيما يأتي:  نه أأأأنهنه لا يوجد توجه نحو الإب                                 

1- مفهوم التأويلية: التأويلية في أبسط تعاريفها وأكثرها شيوعا: قبول تعدد المعنى للنص الواحد                                  

علينا التفريق بين بين الهرمنيوطيقا  Hermeneutique التي هي فن التأويل وهو:"مصصطلح مدرسي لاهوتي ، كان يدل في نشأته الأولى على ذلك النظام المعرفي الذي يحكم من خلال مجموعة من القواعد عملية تفسير الكتاب المقدس أو النصوص الدينية، التي قد تتطلب فهما وتفسيرابسبب غموض معناها الذي نشعر إزاءه بالاغتراب". فصعوبة فهم النصوص الدينية في التوراة ثم في الإنجيل بعدها، دفع بالقدماء إلى تأويل هذه النصوص لتقريبها إلى الأذهان، وكشف ما تخفيه وراءها. محاولة منهما للتخلص من الاغتراب وهو ما يحدث عند وجود هوة بين النص والمتقبل، وما يحدث من غربة بين النص والمتلقي، مما يجعل فهم النص عسيرا عليه. سواءا أكانت هذه الهوة البعد الزمني( التاريخي ) بين زمن كتابة النص وهذا المتقبل أو تكمن في صعوبة استنتاج معانيه وتعقيدها بالنسبة إليه.

ثم توسعت التأويلية لتنتقل من الهرمنيوطيقا(فن التأويل) إلى التأويلية(علم التأويل) حيث أوجدت لها مجالا في النظرية الأدبية والنقدية المعاصرة، مع وجود علاقات دقيقة ومتشعبةمع عديد المناهج النقدية المعاصرة؛ كتحليل الخطاب، وعلم النص، والسميوطيقا الأدبية، والتفكيكية، والتداولية. فيما يخص دراسة النصوص الأدبية وتأويلها

فأصبحت علم التأويل Interpretaion  وهوالذي يهتم بتأويل النصوص الأدبية (الأعمال الأدبية) وتقديم معان جديدة لها بالاعتماد على العلوم اللغوية الأخرى. وهي تستمد مشروعيتها من الجهد الذي تبذله للقضاء على شعور الغتراب عند المتلقي ، وهو ما يحول بينه وبين فهم النص.

2- مبادؤها: يمكن أن نقول إن التأويلية تنطلق بتوفر المباديء التالية، للتمكن من كشف معان جديدة للنصوص، ولابد من الإشارة إلى جهود الباحثين الألمانيين في الفلسفةجاداميرGadamer وهايدجر Heidegger، في إرساء الهرمنيوطيقا فلسفيا وأدبيا:

أ- النص: تعنى التأويلية بدراسة النص المنتهي المكتوب، فحسب بول ريكورRicoeurs     ويرىأن:" نصا ما هو أيّ خطاب تثبّته الكتابة" فالخطاب الذي تعد الجملة وحدته الأساسية يتحقق بوصفه كتابة ويفهم بوصفه معنى فالنص" كلام مستنفد أي إنه كتابة"وهو يوحي بأن النص مكتوب لأنه غير مقولفهناك انعتاق للنص من الحالة الشفاهيةمما يقطع العلاقة بين اللغة والعالم. وينفي وجود تحاور بين المؤلف والمتلقي يفرض فهما محددا للنص.

ب- القصد:النص بالنسبة لريكور هو فضاء مستقل للمعنى لم يعد قصد المؤلف يبعث فيه الحياة، فقد انقطعت صلة المؤلف بالنص. فالفرق بين التأويلية والمناهج الأخرى التي تأخذ بعين الاعتبار المؤلف وقصده من كتابة النص، كالتداولية مثلا هو أن التأويلية تعد قصد المؤلف أمرا هامشيا ولا تلتفت إليه، بل تنطلق من أن معنى النص ليس شيئا يشير إلى واقع خارجي عن اللغة، بل يتمثل هذا المعنى في التركيب الداخلي للنص حيث كلما أمعنّا الفكر والتحليل والدقة في فهم وتفسير العلاقات داخل النص، استنتجنا معان جديدة لايشترط حتى أن المؤلف يعرفها.

ج- السلطة: بعد أن كانت الأنا تشغل مركزا لكل تحليل في الفكر الظاهراتي لدى هوسرل، أو الفكر النفسي عند وليم جيمس وفرويد، أصبحت في زمن الحداثة غير قادرة على الحديث عن جميع أفعالها، ولم تعد الذات مصدرا للسلطة، فالمعرفة ليست قذيفة تنطلق من مدفع الذات العارفة، بل المعرفة ذلك الاقتفاء لأثر القذيفة في سيرها.ويشتغل المؤول في منطقة "المابين"في فضاء الاختلاف الذي ليس فضاء الذات ولا فضاء الموضوع، في هذا المكان تصبح الذات غير متفوقة، لاتمثل معرفتها ما تعرفه أي إنها يمكن أن تقول شيئا لم تعرف بأنها تقوله،فالمؤول يجد نفسه بين الذات والموضوع، بين المفكّر والفكر.ليصل إلى عوالم من المعاني المتجددة للنص.

3- أسسها: يضع بول ريكور ثالوثا يساعد على الدخول إلى الدائرة التأويلية للنص لساعد على سبر أغواره وهويتشكل كما يأتي:

مصطلح الفهم: هو الوجود الإنساني المتوسط رمزيا الذي لا يمكن تخيله، دون شبكة التوسطات الرمزية المتمثلة في التراث والتقاليد والقيم الثقافية العابرة للأجيال.

مصطلح التفسير: هو الفعالية التأملية، التي تسعى إلى الارتفاع عن مستوى الفهم، بوساطة المنهج والعقلنة والمنطق وإعمال الفكر.

إعادة التصور: ركن يبدأ بعد أن يخرج القاريء من النص فالقراءة فعالية تكوينية وتأسيسية، لا تستغني عن التنظير لها أي محاولة تهدف إلى تقديم وصف متكامل للعملية الإبداعية.

فالفهم مرحلة أولى تضع النص في سياقه التاريخي والثقافي والفكري، أما التفسيرفهو مرحلة أكثر تطورا من الفهم إنها مرحلة يبرر فيها المتأول ماذهب إليه من آراء بالاستناد إلى شبكة العلاقات الداخلية للنص، أما إعادة التصور، فيمثل المعغنى الجديد في صورته النهائية ، التي تضاف إلى مجموع المعاني المكتشفة للنص.وبهذا لايقتصر النص على أن يكونمبتدئا بالعنوان ومنتهيا بالجملة الأخيرة ، وإنما يتواصل بفضل أجيال الشراح والمتأولين.

4- التـأويلية من الناحية العملية التطبيقية:

تستند التأويلية من الجانب التطبيقي إلى ما وصلت إليه المناهج النقدية المعاصرة؛ كالتداولية، وعلم النص، بحيث نجد أن التأويلية تعتمد على نظرية الأفعال الكلامية، والإحالة والإسناد، مع خصوصية تتعلق بمبادئها تتمثل في: عدم الاهتمام بقصد الكاتب وتأويله بحرية مطلقة، وسلب السلطة من الذات المتكلمة(الأنا) في النص.كما يشترط فيمن يتصدى للبحث في التأويلية؛ المستوى العالي في معارف لغوية متعددة كالنحو، والصرف، والدلالة،والبلاغة، وتاريخ الأدب والفكر . حتى يتمكن من ربط النتائج الثانوية لصياغة معنى وتأويل جديد للنص.فأ

5- التأويلية في التراث الفكري العربي:

نجد في المعاجم اللغوية العربية موضعا لكلمة تأويل وهي بمعنىالرجوع، ونقول: أوّل الكلام وتأوّله: دبّره وقدّرهفالتأويل يعني العودة إلى المعاني وإعادة تقديرها وإعمال الفكر فيها واستنباط معان جديدة من النصوص.

أما في التراث الفكري العربي فإننا نجد مصطلح التأويل تستخدم عند قدامى المفسرين،ومنهم الطبري( ت 310هـ) الذي يرى أن التأويل هو المصطلح الأمثل للتعبير عن على درجة عالية من العمق في مواجهة النصوص والظواهر. فالتأويل دائما يبدأ وجوده في سياق الفكر الديني ، واستنباط أحكام الشرع، ولعل التفسير بالرأي من بين أهم المواطن على نموذج التأويلية في الفكر الإسلامي، ورغم وجود علاقة بين التأويل والتفسير إلاأن ما نلاحظه هو حدوث تمايز بين المصطلحين،حيث تم توجيههما بفعل الصراع بين الفرق والاتجاهات الدينية المختلفة، فبعد سيادة المذهب الأشعري، واتخاذه المذهب الرسمي للدولة، بعد القضاء على الاعتزال، أصبح "التفسير" هو ما يقدمه المذهب الرسمي من تأويلات، و" التأويل" هو ما يقدمه الخصوم الذين وصموا بأن " في قلوبهم زيغ" ثم صارت كلمة " تأويل " من بعد ذات دلالة سيئة من المنظور الديني الذي ساد واستقر.فرغم الثراء والتنوع الموجود في التأويل الديني الإسلامي ، إلا أن النظرة الإيديولوجية أثّرت عليه سلبا.

أما في التراث النقدي فإننا نجد الشعر مادة زاخرة للتعبير عن تفاصيل حياة العرب من جهة، ومن جهة أخرى قيام الحركة النقدية التي سادت القرنين الرابع والخامس الهجريين، بسبب القضايا التي طبعت النقد آنذاك؛ الطبع والتكلف، القديم والمحدث، اللفظ والمعنى، وأهم نظريات ذلك العصر وهي نظرية عمود الشعر، فقد مثّل شعر أبي تمام والمتنبي مجالا خصبا لتأويلات عدة، تتبعت عيوب شعر كل واحد منهما، وتقفيها في البيت والبيتين، فالمؤلفات العديدة التي ميّزت تلك الفترة والتي نتجت عن دراسة شعر المتنبي مثلا، ووجود أعداء له ترصدوا أغلاطه في الشعر وأوّلوها بما يتماشى وتوجيه فهمهم لشعره، من أمثال العميدي وابن وكيع، وما رده لهم المعري وابن جني، عن سبب تقدم المتنبي عن شعراء عصره، ورمي خصومه بمعاداته لأنهم فقط لم يستطيعوا فهم شعره، ومغالاة أنصاره في التعصب له بسبب إعجابهم بسمته الشعري، وبمعرفته الواسعة بالعربية.

ونلاحظ وصف ابن جني وتفطنه للهجاء المبطن لكافور الإخشيدي في قول المتنبي:

 وما طربي لما رأيتك بدعة

لقد كنت أرجو أن أراك فأطربا

قال ابن جني: جعلت الرجل ابن زنا(أي قردا) ، فضحك المتنبي.

فالمتنبي رغم ظاهر مدحه لكافور إلا أن هذا المدح كان مبطنا بالهجاءعداء

 

-         وفي التراث النحوي يمكن دراسة الفكر التأويلي عند سيبويه في الكتلب على اعتبار أنه لم يأت بما تضمن الكتاب من عنده بل بما تأوله من كلام الخليل بن أحمد، ولعل نظريات سادالحديث عنها في الفكر النحوي؛ وهي نظرية العلة والعامل النحوي وجهد ابن مضاء القرطبي فيهما يفتح باب البحث عن التأويل واستعماله في الفكر النحوي القديم أو حتى الحديث.

-         كما تزخر المدونات الأدبية كالدواوين، و الروايات ،و القصص، مجالا خصبا يمنحنا تأويلات ومعان جديدة لها ، بالاستعانة بما توصلت له العلوم اللغوية من تركيز على : الصرح والمضمر، والمذكور والمحذوف... والروايات أ

 -ويبقى الشعر الصوفي من أهم ما أبدعه العرب من نصوص طيّع للتأويل ، منسجمة مع مختلف الطروحات ، ومتقبلة لعديد التأويلات.

6-مزالق البحث في التأويلية:

- ليس لها مصطلحات خاصة بها، وتحدث تداخلا بين المناهج كالتداولية وعلم النص..

- نزع السلطة عن المؤلف تبتعد بالتحليل عن الهوية

- تعدد المعاني قد يؤدي إلى ضعف مستوى الاستنتاجات الجديدة ، وعدم الاعتراف من طرف الآخر بنتائج التأويل.

إلا أن علم التأويل يبقى معبّرا عن جهد فكري ، وربط بين مختلف العوامل الثقافية والتاريخية والنصية، وبهذا يمنحنا التأويل فرصة للخروج من مأزق المنهج فيما يخص المقاربة الداخلية للنص، والخروج بالجديد وإن كان بالمغامرة. ن علم التأأأأ

 

تحميل المقال

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11