FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
    Ferienhaus Ostsee

 خطر أحادية المنهج على النص الأدبي

أحمد بقار

قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة (الجزائر)

 

/ تمهيد :

يتسم النقد الأدبي في أيام الـناس هذه بتعدد المشارب و تباين المقاربات ، إلا أن القاسم المشـترك بينها جميعا هو الأدب . ولا بد أن يكون الناقد في أثنـــاء تقصي النص الأدبي " متسلحا بمنهجية واضحة و بأدوات استقصاء ملائـمة ، يدفعه إلى ذلك حب الأدب و رغبة في تذوقه و فهم آلياته ( الدفينة أو البينة ) و توصيله موضحا إلى العامة و الخـــاصة ، و النقــد الأدبي الحق هو الذي يتفادى الحكم على العمل الأدبي وفق مزاجيـة و دوافع لا علاقة لها بالأدب ، وهو لا يفرض معيارا خارجيا ضيقا يقســر النص على التواؤم معه ، أو هو يديـنه عند استحالة هذا الــــتواؤم المطـــلوب " (1) ، وهنا تكمن الخطورة على الأدب .

2/ التحولات التي مرت بها المناهج النقدية :

*لقد كـان مركز النقد قائما على المبدع منه ينطلق و إليه ينتهي ، فشاعت في هذا المجال مناهج نقدية هي : ( التاريخـي ، النفسي ، الاجتماعي ) .

*انتقال مركز الكون النقدي إلى النص ، فشاعت مناهج نقدية منها ( المناهج اللسانية ) التي حكمت بموت المؤلف .

*و في المرحـــلة الأخيرة فاضت أوعية النقد بنظريات التأويل و التلقي و التفكيك و يظهر معها دور المتلقي .

 

3/ خطورة المنهج :

 

إن النــقد الحديث لم يصبر على طعام واحد ، بل ظل في تطور كبـــير و مستمر ، حتى لقد أصيب معتنقوه بشهوة التغيير لذاته و استبـــاق المستجدات ، حتى صار نوعا من الهلوسة ، و هذا الاستباق يوقع في الفوضوية المربكة ، وهنا تكمن خطورة أخرى .

و لقد تبــدت لي هذه الخطورة و أنا أدرس طلبتي تطبيق بعض المناهج النقدية : ( البنيوي / الإحصائي / الأسلوبي ) ، حيث نقبل على النصوص بخلفية المنهج الذي نريد معالجة النص به ، و كأن النص ذلك المريض الذي يحتاج علاجا ، لا كمعطى إبداعي يجب إخراج ما فيه من جمال .

و لـقد تنـبه إلى ذلك الناقد الفرنســي ( البلغــاري الأصل ) ( تزفيطان تودوروف) في كتابه ( الأدب في خطر ) ، الذي ألفه لما رأى أن الثورة المنهجية التي أحدثتها البنيوية في دراسة الأدب و العــــلوم الإنسانية في الستينيات قد فقدت البعد الاستكشافي و الخصوبة المعرفية لما راحت تبتعد تدريجيا عن خلفياتها النظرية و دوافعها العلمية . و صارت عبارة عن وصفات جاهزة تطبق في مؤسسات التدريس بطريقة آلية على نصوص الأدب بجميع أشكاله و أنواعه .

و أصبحـت الغاية من تدريس الأدب هي تدريس المنهج و تطبيقه قبل تذوقه و فهمه و الإحاطة بأسرار صنعته و مزيته و فضله .

فمـــن دون معرفة ثاقبة بالنص يصبح إجراء المنهج ضربا من اللعــب المجاني لا غاية من ورائه سوى تطبيق المنهج من أجل إثبات سلامته و إمكان إجرائه على كل النصوص .

إن هـذه النظرة القاصرة للأدب من جهة و للمنهج النقدي من جهة أخرى ، ينجــر عنه العمى – بتعبير "كانط" في كتابه (نقد العقل المحض)- الذي ينذر ببقاء النصوص نائمة –بتعبير د.عـــادل حضر- دهرا طويلا ، ينذر بالخطر ؛ و يتمثل في عزوف الطلبة عن قراءة النص الأدبي لعجزهم عن فهمه و تذوقه ، يــــقول

 

(تودوروف) : " لا نتعلم عمــاذا تتحدث الأعمال الأدبية ، و إنما عماذا يتحدث النقاد " (2) .

و هذا أمر يجعل المتعامل مع النصوص أو القـارئ لها يفكر في المناهج النقدية بدل ربطها بالحياة الإنسانية ، و ما يرتبط بها مـن قضايا ( الفرد ، المجتمع ، الحب ، الكراهية ، اليأس ...) .

إن الخطورة تكمن في أن المقاربات و المفاهيم النقدية حـلت محل الغاية الأساسية المتمثلة في دراسة المعنى الأدبي و ربطـه بالحياة بشتى مظاهرها .

كما يمكن أن نسجل خطرا آخر كذلك أن النقد الأدبي ينطـلق من النص ثم ينتهي إليه . بحـــيث نلوي النص لتطويعه راغما إلى أساسيات منهج واحد ، مــع أن المناهج كثيرة و متعددة .

 

4/ اقتراح بعض الحلول :

 

-عدم اللــهث وراء المناهج النقدية الغربية ، وهذا لما تحمله من أدلجة .

-محاولة الرجوع إلى التراث النقدي العربي و كشف مضمراته .

-اعتماد المناهج النقدية التطبيقية الوظيفية .

-عدم أدلجــة النقد و لا الأدب ؛ لأن الأدلجة جناية عليهما معا .

-إبعـاد طغيان النظريات و استفحالها ، للتمكن من التذوق السليم و مباشرة التعاطي مع النصوص .

-للناقد أن يختــار المقاربة التي يشاء و المنهج الذي يراه ملائما ، و له أن يداخل بين مناهج تخدم تذوق النص .

-عدم الادعـاء أن هذا المنهج أو ذاك كفيل وحده بإخراج المكنون و السر المطلق للعمل الأدبي .

-عدم خنق النصوص لحمل الأفكار التي يريدها الناقد ، و لا يكون هذا إلا بخلو الذهن من الإنية و الأحكام القبلية المسبقة .

 

-يجب الإيمان بتعدد المعنى ( بتعدد التأويلات ) ، ومن هذا يجب على الناقد ألا يعجب من تعدد الآراء مع أن النص واحد .

-يجب " التعامل مع العمل الأدبي كمحاور له تاريخه و شخصيته و سماته و غموضه و استقلاليته و حيويته ، فالقراءة هي وحدها التي تحيي النص و تنشطه و تحميه من الجــــمود و الاندثار ، و القراءة حوار مفتوح مع المقروء ، و بما أن النقد قراءة ، فهو إذن حوار مفتوح مع العمل المتناول " (3)

- إذن " القراءة النقدية الحقة للأدب هي علاقة الند للند ، و حوار بين خطاب نقدي يريد الكشف و التوضيح –بعيدا عن القوالب الجاهزة و الأحكام المسبقة- و خطاب أدبي يريد أن يحيا و يتبدى و يتواصل " (4)

ويحلو لي أن أختم بقول ( تودوروف) : " كل المناهج جيدة بشرط أن تظل وسيلة بدل أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها " (5)

 

تحميل المقال

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11