FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedIn
  • Séminaire International sur les Polysaccharides
  • 30 ieme ukmo
  • Ramadhan karim

    بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، يتقدم رئيس جامعة قاصدي مرباح ورقلة  لكافة الأسرة الجامعية  بأبلغ التهاني الودية و أصدق الأماني داعياً المولى عز و جل أن يعيد هذه المناسبة الكريمة علينا وعليكم بموفور الصحة و مزيد من الإيمان.

    Ferienhaus Ostsee

 القراءة التأويلية: الآليات والحدود

د.عبد الحميد هيمة

قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة (الجزائر)

 

 

تمهيد :

إن قضية البحث عن المنهج هي القضية الأولى في كل حقول المعرفة، إذ إن نتائج أي علم مرتبطة بالمنهجية المتبعة فيه، ولذلك فإننا لا نكاد نجد في هذا العصر علما دون منهج من هنا احتل المنهج أهمية أساسية، وغدا هاجسا مؤرقا لكل باحث يريد ولوج عالم النص الإبداعي، ونحن حين نتعامل مع الخطاب الشعري المعاصر،  ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أن القراءة التقليدية لهذا  الشعر لا تقدم لنا شيئا ذا بال؛ لأن الخطاب الشعري المعاصر يتميز بالتفرد والجدة ، ونصه يبدو غامضا ومليئا بالفراغات والمساحات البيضاء التي تبحث عمن يملؤها، لهذا فإن القراءة التأويلية هي المرشد في هذه المتاهة الشعرية التي يصعب الاهتداء فيها إلى المعنى على حد تعبير ( أمبرتو إيكو ) وإلى جانب هذه الأسباب التي تبرر استعمال التأويل وتغري باعتماده منهجا لتلقي الخطاب الشعري الحديث، وهناك مبرر آخر، وهو تطور التأويل إلى نظرية القراءة والتي تعد حركة تصحيح للانحرافات التي وقعت في الفكر النقدي من خلال إعادتها الاعتبار للمحورين الأساسين في عملية القراءة وهما القارئ والنص

         ولعل هذا ما يؤكده أمبرتو إيكو في كتابه دور القارئ حين اعتبر النصوص المفتوحة تتطلب مشاركة القارئ في إنتاج المعنى، من هنا يفرض التأويل نفسه أداةً لقراءة الخطاب الأدبي المعاصر على أساس أن التأويل هو الرجوع إلى الأصل فكأنه صرف الظاهر  إلى ما تحمله النصوص من المعاني الباطنية .

         كما أنه يقوم على التفاعل بين هوية القارئ، وهوية النص... وتفاعل القارئ مع النص هو الجانب الآخر لعملية التفاعل الشاملة التي نعدها آلية من آليات القراءة التأويلية  للكشف عن هذا المعنى الباطني، ويغدو التأويل فعلاً شاملاً يستعين بمختلف المعطيات اللغوية والفكرية للكشف عن دلالة النص. 

         إن هذا البحث يطرح أسئلة هامة سنحاول الإجابة عنها منها :

   -    ما نوع القراءة التأويلية التي تستطيع سبر أغوار النص بكفاءة عالية ؟

-         بمن تتعلق آليات التأويل ؟ هل تتعلق بفعالية القارئ وسلطته، أم بسلطة النص أم بهما معا ؟ .

-         ما هو دور القارئ في هذه العملية ؟ هل يقف دوره عند حد التفسير التقليدي، أم هو مشارك في إنتاج المعنى؟

-         ما هي حدود و ضوابط هذه المشاركة في إنتاج الدلالة، وتأويل النص ؟

-         ما هي أسس وآليات هذه العملية ؟

1- مفهوم التأويل :

ـ ما هو التأويل يا ترى أو بالأحرى ما هي القراءة التأويلية  ؟

في اللغة التأويل من مادة ( أول ) وقال ابن فارس: " أول أصلان هما: ابتداء الأمر وانتهاؤه، فمن استعماله في الابتداء قولك: الأول وهو مبتدأ الشيء، ومن استعماله في الانتهاء قولهم: الأيل، وهو الذكر من الوعول، وسمي أيلا لأنه يؤول إلى الجبل وينتهي إليه، ليتحصن فيه، وقولهم آل بمعنى: رجع، والإيالة: السياسة، لأن مرجع الرعية إلى راعيها، وآل الرجل : أهل بيته، سموا بذلك لأن مآلهم ومرجعهم وانتهاءهم إليه، كما أنهم هم ابتداؤه، والأول : بمعنى الانتهاء والمرجع، وتأويل الكلام: عاقبته، وما يؤول إليه "()

وقال ابن منظور: " الأول الرجوع، آل الشيء يؤول ومآلا رجع، وأول إليه الشيء: رجعه، وألت عن الشيء: ارتددت، يقال: طبخت النبيذ حتى آل إلى الثلث أو الربع، أي رجع، والأيل من الوحش : الوعل، قال الفارسي سمي بذلك امآله إلى الجبل يتحصن فيه"()  لسان العرب مادة أول 

ويقول الرازي في مختار الصــحاح : " التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أولهتأويلا وتأوله بمعنى ،وآل الرجل أهله وعياله ، وآله أيضا أتباعه()"

وفي الشريعة التأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله، إذا كان المحتمِل يراه موافقا للكتاب والسنة. مثل قوله تعالى :" يخرج الحيّ من الميت "، فإن قيل كان المراد بالآية إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا. وإن قيل إنه أراد إخراج المؤمن من الكافر، والعالِم من الجاهل كان تأويلا

إن لغة النص بنظر التأويل هي دوما موضع تساؤل، وخاصة اللغة الشعرية التي لا تفصح عن نفسها إلا من خلال الأقنعة والرموز، مما يفتح المجال للتساؤل والحوار، وهذه مهمة عملية التأويل .

من هنا يفرض التأويل نفسه أداةً لقراءة الشعر المعاصر، ويصبح بديلاً للتفسير الذي هو –كما يقول السيوطي-: "من الفسر وهو البيان والكشف، ويقال هو مقلوب السفرُ، تقول أسفرَ الصبح إذا أضاء، وقيل هو مأخوذ من التفْسِرة، وهي اسم لما يعرف الطبيب به المريض [أما التأويل] أصله من الأول، وهو الرجوع فكأنه صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني، وقيل من الإيالة وهي السياسة كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى في موضعه"()

التأويل إذن ذو منحى تأصيلي (إرجاع المعنى إلى أصله) وهو ما ينطبق على القراءة الصوفية التي تتجسد من خلال صرف الظاهر واعتماد الباطن لفهم النصوص وفق دلالتها الأصلية. وفي هذا المضمار يقول نصر حامد أبو زيد: "إذا كانت كلمة تأويل تعني الرجوع إلى الأصل، وتعني أيضا الوصول إلى الغاية والعاقبة، فإن الذي يجمع بين الدلالتين هو دلالة الصيغة الصرفية (تفعيل) على الحركة، وهي دلالة أغفلها اللغويون في تحليلهم المعجمي، لذلك يمكن القول إن التأويل حركة بالشيء أو الظاهر إما باتجاه (الأصل) أو في اتجاه (الغاية) و(العاقبة) بالرعاية السياسية، لكن هذه الحركة ليست مادية بل هي حركة ذهنية عقلية في إدراك الظواهر"

يتخذ التأويل إذن مشروعيته في الشعر المعاصر انطلاقًا من أنه يتخذ شكلين:أحدهما ظاهري و الآخر باطني، وهذا يفرض علينا تبني التأويل للكشف عن هذا المعنى الباطني، ويغدو التأويل فعلاً شاملاً يستعين بمختلف المعطيات اللغوية والفكرية للكشف عن دلالة النص.

ويميز الدكتور (محمد عابد الجابري) بين عدة ضروب من القراءة يهمنا منها الضرب الأخير الذي يسميه (القراءة التأويلية) أو القراءة ذات البعدين، وهي قراءة تعي منذ اللحظة الأولى كونها تأويلاً، فلا تتوقف عند حدود التلقي المباشر، بل تريد أن تسهم بوعيٍ في إنتاج وجهة النظر التي يحملها أو يتحملها الخطاب، فالمتلقي إذن ينبغي له أن يستضيف النص، ويعقد معه صلاةٍ حميمة ليتعاونا معًا على إنجاز مهمة الفهم والتأويل، ويعني هذا أن المتلقي لا يدخل عالم النص مجردًا من النوايا، أو كالصفحة البيضاء، وإنما يدخله مزودًا بأفكاره ونواياه الخاصة، وبذلك يستطيع فهم النص "أحسن مما فهمه مؤلفه" وهذا يعني أن العلاقة بين القارئ والنص لا تسير في اتجاه واحد فقط، وإنما هي علاقة تسير في اتجاهين متبادلين (من القارئ إلى النص) و(من النص إلى القارئ).

2- أسس وآليات التأويل :

شعر الحداثة العربية المعاصرة يذكرنا بمن يقف أمام نهر متدفق مفتوح لمياه متجددة أبدا، وإذا سبح فيه مرة فلا يمكن أن يسبح فيه مرتين. وهده المياه المتدفقة المتجددة التي لا تتكرر هي هده الدلالات في نص الشعر الحداثي المفتوحة والمتجددة بقدر ما يمارس عليها من قراءات، وليس من المستحيل أن تتشابه القراءات وتتقاطع، ولكن الغالب والمحتمل كثيرا أن تختلف كل قراءة عن سابقتها، والسبب ببساطة هو خاصية هذا الشعر الغامضة، والملتبسة. بل إن هذه الخاصية هي السبب الرئيس فيما يبدو لأن يذهب بعض قرائه في تأويله إلى حد يعده بعض النقاد إفراطا في حين يراه آخرون شيئا طبيعيا، وحقا من حقوق القارئ ما دام أنه يتلقى نصا يمتلك هذه الخاصية، وهذا يعني وجود إشكالية في إطار استراتيجية التأويل التي نحسبها بآلياتها أكثر نظريات القراءة والتلقي ملائمة لشعر الحداثة

يتبين إذن الحقل المعرفي الذي يشتغل عليه التأويل في فحص النصوص داخليا، وربطها بسياقها العام خارجيا، وأنه يطمح – أي فن التأويل – إلى درجة العالمية بحكم أنه يتجاوز التصور الكلاسيكي لفهم النصوص، ومستويات الحقيقية التي تتضمنها إلى فهم الظواهر الاجتماعية، والسلوكات الفردية والأحداث التاريخية، والإبداعات الفنية والجمالية"، وهذا التحول الذي شهده التأويل ابتدأ مع ( شلاير ماخر) الذي نجده يميز بين منهجين في الممارسة التأويلية هما :

1- منهج قواعد اللغة الذي يعالج النص أو أي تعبير كان انطلاقا من لغته الخاصة، أو منهج التأويل اللغوي الذي يبحث عن معنى الخطاب بمساعدة اللغة

2- منهج التأويل النفسي الذي يعتمد على بيوغرافيا المؤلف ، حياته الفكرية والعامة والدوافع والحوافز التي دفعته للتعبير والكتابة، فهو يموقع النص في سياق حياة المؤلف، وفي السياق التاريخي الذي ينتمي إليه.

وقد أدى هذا الاختلاف في الممارسة التأويلية إلى بروز مدرستين :

المدرسة الأولى : تمثلها تأويلية شلاير ماخر (1768-1834م)، وديلثي ( 1833- 1911م )، وسبيتزر ( 1877- 1960م )، ونقاد مدرسة جنيف التي يمثلها ( جورج بوليه)، و( ريشار)، و(ستاروبنسكي)، وتتفق هذه المدرسة في رد المعنى إلى المؤلف، وتسعى إلى استعادة هذا المعنى الذي تراه ماثلا في النص، وهي حين تمنح السلطة للمؤلف بوصفه مصدر المعنى تمنحها في الوقت نفسه للمؤول . بعبارة أخرى فإن التأويل ليس ملكا للقارئ ، وإنما هو ملك للمؤلف فيغدو فعل التأويل هو ذاته فعل التأليف، وقد ارتد على ذات، وكرر عباراته تكرار المرآة للصورة المنعكسة عليها، " وقد فرضت الأولوية التي منحت لمقاصد المؤلف والمستقبلين على هذه التأويلية أن تظل محصورة في إطار نزعة نفسانية، حتى وإن لبست لبوس حوار بين الذاتيات المتفاعلة " ()

المدرسة الثانية : نشأت بفعل جملة من التحولات المعرفية طرأت على الدرس السيكولوجي ، والدرس السوسيوتاريخي ... ونتيجة لذلك انتهت هذه النظرة القديمة للغة إلى نظرة جديدة قوامها الشك في اللغة. إذ لم يعد الدال بريئا نقيا، ولم يعد النص تمثيلا أمينا لروح الكاتب، والعصر والواقع ، وإنما صار ينظر إليه بوصفه مراوغا لا يعرف الوحدة والتجانس يعمل ضد نفسه، يقول ما لا يعنيه، ويعي ما لا يقوله، ناقص يمتلئ بالثغرات، ومن ثم صارت قراءة التعارض لا تجدي نفعا مع مثل هذه المراوغة، وتحول التأويل إلى ( عنف ) يمارس على الخطاب، حتى ينطقه بالمسكوت عنه، وتحولت القراءة الموحدة إلى قراءة مزدوجة، وغدا التأويل في حاجة إلى الانفصال عن النص، والتباعد عنه، لا التوحد به ، والتماهي معه. ذلك أن العلامات حين تفقد براءتها، وتمارس المراوغة تحتاج إلى فعل تأويلي يعيد كتابة النص، ويملأ فراغاته، ويكشف إضماره، ويرفع الأستار عما يراد له أن يبقى سرا محجوبا ، وبذلك تغدو الهرمنوطيقا الحديثة وسيلة للسعي لتخليص التأويل من وجوده الطفيلي الهامشي بالقياس إلى النص الإبداعي، ولإثبات أهميته في إنتاج النص الذي يتحدد بحسب استقبالنا له  فالقراءة إذا تتضمن تقرير مصير النص الأدبي، ومثلما هي أساسية كفعالية ثقافية، فإن نوعيتها مهمة أيضا، ولذلك فمن الضروري أن نعرف أي نوع من القراءة يستطيع أن يحقق القراءة بكفاءة عالية .

وفي هذا الإطار تبرز القراءة التفاعلية، وهي تمثل قمة المكابدة، والمجاهدة في عملية القراءة، إنها شكل من أشكال محاورة النص، والتفاعل معه  إلى درجة التمازج، والاندماج في عوالمه التي تنفتح للقارئ بفضل هذا الاندماج، والتماهي بين القارئ والنص، ولعل أهمية هذا التفاعل في القراءة التأويلية  هو الذي جعل ( نورمان هولاند ): يحدد التأويل بأنه تفاعل شخصي بين هوية القارئ والنص...وتفاعل القارئ مع النص هو الجانب الآخر لعملية التفاعل الشاملة التي نعدها آلية من آليات القراءة التأويلية ونقصد التفاعل بين النص والقارئ في شكل حوار متبادل لمواقع بينهما، فالنص مخاطَب ومتحدث في الوقت نفسه، يخاطبه القارئ، ويتحدث هو إلى القارئ، والقارئ مخاطَب ومتحدث في الوقت نفسه يخاطبه النص، ويتحدث هو إلى النص، فكأن ما بينهما هو نوع من علاقة التضامن، والتكافل، والتكامل .

وهذا يعني أن العلاقة بين القارئ، والنص لا تسير في اتجاه واحد فقط، وإنما هي علاقة تسير في اتجاهين متبادلين ( من القارئ إلى النص ) و( من النص إلى القارئ )، ولعل هذا من أهم ما تتميز به نظرية التأثير عند أيزر: والتي ترى أن النص بقدر ما يقدم للقارئ يضفي القارئ على النص أبعادا جديدة قد لا يكون لها وجود في النص، وعندما تنتهي العملية بإحساس القارئ بالإشباع النفسي والنصي، وبتلاقي وجهات النظر بين القارئ والنص . عندئذ تكون عملية القراءة قد أدت دورها لا من حيث أن النص قد استقبل، بل من حيث أنه قد أثر في القارئ، وتأثر به على حد سواء "

إذن عن طريق عملية التأثير، والتفاعل المتبادل بين النص، والقارئ تؤدي عملية القراءة وظيفتها، للوصول إلى المعنى، وهذا ما يؤكده أصحاب نظرية التلقي وعلى رأسهم (فولفجانج أيزر) فالعمل الفني عنده يتشكل من خلال عملية القراءة، وجوهر العمل الأدبي لا ينتمي إلى عالم النص بل ينتمي إلى عالم القراءة " وبذلك يأتي المعنى عنده متضمنا خاصيتين مهمتين هما :

أولا نسبيته، لأن معنى العمل - حسب رأيه – هو مجموعة المعاني المعدة من جانب القراء في عمليات القراءة

ثانيا أنه يأتي نتيجة للتفاعل بين النص والقارئ، وقد عرض أيزر لهذه المسألة، بشكل موسع، في كتابه المهم " فعل القراءة " عام 1976

ولكن هذه القراءة مشروطة بكفاءة المؤول أي ( أفق توقعات القارئ ) ‘ وهذه الفكرة ( أفق التوقعات) شرط معياري لتلقي النص، وتأويله، وهذه الفكرة حسب رأي صاحبها ( هانز روبرت ياوس ) هي : " الركيزة المنهجية " أو الرئيسة لنظرية التلقي، وتعني هذه الخبرة المتراكمة عند المتلقي بفعل تجربة الحياة ومعطياتها المادية، والثقافية، والحضارية، والأدبية، وما يطرأ لها من تغيرات وتحولات. هي هذا السياق الثقافي بعامة والأدبي بخاصة، وما يحكمه من قيم فنية وجمالية ومضمونيه .لأننا نقرأ النص " من خلال عقل صاغت قدرته على الفهم والقراءة ترسبات الخبرات القرائية المختلفة، ومواصفات النصوص التي سبق استحسانها، أو استهجانها على السواء "

ومن هنا فإن " أفق التوقعات " مفهوم واسع، وشمولي، ولا ينحصر في السياق كما يرى الغذامي(، كما أنه مفهوم متغير، ولعل هذا ما يجعل النص متحولا، لأن معناه ببساطة يتخلق في جو هذا الأفق المتغير، والمتنوع . وهذا من أحد الأسباب الرئيسة لتعدد القراءات للنص الواحد ؛ لأن هذه القراءة تتغير وتتحول بتغير ثقافة القارئ وتنوع خبراته ومعارفه، ولذلك يرى ( روبرت شولز) أن بعض الأعمال ترفض " أن تنفتح لنا حتى ننضج بما فيه الكفاية ".

ـ أنماط القراءة التأويلية :

تطرح استراتيجية التأويل فكرة هامة ألا وهي تعددية المعنى، أو ( لانهائية الدلالة ) وفي الوقت نفسه تطرح هذه التعددية واللانهائية " مشكل رهان التأويل، فهل يمكن حصر المدلولات المتعددة أم لا ؟ هل تنفي التعددية وجود أي مدلول ؟ وبالعكس هل ينفي مفهوم الحقيقة وجود مدلولات متعددة ؟ وهل سيكون رهان التأويل وإثبات مدلول نهائي للنص ؟ أم ترك النص يسبح في فراغ دلالي لانهائي "

ولكي نجيب عن هذه الأسئلة يجب أن نتعرض لمختلف استراتيجيات التأويل ونتعرف على أنماط التأويل. وفي هذا المجال يمكن أن نحدد نمطين رئيسين وهما :

1 ـ التأويل المطابق : يعنى بالكشف عن الدلالة التي يقصدها الكاتب أي أننا نركز في هذا النمط على قصدية الكاتب، أو على الدلالة الأحادية والأصلية للمؤلف .

2 ـ التأويل المفارق : يعنى بالكشف عن الدلالة التي يقصدها النص، أي التركيز على المعنى الذي يتضمنه النص بعيدا عن سياق مؤلفه، ويتفرع هذا التأويل إلى نوعين :

-         التأويل المتناهي

-         والتأويل اللامتناهي

-         أـ التأويل المتناهي :

ينطلق من مسلمة تعددية دلالات النص، إلا أنه ينظر إلى طبيعة هذه التعددية، على أنها تعددية محدودة ... فالتعددية لا يتعني اللانهائية، لأن التأويل يخضع لقوانين واستراتيجيات نصية ... ولا يتعلق الأمر بكبت القوة الدلالية لهذه التعددية، من خلال فرض معنى أصلي أحادي، بل باستراتيجية بناء التأويل لموضوعه، في سيرورة سيميائية تنتهي بتفضيل وترسيخ مدلول محتمل في سياق معين "

ب ـ التأويل اللامتناهي :

       أما في التأويل اللامتناهي فالتعددية غير محدودة " وبالتالي فإن رهان التأويل مفتوح على مغامرة اللانهائية، فلا وجود لحدود أو قواعد يستند إليها التأويل، سوى رغبات المؤول الذي ينظر إلى النص على أنه نسيج من العلامات واللاتحديدات، لا توقف انفجارها الدلالي أية تخوم "

ويعد ( جاك دريدا ) زعيم التفكيكية أبرز أنصار التأويل اللامتناهي، أو الاتجاه المتطرف في التأويل في حين يمثل أمبرتو إيكو الاتجاه المعتدل، وقد قدم في هذا المجال عدة دراسات يهمنا منها كتابه " التأويل المضاعف " عام 1996 والذي استفاد فيه من البحوث السيميائية الحديثة خاصة جهود (ش. س. بيرس ) في انتاج الدلالة واشتغال العلامات والنمو اللولبي للتأويل والسيميوزيس ليقدم لنا عدة معطيات تطبيقية تنتمي إلى ما يطلق عليه ( التأويل المضاعف)، ثم يقف عند حالتين يرى أنهما  من أرقى ما عرفهما التأويل :

 

ـ الحالة الأولى : يكون فيها التأويلمحكومابمرجعياته وحدوده وقوانينه وضوابطه الذاتية التي تقلص من حجم السميوزيس وتفرض عليها غايات بعينها، بمعنى أن التأويل في هذه الحالة ليس فعلا مطلقا، بل هو رسم لخارطة تتحكم فيها الفرضيات الخاصة بالقراءة والمعطيات النصية التي تنتهي وتطمئن إليها الذات القارئة

ـ الحالة الثانية : أما الحالة الثانية فيدخل فيها التأويل إلى متاهات لا حدود لها إنه في هذه الحالة لا يسعى إلى الوصول إلى غاية، ولا وجود لضفة يرسو فيها القارئ ، بل هو في رحلة دائمة لا تعرف الحدود. ()وعلى هذا التصور اعتمدت فكرة التأويل اللامتناهي كما قلنا سابقا ، أي التأويل الذي لا تحكمه غاية بعينها والذي يبقى مغامرة جميلة لا تعرف الحدود أو غوص في بحر لا قرار له

" ينطلق إيكو في معالجته لقضايا التأويل، من تصور بالغ الأصالة والعمق. تصور يرى في التأويل وأشكاله صياغات جديدة لقضايا فلسفية ومعرفية موغلة في القدم، فمجمل التصورات التأويلية التي عرفها قرننا هذا لا تفسر إلا بموقعها من الحقيقة كما تصورها الإنسان وعاشها وصاغ حدودها أحيانا على شكل قواعد منطقية صارمة، وأحيانا أخرى على شكل إشراقات صوفية واستبطانية لا ترى في المرئي والظاهر سوى نسخ لأصل لا يدركه الحس العادي، ولا تراه الأبصار "()

بهذا الكلام يدافع إيكو خاصة في كتابه ( العمل المفتوح )عن الدور الفعال للقارئ  المؤول في عملية قراءة النصوص الأدبية ويطلق على هذه القراءة اسم القراءة المفتوحة، ولكن هذه القراءة المفتوحة التي يدافع عنها إيكو " هي نشاط نابع من أثر فني ( عمل يهدف إلى إثارة تأويل )"  ()

أما في كتبه الأخيرة فقد دافع عن مقولة السميوزيس مبرهنا على أن هذه المقولة " يجب ألا تقودنا إلى القول بغياب قاعدة التأويل، فالقول بأن التأويل ( باعتباره مظهرا رئيسا للسميوزيس) قد يكون لا متناهبا، لا يعني غياب أي موضوع للتأويل، كما لا يمكن القول بأن هذا التأويل تائه بلا موضوع ولا يهتم سوى بنفسه " () وبهذا فقط نستطيع تحقيق  الطابع اللامتناهي للنص، وذلك من خلال فعالية القارئ / المؤول الذي ينبغي عليه " أن يتخيل أن كل سطر يخفي دلالة خفية، فعوض أن تقول الكلمات، فإنها تخفي ما لا تقول. إن مجد القارئ يكمن في اكتشافه أنه بإمكان النصوص أن تقول كل شيء باستثناء ما يود الكاتب التدليل عليه. ففي اللحظة التي يتم فيها الكشف عن دلالة ما، ندرك أنها ليست الدلالة الجيدة، إن الدلالة الجيدة هي التي ستأتي بعد ذلك، وهكذا دواليك. إن الأغبياء ، أي الخاسرين، هم الذين ينهون السيرورة قائلين ( لقد فهمنا ) "  () 

        إن الإتيان بتأويلات تخص الأعمال الأدبية لا يجب أن ينظر إليها باعتبارها الهدف الأسمى، كما لا يمكن النظر إليها باعتبارها هدف الدراسات الأدبية . فعليهم في هذه الحالة أن يمارسوا ضغطا تأويليا لا هوادة فيه، وأن يطلقوا العنان لأفكارهم لتجوب كل الآفاق" وبذلك يتحرر النص من جميع الإكراهات التي فرضت عليه من قبل () 

 

خاتمة :

ختاما، وعودا على بدء نرى  أن عملية التأويل تقوم على قطبين أساسيين هما: (النص، والقارئ). وهذا ما يتفق عليه معظم أنصار التأويلية، ولكنهم يختلفون في حدودها؛ فمنهم من يضع لها حدودا ، وضوابط لا تتجاوزها كما فعل أمبرتو إيكو، ومنهم من يفتح باب التأويل على مصراعيه، ويتمادى في التأويل إلى أبعد الحدود، وعلى رأس هؤلاء نجد ( جاك دريدا)  زعيم التفكيكية، والذي يذهب إلى أن النص " آلة تنتج سلسلة من الإحالات اللامتناهية "

و التأويل بهذا الشكل المتطرف حسب (إيكو) هو تدمير للتأويل ذاته، ولذلك فهو يرى أن التأويل ليس فعلا مطلقا، وإنما هو فعل يشترط لصحته ضرورة التفاعل بين القارئ، والنص في عملية القراءة، فيقول : " إن أي فعل للقراءة هو تفاعل مركب بين أهلية القارئ ( معرفة الكون الذي يتحرك داخله القارئ )، وبين الأهلية التي يستدعيها النص " ،لكي يقرأ قراءة عقلانية تطمئن إليها ذات القارئ وتجعلنا نقتنع بما يقدمه هذا القارئ، مع علمنا أن التأويل لا يمكن أن يقود  إلى كل المدلولات الممكنة، ولذلك سيظل الوصول إلى هذه المدلولات حلما جميلا من أجله تستمر مغامرة التأويل . 

 

تحميل المقال

 

 

  • Image manifest.univ-ouargla 01
  • Image manifest.univ-ouargla 02
  • Image manifest.univ-ouargla 03
  • Image manifest.univ-ouargla 04
  • Image manifest.univ-ouargla 05
  • Image manifest.univ-ouargla 06
  • Image manifest.univ-ouargla 07
  • Image manifest.univ-ouargla 08
  • Image manifest.univ-ouargla 09
  • Image manifest.univ-ouargla 10
  • Image manifest.univ-ouargla 11