وسائل التكنولوجيا الحديثة و تأثيرها  على الاتصال بين الاباء و الابناء

 (الانترنيت و الهاتف النقال نموذجا).

        

  د/ طاوس وازي                أ/عادل يوسف خوجة

            قسم العلوم الإجتماعية            قسم العلوم الإجتماعية

          كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية           كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية

            جامعة قاصدي مرباح / ورقلة           جامعة قاصدي مرباح/ورقلة

 

    مقدمة: 

     من خصائص الإنسان أنه اجتماعي بطبعه، فمنذ وجوده على وجه الأرض وهو يتحرك بمحركات تحركه، منها محرك القيم، حيث يحدد عَلاقاته مع غيره، وقد يكتسب الطفل قِيَمه منَ الأسرة، ثم المدرسة، ثم المجتمع في الماضي، وأصبحت هناك بدائل لهذه المؤسسات الاجتماعية، بل وتراجعت هذه المؤسسات بدرجة كبيرة، وحلَّ محلَّها أجهزة التكنولوجيا في تربية الأبناء.

      ما يلفت الانتباه في العلاقات في الوقت الحاضر بين الأفراد، هو استعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة في إيصال أية رسالة مهما كان نوعها، حتى أصبح الأفراد غالبا لا يتواصلون عن طريق الفم مباشرة، وإنما يستخدمون وسائل اتصال حديثة، مثل الانترنيت، الهاتف النقال-الذي أصبح عاهة تقريبا- ، وذلك دون مراعاة أية عواقب صحية ولا نفسية اجتماعية على الفرد.

       فبالرغم من أهمية هذه الوسائل في إيصال المعلومة إلى  أبعد نقطة ممكنة في أقرب وقت ممكن، لكن لا يمكن نسيان من جهة أخرى أن لهذه الوسائل التكنولوجية جانبا سلبيا يعود على العلاقات، سواء كانت في الأسرة أو في المجتمع، والسؤال المطروح : ما طبيعة الاتصال داخل الأسرة؟ وهل هذه الوسائل تعود دائما بالفائدة أم هناك عواقب جمة تعود على الفرد في الأسرة؟

1-   الأسرة والتكنولوجيا:

     لو قارنا الأسرة القديمة والحديثة، للفت انتباهنا في مجال الثاث المنزلي، فنجد عند الأسرة القديمة التي كانت تعتمد في تأثيثها على أثاث تقليدي من اللوح والخشب والبلاط، وغيرها من الأثاث المزركشة الجميلة، أما عند الأسرة الحديثة التي تعتمد على تأثيثها بأحدث التكنولوجيات الرقمية، كما يلفت الفرق الموجود بينها، إذ تتميز الأسرة القديمة بنوع من الدفء وحنان الجدة وحكاياتها الجميلة، على غرار الأسرة الحديثة التي تتميز بنوع من الجفاء، إذ حلت الأجهزة التكنولوجية محل حكايات الجدة، إذ أصبح التلفزيون هو الذي أصبح الحاكي والأسرة ملتفون حوله، وإن لم يكن لكل فرد في الأسرة جهاز تلفزيون وهوائي فضائي خاص به، وأصبحت القنوات التلفزيونية هي المسيطرة على الجو العائلي الدافئ، بحيث أصبح هذا الجهاز يسرق الكلام من كل أفراد العائلة، إذ كل واحد يغوص في البرامج المتلفزة.

       لم يصبح اقتناء بعض وسائل التكنولوجيا من الكماليات أو مظهرا من مظاهر التحضر والحداثة عند البعض، بل بلغ هذا التملك درجة الهوس، إذ أصبح بمعدل جوال لكل فرد، لصيق به لا يفارقه في حله وترحاله، مكالمات ورنات لا تنتهي، رسائل قصيرة، لا يتوقف عن كتابتها، وأرقام يقوم بتركيبها اعتباطيا لنسج علاقات جديدة خارج المحيط العائلي.

     يمكن القول أن الأمر تعدى ذلك من خلال ظهور ظاهرة التباهي بالأجهزة التكنولوجية والتفاخر بها، إذ يسعى كل فرد إلى اقتناء آخر ابتكارات عالم التكنولوجيا التي تعتبر من أروع و أدهش مااخترعه العقل البشري. لكن من بين النتائج المحيرة للانتشار المذهل لوسائل الاعلام المختلفة، هي أنها عملت على تقريب المتباعدين و ابعاد المتقاربين عن بعضهم البعض. 

     أصبحت هذه التكنولوجيا لا تهدد التواصل في الأسرة فحسب، وإنما تهدد العلاقات الاجتماعية أيضا، حيث يتم استعمال الأجهزة لأغراض الإساءة من طرف بعض الأفراد الذين تنعدم عندهم الأخلاق الإنسانية، بهدف التهديد أو الابتزاز أو انتقاما أو استهتارا، مما يعرض أصحابها على مجالس قانونية.

    أما الآثار التي تظهر على الجانب النفسي للأفراد، ظاهرة الإدمان على الأنترنيت، بحيث بينت الدراسات النفسية أن الأفراد الأكثر تعرضا للإدمان على الأنترنيت هم هؤلاء الأفراد الذين يعانون من العزلة الاجتماعية، والفشل على إقامة علاقات إجتماعية طبيعية مع الآخرين، ، والذين يُعَانون من مخاوفَ غامضةٍ، أو قلة احترام الذات، الذين يخافون من أن يكونوا عُرْضَة للاستهزاء، أو السخرية من قِبَل الآخرين، هؤلاء هم أكثر الناس تعرضًا للإصابة بهذا المرض؛ وذلك لأن العالم الإلكتروني قدَّم لهم مجالاً واسعًا لتفريغ مخاوفهم وقلقهم، وإقامة عَلاقات غامضة مع الآخرين، تخلق لهم نوعًا من الأُلْفة المزيَّفة، فيصبح هذا العالم الجديد الملاذَ الآمِن لهم، من خشونة وقسوة عالم الحقيقة - كما يعتقدون - حتى يتحول عالمهم هذا إلى كابوس يهدِّد حياتهم الاجتماعية والشخصية للخطر.

     وما يلاحظ عند مدمني الأنترنيت هم أفراد مدمنين على آفات اجتماعية أخرى مثل: التدخين، إدمان الخمر، إدمان المخدرات، العدوانية... إلخ، وتظهر هذه لآفات الاجتماعية خاصة عند فئة المراهقين الذين حلت الوسائل التكنولوجية مكان الأبوين، والتي يتلقون تربية منها، لكثرة مكوثهم أمام هذه الأجهزة والتفاعل معها، لكنَّ التعامل مع هذه الأجهِزة يِضعف عَلاقة الأبناء بوالديهم، وتنتشر أمراضٌ نفسية بينهم، مثل: الاكتئاب، وحب العزلة، والانطوائية، وتَقِل قابليته على قبول قيم المجتمع، وثوابت الدين، ويحل محلها قيم روَّاد ومُستخدمي أجهزة التكنولوجيا.

2-   وظائف وسائل التكنولوجيا:

تكمن وظائف التكنولوجيا بالنسبة للأفراد في ما يلي:

- مراقبة البيئة أو التماس المعلومات، سواء تم البحث عنها بوعي أم دون وعي، وغالباً ما يكون استخدامنا للمعلومات لتحقيق هدفين الأول توجيه سلوكنا، فهي ترشدنا إلى التصرف على نحو ما في كثير من المواقف، وثانيها توجيه فهمنا لجعلنا أقل قلقاً وأكثر فهما.

- تطوير مفاهيمنا عن الذات: لأنها تساعدنا على فهم أنفسنا وفهم العالم من خلال :

أ- استكشاف الواقع من خلال وسائل الإعلام. ب- عقد مقارنات بين أنفسنا والآخرين. ج – المساعدة على تجويد مهننا المختلفة.

- تسهيل التفاعل الاجتماعي من خلال تزويدنا بالأشياء التي نتحدث عنها ونمارسها، وتزودنا بأرضية مشتركة للمحادثات، وغالباً ما نتلقاها دون وعي كامل منا.

- بديل للتفاعل الاجتماعي، أثبتت دراسات عدة حاجة الإنسان للصداقات التي تزداد

الحاجة لها عند الناس الذين يعيشون بمفردهم (بعزلة) فنرى بعضهم يتحدث ويصافح نجوم الإعلام كما لو أنهم يعرفونهم سابقاً.

- التحرر العاطفي والاسترخاء والترويح عن النفس والمتعة والاستثارة والتخلص من الملل والعزلة.

- الهروب من التوتر والاغتراب.

- خلق طقوس يومية تمنحنا الشعور بالنظام والأمن.

ومع ظهور التكنولوجيا الجديدة التي بدأت تنتشر منذ النصف الثاني من القرن العشرين ولا تزال بمراحل تطورها التي لم تبلغ الذروة ميزت الإعلام والاتصال بمجموعة سمات، لابد أن تجد صداها في الدور الوظيفي للإعلام والاتصال في العصر الرقمي. ( مكاوي، 2002، ص 106).

3-   الدورالإخباريوالتعليميوالتثقيفيو الإقناعي:

كوظائف ظاهرة لوسائل الإعلام والاتصال التي تعد مصدرا معلوماتيا ثريا إذا أحسن استخدامه، فقد أشار "كاتز" Katz في نظريته الاستخدامات والإشباعات إلى عملية التأثير التي تتحدد من طبيعة الاستخدام، وأطلق مقولته: ينبغي أن نتوقف عن سؤال أنفسنا: ماذا تفعل وسائل الإعلام بالناس، لنسأل ماذا يفعل الناس بوسائل الإعلام؟ كما أكدت نظرية مدى قدرة وسائل الإعلام على خلق الغرس الثقافي "لجورج غيربنر"  "G. Gerbnerواقع تعليمي وثقافي وقيمي معين لمشاهديها وقرائها، بحيث يحل "واقع وسائل الإعلام" محل "الواقع الطبيعي للمشاهدين والقراء". وعلى الرغم من تعدد قابليات الإنسان إلا أنها ترتبط ارتباطاً مباشراً بالتعلم، الذي يعني الكسب، أو التلقي ويحول ما كسبه إلى مخزون الذاكرة، تمر بعدة مراحل ثم تأتي مرحلة السلوك وتطبيق التأثير وهي مرحلة الانعكاس الطبيعي والمباشر لذلك التعلم، ومن هنا تبرز بصورة تلقائية أهمية المادة الإعلامية ونوعها، والتي يتم تعلمها ومن ثم التأثر بها، ويعنى التأثر التغيير الذي يطرأ على السلوك والتصرفات والقناعات واللغة بسبب مؤثر خارجي يتم اكتسابه عبر وسائل الإعلام المتاحة. (ابراهيم، بدون سنة، ص 128)

      وتتمكن وسائل الاتصال من تحقيق ذلك من خلال مفهوم التسويق الاجتماعي الذي يركز على استخدام الأساليب التسويقية في التصدي للمشكلات الاجتماعية في إطار مفهوم الحملات الإعلامية الشاملة، وهي مستمدة من نظرية المسؤولية الاجتماعية التي تؤكد البعد الاجتماعي في الممارسات الإعلامية، ودور وسائل التكنولوجيا في مواجهة المشكلات الاجتماعية.

وبنظرة متفحصة إلى دور الوسائل الإعلامية والاتصالية في تشكيل هذه القيم في الأسرة نجدها تصنف الأسر إلى محافظة وهو وصف مخفف لمتخلفة، وأخرى متحررة وهو وصف لمتقدمة، وتقليدية وأخرى عصرية... وعالج الإعلام والاتصال بطريقة مسفة دور كل من أفراد الأسرة فمارس التغيير الاجتماعي الأسري باتجاه عدم التوازن الطبيعي، ولعلنا نذكر كيف عالج المسلسل الطويل المقتبس عن رواية نجيب محفوظ (الثلاثية) دور الأب "سي السيد"  مزدوج الشخصية بأسلوب أسقط هيبة (الأبوة) بوصفها قيمة أسرية. وكيف تأثرت المجتمعات العربية بالثقافة التركية وخاصة عن طريق الأفلام التركية المدبلجة.

      وتبقى الوسائل التكنولوجية خاصة الانترنيت منها وبالخصوص مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك والتويتر) حقلا بدون حدود تؤثر على اتجاهات ومواقف الأفراد، مثلا عملية التهجم الجماعي على القنوات الإعلامية وحتى رؤساء العالم أو العمليات التي تجري في وقتنا الحاضر، فمنذ أيام قلائل تم التهجم على إسرائيل وكذا قناة الجزيرة التي أدى بها إلى غلق مواقعها على الانترنيت.

      كما أنها استحوذت على الجزء الأعظم من مصادر المعلومات التي نستقي منها فهمنا، ومن ثم حكمنا على الأشياء. فأًصبحت تؤثر في مواقفنا لأننا أصبحنا نتعرض لها وحدها بطريقة تشبه الإدمان، والنتيجة الطبيعية لحالة التلقي من (مصدر واحد) هي فهم الأمور والحكم عليها بطريقة واحدة من خلال وجهة نظر القائم بالاتصال، وينبغي ألا نصدق دائما أنه ذو نيات حسنة دائم.

4-الآثار السلبية لوسائل التكنولوجية:

4-1-هشاشة العلاقات الاجتماعية بين أفراد الاسرة الواحدة)الأبناء والوالدين(:أصبحت المقولةالقائلة: ان الانسان اجتماعي بطبعه تتراجع و بدأت في الاضمحلال فلا بأس أن نقول اليوم أن الانسان تكنولوجي بطبعه، اذ أصبح ينبهر و ينجذب لأحدث وأذكى وسائل التحاور و افتقارها الى التغدية الراجعة و تبادل الأفكار و المشاعر، فأصبح الاتصال يقتصر على الجمل القصيرة بين أفراد الاسرة الواحدة التي تقتضيها الضرورة، فعوض أن يتحاور المراهق مع أمه أو أبيه على رغباته أو مشكلاته الدراسية و العاطفية، فانه يفضل التوجه و الانخراط في عالم »  الشات » «   chat  «  لساعات عديدة و كأن البحث عن الحلول لمشاكله في العالم الافتراضي لأفضل من البحث في العالم الواقعي.           

      إن امتلاك الطفل لوسائل التكنولوجيا بما فيها الشبكة العنكبوتية (الانترنيت)، التي يقضي الطفل خاصة المراهق ساعات أمام جهاز الكمبيوتر، وبمرور الزمن يكون هذا المراهق مدمنا عليها، مما يعرضه للإدمان على هذه الشبكة، لأن هذه الأخيرة لا تمارس عليه سلطة تعسفية، أو بالعكس نجده يدخل في مواقع سهلة الممارسة، وهذا ما يجعله يترك الحياة الاجتماعية الطبيعية، ونتيجة قضاء ساعات طويلة أمام الشبكة العنكبوتية، فسنجد الطفل أو المراهِق لا يَختلِط بالناس ولا يعاشِرهم، وسيصيح منعزلاً متعودا على الانعزال الاجتماعي، على الرغم مِن أنه كان يحب العِشْرة والمعاشَرة الاجتماعية قبل الإدمان.

وعند فقدان الطفل لحياته الاجتماعية الطبيعية، يتوجب عليه البحث عن حياة أخرى بديلة، مما يجعله يصنع لنفسه عالما آخرا، وهو عالم افتراضي، يوجد لنفسه أصدقاء افتراضيين من كل أرجاء العالم، ويسعى إلى إيجاد ضالته في التواصل مع غيره في مواقع التواصل الاجتماعي، فيجلس المراهقين لأوقات غير محدودة أمام أجهزة التواصُل، ويستفيدون من تكنولوجيا التواصل والمعلومات، وفي المقابل فإن هذه الساعات تعني العزلة الاجتماعية عن الأُسرة، وتعني الخمول الجسمانِي، وتعني الضغط والتوتر النفسي، فضلا عن التأثيرات السلبية عليهم نتيجة الدخول إلى المواقع غير البريئة واللاأخلاقية.

     لا يمكن إنكار الآثار السلبية التي تتركها الشبكة العنكبوتية في حياة الفرد، لكن ليس لوحدها فقط، وإنما هناك وسائل أخرى تؤثر في حياة الفرد مثل: الهاتف النقال، الذي له آثار في حياة الفرد سلبية منها وإيجابية، فأما الإيجابية منها فتتمثل في كونه سهل الاستعمال وممتع في بعض الأحيان خاصة الأجهزة جد المتطورة التي تحمل في مكوناتها من ألعاب مسلية وأكسسوارات...إلخ. (مغازى، 2012، ص 05)  كذلك الاستعمال في حد ذاته يقرب كل بعيد، فقد قلص من جهد ووقت الفرد، وتأتي الأخبار بسرعة عن طريقه، كما أن جعل العالم بأسره كقرية مصغرة، كما أنه يسعى إلى إطفاء شعلة الوحشة التي يحمله كل فرد نحو فرد غريب عنه، فعندما يغيب الفرد عن الأسرة يرتفع شوقه إليها وتشتاق إليه إلى درجة افتقاد القدرة على احتمال معاناة الغربة والفراق، لكن هذا يحصل على قدر بلوغ التواصل مستوى جيد من القوة والسواء.

       كما أنه يسعى إلى تحسين ودوام التواصل بين الأفراد حتى يتمكنوا من التعرف على مشاعر ومطالب ومعاناة صاحبه، فيتحرك على عجل للتجاوب معها بما يخفف من ضغطها ويحد من آثارها، قبل استحكام الخلاف وانقطاع التواصل الأمر الذي من نتائجه أن يفتح الباب على كثير من التوتر والجفاء والتنافر بين الأفراد.(عماد الدين الرشيد، 2007).

لكن إذا كان لهذا الجهاز إيجابياته، فإنه لا يخلو من سلبيات تنجر من سوء أو إفراط في استعماله، فلم يعد اقتناء أحدث الابتكارت هاجسا، وإنما تجديدها بات أمرا مهما أيضا، بل أصبحت أيضا موضة وهوس يرغب ويتلهف الجميع بامتلاكها، وكذا الاشتراك بمختلف ما تقدمه شركات الاتصال من برامج وخدمات متنوعة ومتجددة ولا تحدها الحدود، فكم من بيت كان سعيدا مليئا بالدفء والحنان، فدمره استعمال الهاتف النقال، أو على الأقل دمر خطوط الاتصال بين أفراد العائلة، وذلك إثر اكتشاف أحد الزوجين سوء استعمال هذا الجهاز، بحيث يسعى عشرات من الرجال إلى تجريب العلاقات العاطفية السرية عبر الهاتف. فتقول هيللين رولاند: يتزوج الرجل امرأة واحدة كي يهرب من سائر النساء، ثم يطارد سائر النساء لينسى تلك الواحدة، ويقول المثل الصيني: إن زوجات الآخرين هن الأفضل دائما. ويقول سليمان الحكيم: المرأة العاقلة تبني بيت زوجها والسفيهة تهدمه، حيث أصبح من هوايات الشباب التقاط أكبر قدر من أرقات الهاتف من الجنس المعاكس، فكم من علاقة بنيت عبر الهاتف حتى درجة الزواج، لكن بعده يكتشف احدهما أن الآخر خائن، بحيث يقم باتصالات سرية مع أصحاب قدامى، أو إقامة علاقة جديدة حتى.

     أما جهاز التلفزيون فله دوره في توسيع دائرة غياب التواصل الأسري، إذ أن سوء التعامل مع جهاز التلفزة الذي يستحوذ على وقت اجتماع الأسرة الشحيح، ويوجه اهتمامها إلى برامجه الجذابة، يعتبر مانعا ومعرقلا للتواصل بين الآباء والأبناء.

بل أصبح التلفزيون المنافس الأول في تربية الابناء، خاصة  بوجود برامج أو حتى قنوات فضائية خاصة بالأطفال، التي تساهم في التنشئة الاجتماعية للطفل، وغرس القيم بعيدة عن تقاليد الأسرة أو المجتمع، بحيث يلتقط ما هو حسن وما هو سيء، مما يساعد على تكوين الطفل على الطريقة التي لا يرغب فيها الوالدين، إذ لا يمكن لهما مراقبة النمو الانفعالي له.

4-2-ضعف العلاقة بين الزوجين:

    بمجرد وجود جهاز الكمبيوتر في البيت حوله إلى مكان عمل إضافي، لأن الفرد أصبح من خلال وجود جهاز الحاسوب المحمول وبكل أنواعه، يمارس اغلب مهامه في البيت، مما ينقص من التواصل مع أفراد عائلته حتى زوجته مما يجعل الزوجة تمل وتكره هذه الأجهزة، أو يمكن حتى التطلع في اعمال زوجها، مما يخلق مشاكل وتطورها، كما أنها تضعف في جمع الأسرة في نشاطات مشتركة.

وجود الانترنيت في البيت واستعمالها بغير عقلانية، يهدد ترابط العلاقة الأسرية الحميمية، خاصة عند قضاء أحد أفراد العائلة وقتا طويلا أمام الانترنيت، مما يزيد من شك أحد الزوجين في الاستعمال لهذا التكنولوجيا في حد ذاتها، خاصة بظهور آفات اجتماعية ومواقع غير أخلاقية على الشبكة العنكبوتية، مما يؤدي إلى ظهور خيانة زوجية، وخاصة عند إحساس احدهما بالبرودة العصبية من الطرف الآخر، مما يؤدي إلى الهروب إلى المواقع المخلة بالحياء، وكذا المواقع الشات وغيرها.

وكذا جهاز التلفاز وبرامجه التي تؤثر سلبا على العلاقة الزوجية، فكم من عائلة انفصلت كان سبها المسلسلات وخاصة المدبلجة التي تأخذ وقتا كبيرا من وقت الزوجة، مما يقلل من دورها الزواجي تجاه زوجها أو أبنائها، سواء كان سببا في حرق الطعام أو سقوط الطفل الصغير.... وغيرها من المشاكل في البيت.

4-3-التقليد الأعمى:

يتأثر الأطفال والمراهقون والشباب بأفلامِ ومسلسلاتِ التلفاز، إلى درجة التقليد الأعمى لأبطال وهميين، وتقليدهم بارتكاب جرائم، وقد كان هذا التقليد وراءَ انزواءِ وبُعد جيل الصغار والمراهقين عن جيل الكبار، في العادات والتقاليد والأفكار، وعدم سيطرة الكبار على هذه الأحداث، بسبب اغترابهم وانعزالهم عن محيطهم الاجتماعي، وهذه بعض نماذج لجرائم قام بها المراهقون والشباب في مختلف دول العالم، نتيجةً لهذا التقليد الأعمى. (الحقيل، 1992، ص 40) فقد أكدت الدراسات في علم الإجرام أن أغلب عمليات الإجرام التي يقوم بها فئة المراهقين، هي جراء التقليد الأعمى للأفلام والمسلسلات التي يشاهدونها عبر التلفاز، فالمراهق في أغلب الأحيان يحا ول أن يلعب دور البطل، فغذا به يقوم بعملية إجرامية، وكذا الفتاة التي تقع غرام زميل لها في المدرسة، فعبرها تحاول عيش قصة حب شاهدتها في أحد المسلسلات، وكم من عملية اختطاف وطلب فدية من أهل المخطوف، وفي النهاية يكون الجاني يصرح بأنه يحاول عيش قصة شاهدها عبر التلفاز أ و الانترنيت.( ليلى، 1991، ص ص 3، 5، 8)

4-4-اصطناع الشخصية:

إن احتكاك الفرد بعالم الانترنيت خاصة مواقع التواصل الاجتماعي ومحاولة إظهار المستخدم أنه حاضر بصورة دائمة في الانترنيت، مما يؤدي إلى اختلاق شخصية افتراضية غير شخصيته، وذلك بوضع اسم غير اسمه وصور غير صوره، وذلك من أجل التلاعب والدخول في قصص حب مع الجنس الآخر، أوعملية اختلاس، أو ممارسة أعمال غير شرعية عبر الانترنيت بدون اكتشاف الآخر ذلك.( العويضي، 2012، ص 23)

كما لجهاز التلفزيون دور في اصطناع شخصية الفرد الافتراضية وذلك عن طريق التقليد لأبطال الأفلام والمسلسلات، واعتناق شخصيات الأبطال سواء في اللباس أو تسريحة الشعر أو حتى طريق الكلام، أو التعامل الآخرين.

بدون أن ننسى دور الهاتف المحمول في التأثير على اصطناع شخصيات، وذلك عن طريق الاتصلات الليلية التي تجرى بين الجنسين، وتظهر هذه الظاهرة عند فئة المراهقين، عند قيام أحدهم باتصال برقم سواء كان يعرفه أو لا، ويعطي لنفسه اسما افتراضيا غير اسمه.... وذلك لغرض جلب انتباه المتحدث إليه، أو استدراجه لهدفه.

5- استخدام الاطفال و المراهقين لوسائل الاعلام المختلفة:

ان انعزال المراهق عن الاخرين و اتخاده لجهاز الكمبيوتر رفيقا له، فان دلك يشجعه على العزلة و الوحدة الاجتماعية و يقلص من دائرة  التفاعلات الاجتماعية، كما يعرقل النمو النفسي الاجتماعي للطفل الدي يرتكز اساسا على الاشخاص المحيطين به و كدا تعزيز القيم الاجتماعية، فينغمس الطفل و المراهق و الطفل في الخيال و العالم الافتراضي و تصبح كل الافكار و المعتقدات مجردة وهمية تبعدهم شيئا فشيئا عن العالم المادي الواقعي.  

الخلاصة:

    اننا ندرك فعلا  خطورة وسائل التكنولوجيا على حياة و مستقبل أبناءنا’  سواء كانوا أطفالا أم مراهقين’ فهي تعمل على اتساع الفجوة بين الاباء و الابناء وتقضي على كل أشكال الاتصال  الاسري’ فتختفي العلاقة القائمة على حرارة المشاعر و صدق الاحاسيس و تحل محلها تلك التي تتسم بالجمود و النزاعات.

ولعلنا نساهم في دلك حينما نساعد و نشجع ابناءنا على استخدام و التحكم في وسائل التكنولوجيا’ بل يعتبر دلك مفخرة لنا الى درجة اننا نهديه في عيد ميلاده أو حين حصوله على نتائج دراسية  جيدة جهاز كمبيوتر أو هاتفا نقالا.....الخ من أنواع وسائل التكنولوجيا’ عوض كتابا أو قاموسا أو موسوعة علمية.

ولكن و رغم دلك’ فالحل ليس في ابقاء أطفالنا و مراهقين بعيدين عن احدى مميزات العصر الحديث المتمثل في الانتشار المذهل لوسائل التكنولوجيا’ لانهم سوف يوصفون بالغباء و الجهل’ ولكن يجب:

-       الاستخدام العقلاني لوسائل الاتصال.

-       عقد اجتماعات عائلية لمناقشة المشاكل التي اعترضتها أو حتى التي يمكن أن تعترضها في المستقبل.

-       نشر ثقافة الحوار في نفوس الأبناء منذ الصغر وتعويدهم على الحوار مما سينعكس إيجاباً على اتجاهاتهم وسلوكهم في تعاملهم مع الآخرين في المجتمع، وكذلك بناء العلاقات الإيجابية بين الوالدين والأبناء حيث يؤدي الحوار الفعال بينهما إلى الاحترام المتبادل وتعزيز الثقة لدى الأبناء وتشجيعهم على التفكير السليم والتعبير والشفافية والمصارحة التي تكشف عن المشكلات وتساعد في البحث عن الحلول المبكرة، عبر إزالة الحواجز وتنمية علاقة الصداقة بين الطرفين التي لا تكون إلا من خلال الحوار بينهما.

-       عدم الاعتماد على جهاز التلفزيون بنسبة كبيرة في تربية الأبناء.

-       ترسيخ القيم الإسلامية في التعامل الإنساني سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع.

-       إزالة الحواجز بين الآباء والأبناء، مما يساعد الأبناء من تجارب آبائهم في الحياة وتوجيهاتهم، مثلما لا يفوت على الآباء فرصة تتبع أبنائهم ومساعدتهم تذليلا لما قد يعترضهم من صعاب.

-       عرض على الأبناء تجارب اللآخرين الذين تعرضوا للأذى عن طريق هذه الأجهزة التكنولوجية، ووعظهم بغية عدم السقوط في مثل هذه التجارب المريرة.

-       مشاهدة البرامج التي تهتم بالمواضيع التي تعرض خطر الاستعمال غير العقلاني لأجهزة التكنولوجيا.

-ترسيخ كل معاني الانسانية و طرق الحفاظ على حرارة العلاقات الاجتماعية و الاسرية.

-تربيتهم على احترام الوقت’ و عدم مضيعته أمام أجهزة الكمبيوتر أو مع الهاتف النقال اللذان يعتبران فقط اداة لتسهيل  الحياة وليس للقضاء عليها أو للسيطرة على أفكارهم و سلوكاتهم.  

 

قائمة المراجع:

-الهام العويضي) 2012( :وسائل الاتصال الحديثة وتأثيرها على الأسرة، مجلة البيان، عدد 13،

- الحقيل عبدالله حمد)1992( :قوة وسائل الإعلام، قافلة الزيت.

ليلى داود: وسائل الإعلام ودورها في التنشئة الاجتماعية في المجتمع العربي المعاصر، دراسة مقدمة إلى ندوة وسائل الإعلام وأثرها في المجتمع العربي المعاصر، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إدارة الثقافة بالتعاون مع وزارة الإعلام في الجمهورية العربية السورية، دمشق.

-عماد الدين الرشيد :( 2007) أثر أفلام الكرتون في تربية الطفل، سلسلة الباء والترشيد، 61 ، ط 1، حمص دار القمة.

    -مكاوي، حسن عماد، والسيد ، ليلى حسين2002) :( الاتصال ونظرياته المعاصرة، ط 3  القاهرة،  الدار المصرية اللبنانية.

     -إبراهيم إمام) بدون سنة( :الإعلام الإذاعي والتلفزيوني، القاهرة،  المكتب المصري الحديث.

      -رشا مغازى، )2012( : مشاكل وحلول التواصل داخل العائلة.

 

 Télécharger l'article