المدينة الصحراوية في الجزائر، من نسق البداوة إلى ضرورة الاستقرار

مقاربة أنثروبولوجية

 

مرقومة منصور

جامعة مستغانم( الجزائر)

 

مقدمة:

إذا كان الإنسان قد بنى حضاراته حول نقاط الماء، فإن مناطق الحياة ونواة العمران (البدوي والحضري)، ونقصد بها الواحات الصحراوية، لم تخرج عن هذه القاعدة، حيث استقر إنسان الصحراء عند مصادر المياه، واعتبرها محطات مهمة في حله وترحاله، فكانت همزة وصل بين مختلف المناطق، ومحطات ربط وعبور. وعلى الرغم من أن الماء كان عنصرا ضروريا وأساسيا في استقرار سكان الصحراء، أو على الأقل الرسم الأهم لطريق تنقله وترحاله عبر مساحات شاسعة، إلا أن العنصرين الأساسيين الآخرين لا يقلان أهمية عن الأول وهما: الأرض (التربة الصالحة للزراعة)، والإنسان (الممثل للقوة العاملة التي تواجه المؤثرات الطبيعية والمناخية وتتصارع معها)، وبتضافر والتقاء هذه العناصر الثلاثة تحدث عمارة الأرض، ويظهر العمران البشري، وتحدث التنمية التي تخدم متطلبات الحياة لدى الإنسان الصحراوي[1]. وذلك وقوفا عند عاملين أساسيين وتلبية لمتطلباتهما، أحدهما قبلي (امتثالا لتعاليم وضرورات المجتمع القبلي)، والآخر ناتجا عن ظهور مؤثرات خارجية كتدخل السلطة المركزية المتمثلة في الدولة وقوانينها في خلق فضاءات تنموية[2].

لقد عرفت الجزائر عامة ومنطقة الصحراء خاصة تحولات عديدة. إذ من بين التغيرات التي حدثت على المستوى الوطني والمحلي، خاصة في المنطقة الصحراوية وعلى مشارف التل والهضاب، نجد أن الانقطاع في نسق البداوة والانتقال من حالة الترحل إلى حالة الاستقرار والاستيطان كان من أهمها، ذلك أن هذا الانتقال قد تأثر بعدد من الأسباب، وأدى إلى عدد من النتائج والانعكاسات التي يمكن معايشتها والوقوف عليها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وحتى السياسي، خاصة بالنسبة للمدينة الصحراوية التي تعرف حالة من النزوع إلى الاستقرار والتثبيت الجغرافي داخل المجمعات الحضرية بعدما كانت الواحات الأماكن الوحيدة لتجمع السكان، وبعد أن كان إنسان الصحراء يحي حياة البداوة والترحال وما يصاحبها من مؤشرات مختلفة حول التغير في نمط العيش واستغلال المجال.

ولعل من بين أهم الأسباب التي أدت إلى المرور من نسق البداوة- الذي رافق الإنسان في منطقة الصحراء بخاصة- إلى ضرورة الاستقرار والتشبث بالمكان، نجد تداعيات السياسة الاستعمارية في الجزائر بعامة والمناطق الصحراوية بالتحديد، خاصة بالقضاء على النمط التقليدي في الترحال والتنقل، زيادة على ظروف تدخل تحت طائلة المناخ وقساوة الطبيعة، وأخرى تدخل تحت طائلة المتطلبات الثقافية والاقتصادية التي أصبحت تمليها الحياة العصرية على المواطن الجزائري. وسنحاول الوقوف على أهم المرتكزات السوسيو-ثقافية والاقتصادية والطبيعية وغيرها، التي جعلت المدينة الصحراوية تتأرجح بين نسق البداوة ومتطلباته، وبين ضرورة التحضر والاستقرار بما تمليه متطلبات العصرنة والحداثة.

 

[1] لمزيد من المعلومات أنظر في ذلك:  MAROUF Nadir, lecture de l’espace oasien, Sindbad, Paris, 1980, P.18.

[2] المرجع نفسه، ص 28-29.

 

 

Télécharger l'article