المجال الافتراضي كأداة لتطوير البحث العلمي في الجامعة الجزائرية

الدكتورة: جابر مليكة جامعة ورقلة                              الاستاذ: حمداوي عمر جامعة ورقلة

جامعة قاصدي مرباح ورقلة                                            جامعة قاصدي مرباح ورقلة

 

 

الملخص:

   تعترض البحث العلمي في الوطن العربي بصفة عامة وفي الجزائر بصفة خاصة مجموعة من المشكلات والقضايا، لعل أهمها مشكلة نقصان النشر الالكتروني المتخصص أو عدم وجود مساحة الكترونية خاصة بالباحثين يحتلها في الأوساط العلمية مع النمو المتزايد لشبكة الإنترنت سواء من حيث عدد المواقع الجامعية المتاحة أو من حيث عدد المستخدمين لها من الأساتذة الباحثين، حيث نجد الكثير من الباحثين يتخوفون من نشر أبحاثهم خشية تعرضها إلى التحريف أو الاستنساخ، وقد شجع عدم وجود مراقبة صارمة للتطورات الحاصلة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال على تنامي هذه الظاهرة من جهة والتغير الحاصل في مجال أوعية المعلومات من جهة أخرى التي يستمد منها الباحثين مواضيع ومحتويات بحوثهم العلمية سواء كانت نظرية أو ميدانية.

   وعليه، فمن خلال دراستنا سنتناول موضوع المجال الافتراضي كمجال للتفاعل الاجتماعي، وفق مقاربة سوسيوثقافية تفسر العلاقة التي ينشئها الباحثون فيما بينهم لتعبر عن ثقافة مختلفة عن الثقافة الموجودة في الأسرة والمجتمع المحلي الذي يعيشون فيه، وما لهذا التفاعل من دور في تطوير البحث العلمي ومواكبة التطورات الحاصلة في البيئة الإلكترونية الحديثة في الجامعة الجزائرية.

الكلمات المفتاحية:

– التفاعل الاجتماعي – البحث العلمي – المجال الافتراضي – الجامعة الجزائرية.

 

عنوان المداخلة: المجال الافتراضي كأداة لتطوير البحث العلمي في الجامعة الجزائرية

مقدمة:

    يعتبر الإنتاج الفكري حلقة من سلسلة حلقات التقدم الإنساني، لذلك يجب استثماره في شتى المجالات، سواء كانت الأعمال الفكرية سوسيولوجية، نفسية، أدبية أم تكنولوجية تطبيقية، و من بين المشكلات المستجدة ما أفرزته شبكة الإنترنت فيما يتعلق ببرامج الحاسوب الإلكتروني وأوعية الوسائط المتعددة، ونظرا لكل هذا نجد أن البحث العلمي بصفة عامة وفي الوطن العربي على وجه الخصوص ينقصه ما يسمى بالتفاعل الاجتماعي الذي ينظم الاتصال العلمي بين الباحثين بطريقة رسمية أو غير رسمية، وفي هذه الورقة البحثية سوف نحاول تسليط الضوء على علاقة المجال الافتراضي الذي ينشئه الباحثون ويحفظ التراث العلمي لهم بتطوير البحث العلمي في جامعات الوطن العربي بصفة عامة والجزائر على وجه الخصوص، والمقاربة التي استخدمت في دراستنا هي أن الأساتذة الباحثين ينشؤون علاقات اجتماعية بديلة تحكمها ثقافة بديلة لثقافاتهم الأصلية تتحكم في التواصل في المجال العلمي بتبادل الأفكار والأعمال العلمية ( المذكرات، الملتقيات، الدروس والمحاضرات، الندوات العلمية...)، بحيث أن هذه الثقافة الجديدة تساهم مساهمة فعالة في تشجيع وتطوير وتفعيل البحث العلمي، في جلّ التخصصات وعلى مختلف الأصعدة.

    ومن أجل ذلك فقد قسّمنا بحثنا إلى ثلاثة محاور؛ تناول المحور الأول البحث العلمي، وفي المحور الثاني سلطنا الضوء على المصنفات الرقمية باعتبارها أشكالا جديدة للبحوث العلمية، لنصل في المحور الأخير إلى إبراز العلاقة بين التواصل على المجالات الافتراضية وتطوير البحث العلمي.  

تتمحور إشكالية الدراسة حول التساؤل الرئيس التالي: 

       كيف يساهم المجال الافتراضي الذي ينشئه الأساتذة الباحثون في تطوير البحث العلمي بالجامعة الجزائرية؟

        ما الأهمية التي تكتسيها الثقافة البديلة التي تحكم علاقات الأساتذة الباحثين في هذه المجالات؟

     

أولا:  البحث العلمي:

1. تعريف البحث العلمي:

   يمثل البحث العلمي ركنًا أساسيًا في حياة الأمم والشعوب، وجزءًا رئيسًا من وظائف الجامعة ومهام الأستاذ الباحث فيها، فهو عماد كل تخطيط وعصب كل تنمية، إذ بواسطته يتم وضع خطط التنمية على أسس سليمة ومتينة، ويتم تفادي الأخطاء وتوفير الأموال، ودفع الخسائر، وتقصير الزمن، وتحسين النوعية، ويعتبر البحث العلمي من أكثر الوظائف التصاقا بالجامعة، وذلك لأن الجامعة هي التي تتوافر لديها الموارد الفكرية والبشرية المؤهلة للبحث العلمي، كما أنها تعد المؤسسة الوحيدة التي يمكن عن طريقها القيام بنشاطات الأبحاث بصورة منضبطة، وهي التي يمكن لها تقديم خدمات استشارية تحتاجها قطاعات المجتمع.

     ولا يتوقف البحث العلمي بمجرد حصول الأستاذ على المؤهل العلمي المطلوب لتعيينه في الجامعة وإنما يجب أن يتواصل، فالبحث والتدريس وجهان لعملة واحدة، وفي هذا الصدد يقول محمد حمدان: "إن قيام عضو التدريس بالبحث العلمي في مجال تخصصه يؤدي إلى نتائج تنعكس على عضو التدريس نفسه كما تنعكس على تدريسه، مما له أكبر الأثر على طلبته وذلك يأتي عن طريق تعميق معرفته في حقل تخصصه والمكانة العلمية الرفيعة التي يحتلها الباحث بين أقرانه وفي المجتمع الأكاديمي بشكل عام"[i]، ويقوم البحث العلمي على طلب المعرفة وتقصيها والوصول إليها، استنادا إلى مناهج محددة في تقصيه لهذه المعرفة وهو نشاط علمي منظم يسعى إلى الكشف عن الحقائق ومعرفة الارتباط بينها واستخلاص المبادئ العامة والقوانين التفسيرية، ومهما اختلفت الصيغ الواردة في تعريف وتحديد مفهوم البحث العلمي، فإنها تجمع على أن البحث العلمي: نشاط منظم يقوم على ملاحظة مقصودة. يهدف إلى إيجاد حل لمشكلة من مشكلات العصر القائمة أو المتوقعة، أو التعرف إلى حقيقة علمية، يقوم به باحث متخصص في الجانب المعرفي والمنهجية وتكون له خصائص ومواصفات محددة.[ii]

فالبحث العلمي ليس مجرد اكتشاف لعوامل مؤثرة، واقتراح فرضيات، بل هو أداة من الأدوات التي تنمي الإدراك، وتكشف عن الغموض الذي يكتنف الظاهرة المراد دراستها، وتطوير للفرد، والمجتمع وطريقة منظمة تأخذ في اعتبارها معطيات الحاضر، وحاجات المجتمع المستقبلية.

 

2. أنواع البحث العلمي: هناك أنماط مختلفة للبحث العلمي[iii] من بينها:

أ- البحث الأكاديمي الأساسي:

     يعرف البحث الأساسي على أنه: "تقصي في سبيل معرفة جديدة، لا يرمي إلى التطبيق على هدف محدد، وإنما يرمي إلى المساهمة في تنمية تصورية لفهم الطبيعة".[iv]

ويتعلق هذا النوع من البحوث بالرغبة في المعرفة، أو الفهم أو بالأحرى، المعرفة من أجل المعرفة.

    إضافة إلى أن البحث الأساسي يحلل الخصوصيات والأنساق والعلاقات من أجل صياغة أو اختبار فرضيات النظريات، والقوانين، وتكون عملية نشر نتائج البحث الأساسي غير قابلة للتعاقد، وعادة ما تكون نتائج البحث الأساسي منشورة في المجلات العلمية، والدوريات المتخصصة أو تنشر على شكل تبادل للمعلومات بين الباحثين المعنيين أنفسهم.

   كما أنه يهدف إلى الكشف عن أسرار الحياة والطبيعة وتطوير المعارف النظرية (إنتاج المعرفة)، وغالبًا ما تكون البحوث الأكاديمية نظرية، يطلق أثناءها الباحث لفكره العنان ليطور نظرية جديدة، أو يقدم تفسيرًا لظواهر موجودة، أو يقوم بحل معادلات رياضية معقدة، ويتم هذا عادة بغض النظر عن إمكانية تطبيق النتائج عمليًا في المستقبل القريب.

     إذن فالبحث الأساسي هو: الجهود المبذولة بهدف الحصول على المعرفة العلمية المحددة وغير الموجهة بالضرورة إلى هدف بعينه، أو تطبيقات خاصة، ولا يكون القصد منها الربح التجاري، بل تستهدف بالأساس استكشاف، وفهم الظواهر والقوانين الطبيعية، وعلى الرغم من أن هذه البحوث العلمية الأساسية لا تهدف بالضرورة إلى إيجاد تقنيات جديدة أو تحسين تقنيات قائمة، إلا أنها تساهم بشكل كبير في إبداع هذه التقنيات[v].

ب- البحث التطبيقي:

     هذا النوع من البحوث يجيب على انتقادات محددة، ويتعلق الأمر هنا بالتحسين في المعرفة أكثر من استعمال المعرفة ثم التطرق إليها[vi]، وهو من الوسائل التي تمكن الجامعة ومؤسسة البحث العلمي من التفاعل مع المجتمع. من خلال ما هو جديد، أو تطوير التقنيات القائمة، ومن خلال هذا النوع من الأبحاث، تستطيع الجامعة أن تعمق ارتباطها بالمجتمع، ويلمس فوائدها وعائدها المادي والمعنوي.

إذن فالنوع الأول من البحوث (البحث الأساسي)، هو الذي يتغدى من الثاني (البحث التطبيقي).

    ومن هنا فإن البحث التطبيقي يشمل الأعمال الأصلية من أجل الحصول على معارف جديدة، وهذه الأعمال موجهة بالخصوص نحو تحقيق موضوع تطبيقي معين، يربط البحث التطبيقي بين علاقات الظواهر، وبين كيفية إفادة الإنسان منها في مجالات معينة، كالزراعة، والطب، والصناعة، إلى غير ذلك من قطاعات الإنتاج الاقتصادية والاجتماعية.

   وتجري الأبحاث التطبيقية إما لإمكانية تطبيق نتائج الأبحاث الأساسية، أو لتصميم ووضع المناهج، والوسائل الجديدة التي يمكن من خلالها الوصول إلى هدف مرجو معين.

    ويكون الغرض من البحث التطبيقي زيادة المعرفة لغرض إشباع حاجات ملموسة عن طريق إيجاد حلول لمسائل متجددة، سواء كان استنباط طرق إنتاج جديدة أو ابتكار سلع، وخدمات جديدة ويختلف وزن هذا النشاط من مؤسسة إلى أخرى باختلاف حجم المؤسسة، أو نوع نشاطها أو توجهات إدارتها.

ج- البحث الموجه:

    وهو الذي يجمع بين البحث الأساسي، والبحث التطبيقي، وهو مصطلح حديث ينسب إلى (الأنجلو - سكسون)، وبالضبط إلى كلمة "Problem Focused Researh"، وهو بحث يندرج أم ينجم عن الاحتياجات المجتمعية –يشترك توجيهه نحو ايجاد حل لمشكل ما[vii]، ويعني هذا أن البحث الموجه هو البحث الذي يرتكز على مجالات يرجى منها نفعا.

 ويمكن من خلال التعاريف السابقة الذكر الإشارة إلى التعريف الإجرائي لمفهوم البحث العلمي، الذي يتضمن مجموعة البحوث والدراسات التي تقوم بها المؤسسة الجامعية (عبر باحثيها مخابرها، أو فرق البحث الأخرى)، في مختلف الاختصاصات التقنية، الاقتصادية، الاجتماعية، الصحية ... والتي تستفيد منها المؤسسات الاجتماعية المحيطة بها سواء أكانت مؤسسات إجتماعية، أو اقتصادية ... أو غير ذلك، هذا في إطار تحريك عملية التنمية التي تضطلع إليها تلك المؤسسات.

 

 3. متطلبات البحث العلمي:

   ينفق العالم العربي 1.1 مليار دولار من أصل 522.2 مليار لبقية دول العالم حسب إحصائيات عام 2003، وتساهم الشركات الخاصة في الدول الصناعية ب 46 – 60 % من إجمالي النفقات على البحث العلمي بينما تصل هذه النسبة في حدها الأقصى إلى 12% في العالم العربي، في حين تنفق الولايات المتحدة الأمريكية على البحث العلمي قرابة 160 مليار دولار سنويا كما أثبتت التجربة الأمريكية أن كل 1 دولار تم استثماره في البحث العلمي في مجالات الصناعة أعطى مردودا يقارب 140 دولار. وعليه فمن أجل تفعيل وتطوير البحث العلمي لابدّ من توفر مجموعة من المتطلبات يمكن حصرها فيما يلي:[viii]

  • وجود سياسة صناعية داعمة ومشجعة للبحث العلمي من خلال إستراتيجية وطنية.
  • توفر بيئة ومناخ ملائمين للبحث العلمي مع توفر التشريعات اللازمة لذلك.
  • وجود باحثون علميون متمرسون يتمتعون بالصبر والتواضع والصدق والأمانة والحيادية والموضوعية والتحلي بالمعرفة الأكاديمية والأمانة العلمية ولديهم الرغبة الذاتية في البحث العلمي.
  • توفر الأدوات اللازمة للبحث العلمي مثل المختبرات العلمية المجهزة بالأجهزة والمعدات والفنيين اللازمين لعملية البحث العلمي.
  • وجود قضايا ومشاكل بحثية تحتاج إلى حلول باستخدام البحث العلمي.
  • استخدام نواتج ومستخرجات البحث العلمي في حل المشاكل وتطوير المنتجات.
  • التكيف الاجتماعي لدعم وحفز البحث العلمي.

4. مشاكل البحث العلمي ورهاناته:

   يعاني البحث العلمي في السنوات الأخيرة من العديد من المشاكل من بينها توفر المكتبات بإنتاج فكري رديء خاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية بسبب ظهور حرفة جديدة تسمى تجارة الأبحاث العلمية من جهة، وافتقار البحوث العلمية إلى الأصالة والإخلال بالمنهج العلمي وأصوله من جهة أخرى، وانعدام الوازع الأخلاقي وتفشي ظاهرة السرقات العلمية من جهة ثالثة. وعليه سنبرز هنا بعض المشاكل التي يعاني منها البحث العلمي ما يتماشى وموضوع بحثنا هذا.

أ‌.      الافتقار إلى الأصالة: يكون البحث العلمي أصيلا عندما يتفرد عن غيره من البحوث بأفكار جديدة ومفيدة في آن واحد، حيث يجب أن يتضمن أفكارا تثري الفرع العلمي الذي ينتمي إليه موضوع البحث. وتجدر الإشارة هنا إلى أن جدة الأفكار هو أن تكون مبتكرة تظهر لأول مرة كما هو الحال في الاختراعات والإبداعات لأن ذلك مطلب صعب التحقيق وبخاصة في العلوم الإنسانية، وإنما تعني الجدة هنا الإضافات التي تغني البحث أو تكمل ناقصا فيه أو تزيل غموضا حوله. كما تندرج في باب البحوث العلمية التي تفتقد إلى الأصالة تلك البحوث التي تعجّ بأفكار أجنبية لا تصلح للتطبيق في الواقع المعاش لمجرد تأثر الباحث بتلك الأفكار، وهنا ينطبق عليه القول: " العود في أرضه نوع من الحطب "[ix] حيث يعبر عن إعجاب البعض بما عند الغير وإهمال ما عنده وعدم الثقة فيه ولو كان يفوق ما عند الغير قيمة وعمقان ومثال ذلك هو بعض التشريعات الوضعية لبعض الدول العربية المستقاة من مصادر أوربية والتي تتنافى والشريعة الإسلامية الحنيفة.

ب‌.       الإخلال بأصول البحث العلمي: يمثل بعدا من أبعاد مشاكل البحث العلمي ويقصد به عدم التزام  الباحث بالطريقة العلمية أو الأصول التي يجب إتباعها عند إجراء بحث علمي معيّن سواء من حيث إتباع خطوات التفكير العلمي أو اختيار المنهج المناسب للبحث وغيرها من الخطوات المتعارف عليها.

ثانيا:  المصنفات الرقمية...كأشكال جديدة للبحث العلمي:

   إن النظام الدولي للملكية الفكرية وحقوق المؤلف هو الآن محل مراجعة شاملة وجادة من قبل الأنظمة الوطنية في جميع أنحاء العالم والسبب الحقيقي وراء هذه المراجعة الشاملة هو قوة الحقوق الرقمية التي يبشرنا بها عالمنا المعاصر حتى أنه يصح القول أن علماء تكنولوجيا المعلومات قادوا التغيير العالمي الحادث الآن. ولذلك فان الدعوة من قبل رجال القانون وأصحاب المؤلفات ملحة إلى النهوض ومجارات الحضارة في تناولها للموضوعات الإنسانية وفي هذا الإطار فان الدول تحتاج إلى البحث عن مكانة المصنفات الرقمية في عالمنا المعاصر، وكيفية حمايتها.

1. تعريف المصنفات الرقمية:

  يرجع أصل كلمة المصنف في اللغة إلى "صنْف" بكسر الصاد وإسكان النون وقد تفتح الصاد حيث يقال صنف وهو النوع، فالمصنف لغة: مصدر لفعل صنف ويقال تصنيف الشيء أي جعله أصنافا وتمييز بعضها عن بعض. أمّا من الناحية الاصطلاحية فقد عرفت بعض قوانين حق المؤلف صراحة المصنف في حين أن البعض الآخر من هذه القوانين قد تجنب استعمال مصطلح "المصنف" وإنما استعمل بدلا منه "العمل" للدلالة على الأعمال المشمولة بالحماية وأوردت تعريفا لكلمة العمل. وعلى الرغم من ذلك فقد عرف جانب من الفقه المصنف بقوله "هو كل إنتاج ذهني أيّا كان مظهر التعبير عنه كتابة أو صوتا أو رسما أو تصويرا أو حركة وأيّا كان موضوعه أدبا أو فنا أو علوما "[x] .وقد عُرّف من قبل المشرع الجزائري بأنه "كل إنتاج فكري مهما كان نوعه ونمطه وصورة التعبير عنه ومهما كانت قيمة مقتصدة يخوّل لصاحبه حقّا يسمى حق المؤلف ويتم تحديده وحمايته طبقا للقانون".

وقد نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى من التشريع رقم 97/10 بأنه "تمنح الحماية مهما يكن نوع المصنف ونمط تعبيره ودرجة استحقاقه ووجهته بمجرد إيداع المصنف سواء كان المصنف متبثا أم لا بأية دعامة تسمح بإبلاغه إلى الجمهور"[xi].

ونفهم من كل هذا أن المصنف ما هو إلا إبداع شخص توفرت فيه صفة الابتكار بغض النظر عن قيمته أو الغرض منه أو الشكل الذي ورد فيه لإبلاغه إلى الجمهور وما دام يحمل صفة الابتكار فإن هذه الأخيرة تكفل له وتثبت له صفة الحماية القانونية ولكي تتمتع المصنفات بالحماية القانونية لابدّ أن تستوفي شرطين أساسيين هما: إفراغ المصنف في شكل مادي معد للنشر وإبرازه إلى الوجود وإضفاء جانب الشخصية في المصنف المبتكر وتجنب التقليد.[xii]

إنّ تحديد مفهوم المصنف الرقمي سيبقى مثار للجدل إلى حين، لاسيما وأنه مصطلح لم ينتشر بعد في حقل الدراسات القانونية، فالمصنف الرقمي يشمل كافة المصنفات الرقمية المتقدمة وتتمثل في مواقع الإنترنت وبمحتوى المواقع من مواد النشر الإلكترونية نصوصا أو مواد سمعية مرئية.[xiii]

2. أصناف المصنفات الرقمية:

أ.برامج الحاسوب: تعد برامج الحاسوب أول وأهم مصنفات المعلوماتية أو تقنية المعلومات التي حظيت باهتمام كبير من حيث وجوب الاعتراف بها وتوفير الحماية القانونية لها، والبرمجيات هي الكيان المعنوي لنظام الكمبيوتر دونها لا يكون ثمة أي فائدة للمكونات المادية من الأجهزة والوسائط وهي بوجه عام تنقسم من الزاوية التقنية إلى برمجيات التشغيل المناط بها إتاحة عمل مكونات النظام معا وتوفير بيئة عمل البرمجيات التطبيقية، وتمثل البرمجيات التطبيقية النوع الثاني من أنواع البرمجيات وهي التي تقوم بمهام محددة كبرمجيات معالجة النصوص أو الجداول الحسابية أو الرسم أو غيرها، أما من ناحية الدراسات والتشريعات القانونية فقد أثير فيها عدد من المفاهيم المتصلة بأنواع البرمجيات أبرزها برمجيات المصدر وبرمجيات الآلة [xiv].

ب.قواعد البيانات: ويقصد بها كل النصوص والصور المحفوظة رقميا والتي بذل فيها جهد فكري ومادي في جمعها وتنسيقها مثل: الموسوعات وقواعد المعطيات، والأرشيف الرقمي، بينما يجعل التعامل القانوني والتشريعي على الوسائط الحاملة لهذه المعلومات أمرا طبيعيا : كالأقراص الضوئية لهذا نجد المصنفات الرقمية تُحمى كمنتجات بغض النظر عن الوسيط الحامل لها، ولهذا فإنه ليس بمجرد وصولنا إلى إنتاج رقمي أنه لدينا الحق في استعماله أو استخدامه كما نشاء لأنه مصنف خاضع للحماية القانونية.

ج.الدوائرالمتكاملة: إن مسألة حماية الدوائر المتكاملة (الطبوغرافية) هو موضوع جديد فالدوائر المتكاملة هي نتاج العقل البشرى والإبداع في تصميم جديد للدوائر المتكاملة يتكلف استثمارات ضخمة وهذا هو السبب الرئيسي وراء البحث عن حماية مثل تلك التصميمات. وقد قامت اتفاقية تريبس بتبنّى موضوع حماية التصميمات الطبوغرافية للدوائر المتكاملة ووضع التعريف الخاص بها.

3. أخلاقيات البحث العلمي:

  تلعب أخلاقيات البحث العلمي دورا أساسيا بالنسبة لمستوى أداء البحوث من خلال المحاكاة السلوكية والانفعالية للشخصيات العلمية الرائدة، وبدون تلك الأخلاقيات ينهار أداء البحث العلمي ويتدنى مستواه، ولا يختلف المجتمع العلمي هنا عن طوائف الحرف والمهن في العصر الوسيط من حيث خضوع أفرادها لأخلاقيات تحدد أداء المهنة والتي تستمر عن طريق الرقابة.[xv] وعليه، فلابدّ من التشديد على أهمية الأخلاقيات في البحث العلمي وفق منهج علمي مؤسس على ضرورة تبنّي الموضوعية وتلافي الاعتداء على حقوق الآخرين والتي ترمي إلى الحصول على امتيازات وتزييف للحقيقة بإظهار الباحث على غير حقيقة إنتاجه، وضرورة الالتزام بالجودة والنجاعة دون المراهنة على الجانب الكمي في البحث العلمي.

 

ثالثا: مفهوم المجال الافتراضي:

    تعد البيئة الافتراضية من التقنيات المميزة التي تمكّن المستخدم مثلا من تشغيل نظامي تشغيل في ذات الوقت بنفس الحاسوب، كما تسمح التقنية باستخدام الحاسوب ذاته من قبل عدة مستخدمين بنفس الوقت حيث يعمل كل منهم ببرامج وأنظمة تشغيل مختلفة عن بعضها البعض.[xvi]

   طرح يونج (Young 2005) إلي أن نمط الاتصال المتوفر من خلال الإنترنت شكل فضاءا جديدا يمنح الفرصة أمام تشكيل مجال عام، وعبر عنه علي أنه مجال يعتمد علي التبادل المجاني للأفكار والآراء بين المواطنين ويلعب دورا في هدم الأنظمة المغلقة. وفي موضع آخر يعرفه يونج أنه فضاء عام طبيعي ورمزي مكون من اتصال اجتماعي مركب يفتح المجال أمام قمع النظم الاجتماعية التقليدية ويتصف بأنه مجال تفاعلي يعتمد على المشاركة[xvii]، فالمجال العام عبر الإنترنت هو مجال محكوم بالصور Image ويتحرك بحقيقة وهي المعرفة، حيث تتحدد المشاركة في إطاره بقوة المعرفة وليس بعلاقات القوة، ويصبح المصدر الرئيسي لشرعية المجال العام الافتراضي هو الإحساس بالجماعة، فالمجال العام الافتراضي على حسب تعريف مايس Warren Mayes، ( 2009)  هو فضاء طبيعي يحدث داخله تفاعل اجتماعي عام تترك فيه الناس مصالحهم الخاصة وينشغلوا بالقضايا ذات الطابع الاجتماعي العام، يسهل النفاذ إليه ".[xviii]

   ولقد أشارت رايسزZize Rissi (2002)  إلى أن الإنترنت ساعد في تشكيل المجال العام البديل الذي يضم الأفراد الخارجين عن علاقات القوة والمهمشين والمقصود هنا بالمهمشين هم الأفراد الذين لم تمكنهم امتيازاتهم من المشاركة في المجال العام الواقعي. ويتناسب ذلك مع ما طرحه Habrmass من أن المجال العام هو سعي مأسوي لرشد شبه مستحيل.[xix]
يتضح من ذلك أن الانترنت قدم ميزة نسبية للأفراد الذين يمتلكون المعرفة من المشاركة في تفاعلات المجال العام الجديد الذي يتيح أعمق سبيل إلي المشاركة بمفهومها الواسع. ويمكن تحديد مفهوم المشاركة الافتراضية التي تتم في سياقات المجال العام الافتراضي كما حددها كل من جاري روبنس ويوشي كاشيما Garry Robins، Yoshikashima،علي أنها مشاركة تتم عبر البناء الشبكي، والذي يتمثل في مجموعة من الحزم الاجتماعية التي تتمثل في الأفراد أو الجماعات أو كيانات مثل الشركات والمؤسسات، ويمثل البناء الشبكي الرابط بين الأفراد والمجموعات[xx] .

   من هنا يتضح أن المشاركة في السياق الافتراضي هي تفاعل بين الأفراد أو المجموعات يتم من خلال وسيط الإنترنت وعبر المجال العام الافتراضي لمناقشة قضايا ذات طابع شخصي أو اجتماعي، أو علمي يتمخض عنها منفعة للأفراد أو الجماعات.

رابعا: استنتاج الإجابة عن التساؤلات

استنتاج التساؤل الأول: يساهم المجال الافتراضي الذي ينشئه الأساتذة الباحثون في تطوير البحث العلمي بالجامعة الجزائرية من خلال:

1-  خاصية التعددية الثقافية: فالمجال الافتراضي يساهم في موضوع التعبير عن الذات والحوار الحضاري، اذ يروج لثقافة احترام الرأي وأفكار الأخرين عن طريق توفير فرص التفاعل والمداخلات المستمرة والتواصل بين الأساتذة الباحثين وبطرق مختلفة، وأعطى فرصة لهم من مختلف التخصصات لأن يكونوا فاعلين من خلال مساهماتهم وكتاباتهم العلمية وتبادلها فيما بينهم وعدم اقتصارها على النخب.

2- خاصية التواصلية: يساهم المجال الافتراضي بشكل ملحوظ في بناء جسور من التواصل بين القائم بالاتصال ومستقبل الرسالة، مما له بالغ الأثر في تفاعل مجموعات الأساتذة الباحثين مع الآخرين، حيث أتاحت تكنولوجيا المعلومات التعبير عن الآراء والأفكار حول المادة العلمية المقدمة من حيث تبادل المناقشات والانتقادات البناءة، وتشكيل شبكة للاتصالات والتواصل تجمع بين الكثير من التوجهات العلمية وتنمية الحوار الهادف والتعود على تقبل الآخر مهما اختلفت وجهات النظر.

3- خاصية البناء الثقافي: كما يساهم المجال الافتراضي في انتشار الثقافة الإلكترونية بين أفراد المجتمع وخاصة في مجال التعليم الإلكتروني (والحقيبة الإلكترونية للأستاذ و الطالب، وزيادة استخدام الأعمال الإلكترونية ونشرها من خلال استخدام الانترنت، بالإضافة إلى أن ارتفاع أعداد مستخدمي الانترنت بشكل عام يؤدي إلى انخفاض تكلفة أسعار النشر الالكتروني مقارنة بأسعار النشر الورقي.

4- خاصية التفاعلية: سرعة استجابة مجتمع المجال الالكتروني وسهولة مناقشة الظاهرة أو الموضوع من وجهات نظر مختلفة يمكّن الاساتذة الباحثين من أن يتفاعل مع المادة العلمية من خلال النص المكتوب والصوت والصورة والفيديو وحفظ نسخة من النص وسهولة الرجوع للنص في أي وقت أو إرسالها لشخص آخر، أو التعليق على المقال العلمي أو تحكيمه وقراءة انتقادات وآراء الآخرين على الموضوع.

5- خاصية التحديث: اذ يتم تحديث وتجديد  المادة العلمية دون مواعيد ثابتة، فالمحتوى العلمي الإلكتروني يتمتع بالسبق والقدرة على التفاعل واستخدام الخلفيات والمعلومات الأساسية والتحليلات والمقالات العلمية المنشورة ذات العلاقة، مما يضفي تفاعلا حقيقياً مع المواد العلمية.

استنتاج التساؤل الثاني: الأهمية التي تكتسيها الثقافة البديلة والتي تحكم علاقات الأساتذة الباحثين في هذا المجال الافتراضي تتمثل في:

1-  سرعة انتشار المعلومات ووصولها إلى أكبر شريحة وفي أوسع مجتمع محلي ودولي وفي أسرع وقت وأقل تكاليف والنقل الفوري للأخبار والأحداث والوقائع ومتابعة التطورات التي تطرأ عليها مع قابلية تعديل وتحديث وتجديد الأخبار والنصوص الإلكترونية في أي وقت، مما جعله ينافس الوسائل الاعلامية التقليدية.

2-  توفير للوقت والجهد والمال، فالمجال الافتراضي لا يحتاج إلى مقر واحد ثابت يحوي كل الفاعلين لأنه يبث عبر الانترنت فهو لا يحتاج إلى توفير المباني والمطابع والورق ومستلزمات الطباعة ومتطلبات التوزيع والتسويق، والعدد الكبير من الموظفين والعمال.

3-  إمكانيات حقيقية لم تكن متوفرة من إمكانية الحصول على احصاءات دقيقة عن زوار مواقع المجال الإفتراضي، ويوفر مؤشرات عن أعداد قرائه وبعض المعلومات عنهم كما تمكنه من التواصل معهم بشكل مستمر.

4-  يوفر أرشيفا وقاعدة معلوماتية للباحثين في كل وقت، إذ يوفر المجال الافتراضي  فرصة حفظ أرشيف الكتروني سهل الاسترجاع غزير المادة، حيث يستطيع الزائر أو المستخدم أن يبحث عن تفاصيل حدث ما أو يعود إلى مقالات قديمة بسرعة قياسية بمجرد أن يذكر اسم الموضوع.

5-  إتاحة الفرصة للشباب وشرائح المجتمع كافة للمساهمة بابداعاتهم وهواياتهم وأفكارهم فهو مجال حر للنقاش وتبادل الخبرات والمعارف .

6-  توسيع دائرة التنافس العلمي بين المواقع والمنتديات والمدونات الإلكترونية المختلفة من خلال ما تقدمه من بحوث أفكار و تعليقات تميز أحدها عن الأخرى.

خامسا: خلاصة:

   ساهمت زيادة ثورة النشر الإلكتروني: المدونات، مجموعات النقاش، منتديات الحوار، مواقع الويب، ...الخ. في بروز نسق ثقافي جديد من قبل الأساتذة الباحثين، هذا النسق الثقافي المعزز من طرف سلوك الاساتذة الباحثين في ظل المجال الافتراضي بالجامعة الجزائرية، بحكم المكانة الاجتماعية لهذه الفئات في البناء الاجتماعي القائم للمجتمع، لم يوجد بعد بالشكل الكافي وهذا ما يساعد على تعزيز سلوكات ثقافية ذات بعد متوجه إلى الفردية يظهر من عدم اهتمامهم في تعزيز سلوكات التعاون و دمج الذهنيات الفردية المشكلة للبناء الاجتماعي في ذهنية جماعية للعمل بطريقة واعية وفق ما يتطلب النسق الاجتماعي.

     فالنتائج العامة التي توصلت إليها الدراسة تتمثل في أن هذا النسق الثقافي يعمل فيه الاساتذة الباحثون على تنمية وتطوير البحث العلمي، من جهة وايجاد مجال للتفاعل ونشر ما أنتجوه من أفكار وايجاد مجال مواز لواقع للتفاعل الاجتماعي فيما بينهم خاصة مع صعوبة ايجاد مجالات للقاء والحوار في المجالات الواقعية، لكن وبالرغم من استخدام مجموعة من الباحثين لهذه المجالات إلا أن استخدام المحال الافتراضي من طرف الاساتذة الباحثين مازال لم يفعل بالشكل الكافي،  والسبب وراء ذلك أن حقوق المستفيدين غالباً ما يتم تجاهلها في المناقشات حول المستقبل، وهو ما يحتاج إلى مزيد من التطوير، أما إذا ركّز القانون على إكساب أصحاب حق التأليف المزيد من الحقوق والقوى، فإن ذلك لن يكفل للقانون الاستمرار، ومن الواضح أنه إذا أردنا لقانون حق التأليف الاستمرار في عصر الإنترنت، فعلينا حينذاك التركيز على التعاون بين الطرفين: أصحاب حق التأليف والمستفيدين. ومما لاشك فيه أن ذلك يعتمد بالدرجة الأولى على التفكير الإبداعي غير المسبوق من جانب المشرعين.

كما يمكن القول أيضا بأن التشريع وحده لا يكفي، بل يجب على كل من يريد حماية مصنفه بأن يقوم بتسجيله على مستوى الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة لكي تتولى المؤسسة حماية حقوق هذا الشخص.

كما نقترح مجموعة من التوصيات بغرض إعادة الاعتبار للملكية الفكرية وتثمينها من أجل المساهمة في تطوير ودعم البحث العلمي في المحال الافتراضي بالجزائر والوطن العربي لمواكبة التطورات التي يعرفها العالم في الوقت الراهن في هذا المجال، وهي:

  • وضع إستراتيجية متكاملة لحقوق الملكية الفكرية تستشرف المستقبل وتتعامل مع التطور العلمي والتكنولوجي.
  • وضع معايير لتقييم الضرر الناجم عن التعدي علي حقـوق الملكية الفكريـة.
  • الشروع في وضع إستراتيجية وطنية للملكية الفكريـة الرقميـة والـشروع  في دراسات البعد الاقتصادي للملكية الفكرية الرقمية وأثرها على الاقتصاد الوطني.

الشروع في وضع إستراتيجية وطنية للملكية الفكريـة الرقميـة والـشروع  في دراسات البعد الاقتصادي للملكية الفكرية الرقمية وأثرها على الاقتصاد الوطني.



 

 

 

télécharger l'article