التدريس الجامعي في ظل متطلبات التكنولوجيات الحديثة

– دراسة ميدانية بشعبة علم الاجتماع في جامعة بسكرة-

 

الدكتورة: بن ققة سعاد                       الأستاذة: مسعودي كلثوم.

جامعة: محمد خيضر بسكرة                 جامعة: قاصدي مرباح ورقلة

    

ملخص المداخلة:

توطئة:

يتوقف مسار تقدم المجتمع على جملة من الركائز لعل من أهمها النظام التربوي الرسمي المتمثل في مؤسسات التنشئة الاجتماعية (المدرسة، الجامعة...) لما تقوم به هاته الأخيرة من وظائف مختلفة، من بينها الوظيفة التكوينية، والوظيفة التوجيهية. والتي يتوقف تحقيقها على طبيعة المضامين المعرفية التي يقدمها المعلم للمتعلمين باعتماده على بيداغوجية مناسبة من أجل إحداث التغيير المستهدف على مستوى المتعلمين، وعلى مستوى المجتمع .

لأن من أبرز أهداف التعليم هو إعداد الفرد لمهنة معينة تؤهله لها تكوينه الذي زاوله، ولكن الأهم من هذا، هو إحداث تغيير على مستوى السلوك، ولتحقيق تلك الأهداف سواء التعليمية أو العلمية، يجب أن يتبع المعلم ممارسة تكوينية فعالة، والتي يمكن فهمها من تمظهرين كبيريين هما:

  • الجانب المعرفي والمتمثل في المضامين المعرفية المقدمة، ومدى حداثتها ومواكبتها للمتغيرات الجديدة .
  • الجانب الديداكتيكي متمثلا في خبرة الأستاذ وإنجازاته العلمية، ومدة تدريسه للمقياس، وهي عناصر شأنها أن تؤثر على مستوى المضامين المعرفية خاصة في حصة المحاضرة .

ولا تتوقف الممارسة التكوينية عند مستوى حجم الكم المعرفي، بل تتعداه إلى طريقة توصيل المعلومات، والتأكد من فهم واستيعاب الطلاب لها، وهذا ما يتوقف على جملة من الشرطيات من بينها قدرة الأستاذ على إثارة مواهب طلابه، وتنمية الشك المنهجي لديهم، ومدى تجاوبهم وتفاعلهم معه، والذي تعكسه حركة طرح الأسئلة، والإدلاء بآرائهم المختلفة لأجل مناقشتها

وسنحاول من خلال المحاور الآتية تشخيص واقع الممارسة التكوينية للأستاذ في قسم العلوم الاجتماعية، وذلك من خلال إثارة ثلاث تساؤلات رئيسية هي:

-                  هل تصطبغ المادة العلمية للمحاضرة بالصبغة الأكاديمية للنظام العلمي الذي تنتمي إليه ؟

-                  هل ينتهج الأستاذ بقسم العلوم الاجتماعية بيداغوجية تبليغية نشطة؟

-                  ما العلاقة بين الممارسة التكوينية والأصول النظرية الديداكتيكية؟

الإجراءات المنهجية للدراسة الميدانية:

للإجابة على تلك التساؤلات المطروحة اعتمد المنهج الوصفي جملة من أدوات جمع البيانات، هي : الاستبيان، ودليل الملاحظة، والمقابلة، وطبق الاستبيان على طلبة السنة الثانية ماستيربشعبة علم الاجتماع لكل التخصصات لكونهم قد تلقوا تكوينا في القسم لمدة أربع سنوات سنوات، وهذا من شأنه إكسابهم معرفة عن الممارسة التكوينية للأستاذ في شعبة علم الاجتماع وقد بلغ حجم العينة 28 طالبا، تم إختيارها بطريقة عشوائية، . كما استعنا بالمقابلة، والتي أجريت مع الأساتذة بالإضافة إلى دليل الملاحظة، والذي طبقناه من خلال حضورنا محاضرات السنة الثانية ماستير في المدرجات،للكشف عن طبيعة الممارسة التكوينية، أي طبيعة المضامين المعرفية والطريقة البيداغوجية المتتبعة في توصيل المعلومات .

وقد انحصر مجال دراستنا على مستوى مقاييس سنة الثانية ماستير فتحصلنا على جملة من البيانات .قمنا بتفريغها وتبويبها ثم قمنا بتحليلها وتفسيرها .

نتائج الدراسة:

أولا- طبيعة المضامين المعرفية المقدمة من طرف الأستاذ في قسم علم الاجتماع:

إن المضامين المعرفية التي يقدمها الأستاذ في قسم علم الاجتماع هي انعكاس للبرامج الرسمية، حيث يعتمد في إعداد محاضراته على مجموعة من الكتب دون الاستفادة من تكنولوجيات الإعلام والاتصال الحديثة (اللأنترنيت ) في إعداده للمحاضرة، رغم توفرها على مستوى الجامعة، كما أكد الأساتذة الذين أجريت معهم المقابلات أنهم لم يقومو بإجراء بحوث حول برنامج المقياس الذي يدرسونه رغم اهتمامهم بالملتقيات العلمية والتي لا تدور في أغلبها حول مناهج علم الاجتماع، بل تتناول قضايا سوسيولوجية متنوعة معاصرة .وهذا أكد دراسة نتائج "بويابة محمد"القائلة بأن من سمات التعليم الجامعي هو عدم ملائمة المناهج الجامعية لواقع الحياة العلمية، وقدم المحتويات، وكلها عوامل تؤدي إلى تكريس وهدر الطاقة البشرية (ص85-90 ).ونفس النتيجة أكدها البحث الذي أجراه ّبوعبدالله لحسن" حول مدى استخدام التكنولوجيات التعليمية في الجامعة على عينة من جامعات الشرق الجزائري والتي انتهى فيها إلى أن أساتذة هذه الجامعات يعتمدون أكثر في ممارساتهم على الكتب، والتي مثلت نسبة 61% من تصريحات 421 طالب (لحسن بو عبد الله:2004، ص ص11-26 )

وهي عوامل أثرت على المردود التربوي للطالب، الذي أكد من جهته أن المحاضرة لا تساعده على فهم القضايا السوسيولوجية المعاصرة، وأخذنا في هذا السياق مثال :العولمة وتجلياتها وتأثيراتها على الوطن العربي حيث أثبتت نتائج تبويب البيانات أن نسبة ( 17%)أن المحاضرة تساعدهم على معرفة القضايا السوسيولوجية المعاصرة، بالرغم من أن العولمة موضوع مطروق في كم من ملتقى علمي، وعلى الرغم من ذلك لا يتناول الأساتذة في محاضراتهم القضايا السوسيولوجية المعاصرة، بل يكتفون بمجرد التقيد بالبرنامج المسطر في الغالب، بالرغم من أن الجامعة كما يقول "لخظر زكرياء " "منظمة استراتيجية تؤثر و تتأثر بالمجتمع المحلي والعالمي بما فيه من فرص و تهديدات ("لخضر زكرياء:1998،ص32 ) .وفي هذا السياق يتجسد معنى مقولة"حامد عمار" " بأن واقعنا التعليمي، وما حدث فيه من تطور، لا يزال أسير ثقافة الذاكرة ومرجعيات السلطة، وعمليات التذكر و الحفظ والاجترار للرصيد المعرفي والثقافي الراهن، ونقله بين الأجيال، ونجد في موروثنا الثقافي لمصادر المعرفة ظهيرا يبرز وينشد الاعتماد على المعلم والكتاب المقرر، بالإضافة إلى عدم تجديد الأساتذة لأفكارهم (حامد عمار: ص111 ).وهو ما يكون له أثر على تكوين الطلبة ,وهذا ما أكده "فريد النجار" في بحثه حول قياس الإنتاجية والإنتاج في البيئة المصرية المعاصرة، دراسة ميدانية، الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، .لتقديمها في مؤتمر الإنتاج في يونيو 1988، إلا أن هناك شبه اتفاق بين مفردات البحث على أن أزمات الإنتاج والإنتاجية ذات علاقة إرتباطية بمشكلة وأزمة التعليم الجامعي بوضعه الحالي مما يدعو إلى ضرورة البحث عن مفاتيح جديدة لتطوير التعليم الجامعي باستخدام آليات إدارة الجودة الشاملة والتطوير المستمر، فمثلا يركز التعليم على الشكل دون الجوهر في بعض المجالات، وعلى المعلومات دون المهارات في مجالات أخرى، لأن التعليم الذي لا يركز على التفكير المنظم أو السلوك الإيجابي، يعني إنتاج موارد بشرية سلبية عندما تدخل قنوات الإنتاج.(فريد النجار:1999 , ص49-50)

* لذا على المضامين المعرفية أن تتوافق وتتكيف مع التحولات والمتطلبات الداخلية من مناصب عمل، ومتطلبات المهنة ( الوظيفة ) وفي هذا السياق يؤكد "فريد النجار "أن الجامعات تحتاج، وبصفة مستمرة دورية لمراجعة الأطر التعليمية والأهداف والنتائج، حتى ثقف على الجديد في العالم (حاجات البيئة الوطنية، المقومات، المعوقات)، وتستطيع بذلك تشخيص المشكلات، وإعداد التخطيط الإستراتيجي لشكل جامعة الغد، ( فريد النجار : 1999، ص42 ).

ولتستطيع الجامعة تحقيق مستوى هذه الأهداف، على الأستاذ كفاعل في العملية التعليمية، أن يحاول تكييف منهاجه وبالأخص مضامينه المعرفية مع المتطلبات الخارجية بالاعتماد على المراجع المتخصصة والحديثة بالإضافة إلى الانتفاع من شبكة المعلومات للتعرف على آخر المستجدات، ولإفادة الطلبة بنقلها خلال التدريس.

ثانيا- طبيعة الممارسة البيداغوجية:

يفتتح الأستاذ محاضرته بتمهيد يتناول فيه مختصرا لأهم النقاط المكونة للمحاضرة الماضية، من دون أن يتطرق إلى أهداف المحاضرة، أو الكفاءات المرجو تحقيقها، إلا أنه يتطرق إلى شرح عناصر المحاضرة، من خلال طرق مفهوم المضامين التي تبدو غامضة ( جديدة) . إلا أنها لم تكن بصورة مستمرة، حيث أكدت البيانات الكمية المحصل عنها من تفريغ وتبويب بيانات الاستبيانات أن نسبة 46.42 من الطلبة تفيدهم في بعض الأحيان المحاضرة في اجتياز صعوبة غموض المفاهيم، ثم يقوم بسرد بعض القضايا السوسيولوجية المتعلقة بموضوع المحاضرة وفقا لمساراتها التاريخية والمعرفية من دون أن يقوم بعملية التفسير، بل يكتفي بمجرد نقل المعلومات إلى طلبته، حيث يتناول هاته القضايا منفصلة، أي على شكل عناوين فرعية، والتي يقوم بشرحها والتعليق عليها من خلال إدراج وجهة نظره، أو إعطاء أمثلة توضيحية من الواقع المعيش.

ولما يقوم الأستاذ بعرض عناصر المحاضرة وشرحها يعتمد على الأسلوب المختلط ( الدارجة مع الفصحى )، إلا أنه يمكن القول غلبة الفصحى على الدارجة، والتي يستخدمها الأستاذ في بعض الأحيان من دون قصد، وخاصة عند إعطاء الأمثلة، بالرغم من ذلك استطاع الأستاذ الحفاظ على الهدوء داخل المدرجات بالرغم من وجود بعض الأحاديث الجانبية .

وعند الإتمام من إلقاء المحاضرة يطلب من طلابه طرح جملة من الأسئلة إن وجدت، ويكتفي بمجرد الإجابة على الأسئلة التي تطرح من دون إثارة أسئلة تقويمية لمعرفة مدى تحقق أهداف الدرس.

وتأسيا على ما تقدم يغلب عليها الطابع التلقيني، وهذا ما أكدته دراسة "مصمودي زين الدين " التي أكدت بأن ًالأستاذ الجامعي لا يعتمد إلا على طريقة واحدة، وهي الطريقة التلقينية على رغم من النقائص والانتقادات التي وجهت لها، ويمكن تبرير ذلك بالنقص في التكوين البيداغوجي للأستاذ الجامعي الشيء الذي ينعكس على دوره التربويً ( مصمودي زين الدين: 2004، ص ص 77-82) .

 

وفي السياق ذاته يؤكد " قروي مليت" أنه لا تقتصر مهمة الأستاذ في تحصيل الطالب جملة من الحقائق، بل يهتم بتعليمه الطرق التي يستطيع بواسطتها أن يكشف الحقائق الأساسية الثابتة، عن طريق تدريبه على قراءة الكتب وطرق البحث ( قردب متليب: د ت، ص 115)، كما يجب عليه أن يستغيث ببعض فنون الممثل من ناحية، ورجل الدين من ناحية أخرى، فيجب استخدام صوته استخداما فعالا، بحيث يتجنب الرتابة في الإلقاء، وتنوع نغمة صوته، وتأكيده لما يقول، كما يجب استخدام حسه على نحو سليم، وأن يشعر طلابه بأنه لا يخشى وجودهم، وينبغي أن يتعلم استخدام إشارات وإيماءات حتى يستحوذ على اهتمامهم بمظهره المتغير، وأنة يؤكد النقاط التي يريد أن تكون ذات أثر في نفوس الطلاب، كما ينبغي أن يكون واضح النطق
( قردب متليب: د ت، ص 166)، بالمقابل نجد أن أساتذة علم الاجتماع يكتفون بمجرد إلقاء المحاضرة، من دون استخدام وسائل الإيضاح والتي تقرب الفهم، والإجابة على أسئلة الطلاب، وهذا ما يجعلهم قادرين على استبدال المحاضرة بكتاب قيم. لأنه لا يمكن إعطاء المعلومات واستيعابها، إلا إذا تم اكتسابها بطريقة حيوية، وكان استعمالها ديناميكيا، والطريقة الأكثر ديناميكية لاستعمال المعلومات المكتسبة، هي المحاولة بمجهود فكري مستمر دمجها لخلق انطلاقا منها مجموعة جديدة من المعلومات ( مراد بن أشنهو: د ت، ص 79)، بالإضافة إلى استخدام الوسائل التربوية والتي يستعين بها الأساتذة في تحويل المعلومات كاستعمال الوسائل السمعية البصرية، والاعتماد على المناقشة المنظمة، كل هذه العوامل تسهل الإستيعاب التام، وتمكن الطلبة من استيعاب المفاهيم والوقائع ( مراد بن أشنهو: د ت، ص 20)

وتأسيا على ما سبق يمكننا القول أن البيداغوجية النشطة هي التي تتصف بجملة من الميزات كاستخدام الأستاذ لوسائل الإيضاح، وتوظيفه السليم للغة، مع إثارة انتباه وميل طلابه عن طريق فتح المجال للحوار، والمشاركة في بناء المحاضرة كطرح الأسئلة عليهم بين فترة وأخرى، ومحاولة إسقاط المعلومات على الواقع المعيش، وتدريبهم على التحليل والتفسير، وأن تكون المحاضرة مجرد وسيلة لنقل المعلومات إلى الطلبة، وفي هذا السياق يمكن القول أن ما ميز البيداغوجية المتبعة من طرف أساتذة علم الاجتماع هي: عدم شرح الهدف من المحاضرة، ولا الكفاءة المرجو تحقيقها، سرد لمختلف المعلومات التي تحتويها المحاضرة، الاعتماد على الطريقة التلقينية، عدم استعمال وسائل الإيضاح. وهاته الخصائص تعكس صورة طريقة التدريس التقليدية، والتي يصبح فيها المتعلم محورا سلبيا( متلقيا فقط للمعلومات) في العملية التعليمية، ومن هنا بإمكان الطلبة الاستغناء عن المحاضرة واستبدالها بكتاب قيم.

ثالثا: الأصول النظرية الممارسة التكوينية:

تشير نتائج الدراسة إلى أن الطابع المسيطر على الممارسة الديداكتيكية للأستاذ في الجامعة هو الفعل التكويني التلقيني في حصة المحاضرة، وهو أمر يستدعي النظر إن في الوصف أو التفسير، إذ أنه يمكن أن يكون ذلك امتدادا لتقليد مألوف لم تتمكن الدعوات الجديدة نحو إستراتجيات تكوين أكثر مناسبة لمهارات الطلاب وقدراتهم من أن تحوز النصر المنشود، وهي كدعوات في ذاتها إشارات وعي ديداكتيكي رغما من أنه لم يدخل حيز التنفيذ بالشكل الذي يصير فيه تقليدا مألوفا، ويكفي في هذه المرحلة أنة يكون عامل استنهاض وانتباه واهتمام، وليس بغريب أن لا تجد العناصر الجديدة مكانتها في بناء كرسته أجيال سابقة من الأساتذة في جامعة فتية كالجامعة الجزائرية التي لم تعرف الجزأرة إليها سبيلا إلا بعد مضي سنوات بعد الاستقلال *وفيها عرفت تعاونا من أكثر من جنسية تحمل كل منها تجربة من ذاكرة جامعة المنشأ ومن الذاكرة الاجتماعية للمجتمع الذي تنتمي إليه.

وبالإظافة إلى ذلك جاز اعتبار بيئة الصف وبيئة المحيط الاجتماعي في الجامعة غير مهيأة تقنيا وإنسا نويا إلى قبول إستراتجيات تكوين تندرج ضمنها ثقافة الاتصال وبيداغوجيات التنشيط والحوار فهناك سلطة قائمة ليس بالمعنى المؤسساتي بل بالمعنى الذي يفيد أنها علاقة تلقائية تسري في الحياة الجامعية وتفرض نوعا من التسليم بالوضع مما يخلق طابعا سيكوإجتماعي يمثل طابعا متميزا فيظهر كسمة فاعلة في شخصية جمهور الجامعة(الأستاذ - الطالب )، ويقوم مقام قاعدة السلوك، وكل ذلك وحين التفاعل بين مكونات التركيب الجامعي البشري و المادي يؤدي إلى شيوع سلطة الأستاذ بوصفها من مستوجبات المهمة ومن ثم فلا تكون الممارسة التكوينية سوى امتداد لظاهرة السلطوية حتى وإن لم تجيء على نحو واحد أو شذت عن الظهور عند البعض لعوامل تجد تفسيرها في جهد مخلص وطموح .

إن شيوع الفعل التكويني التلقيني لايمكن اعتباره عيبا أو نقيصة في حصة المحاضرة إذا عرفت الظروف الفيزيقية وكثافة المدرج وطبيعة المادة العلمية التي قد تجعل من فتح الحوار في كل جزئية عامل فقدان التحكم في سير المحاضرة، وفساد التصميم الذي أعد لها خصوصا إذا كانت العموميات والمسلمات وقضايا شبيهة هي محل إثارات، ومناط كثير من التساؤلات فمثل هكذا الخوض يحول المحاضرة إلى حصة عمل توجيهي، أو إلى جلسة عامة، غير أن هذا لا يبرر التلقين عن طريق الإملاء لما في هذا الإجراء من ضرر بيداغوجي أخطر نتائجه ضياع الوقت في التدوين، وضياع الفهم البسيط أو المكين لأن انصراف الطالب إلى التسجيل لا يمنحه فرصة التفكير، وكذا فإن انشغال الأستاذ بالإملاء يحرمه واجب التلقين ( بمعنى التبليغ والتفهيم ). والمقصود أنه يمكن أن يحمل التلقين أكثر من لون وأكثر من أسلوب، فإن قام على تمكين الطالب من فهم الخطاب العلمي بمعانيه وأفكاره من خلال كتلة مفاهيمية مناسبة طوى الضرر الذي ينجر عن تلك الصورة التي يخيم عليها سكوت الطالب على مضض لكثرة ما يكتب وقلة ما يفهم وإنهاك الأستاذ في إنهاء ما خطط لإنهائه.

وما يتأدى كتخريج عندئذ هو أن الفعل التكويني التلقيني يمكن أن يكون نافعا إن اعتد بشروط النجاح وكان فيه أو منه ما يدفع باتجاه نماء الاكتساب الصحيح للمعرفة، ولا يكفي لبلوغ هذا المستوى الخبرة والموهبة والرغبة التي يتمتع بها طاقم التكوين رغم أهميتها بل التحكم بالعلم ضمان لاكتمال الفهم وحسن الأداء.

فالتعلم الإلقائي هو: طريقة تعليمية تتقلص فيها التبادلات بين المدرس والتلميذ إلى حدها الأدنى"( عبد اللطيف الفازبي وآخرون: 1994، ص 110).وهو الطابع الذي لوحظ في الممارسة التكوينية للأستاذ في قسم علم الاجتماع بجامعة محمد خيضر بسكرة، ويفيد أن نبين بأن تقلص التبادلات بين طرفي العملية التكوينية لم يمنع من فتح بعض الفرص لقيامها بطرائق متباينة كان أكثرها شيوعا تلك الفسحة الزمنية التي تمنح للطالب في نهاية المحاضرة ليسأل عما يريد استجلاءه أو تعميق فهمه فيه، ورغم أنها ليست كافية زمنيا ولا بيداغوجيا دائما، إلا أنها في الغالب تضفي على المحاضرة طابعا تعاونيا وإنسانيا بين الأستاذ وطلابه، الشيء الذي يشجع على استمرار التفاعل الصفي إلى خارج قاعة المحاضرة.

إن جهد الأستاذ في التكوين ليس مجرد بحث عن المعرفة العلمية التي تتطلبها عملية التغطية للوحدات المسندة إليه بل اجتهاد في عرضها وتبليغها وإثرائها وتحليلها، وهو حين يعتمد التلقين أسلوبا ويخلله بين الحين والحين بتحريك لكبرى القضايا التي يسوقها إنما يستنهض ملكات الطالب في النقد والتحليل والتركيب، وهكذا تتأتى الممارسة التكوينية عاكسة لموقف في علم الديداكتيك يمكن عده إطارا إحاليا مفسرا لهذا الفعل.

ففي تصنيف vial.j تقسم الطرائق إلى ثلاثة محاور أساسية:

-                  محور المدرس، ويشمل أربعة أنواع من التدخلات هي: المدرس كسلطة منيرة، المدرس كموجه، المدرس كشخص غير مالك للسلطة، المدرس كمنشط.

-                  محور المتعلم: ويشمل أربعة أنواع من التدخلات: غياب الدور الفاعل للتلميذ، توجيه التلميذ إلى حقائق معدة من طرف المدرس، إفعال شخصية حرة للتلميذ، التلميذ متحرر بشكل مطلق.

-                  محور الأهداف: ويشمل أربعة أنواع: أهداف محددة مسبقا، أهداف يعاد اكتشافها من طرف التلميذ، أهداف مقترحة من طرف التلاميذ، وأهداف من اكتشاف التلاميذ وابتكارهم، ويتقدم التنسيق بين هذه المحاور الثلاثة أربعة أنماط من الطرائق هي: تعليم دوغماتي، تعليم سقراطي حواري، تعليم نشط، تعليم لا توجيهي ( عبد اللطيف الفارابي وآخرون: 1994، ص 211).

ويظهر أن في هذا التصنيف تجد الممارسة التكوينية في حصة المحاضرة موقعا لها، وفيها وإن غلب طابع التلقين فإنه لا يشكل نموذجا واحدا، فالتلقين هو أيضا نموذج فرداني يختلف من أستاذ لآخر ومن محاضرة لأخرى كما إتضح ذلك من خلال الملاحظة.

وهو فوق ذلك يمتد بين نقطتين: السلبية والإيجابية، فقد يكون إملاء طاغية في حصة هامدة، وقد يكون تنشيطا من الأستاذ وتوجيها للطلاب على أهداف محددة، ومدروسة وهو في هذه النقطة يبلغ أوج العطاء، دافعا الطالب للتعبير عن قدراته في التحليل والتركيب فتظهر بعض من تلك الكفاءات في بعض التدخلات خلال تبادلات محدودة بين الأستاذ والطالب.

فالمعروف أن وراء كل تعليم إستراتجية محددة والتاريخ يزخر بعدد منها، والذي ثبت من هذه الدراسة شيوع المقاربة بواسطة المعرفة، ويفيد أن نشير وسواء كان الأستاذ على دراية أو كانت الموهبة أو الخبرة وراء ممارسة التكوين، بأن هذه المقاربة نوعان:

-                  المقاربة بالحافظة: وفيها تقاس درجة تمكن المثقف بقدرة استيعابه للمادة وحفظه الغزير لشتى التصانيف مع الإشارة أن الحافظة ليست مجرد تخزين المدركات كما هو الحال في الذاكرة، بل تتجاوز ذلك إلى صيانة المعطيات المدركة بعيدا عن الاجترار والآليات اللاشعورية، ولذلك فقد تتحول إلى ذكاء أو إدراك أو انتباه أو تفكيرا، هكذا يلاحظ أن التعليم بواسطة الحافظة أنتج عباقرة عبر الحضارات وفي العالم الإسلامي.

-                  المقاربة بواسطة المعرفة للمعرفة: وفيها يتجه المتعلم إلى إستعاب ما يكفيه من شتى أصناف المعرفة, لكن مع التمييز بين هظم المعرفة و استثمارها , فقد يكتفي المتعلم بالهضم فهما أو تخزينا, وقد يجمع بين الهضم والاستثمار .( بوكلي حسن جمال الدين :2003 ,ص1, 2 )

-                  ويؤدي عدم التحكم في هذه البيداغوجية عمليا وجهل الأساس الإبستمولوجي التي تنهض عليه إلى تحويل التكوين نحو ملكة الذاكرة وحشوها بالمعلومات، وهو ما قد يحول الفعل من سلوك الوعي إلى سلوك آلي يمتلأ روتينا ورتابة ويشيع فيه السأم والملل ويتحول فيه الطلاب من كائنات عاقلة ناقدة, سائلة, باحثة إلى كائنات مستجيبة لعوامل اللإشتراط البافلوجي .ويظهر من الدراسة أن الحاجة تدعو إلى تكييف التكوين وتبادل الخبرة والتجارب بين كثير من الأساتذة لتجاوز كثير من العوائق المعرفية والبيداغوجية إلى تنشيط الممارسة التكوينية للأستاذ.

وتعتبر إستراتيجيات الاكتساب كعمليات معرفية أساليب إجرائية غايتها الاحتفاظ والتخزين واسترجاع لمختلف المعلومات كلما دعا الموقف لذلك مع توظيفها في الوقت المناسب ,ويدور نشاط هذه الإستراتيجيات حول المحاور التالية:

- إعادة التنظيم وفيه يستخدم التفكير في أعلى المستويات .

-                  الإدماج: أي ربط المدجلات الجديدة بالمعارف المخزونة من قبل .

-                  التركيب:وهو تدعيم المركبات المخزنة بإتباع أساليب سيكو تربوية محكمة وهي تستدعي التركيب من المتعلم توسيع وإثراء للمادة المعروضة دون ضياع الدلالة الأصلية لها ,ومثل هذه الإستراتيجيات تحتاج إلى تخطيط موفق الاستدلال( بدرينة محمد العربي 1912 ص 57, 58 ) .

هكذا يظهر أن الفعل التكويني التلقيني هو من المرونة ما يجعله موضع إبداع لامتناه يشارك في صنعه الأستاذ و الطالب بالدرجة الأولى, وأنه يمتد إلى الحوار والإثارة واستهداف أكثر من ملكة وأنه يمتد إلى حلقات أخرى بعضها برقاب بعض حتى أنه بلامس أو يتقاطع مع الفعل التكويني الهادف أو الفعل التكويني بالكفاءة إذا وجد شرطيات الوعي الإبستمولوجي واستطاع ضرب قطيعة مع ظاهرة التلقين السلبي للمعلومات خلال التدريس.

والإلقاء هو ذلك السرد الذي يقوم به المعلم اتجاه المتعلم. بحيث يلقي معلوماته أمام المتعلم وهم يسمعون وينصتون ... لإستعابها وحفظها واستظهارها...غير بالرغم من ظهور الفلسفات التربوية الحديثة فضلا عن المستحدث في مجال البحث العلمي فلم يتأثر هذا الأسلوب في التدريس بل بقي كما هو حتى الآن وذلك يعود إلى :

أ‌-                   يمكن التلاميذ من اكتساب المفاهيم والمعلومات بطريقة فعالة

ب‌-               ...أصبح مقبولا من طرف المشتغلين بالتربية والتعليم.

ج- يمتاز بالسهولة بين المعلم والمتعلم.

د- يجعل المتعلم يعرف كيف يصل إلى أهدافه عن طريق استخدام هذا الأسلوب.

ه يجعل عملية التقويم سهلة وبسيطة في إعداد الاختبارات التحصيلية
(ناجي تمار 1114).

 

 

télécharger l'article