المرأة العاملة والعلاقات الأسرية

 

أ/ محامدية إيمان                    أ/ بوطوطن سليمة

    جامعة قاصدي مرباح ورقلة            جامعة  جيجل

    كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية         قسم العلوم الإجتماعية 

مقدمـــــــة:

ليست الأسرة أساس وجود المجتمع فحسب بل هي مصدر الأخلاق و الدعامة الأولى لضبط السلوك و الإطار الذي يتلقى فيه الإنسان أول دروس الحياة الإجتماعية إنها و بإجماع الآراء هي النظام الإجتماعي الوحيد الذي يأخد على عاتقه مسؤولية تحويل "الحيوان الإنساني" الصغير إلى مخلوق آدمي. و بدون أسرة يمكن أن ينتهي الميراث البيولوجي للإنسان بوصفه نوعا بيولوجيا إلى كارثة.و في مجال دراسة الأسرة و أهميتها تظهر موضوعات على جانب كبير من الأهمية أهمها العمالة النسوية.فقد شاركت المرأة منذ القديم في الحياة الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية ...و اليوم تعاود الظهور على خريطة العمل التنموي بكل أبعاده  و لكن بصور جديدة و بمعدلات إنتاج مختلفة ، فهل تعد هذه الإدوار استكمالا لأدوارها التاريخية أم استحداثا لأدوار لم تخضها بعد؟و منه تطرح إشكاليات مختلفة على الساحة الفكرية .

و رغم ارتفاع معدلات مشاركة المرأة العربية في الكثير من ميادين الحياة العامة سواء برغبتها ، أو بضغط من الظروف الإقتصادية أو السياسية إلا أن العادات و التقاليد العربية مازالت تصر على أن دور المرأة الأساسي هو أن تكون زوجة و أما ، و أن دور الرجل هو العمل خارج المنزل و إعالة أسرته .ومنه ينظر الكثيرون إلى عمل المرأة على أنه تحد للمجتمع لأنه يخرج على النماذج الأصلية الراسخة للحياة الأسرية  و على القيم و المعتقدات التي تساندها .و قد أدى التركيز في دراسات علم الإجتماع الأسري إلى توجه دائم نحو دراسة المرأة العاملة و التضخيم في آثار عملها خارج المنزل و نتائجه

و في بحث علاقة الدور الإجتماعي بصحة الإنسان النفسية ،  اتضح أن هذا الدور الإجتماعي لايصبح مصدرا لقلق الإنسان طالما أنه منسجم مع طموحاته و مع صورته عن نفسه و الصورة التي يرغب أن يكون عليها .أما إذا أصر المجتمع على فرض دور اجتماعي ما على إنسان أو فئة معينة ، في الوقت الذي يحلم هذا الإنسان أو تلك الفئة بحياة مختلفة ، فإن ذلك  هو الوقت الذي تبدأ فيه المعاناة النفسية بسبب الصراع المفروض على الإنسان بين التنازل عن أحلامه إرضاء للمجتمع أو السعي إلى تحقيقها في مواجهة للمجتمع .

و هنا تتضارب الآراء بشأن مصدر تلك المعاناة فبينما يذهب البعض إلى اعتباره يكمن في تلك الأدوار الجديدة التي تزيد من المعاناة ، يذهب البعض الآخر إلى اعتبار موقف المجتمع من تلك الأدوار الجديدة  و مدى استعداده لمساعدة المرأة على تحمل الأعباء الجديدة و التكيف معها،هو المصدر الجوهري .

أولا: دوافع خروج المرأة للعمل:

 تعد قضايا المرأة و موضوعاتها خصوصية إنسانية حضارية فرضت ذاتها بحكم العلاقة الدائمة بين المثال المطلوب و الواقع المعيوش  و لقد عانى الوجود البشري الأنثوي منذ أن كان من تأزم العلاقة أو تحلحلها (1)

و قد ظهرت في السنوات الأخيرة بحوث عديدة حول موضوع خروج المرأة لميدان العمل و بخاصة المرأة الأم بعض هذه البحوث تناول دراسة الدوافع وراء هذا العمل و بعضها اهتم ببيان نتائجه و لقد بينت الدراسات  الأولى في هذا المجال أن أهم دوافع خروج المرأة للعمل هو الحاجة الإقتصادية ، و المقصود هو حاجة المرأة الملحة لكسب قوتها أو حاجة الأسرة للإعتماد على دخل المرأة .و ما لبت أن تغير و قلت قيمة هذا الدافع تدريجيا بازدياد فرص التعليم وباتساع عدد المشتغلات و كذلك بالتغير الذي حدث في مفهوم دور المرأة.

فقد تبين أن للعمل في حد ذاته أهمية كبرى في حياة المرأة ،  و بمناقشة الدافع الإقتصادي يتضح أمران : بحوث بينت وجود حاجة مادية ملحة بمعنى أن الأسرة لا يمكنها أن تستغني عن عمل المرأة إذ هو يمثل حاجة حقيقية إلى المال ، بينما بينت بحوث أخرى أن عمل المرأة لا يعتبر ضرورة قصوى وإنما يساعد في رفع المستوى الإقتصادي و الثقافي للأسرة.

و الملاحظة التي يمكن تقديمها في هذا الإطار هو أن الدافع الإقتصادي مرتبط بالأساس الطبقي للمرأة التي تعمل ، فيكون الدافع الإقتصادي قويا و ملحا و يمثل حاجة قصوى كلما انخفضت بيئة المرأة العاملة.

 و هناك بحوث أخرى بينت أهمية الدافع الإقتصادي كعامل من عوامل الإرتقاء بالمستوى العام للأسرة .فقد يكون الدافع للعمل الوصول إلى مستوى أرقى من حيث التعليم أو تحقيق بعض الكماليات أو من أجل الوصول إلى مكانة اجتماعية أرقى .

ففي دراسة (يارو) عن عمل الأم و تربية الطفل عام 1961و التي أجريت على خمسين أما من الطبقة الوسطى و الطبقة الوسطى العليا و اللاتي يتردد أبناؤهن على المدارس الإبتدائية تبين أن 52% من الأمهات يعملن من أجل توفير أهداف صحية وثقافية و عملية لأفراد الأسرة لا يمكن توافرها إلا إذا عملت الأم و ساهمت عن طريق دخلها في رفع هذه المستويات .هذا و قد بينت دراسة أخرى لـ (هوفمان )عام 1958 عن آثار اشتغال الأمهات على بناء الأسرة أن ذكر الأسباب المادية للعمل إنما هو من الأفكار السائدة، فقد بينت الدراسة أن الأمهات اللاتي يتخذن موقف الرجل من سيادة الأسرة هن أكثر من غيرهن ذكرا للأسباب التي تدعوهن للعمل .

 و قد بينت نتائج البحوث المختلفة وجود دوافع أخرى تدفع المرأة الحديثة إلى الخروج للعمل ، أهم هذه الدوافع التحصيل و الإستمتاع بالعمل مع الرغبة في تأكيد الذات و كذلك ما يحققه العمل من حياة اجتماعية ، و إلى جانب الإستمتاع بالعمل و ما يحققه للذات من قيمة ، هناك دافع الرغبة في صحبة الآخرين و إشباع الحاجة الإجتماعية، ففي دراسة (فيشر)المستفيضة عن الإكتئاب لمائة عائلة من الأمهات اللاتي تخرجن من الكليات بنيويورك أجابت نصف مجموعة اللاتي يعملن أنهن كن يشعرن بالملل و الضجر أثناء وجودهن بالمنزل و أن خدمة الأطفال و القيام بالأعمال المنزلية أصبحت متعبة روتينية ، أما أصغرالمجموعات المشتغلات فقد قررن أن الطموح لمستقبل عملي كبير هو السبب الذي من أجله يعملن .

و الآن و بعد عرضنا لدوافع العمل نتطرق إلى نقطة مهمة و هي تحديد موقف المرأة ، و بخاصة الأم ، في أن تعمل أو لا تعمل ، هذه النقطة هي قوة الإيمان بأولوية واجبات الأمومة فإن ما يسهل اتخاذ المرأة لهذا القرار هو الفكرة التي تعتنقها عن الأمومة و مركزية مسؤوليات الأم الأسرية ، ففي بحث (يارو)السابق ذكرت أكثر من أربع أخماس الأمهات من الطبقة الوسطى غير المشتغلات أن السبب الذي يبقيهن في المنزل هو حاجة الأطفال لهن ، و قد قسمت مجموعة الخمسين سيدة إلى ثلاث مجموعات فرعية : مجموعة بلغت نسبتها 48 %قررت بأنهن لا يعملن لأنهن يحببن الأمومة ، و مجموعة 36% قررت بأنهن لا يعملن لأنهن يتمسكن بواجبات الأمومة ، و مجموعة 15% قررت بأنهن لا يعملن لأن هذا أسهل أو أكثر حرية . (2)

تعمل المرأة دائما أيا كان موقعها ، و لكن يختلف هذا العمل باختلاف الظروف الإقتصادية   و الإجتماعية المحيطة بها فا لمرأة الريفية و الحضرية تسهمان في الإنعاش الإقتصادي لأسرتيهما ، و لكن لكل منهما طريقتها الخاصة الميزة  (3)

و في هذا الصدد قامت (سورنسون )،بتصنيف توظيف النساء المتزوجات في أربعة أنماط :

1- النمط التقليدي :حيث نجد المرأة التي تعمل قبل الزواج تتوقف عن العمل ، إما عند الزواج    أو لدى وضعها طفلها الأول .

2- النمط المتقطع :الذي تتوقف فيه المرأة عن العمل عند الزواج  أو لدى وضعها طفلها الأول ثم تعود للعمل بعد فترة من إنجاب ولدها الأخير .

3- النمط المزدوج: وفيه المزدوج التام حيث تستمر المرأة في العمل طوال حياة الإنجاب.

و المزدوج غير التام حيث تعود المرأة للعمل قبل وضعها طفلها الأخير .

         4  -النمط غير المستقر: الذي يظهر دور المرأة التي تنتقل في سوق العمل         و خارجه في فترات مختلفة. (4) ثانيا:آثار عمل المرأة على العلاقات الأسرية

لقد أتاح المجتمع الصناعي الحديث و التقنية الحديثة الفرصة أمام المرأة للإلتحاق بالعمل و المساواة بالرجل و الحصول على أجر آخر نظير هذا العمل  .هذا الأخير الذي.يؤثرعلى الحياة الزوجية و العلاقات الأسرية في العصر الحديث  ليفسح المجال أمام   أسئلة عديدة تتعلق بعمل  الزوجة مثل : ماهي آثار عمل المرأة المتزوجة على تغير حال الأسرة ؟ هل التحاق الزوجة بالعمل يكون لتعاسة الأسرة و احتمال وقوع الطلاق بين الزوجين؟ هل يتعرض الأطفال الذين تعمل أمهم إلى الإنحراف أو المشاكل الشخصية ؟ و ما هي طبيعة العلاقات الداخلية بين أفراد الأسرة التي تكون الأم فيها عاملة ؟

كان لخروج المرأة للعمل أثره على عدة نواح أهمها التغير في حجم الأسرة وكذلك في العلاقات الزوجية هذا فضلا عن آثار اشتغال الأم على أطفالها  كما أن من نتيجة عمل المرأة حدوث بعض التغيير في القيم و الإتجاهات المعروفة.أما بالنسبة لحجم الأسرة فإن العلاقة بين حجم الأسرة و عمل الأم ليست علاقة بسيطة بسبب الكثير من العلاقات المتشابكة و خاصة بالنسبة للوضع الإجتماعي و الإقتصادي للمرأة المشتغلة . (5)

 

(1) وجيه فانوس :المرأة في الإسلام  ،مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانية (المرأة العربية بين الذات و الموضوع) ،معهد الإنماء العربي،عدد64، 1991. ص225.

 (2) كاميليا عبد الفتاح : سيكولوجية المرأة العاملة، نهضة مصر للطباعة و النشر ، مصر 1990،ص84-100.

(3) المرجع نفسه،ص84-101.

(4)هدى زريق:دور المرأة في التنمية الإجتماعية الإقتصادية في البلدان العربية ، مجلة المرأة العربية بين ثقل الواقع و تطلعات التحرر، مركز دراسات الوحدة العربية ، عدد15، ط2، لبنان .ص104.

إن المشاكل التي تتعرض لها الأم العاملة و أطفالها تعتمد أساسا على نوعية المرأة ذاتها ، و نوع العلاقة التي تقيمها معهم ، و نوع الرعاية التي تقدمها لهم ، و مدى استمتاعها بعملها  و في هذا الصدد يقال أن عمل المرأة يقدم للأطفال فرصة للتعاون و التعلم في المنزل و الإعتماد على النفس ،أو تفرض عليهم أعباء ثقيلة لا يتحملها إلا البالغين. و إذا حكمنا على المرأة العاملة و الأم بالإدانة كما يفعل الكثيرون فنحن نتهم ظلما عددا كبيرا من النساء اللائي لاتقدم لهن الظروف بديلا للعمل  و من الجدير بالذكر أن وجود الأم في المنزل لا يضمن نجاح علاقتها بزوجها و أطفالها ، و هنا يرى الكثيرون أن الوقت الطويل الذي تقضيه الأم مع أطفالها ليس دليلا على " الأمومة الصالحة"لأنه إذا كانت لدى المرأة رغبة شديدة في الإلتحاق بالعمل و تشعر أن أطفالها يعوقونها عن تحقيق ذلك فإن علاقاتها بهم قد تتأثر سلبا إلى حد كبير . (6) وقد يتوقع البعض أن أطفال الأم التي تعمل خارج المنزل يختلفون عن أطفال الأم غير المشتغلة ، و ذلك بافتراض أن المشتغلة تختلف عن الأخرى في اتجاهاتها نحو تربية الطفل و في تدريبها على ذلك ، و لكن المشاهدات و البحوث لا تدعم هذا الإفتراض و أكد هذا بحث(بيترسون) إذ لم يجد فروقا في العلاقات بين الأم و الإبن بالنسبة لمجموعتي الأمهات المشتغلات و غير المشتغلات .

و قد تعرضت بحوث أخرى للقلق و الذنب الذي يميز الأمهات العاملات فقد لاحظت (كليجر) أن المفحوصات من الأمهات المشتغلات أظهرن قلقا و إحساسا بالذنب بالنسبة لأطفالهن كما قررن أنهن يملن للتعويض عن غيابهن بالمحاولة الشديدة ليكن أمهات صالحات .

كما بين (فيشر)أيضا أن كثيرا من الأمهات المشتغلات يحاولن بشدة أن يثبتن لأنفسهن و لأقاربهن أنهن لم يهملن أطفالهن و أنهن يقضين معهن ساعات فعلية أكثر مما تقضيه في المتوسط ربات البيوت .و قد بين كل من (لويل و بورشينال) أن البيوت التي فيها الأم تعمل تميل إلى تفضيل طرق نظامية حاسمة و تشجيع أطفالها على الإستقلال.، كما بين( هوفمان) أن اتجاه الأم المشتغلة نحو النظام يتوقف على اتجاهها نحو العمل فالأمهات المشتغلات اللائي يستمتعن بعملهن كن أقل شدة في اتباع النظام ليستخدمن وسائل سيطرة و سلطة مع أطفالهن أقل من الأمهات غير المشتغلات .و نشير هنا إلى بحث هام قامت به الدكتورة (بثينة قنديل) في دراستها للمقارنة بين أبناء الأمهات المشتغلات و غير المشتغلات من حيث بعض نواحي شخصيتهن و قد انتهت إلى النتائج التالية :

 

(5)كاميليا عبد الفتاح :مرجع سابق،ص84-101.

(6) سناء الخولي:الأسرة و الحياة العائلية ، دار المعرفة الجامعية ، مصر، 2008. ص99-100

1-             تكيف أبناء المشتغلات يقل كلما زاد غياب الأم اليومي عن خمس ساعات .

2-             للمستوى الإقتصادي و الإجتماعي أثره على تكيف الأبناء عندما تكون الأم مشتغلة و كلما ارتفع المستوى كان التكيف أفضل .

3-             درجة تعليم الأم ليس له أثر في تكيف الأبناء إذا قارنا بين أبناء الأمهات المشتغلات اللاتي نلن تعليما متوسطا و تعليما عاليا ، و لكن الأثر واضح عندما نقارن بين الأمهات المتعلمات و اللائي لم ينلن أي قسط من التعليم .

4-              لم يظهر البحث أن لنوع الأم البديلة تأثيرا على تكيف الأبناء  فلا يوجد فرق بين الأطفال الذين كانوا يتركون في رعاية الأقارب و أولئك الذين كانوا يتركون في رعاية الخدم.

5-              أبناء المشتغلات أكثر طموحا من غيرهم .

و في بحث لتحديد مدى العلاقة بين مشاغل المرأة المتزوجة الخارجية و بين عملية تخطيط الإنجاب تبين أن عدد أطفال النساء المشتغلات أقل من عدد أطفال الأمهات المشتغلات بالنشاط الإجتماعي و أن كلا من السيدات من هذين الفريقين يرغبن في عدد أقل من الأطفال إذا ما قورن بالنساء غير المشتغلات يأي عمل خارجي . (7)

2-             آثار عمل المرأة على علاقتها بزوجها :

من المحتمل أن نتوقع حدوث تغيير في العلاقة الزوجية داخل الأسرة التي تعمل فيها الزوجة ،بحيث يتضح وجود اختلاف بين هذه الأسر و بين الأسر التي لا تعمل فيها الزوجة خارج المنزل.  و قد أجري الكثير من الأبحاث لتقييم التوافق الزواجي بين الزوجات المشتغلات و من بينها تلك التي قامت بها جامعة كولومبيا عن مشاكل الأمهات العاملات حيث تبين فيها أن ثلثي مجموعة الزوجات العاملات يشعرن بأن صحبتهن لأزواجهن تحسنت و سعدت نتيجة خروجهن للعمل و قد قام (لوك و ماكبرانج ) ببحثين عن التوافق الزواجي على أزواج "زوج و زوجة" في أسر تعمل فيها الزوجة و أسر أخرى لا تعمل فيها الزوجة ، كما تضمن هذان البحثان مفحوصات ممن لديهن أطفال و أخريات ليس لديهن أطفال : و كانت النتيجة عدم اختلاف بين متوسط التوافق الزواجي في كل من المجموعتين  و يعتبر بحث(فيشر) في نيويورك عن العلاقات الزوجية بين الأمهات العاملات و الأمهات غير العاملات هو أقوى و أدق هذه الأبحاث الأولى التي ظهرت في مجال المرأة المشتغلة .

 و تشير دراسة اجتماعية بعنوان" اشتغال المرأة و أثره في بناء الأسرة و وظائفها " إلى النتائج التالية :

1-             إن اشتغال المرأة لم يؤثر في رئاسة الرجل للأسرة ، فلم تتول المرأة هذه الرئاسة إلا في حالة غياب الزوج فقط.

أصبح دور المشتغلة أكثر إيجابية من الناحية الإقتصادية ، كما ازدادت نسبة الحالات التي انفردت فيها بهذه السلطة ، بينما تناقصت حالات انفراد الرجل بها ، و هذه النتيجة أكدت الفرض القائل بأن اشتغال المرأة أدى إلى ازدياد نفوذها في الأسرة .

2-             ازدادت كفاءة الأسرة في أدائها لوظيفة التنشئة الإجتماعية من ناحية ازدياد التعاون بين الزوجين في تربية أبنائهما و اضطرار الأبناء الإعتماد على أنفسهم و تحمل بعض المسؤوليات مما يهيئ لهم فرصا أفضل للنمو السليم ، غير أن تعرض الأطفال للإهمال أثناء غياب الأم في عملها يمثل من ناحية أخرى عجز الأسرة عن أداء أهم و ظائفها . (8)

كما تؤكد نتائج دراسة (لي Lee )1977 إلى وجود علاقة إيجابية بين العمل والرضا الزواجي. (9)  

ونستدل على هذه الإيجابية من خلال  موافقة أزواج العاملات لالتحاق زوجاتهن بالعمل  مبررين ذلك بـ:

1-               المرأة العاملة قادرة على تحمل المسؤولية و مواجهة الصعاب .

2-               المرأة العاملة أقدر على مساعدة زوجها في الإنفاق على الأسرة.

3-               إن عمل المرأة يساعد على رفع مستوى  معيشة الأسرة.

4-               العمل حق لكل مواطن بما في ذلك المرأة.

5-               تعمل المرأة لتشغل وقت فراغها.

6-               عمل الزوجة ضمان لمستقبل الأسرة و الأولاد.

و يؤيد ذلك التغير التقني و ما أتاحه من إمكانيات و تقنيات عاون الأسرة على التغلب من حيث الوقت و الجهد في إدارة الشؤون المنزلية ، الأمر الذي خلق ظروفا ملائمة لقيام المرأة بعمل مستقل عن عمل زوجها خارج المنزل .و معنى هذا أن تغير الأسرة بتأثير التكنولوجيا و في ظروف ملائمة سوف يؤدي إلى اتساع نطاق عمل المرأة ليصبح ظاهرة في المجتمع ، و إذا وسعنا مفهوم العمل

ليشمل القيام بأي عمل إنتاجي أو له طبيعة إقتصادية من زاوية الأسرة، فإن كل الزوجات هن عاملات بالفعل. (10)

.أما دراسة (سيرز و جالمبوزSears ;Galambos)عام1992 فوجدت أن المرأة العاملة تمر بضغوط عمل أكبر ، و لديها ضغوط نفسية أكبر، و تكيف زواجي بصورة أقل ، و أن ظروف

 

(7) كاميليا عبد الفتاح :مرجع سابق،ص84-101.

العمل الجيدة مثل عدم وجود أعمال إضافية يمكن أن تنعكس بصورة إيجابية على العلاقات الأسرية.

و في دراسة (فانوي و فيليبرVannoy ;philiper)1992 عن" عمل الزوجة و جودة الزواج " تبين أن عمل المرأة ليس له تأثير على نوعية الزواج بقدر ما لاتجاهات الجنسين تجاه الدور

على نوعية الزواج  و أن العامل المؤثر الأكبر على نوعية الزواج بالنسبة للزوجين هو القدرة على إعطاء المساندة و الدعم.

أما دراسة (حلمي )عام 1997 فقد أشارت إلى ما تعانيه الأم العاملة من صراع للأدوار في المجتمع الإماراتي ، حيث تعاني من أعباء كثيرة من تربية الأبناء و متابعة تحصيلهم الدراسي و تلبية احتياجات الزوج و القيام بالعلاقات الاجتماعية مع الأهل و الأصدقاء، إضافة إلى كونها ربة منزل .كما بينت الدراسة الأسباب الكامنة وراء ما يثار عن مشاكل المرأة العاملة و من أهمها ما يلي: عدم اقتناع الزوج بعمل زوجته إضافة إلى الأهل و المجتمع.

1-               عدم وجود المؤسسات التربوية التي توفر للأطفال رعاية بديلة بدلا من الإعتماد على المربية الأجنبية.

2-               صعوبة تقييم كل طرف للآخر بناءا على أدوارهما المتوقعة التقليدية.

3-               ارتفاع المستوى التعليمي للزوجة يشعر الزوج بالغيرة و الإحباط خاصة إذا كانت الزوجة في مركز وظيفي أعلى منه.

4-               نجاح الرجل في عمله يؤدي إلى توقع نجاحه في أداء دوره كزوج ، لكن نجاح المرأة في عملها يجعل الناس يخشون عدم نجاحها كزوجة و أم.

5-               فشل الزوجة في وضع خطة مناسبة للتوفيق بين أدوارها المتعددة و ترى الباحثة أن نجاح المرأة في تحقيق التوازن بين البيت و العمل أساسه المشاركة الإيجابية من جانب الزوج و الأبناء و المجتمع . (11)

و فيما يخص شبكة العلاقات الأسرية فإن التنظيم الأسري يتجلى في ثلاث أنواع هي:

1-التنظيم المتمم أو المكمل :الذي تكون فيه أنشطة الزوجين مختلفة و لكنها تتلاءم معا لتكوين كل واحد .

2- التنظيم المستقل : الذي تنفذ فيه أنشطة الزوجين بصورة مستقلة دون رجوع كل منهما إلى الآخر.

3-التنظيم المترابط : الذي يمارس فيه كلا الزوجين أنشطتهما معا و ليس هناك تقسيم واضح للعمل بينهما .

(8) كاميليا عبد الفتاح :المرجع نفسه ،ص84-101.

(9)   كلثوم بلميهوب : الإستقرار الزواجي –دراسة في سيكولوجية الزواج-المكتبة العصرية ، مصر،2010.ص92-94.

 (10)عبد المجيد منصورو زكريا الشربيني: الأسرة على مشارف القرن 21 ،دار الفكر العربي ، ط1، مصر 2000،ص141 -142.

 

و منه تستخدم عبارة "انفصال دور العلاقات الزوجية " هنا للتعبير عن العلاقة التي تكون فيها أنماط التنظيم المتممة هي السائدة .حيث يوجد تمايز واضح بين الزوجين في الأعمال و في عدد كبير من الإهتمامات . إلى جانب تقسيم محدد للعمل تبعا للذكورة و الأنوثة .

في حين تستخدم عبارة "اتصال دور العلاقات الزوجية" لتعبر عن العلاقة التي يكون فيها التنظيم المترابط هو المسيطر . (12)

كما أن إضطراب دور الزوج و عدم وضوح الرؤية بالنسبة له ، هو من أهم أسباب الإضطرابات الزوجية بشكل عام .فبعض الرجال في المجتمعات العربية برغم كونهم لم يعودوا المعيلين الوحيدين للأسرة بعد دخول المرأة مجال العمل ، إلا أنهم لا يزالون متمسكين بمركزهم كأصحاب السلطة الوحيدين  هذا الأمر الذي تقبله معظم النساء حتى العاملات منهن غير أن بعض النساء لا تقبلن هذه السلطة المطلقة و تقمن بالتعبير عن آرائهن في كثير من أمور الأسرة كتربية الأولاد و ترتيب ميزانية البيت ... و لهذا نرى ازديادا ملحوظا في  إضطرابات الحياة الزوجية تصل في بعض الحالات إلى الطلاق . (13)

3-            آثار عمل المرأة على نفسها:

إن التحرر الجزئي للمرأة الذي ظهر في انتقالها من مجرد حارسة للبيت إلى أن تصبح منافسا قويا للرجل في ميادين الصناعة و التجارة و غيرها من المهن ، كانت له انعكاسات إيجابية بناءة و أخرى سلبية هدامة في شخصيتها.فمن الناحية الإيجابية إن العمل خارجا ساعدها للقيام بدور نشيط من خلال المساهمة في تطوير المجتمع و في تطوير شخصيتها  سيكولوجيا ، فالعمل الخارجي ساعدها على تسامي رغباتها المكبوتة بسبب شعورها بالنقص أثناء مرحلة طفولتها مقارنة بالرجل ،

 

(11) كلثوم بلميهوب : الإستقرار الزواجي –دراسة في سيكولوجية الزواج-المكتبة العصرية ، مصر،2010. ص92-94.

(12) سناء الخولي مرجع سابق ،ص78-79. 

(13)عبد العزيز السيد الشخصي: علم النفس الإجتماعي ، مكتب القاهرة للكتاب ، ط1، مصر،2001.ص 56،57.

 

ثم إن المرأة  و من خلال عملها هذا تريد أن تثبت كفاءتها و فعاليتها بدلا من دورها الهامشي  في المنزل ، كما أن العمل يمنحها القوة و الثقة بالنفس و يطمئنها على مستقبلها و مستقبل أطفالها خاصة إذا ما غاب عنها زوجها أو توفي ، كما يمنحها مشاعر الأهمية بالإضافة إلى القدرة على الإنتاج .

أما من الناحية السلبية فتؤكد جميع الدراسات السيكولوجية أن المرأة تواجه جملة من الإضطرابات النفسية نتيجة خروجها للعمل ، رغم أنها خرجت للعمل بملء إرادتها .فالمرأة العاملة تشعر بالإكتئاب و الإحساس بالذنب ، فهي متشتتة الفكر ما بين عملها و ضرورة تأديته على أكمل وجه و ما بين أسرتها و أطفالها و منزلها إن تواجدها في هذه الحالة يجعلها فريسة التوتر المستمر الذي يهدد بناء شخصيتها فينعكس على سلوكاتها و تصرفاتها و يرافق هذه المشاعر بعض الأعراض الأخرى الثانوية مثل فقدان الشهية و الأرق و البكاء  المتكرر ، و إذا ما اشتدت حالة الإكتئاب تحولت إلى مرض  و من تم عجز عن العمل .

كما أن المرأة العاملة كثيرا ما تنتابها مشاعر الخوف و القلق  هذا الأخير الذي يعمل كإشارة إنذار للأنا بوجود خطر و تهديد داخلي أو خارجي يهدد الشخصية و بالتالي إعداد العدة لمواجهته بحشد مزيد من الطاقة لحماية الشخصية و تتنوع مصادر القلق لدى المرأة العاملة فقد يعود إلى عدم قدرتها على إرضاء دافع الأمومة  أوبسبب ظروف العمل و عدم التكيف معها في مقابل حاجتها للحفاظ على مكانتها المهنية  و إثبات قدرتها الوظيفية .

هذا بالإضافة إلى كونها تحت حالة التوتر و الإنفعال سواء في العمل أو في المنزل نتيجة تحملها ما يفوق طاقتها . أما من الناحية الجسمية فإن عمل المرأة يخلف لدى الغالبية لدى الغالبية من النساء اضطرابات في الجهاز الهضمي و ارتفاع ضغط الدم و ارتجاف و خفقان في القلب ناهيك عن الأعراض الوجدانية و العقلية مثل صعوبة في التركيز ، ضعف الذاكرة ، صعوبة اتخاذ القرارات و هذا كله يعكس ضعف في الأداء و هو من بين آثار الإجهاد الطويلة. (14)

كما أكدت بعض الدراسات وجود اتجاهات أقل إيجابية لدى النساء العاملات المتزوجات مقارنة بنظيراتهن غير العاملات و يمكن إرجاع ذلك إلى صراع الأدوار التي تعاني منه المرأة المتزوجة أن الاختيار بين البيت و العمل اختيار صعب و يمثل مشكلة انفعالية لها  تسبب لها عديدا من الإحباطات و التوتر و القلق و الحيرة مما ينعكس على اتزانها الإنفعالي ، فالمرأة المتزوجة كثيرا ما تعيش إحساسا بالذنب بالنسبة لبيتها و زوجها .

و لاشك أن الدور الإجتماعي الذي تقوم به المرأة المتزوجة العاملة و تعدد مسؤولياتها لا يساعدها كثيرا على أن تتفرغ لشؤون بيتها و أولادها هذا بخلاف الضغوط التي تقابلها داخل العمل كالعلاقة بالرؤساء و الزملاء و المرؤوسين و هي ضغوط لا يمكنها أن تتخلص من تأثيرها على منزلها و مما يترتب عليه اضطراب  حياتهاالعائلية و فقدانها القدرة على التكيف و تحقيق ما تصبو إليه من سعادة زوجية . (15)

إن المرأة التي "تختار" أن تعيش حياتها متجاوزة حدود المنزل ، قد تستمر حاملة في داخلها شعورا بأن دلك ليس المتوقع و المنتظر منها اجتماعيا ، و يصبح عليها بالتالي ، سواء أكانت واعية لذلك أم لا أن تثبت لنفسها و لمن هم حولها أنها لم تسيء الإختيار ، و أنها جديرة بما اختارت . و لكي تثبت هذا الأمر يصبح الخطأ أمرا غير مقبول ، رغم أن كل قرار و كل تجربة يحملان دائما احتمالات الخطأ و الصواب و لكن المجتمع يكون في العادة أكثر تسامحا مع أخطاء الرجال منه مع أخطاء النساء. (16)

تخوض المرأة العربية ، إذا صراعا متعدد الجوانب  فهناك الصراع بين القيم الموروثة و القيم الجديدة التي تعلي من شأنها ، و هناك صراع الأدوار داخل الأسرة أيضا بحيث تسعى المرأة إلى إعادة توزيع الأدوار بعد مشاركتها في العمل ، بينما يتمسك الرجال بمكاسبهم التقليدية . (17)

نتائج عمل الزوجة على مركزها في الأسرة : أسفر عمل الزوجة عن رفع مكانتها و بسط نفوذ أكبر حيث :

1-أن الزوجة كامرأة قد أتيح لها نظريا و عمليا أن تتعلم و أن تعمل و أن تستقل اقتصاديا ،و أن تتمسك بعملها و أن تشارك في مسؤولية رعاية الأسرة داخليا و خارجيا و ما أتاحته الأدوات التكنولوجية الحديثة من إمكانيات ، استطاعت المرأة عن طريقها أن تجد من الوقت ما تستغله إما في نشاط إنتاجي داخل الأسرة أو عمل له طابع اقتصادي خارجها . و مع أن نسبة الزوجات العاملات مازالت نسبة ضئيلة بالقياس إلى مجموع الزوجات في المجتمع ، فإن هؤلاء يعملن بصورة أو بأخرى و زادت مسؤولياتهن داخل المنزل بشكل لم يكن موجودا  في الأسرة الممتدة.

 

(14)مليكة بن زيان :انعكاسات خروج المرأة للعمل على الأسرة و على صحتها النفسية و الجسمية ، مجلة البحوث و الدراسات الإنسانية ،منشورات جامعة 20أوت 1955 سكيكدة ،عدد03، 2008.ص203-208.

 

2-كان من المتوقع نتيجة إقبال بعض الأسر على تنظيم النسل و استخدام الأدوات التقنية و اشتغال الزوجة ، أن تتناقص مسؤولية المرأة داخل الأسرة و خاصة فيما يتعلق بالشؤون المنزلية ، حيث كان شائعا أن المرأة العاملة تصرف من الوقت و الجهد على حساب رعايتها للوحدة الأسرية .و لكن تبين أن الزوجة مازالت تحمل مسؤولية إدارة المنزل إلى جانب تحمل مسؤولية الوظيفة ، كما تشرف في نفس الوقت على رعاية الأطفال و مراقبة سلوكهم ، فكأن عمل المرأة في هذه الحالة لم يقلل من المسؤوليات التقليدية التي كانت تضطلع بها الزوجة في تاريخ الأسرة الإنسانية.

3-لا نستطيع أن ننكر أن العلاقات الأسرية في الأسرة التي تعمل فيها الزوجة قد تأثرت بعمق ، وإن كانت نتائج ذلك تختلف من فئة لأخرى ، و يعكس هذا الإختلاف المستويات الإقتصادية و الثقافية و الميول ، و من أبرز جوانب التأثر ذلك الصراع الظاهر أو المستتر بين الزوج و الزوجة على السيادة و الميزانية و الإدخار و معاملة الأطفال و الصلة بالنسق القرابي و تمضية وقت الفراغ و غير ذلك من المسائل التي طرحها و أفرزها التغير الإجتماعي بوجه عام ، و من المتوقع ازدياد هذه المؤثرات على العلاقات الأسرية ، و لكن ليس إلى الدرجة التي تسبب انهيار الأسرة .

و مع أن وسائل التقنية الحديثة ، قد أتاحت للمرأة و خاصة المتعلمة ، فرصا عديدة للعمل و قضاء وقت الفراغ بصورة متنوعة ، إلا أنه من غير شك ، و نظرا لعدم ارتياح الرجال إلى أي تخفف من جانب المرأة من حيث مسؤولياتها كامرأة و كزوجة ، فإن العبء الملقى على االزوجة أصبح مضاعفا ، مما يسبب لكثير من الزوجات الإرهاق و الإحساس الدائم بالتعب ، و ربما فقدان الصفات المميزة للأنوثة نتيجة لتعرضها لصراع الأدوار. (18)

 

(15)سهير كامل أحمد :  علم النفس الإجتماعي بين النظرية و التطبيق ، مركز الإسكندرية ، 2001.ص 147.

(16)عايدة سيف الدولة : النفس تشكو و الجسد يعاني ، دليل المرأة العربية في الصحة النفسية-نور جمعية المرأة العربية، ط1، لبنان ،2003،42.

(17) عبد القادر عرابي:المرأة العربية بين التقليد و التجديد ، مجلة المرأة العربية بين ثقل الواقع و تطلعات التحرر، مركز دراسات الوحدة العربية ، عدد15، ط2، لبنان .ص40

 (18)عبد المجيد منصورو زكريا الشربيني: الأسرة على مشارف القرن 21 ،دار الفكر العربي ، ط1، مصر 2000،144-145.

 

4-ثالثا: الإقتراحات والحلول الممكنة

من المسلم به أن وضع المرأة العربية الإجتماعي قد تغير تغيرا جذريا عما كان عليه من قبل عقدين أو أكثر ظل المنزل حتى عهد ليس ببعيد ، عالم المرأة ، تولد ، تعيش ، تعمل و تموت فيه إنه عالم ثابت ترث فيه أدوارها الإجتماعية عن أمها ، لكن عالم المرأة اليوم غير عالم الأمس ، فبفضل التربية و التعليم و العمل تبدلت أحوالها ، فتزايد عدد المتعلمات و العاملات ، و صارت المرأة العربية تشارك إلى حد ما في الحياة العامة كما تراجع جزئيا سلطان العادات و التقاليد الذي كان يكبلها و يحدد دورها و مركزها الإجتماعيين . يلاحظ أن غالبية الأسر التي تكون الزوجة فيها عاملة يرحبون بهذا العمل و يعتبرونه مصدرا هاما و أساسيا في زيادة دخل الأسرة ، و رفع مستوى المعيشة فيها و تؤكد معظم الأسر التي تعمل فيها الزوجات عدم و جود أي دليل على أن عمل الزوجة "الأم " يكون له أثر سيء على الأطفال ، أو على العلاقة بين الأم و أطفالها . (19)

التوصيات كثيرة بشأن المرأة لكن العبرة في التطبيق ، و في تغيير عقلية الرجل و المرأة ، و إدراكهما أن كل منهما يكمل الآخر و فيما يلي أهم المقترحات :

1- من أجل التوفيق بين العمل في الخارج و أعباء الأسرة و رعاية الزوج و الأطفال تلجأ الزوجات العاملات إلى وسائل متعددة طرق متعددة لرعاية أطفالهن أثناء غيابهن في العمل ، و لكن ذلك يختلف باختلاف الفئة التي تنتمي إليها الزوجة .و قد تبين أن غالبة الزوجات العاملات يلجأن إلى تنظيم الوقت بدقة و الإستعانة بأم الزوجة أو حماتها أو خادمة أمينة أو إلحاق الطفل بإحدى دور الحضانة حتى يصل إلى السن التي تمكنه من الإلتحاق بالمدرسة ، و استخدام الأدوات المنزلية الحديثة ، و إرسال الأولاد إلى   المدارس ، و قد ظهرت أهمية الأدوات المنزلية الحديثة بشكل واضح كوسيلة رئيسية تساعد الزوجة في التوفيق بين الإلتحاق بالعمل و رعاية شؤون الأسرة بالرغم من أن

هذه الأدوات المهمة مازالت غير متوافرة عند كثير من الأسر لارتفاع أسعارها و انخفاض المستوى الإقتصادي للأسرة. (20)

إن تشجيع التوازن بين دوري المرأة ، يتطلب وعي المجتمع عامة و أرباب العمل خاصة، بضرورة تقديم الخدمات و التسهيلات للمرأة ، ضمن نظام مطور لممارسة العمل .و تقدم هده التسهيلات الفرصة للمرأة للمزج بين دوريها ضمن أي نموذج تختاره و بذلك تكون هذه الخدمات بمثابة اعتراف بأهمية ما تقدمه المرأة للمجتمع من خلال عملها المنزلي و خصوصا بالنسبة لقيمة عملها في رعاية و تربية الأطفال الذين يشكلون المورد البشري للمجتمع في المستقبل. (21)

-                    تطوير قيم حضارية تتفق مع الواقع المتغير .

-                    إدراك ظروف المرأة الخاصة و تكييف أوقات العمل معها بشكل يجعلها توفق بين العمل و تربية الأطفال.

-                    إنشاء دور الحضانة للأطفال الرضع و الصغار في سائر المصانع و المؤسسات و إعفاء النساء الرضع من العمل .

-                    بيان الحدود الواضحة لدور الذكر و الأنثى ، و الحد من تعدد الأدوار و إثقال كاهل المرأة بأعمال داخل المنزل و خارجه . (22)

-                      الخلاصة :إن الكثيرات من النساء العربيات قد يجدن أنفسهن اليوم في صراع مع صورتين ،صورة تقليدية يحملها التراث و الماضي فالمرأة في الثقافة التقليدية تدور دائما في فلك رجولي و صورة واقعية و مستقبلية تعكسها حياة النساء اليومية .

-                      إن المعاناة التي تعيشها الكثيرات من النساء نتيجة لاختياراتهن التي قد تتعارض أحيانا مع ما يتوقعه منهن  المجتمع ، ليست في الحقيقة نتيجة ذنب اقترفنه ، و إنما بسبب أن الثقافة و التقاليد العربية قد رسمت أدوارا محددة للرجال و النساء منذ سنوات طويلة ، و لم تنجح بعد في تطوير نفسها لتواكب التغيرات الإجتماعية و الإقتصادية السريعة التي شهدتها العقود الأخيرة .  فمن حق كل إنسان  بما في ذلك المرأة أن يعيش حياته بالشكل الذي يستجيب لاحتياجاته و يمنحه درجة أكبر من الشعور بتحقيق الذات .

-                      و بناء عليه فإن  تشجيع التوازن بين دوري المرأة ، يتطلب وعي مجتمعي بضرورة تقديم الخدمات و التسهيلات اللازمة للمرأة ، ضمن نظام مطور لممارسة العمل .و أهمية المرأة و مركزها داخل الأسرة و المجتمع يجعل مسألة تقديم السند و الدعم اللازمين ضرورة حتمية.

 -          (19)  عبد القادر عرابي:مرجع سابق،ص35.

-           (20)عبد المجيد منصورو زكريا الشربيني: مرجع سابق،141-145.

-          (21)هدى زريق:دور المرأة في التنمية الإجتماعية الإقتصادية في البلدان العربية ، مجلة المرأة العربية بين ثقل الواقع و تطلعات التحرر، مركز دراسات الوحدة العربية ، عدد15، ط2، لبنان .ص107

-          (22) عبد القادر عرابي:مرجع سابق ،ص54

 

قائمة المراجع:

1-سامية ساعاتي : علم إجتماع المرأة ، مكتبة الأسرة، مصر ، 2003.

2-سناء الخولي:الأسرة و الحياة العائلية ، دار المعرفة الجامعية ، مصر، 2008.

3-سهير كامل أحمد :  علم النفس الإجتماعي بين النظرية و التطبيق ، مركز الإسكندرية ، 2001.

4-عايدة سيف الدولة : النفس تشكو و الجسد يعاني ، دليل المرأة العربية في الصحة النفسية-نور جمعية المرأة العربية، ط1، لبنان ،2003.

5-عبد العزيز السيد الشخصي: علم النفس الإجتماعي ، مكتب القاهرة للكتاب ، ط1، مصر،2001..

6-عبد القادر عرابي:المرأة العربية بين التقليد و التجديد ، مجلة المرأة العربية بين ثقل الواقع و تطلعات التحرر، مركز دراسات الوحدة العربية ، عدد15، ط2، لبنان .

7-عبد المجيد منصورو زكريا الشربيني: الأسرة على مشارف القرن 21 ،دار الفكر العربي ، ط1، مصر 2000.

8-عدلي علي أبو طاحون ، حقوق المرأة –دراسات دينية و سوسيولوجية-المكتبة الجامعية، مصر ،2000.

9-كاميليا عبد الفتاح : سيكولوجية المرأة العاملة، نهضة مصر للطباعة و النشر ، مصر 1990.

10-كلثوم بلميهوب : الإستقرار الزواجي –دراسة في سيكولوجية الزواج-المكتبة العصرية ، مصر،2010.

11- مليكة بن زيان :انعكاسات خروج المرأة للعمل على الأسرة و على صحتها النفسية و الجسمية ، مجلة البحوث و الدراسات الإنسانية ،منشورات جامعة 20أوت 1955 سكيكدة ،عدد03، 2008.

12-موزة غباش: المرأة و التنمية في دولة الإمارات العربية المتحدة ، مجلة المرأة العربية بين ثقل الواقع و تطلعات التحرر، مركز دراسات الوحدة العربية ، عدد15، ط2، لبنان.

13- هدى زريق:دور المرأة في التنمية الإجتماعية الإقتصادية في البلدان العربية ، مجلة المرأة العربية بين ثقل الواقع و تطلعات التحرر، مركز دراسات الوحدة العربية ، عدد15، ط2، لبنان .ص107

14-وجيه فانوس :المرأة في الإسلام  ،مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانية (المرأة العربية بين الذات و الموضوع) ،معهد الإنماء العربي،عدد64، 1991.

 

 

 Télécharger l'article