العنف الأسـري الموجـه ضد الطفـل

 

سعـد الـدين بوطبـال

أستاذ مساعد بقسم علم النفس

المـركـز الجامعي غليـزان

 

 

عبد الحفيظ معـوشـة

 

أستاذ مساعد بقسم علم النفس

 

جامعـة خـنشلــة

 

 

مقدمة:

الحقيقة أن الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، والمؤسسة الاجتماعية الأولى التي ينمو فيها الطفل وتتشكل من خلالها سلوكاته، تعتبر مرحلة الطفولة من أهم مراحل النمو النفسي لدى الفرد، إذ تعتبر الأساس الذي تبنى عليه شخصيته من خلال تأثيرها على كل المراحل اللاحقة من حياته، وإذا كان هذا البناء سليما يمكن للفرد أن يتوافق مع متطلبات الحياة الاجتماعية التفاعلية بمختلف عناصرها. من هذا المنطلق تبرز أهمية التناول العلمي لكل المشكلات والعقبات التي تعترض النمو السليم للطفل، و لعل من أبرز ما يعوق التنمية السليمة للطفل في العصر الراهن واستنادا على معطيات حياتنا الاجتماعية اليومية نجد: العنف، يعني هذا المفهوم بصفة عامة كل ما يهدد توازن الإنسان سواء كان ماديا أو معنويا. والطفولة مرحلة حساسة لأنها اللبنة الأساسية لتشكيل دعائم خبراته الفردية     والاجتماعية، والتي يحصل عليها انطلاقا من البيئة الأسرية، من خلال عمليات التعلم المتواصلة باستراتيجيات مختلفة، وذلك في سياق التنشئة الاجتماعية بفضل تمثل السلوك والمعلومات من المحيط، لإعادة استغلاله في تفاعله مع عناصر المحيط الإجتماعي والمادي الذي يعيش فيه. هكذا يبدأ الأطفال في إكتساب وتشكيل السلوك الإجتماعي .

وعليه، فإن للبيئة المحيطة بالطفل – خاصة البيئة الأسرية – أهمية بالغة في تشكيل سلوكاته الاجتماعية التفاعلية، وأي خلل على هذا المستوى سينعكس لا محالة على مجمل الجوانب النفسية    والاجتماعية للطفل. يؤدي بنا هذا الوضع إلى التمعن في نمط حياة الطفل في مجتمعنا، فنجد أن العنف يمثل السمة البارزة المحيطة به، الشيء الذي يعرقل نموه السليم، وينعكس ذلك على مراحل نموه اللاحقة، وقد يمتد هذا التأثير على باقي أفراد المجتمع ليشكل تهديدا حقيقيا للمجتمع برمته.

إن موضوع العنف الموجه ضد الأطفال يعتبر حديثا نسبيا، حيث يقصد بالعنف ضد الأطفال استخدام كافة أشكال العقوبة البدنية أو النفسية أو اللفظية من جانب الوالدين أو أحدهما أو احد أفراد محيطه  على الأطفال، بما في ذلك العنف النفسي ( السخرية والإهانة ) وعدم رعايتهم من جميع الجوانب الصحية والاقتصادية، إضافة إلى استغلالهم في أعمال لا تتناسب وقدراتهم سواء المعرفية أو الجسدية.

والمشكلة قد تبدو معقدة إذا علمنا أن العنف ضد الطفل يتم في بيئة مغلقة، فهو في جزء كبير منه متكتم عليه، ومنه تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على ظاهرة العنف الموجه ضد الأطفال،   ومحاولة تبصير الأولياء بخطورة ممارسة العنف والذي يؤدي إلى اضطرابات سلوكية عند الأبناء قد يستمر معهم مدى حياتهم، وذلك ناجم عن انتشار هذه المشكلة بشكل كبير في مجتمعنا وقلة الأبحاث التي تناولتها.

لذلك تأتي هذه الدراسة في إطار نظري مدعمة بدراسات سابقة تستند على ملاحظات ميدانية من واقع حياتنا الاجتماعية التفاعلية، لمحاولة الإحاطة بموضوع العنف الموجه ضد الأطفال من حيث أشكاله وخصائصه وآثاره وأخيرا سبل معالجته والوقاية منه.

أولاً: مفاهيم أساسية

1- الطفولة

تعتبر الطفولة مرحلة هامة في حياة الإنسان، فهي الفترة ما بين نهاية الرضاعة وسن البلوغ، وتنقسم عادة إلى ثلاث مراحل حسب و هي :

1- الطفولة المبكرة أو الأولى: تمتد من نهاية السنة الثانية إلى نهاية السادسة.

2- الطفولة الوسطى: وهي الفترة التي تمتد من السادسة إلى العاشرة.

3- الطفولة المتأخرة: تمتد من السنة العاشرة إلى الثانية عشرة، وهي مرحلة البلوغ أو ما قبل المراهقة.

وقد نجد بأن الطفولة تنقسم إلى مرحلتين( عباس محمود عوض، 1999 : 52 )، الأولى الطفولة المبكرة وتمتد من عامين إلى ست سنوات، أما المرحلة الثانية فتسمى بالطفولة المتأخرة وتمتد من السنة السادسة إلى غاية السنة الثانية عشرة.

2- العنف

     يقصد به سلوك يستهدف إلحاق الأذى بالآخرين أو الأخر أو ممتلكاتهم. (هدى،2006 : 62)، أما ( طه، 1993 ) فبشير بأنه سلوك  مشوب بالقسوة والعدوان والإكراه، وهو سلوك بعيد عن التحضر والمدنية، تحركه الدوافع العدوانية والطاقات الجسمية، ويضر بالأشخاص أو ممتلكاتهم بهدف قهرهم.

كما نجد بأن العنف يعرف بأنه " تعبير صارم معبر عن القوة التي تمارس لإجبار الفرد أو الجماعة على القيام بعمل أو أعمال محددة يريدها فرد أو جماعة أخرى، ويعبر العنف عن القوة الظاهرة حيث تتخذ أسلوبا فيزيقيا ( ماديا ) مثل الضرب، أو يأخذ صورة أخرى ثمثل الضغط الاجتماعي، وتعتمد مشروعية العنف على اعتراف المجتمع به " ( التير، 1997 : 14 ) .

       والملاحظ في بعض الدراسات الحديثة استخدام مفهومين مرادفين للعنف وهما: العدوان      والإساءة، حيث يعرفان على أنهما " سلوك يصدر عن أفراد أو جماعات نحو فرد آخر أو جماعة أو اتجاه بذاته لفظيا كان أم ماديا، إيجابيا كان أم سلبيا، مباشرا كان أم غير مباشرا، بسبب مواقف الغضب أو الإحباط أو الدفاع عن الذات والممتلكات، أو الرغبة في الانتقام، أو الحصول على مكاسب محدودة، ويترتب عليه إلحاق أذى بدني أو مادي أو نفسي بصورة متعمدة بالطرف الآخر أو الأطراف الأخرى "  ( سليمان، 2008 : 28 )

كما يؤكد (قدري حنفي، 1992) بأن العنف هو سلوك ظاهري يستهدف إلحاق الأذى والتدمير بالأشخاص والممتلكات، وكلمة ظاهري تعني أن العدوانية لكي تكون عنفاً ينبغي أن يتوافر لها شرط الظهور. فالعدوان حسب " ألبرت باندورا " هو سلوك يهدف إلى إحداث نتائج تخريبية أو مكروهة أو إلى السيطرة من خلال القوة الجسدية أو اللفظية على الآخرين وهذا السلوك يعرف اجتماعياً على أنه عدواني. (عدنان،  2006 : 9) ، وهو بداية للعنف ولكن العنف يختلف عنه في تميزه بالاندفاع والتهور للإيذاء نتيجة للضغوط الشديدة، كما يكون مصحوباً بغياب تعاليم الضمير والقيم ومن ثم يأتي أكثر تطرفاً وانحرافاً عن العدوان.

     ويقول ميشو في تعريفه للعنف: " يوجد العنف في وضعية تفاعل عندما يقوم أحد أو مجموعة من الفاعلين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بصفة فردية أو جماعية بالمساس بأحد أو بمجموعة وبدرجات متفاوتة سواء تعلق الأمر بسلامتهم المادية أو المعنوية أو بممتلكاتهم أو بمساهمتهم الرمزية أو الثقافية  ( Michaud, 1978 :  20  ).

كما ينظر إلى العنف على أنه ظاهرة اجتماعية تشمل العديد من التصرفات العنيفة ذات الدرجات المتفاوتة والتي تهدد في مجملها توازن الفرد ( Medhar, 2004 : 13 ) .

ومنه؛ يمكننا أن نعتبر بأن العنف هو كل ما يهدد توازن الفرد وكيانه، فهو كل سلوك أو تصرف يؤدي إلى إلحاق الأذى النفسي أو الجسمي بفرد أو جماعة.

3- العنف الأسري:

يعني مصطلح العنف الأسري كل سلوكات العنف التي تحدق في إطار العائلة ومن قبل أحد أفراد العائلة بما له من سلطة أو ولاية أو علاقة بالمجني عليه.وبالتالي فالعنف الأسري يتضمن الإساءة في المعاملة داخل نطاق الأسرة بين مجموع الأطراف المكونة لها؛ حيث يمكننا أن نجد العنف الأسري في صورة العنف بين الزوجين، الآباء تجاه الأبناء، الأبناء تجاه الآباء وحتى الأجداد، ... ألخ. 

4- العنف الأسري الموجه ضد الأطفال:

يعرف العنف ضد الأطفال حسب ( Levine & Saallee, 1986 ) بأنه إلحاق الأذى والضرر الجسدي بالطفل من قبل والديه، أو من يقوم على رعايته وذلك من خلال الضرب المبرح.

ويعني العنف ضد الأطفال حسب ( المرواتي، 2010 ) بأنه استخدام القوبة البدنية أو النفسية المتكررة من جانب الوالدين أو أحدهما للأطفال القصر، سواء أكان ذلك عن طريق الضرب المقصود أو العقاب البدني المبرح وغير المنظم، أو السخرية والإهانة المستمرة للطفل، أو إهمال رعايته وعدم توفير احتياجاته الصحية والجسمية والنفسية والاجتماعية الأساسية، أو من خلال استغلال الأطفال من جانب القائمين على رعايتهم وتكليفهم بأعمال فوق طاقتهم.

وعليه؛ نقصد بالعنف الموجه ضد الأطفال مجمل السلوكات المهددة للتوازن الجسمي والنفسي        والاجتماعي للطفل؛ حيث تتمثل في سلوكات الأذى النفسي واللفظي والبدني الصادرة عن أحد الوالدين أو القائم على رعاية الطفل.

ثانياً: مظاهر العنف الأسري الموجه ضد الأطفال

برز الاهتمام بالعنف ضد الأطفال انطلاقا من مما توصل إليه الطب الشرعي في تقاريريه حول وفيات بعض الأطفال، حيث خلصوا إلى وجود آثار للعنف الجسدي عليهم، كما حدث مع طبيب شرعي فرنسي يدعى ( Ambroise Tradieu ) الذي قام بفحص مجموعة من الأطفال ضربوا وأحرقوا حتى الموت، ووصف الأعراض المؤدية لوفاتهم على أنها عنف وضرب وإهمال. ومن هنا توالت الدراسات والمؤلفات المهتمة بموضوع العنف ضد الأطفال وكذا أشكاله ومسبباته، وهذا ما سنتطرق إليه فيما يأتي:

1- العنف الجسدي:

يعتبر العنف الجسدي ضد الطفل الشكل الأبرز والأشد، فهو يشمل الضرب والعض والصفع والدفع ولوي الذراع وكسر العظام، شد الشعر والكي والحرق، الضرب بآلة خشبية أو حديدية حادة. كل هذه السلوكات قد تكون آثارها بسيطة فيسمى عنفا جسديا بسيطا، وقد تكون الآثار وخيمة تصل حد الوفاة ويسمى حينئذ قتلا.

ويشمل الاعتداء البدني على الطفل الرضوض والكسور والجروح والخدوش والقطع والعض وأية إصابة بدنية أخرى. ويعتبر اعتداءً كذلك كل عنف يمارسه أحد والدي الطفل أو ذويه إذا تسبب فيه أذى جسدي بالطفل ويشمل ذلك ضربة بأداة أو بقبضة اليد واللطم والحرق والصفع والتسمم والخنق والإغراق والرفسّ والخض.فكل هذه الممارسات وإن لم تسفر عن جروح أو كسور بدنية ظاهرة ولكنها تعتبر اعتداءً بحدّ ذاتها. (سوسن، 2006 : 69)

ينتشر العنف الجسدي الموجه ضد الأطفال في حياتنا الاجتماعية بكثرة، بل يعد أداة تربوية وفق اعتقادات تقليدية خاطئة، فالضرب واللطم والجرح  باستعمال أدوات معينة يعبر عن واقع معيش،   وقد يفضي هذا العنف إلى التسبب في عاهات مستديمة لدى الطفل أو قد يفارق الحياة على إثره. حيث يكون هذا العنف من الوالدين لكن بدرجات متفاوتة. 

وفي هذا الإطار بين (الياسين، 1981) بأن الأمهات أكدن بأنهن يعاملن أبناءهن بالعدوان اللفظي، ويستخدمن العنف الجسدي في تعاملهن مع أولادهن حين يخطئون. ومن أشكال هذا العنف الجسدي نجد: الضرب باليد، بخرطوم الماء، بالعصا، بالحذاء، الربط والتقييد، الرفس والركل، بل وحتى الإحراق بالنار.

أما أبحاث (حيدر، 1987) فبينت بأن بعض الآباء يعاملون أطفالهم معاملة قاسية شديدة الصرامة، وتعني الصرامة كما يذكر الباحث نفسه: العقوبات الجسدية الشديدة التي توجه إلى الطفل لأقل هفوة تبدر منه، وفي العادة كانت هذه العقوبات توجه من قبل الآباء، الإخوة الأكبر، أو الأمهات.

أما (Piekarska, 1991) فأكدت أنه غالباً ما يستخدم الأولياء العنف مع أطفالهم من خلال شتى أنواع التهديد والتعبير عن الغضب والقسوة (.

يؤدي العنف الجسدي تجاه الطفل إلى إشعار الطفل بأن والديه لا يحبونه وبأنه غير مرغوب فيه، لأنهما يعاقبانه على لأتفه الأسباب، فالطفل لا يدرك الأشياء والتصرفات المحيطة به وفق ما يدركها الأولياء، مما يجعل الطفل غير متوازن نفسيا فاقدا للثقة بنفسه ومعتمدا على العنف في تصرفاته تجاه أفراد عائلته وجميع المحيطين به.

يتدخل العنف الجسدي حتى في لعب الأطفال، حيث يعمل بعض الأولياء على اختيار نمط لعبهم حتى يبقوا هادئين ولا يمثلون مصدر إزعاج لهم، وإلا لنالوا حظهم من العقاب الجسدي، وهنا يطرح التساؤل هل يلعب الأطفال لينموا قدراتهم وفق خصوصية مرحلتهم العمرية، أم يلعبون لصالح راحة الآخرين؟ المعلوم من الناحية النفسية والتربوية أن لعب الأطفال يؤثر على توافقهم النفسي والاجتماعي ويساهم في تعلمهم واكتشاف عالمهم الخارجي، وبالتالي النمو السليم شريطة أن يلعب الطفل لذاته وحاجاته وليس للآخرين.

نلاحظ في حياتنا الاجتماعية عدم الاهتمام بظروف التمدرس لدى الطفل، وما إن يتحصل على نتائج ضعيفة حتى ينهال عليه الأولياء ضربا مبرحا وفي حالات عديدة باستعمال آلات حديدية وخشبية،    وكأن النجاح هدف الأولياء و مكمن تعذيبهم نفسيا، لذا نرى بعض الأطفال لا يبالون بالجد والنجاح    ولا بالضرب المبرح من طرف الأولياء، لأنهم يشعرون براحة نفسية حينما يفشلون بفعل ما يمثله الفشل من مصدر إزعاج وتوتر لدى الأولياء. بل أصبحنا نعيش واقعا جديدا في السنوات الأخيرة    وهو هروب الأطفال من البيت عند ظهور النتائج المدرسية حتى لا يبرح ضربا من طرف الآباء، ففي عديد الحالات يجلب العنف الجسدي مشاكل أخرى للأولياء هم في غنى عنها.

قد يوصف بعض الآباء بأنهم عصبيون يسعون إلى تفريغ غضبهم في ممارسة سلوكات عنيفة تجاه أطفالهم، فهم يريدون التنفيس عن كربهم بإلحاق الضرر وتعقيد فلذات أكبادهم، فسلوكهم هنا لا ينطوي عن أي هدف تربوي واضح ومقنع.

2- العنف النفسي واللفظي:

هو كل تصرف أو فعل مؤذ نفسيا، يمس مشاعر الطفل، كالسخرية والتوبيخ والشتم، اللوم والترويع، الاحتقار والوصف بألفاظ بذيئة، وحتى الطرد من المنزل والحبس المنزلي. فهذا الشكل من العنف   لا يترك أثرا واضحا مثل العنف الجسدي ولكنه يخلف مآسي عميقة في شخصية الطفل. فالطفل إذا لم يطع والداه رغم صغره وعدم إدراكه لما يحيط به يشتم و يوبخ، حتى أصبح سلوك الشتم والسب يتعلمه الطفل في مراحل متقدمة جدا من حياته لأنه شائع في بيئته الأسرية. من أوصاف قبيحة وألفاظ نابية وبذيئة. ففي حياتنا الاجتماعية غالبا ما يعنف الطفل لفظيا و يهان لأبسط خطأ يقوم به.

قد تكون السخرية أبلغ أثرا من الشتم خاصة إن كانت أمام الأقران والآخرين، فيفقد الطفل حينها ثقته بنفسه وبوالده، فيصبح غاضبا مترددا مشككا في قدراته وإمكاناته، الشيء الذي يعوق تعلمه ونموه بشكل سليم، ويدخل في دوامة من الغضب والاكتئاب، ويزداد الأمر سوءا إذا تكرر الأمر مرات عديدة. فبدل أن ينال الطفل التشجيع على المبادأة والتعلم فإنه يحصل من والديه على التشكيك في نفسه وتصرفاته، فيصبح الطفل منطويا ومنعزلا على ذاته لأنه يخاف من الإهانة التي تزعزع كيانه النفسي والاجتماعي.

3- الإهمال العائلي:

تنتشر في محاكمنا الدعاوى القضائية المرفوعة من طرف الزوجات تجاه أزواجهن بفعل إهمالهم العائلي، والتخلي عن واجباتهم في رعاية أطفالهم وتركهم يواجهون مصيرهم المجهول، فهناك من الآباء من يهجر أطفاله ولا يسأل عنهم إطلاقا، تمثل هذه الحالة بمثابة حرمان من تلبية الحاجات الضرورية للحياة ومن بينها الحاجة إلى الحنان العاطفي، حيث أن السلطة الأبوية ضرورة في مجتمعها  لأنها تمثل الرقابة و تشكيل وتعديل السلوكات غير المرغوبة اجتماعيا. الشيء الذي يجر الأطفال إلى سلوك عالم الانحراف و الجريمة باعتبار عدم وجود رادع لتصرفاته السلبية.

كما أن الإهمال العائلي يكون حتى بوجود الوالدين، كعدم الاهتمام بظروف مأكلهم وملبسهم           وتمدرسهم، بحجة قلة الموارد المالية أو غيرها، فنجد بعض الأطفال يظلون في الشارع لوقت طويل دون مرافق أو رقيب، وقد نجد حتى أطفالا يستعملون الطريق بمفردهم، تنم هذه الوضعية عن عدم اهتمام الأولياء بأبنائهم عن طريق تلقينهم النماذج السليمة في التعايش الآمن من المحيط الاجتماعي    والمادي، مما قد يورطهم في مشاكل وحوادث تكون نتائجها وخيمة على الطفل وعائلته.

ويكون الإهمال العائلي معقدا بفعل طلاق الوالدين، خاصة إذا أعاد كل منهما الزواج و التفت لحياته الشخصية، هنا يصبح الطفل غير مرغوب فيه من الجانبين، الشيء الذي يتسبب في عدم تلبية حاجاته الضرورية المادية منها والعاطفية، فينمو الطفل معقدا ناقما على وضعيته والمتسبب فيها وفق مدركاته، كل هذه العوامل تجعل الطفل غير متوازن نفسيا واجتماعيا .

4- الاعتداء الجنسي:

تتمثل هذه الصورة من أعمال العنف في إكراه المعتدى عليه سواء كان ذكرا أم أنثى على ممارسة الجنس، أو القيام بأعمال جنسية فاضحة مع المعتدي. ويعد الاغتصاب أخطر صور الاعتداء الجنسي في نطاق الأسرة وغالباً ما يمارس الاعتداء الجنسي تحت تهديد المعتدى عليه بإيذائه إذا لم يرضخ لرغبات المعتدي. (غريب  السيد و حسن السيد، 2001 : 352)

كثرت في السنوات الأخيرة ظاهرة الاعتداءات الجنسية على الأطفال من جميع الشرائح، وحتى من الآباء أو أحد أفراد العائلة، فالعنف الجنسي ضد الطفل يعرف على أنه استجرار الطفل إلى فاعليات جنسية لا يعي طبيعتها بوضوح، ولا يسمح بها، وهي تنتهك القواعد الأخلاقية المرتبطة بالأدوار الأسرية الطبيعية (Bielawska-Batrowicz & Hanks, 1993). وعليه، يمكننا أن نؤكد بأن العنف الجنسي يعني أساسا استخدام الأطفال كوسيلة لتحقيق اللذة الجنسية من طرف الأفراد الراشدين.

تمارس الاعتداءات الجنسية على الأطفال حتى في نطاق الأسرة، وفي بعض الحالات من طرف الآباء تجاه أبنائهم وبناتهم، حيث يتجردون من القيم الأخلاقية ويهملون المعايير الاجتماعية السائدة، ولا يبالون بأذيتهم الكبرى لأبنائهم و بناتهم طوال حياتهم، إن استغلال الطفل جنسياً قد يأخذ أشكالاً عديدة، فيمكن له أن ينطوي على اتصال جسدي مباشر أو غير مباشر، حيث يمثل الاعتداء والاستغلال الجنسي للأطفال صدمة حياتية كبيرة، حينما يكبرون ويدركون ما كان يُفعَل بهم، ويزداد الأمر تعقيدا إذا كان المعتدي هو الوالد فتهتز الصورة الوالدية لدى الطفل، فيبدو متوترا منفعلا لا يمكن التنبؤ بسلوكاته وميولاته.

يمكن تقسيم نتائج الاستغلال الجنسي للأطفال إلى نوعين، فهناك أولاً آثار قريبة صدمية مباشرة وهي: القلق، فقدان الثقة بالآخرين، المشكلات الدراسية المفاجئة، اضطرابات النوم، آلام جسدية ناجمة عن العنف الجسدي المرافق للحدث. وهناك ثانياً آثار بعيدة لاحقة وهي: الاضطرابات الانفعالية كالاكتئاب وانخفاض الشعور بقيمة الذات، إضافة إلى مشكلات سلوكية من مثل الإدمان المتعدد، ممارسة الدعارة، وكذلك مشكلات نفسية كتعدد الشخصية (Pagelow, 1984).

تجدر الإشارة إلى أن الاعتداءات الجنسية قد تكون من طرف القائم على رعاية الطفل، مثلما يحدث مع من يتبنى طفلا غير شرعي، وحينما يكبر نوعا ما يقوم باستغلاله جنسيا، فهنا يتعقد الطفل أكثر فمن جهة هو مجهول النسب، ومن جهة أخرى اعتدي على كرامته وعلى خصوصيته مما يفتح الباب على مصراعية للطفل ليلج عالم الانحراف ليشكل عبئا على نفسه والمجتمع برمته. بالفعل، تؤثر الاعتداءات الجنسية على الأطفال بشكل بليغ ويمتد هذا الأثر طوال حياة الطفل، بل يصبح عائقا من ممارسة الأدوار الاجتماعية خاصة بالنسبة للبنات.

6- إجبار الطفل على العمل ( عمالة الأطفال):

يعد إجبار الطفل على العمل من الأولياء أحد مظاهر العنف ضد الأطفال، لأن القانون والمنطق يرفضان هذا السلوك، فالطفل بحاجة إلى التعلم واللعب لتنمية قدراته الشخصية والمعرفية لينمو نموا سليما، ثم إن قدراته الجسمية لا تمنه من مزاولة أي عمل. إلا أن واقعنا الاجتماعي يزخر بالأمثلة المؤكدة لإجبار الأطفال على العمل، فنراهم يمارسون نشاطات خطرة كتنظيف حاويات الإسمنت في الشاحنات المخصصة لذلك، بحجة أن حجم الطفل الصغير يمكنه من أداء مهمة تنظيف الحاوية كما يجب، متجاهلين الأمراض التي قد يسببها له هذا النشاط. كما نجد أطفالا يستخدمون في حمل السلع والبضائع في مختلف أسواق الجملة، ولعل النشاط البارز لدى الأطفال ذكورا وإناثا يتمثل في بيع بعض المواد على حافة الطرقات وحتى السريعة منها، مع تجاهل الخطر المحدق بهم في أحيان كثيرة.

إن ممارسة الطفل لنشاط له مردود مادي قد يكون في أحيان كثيرة مدفوعا من طرف الوالدين قصد مساعدتهم في تلبية حاجيات البيت وتقليص الأعباء الاقتصادية، متغافلين عن تسببهم في تسرب الطفل من المدرسة ولجوئه إلى العمل والشارع الذي يكون مرتعا لآفات متعددة، قد تنعكس سلبا على مستقبل الطفل. والجدير ذكره هنا أن بعضا من الأفراد يستغلون عمل الأطفال نظرا لتدني أجورهم وإمكانية السيطرة عليهم وإرغامهم على فعل أي شيء حتى ولو فاق قدراتهم الجسمية والمعرفية.

 وحتى إذا لم يتعرض الطفل لأشكال العنف الظاهري سواء الجسدي أو النفسي، فإن مجرد تشغيل الطفل لساعات طويلة، وإرهاقه بالأعمال التي تفوق قدرته وطاقته يعتبر اعتداءً صارخاً على الطفل، لكن العامل الأساسي هنا يكمن فيمن دفع بالطفل للعمل.

كما أننا نجد في بعض الحالات من يدفع بأطفاله إلى التسول، لكسب استعطاف الأشخاص حين رؤيتهم لطفل يتسول فيغدقون عليه بالمال، حتى وإن رفض الطفل فإنه يجبر من طرف أوليائه، وبهذا السلوك يتعلم الطفل سلوكات إنحرافية عديدة منها: الحيلة والخداع، الكذب، السرقة، .... إلخ من المشكلات السلوكية، هذا كله يضاف إلى أن الطفل المتسول حينما يتعود على المال فإنه يترك مقاعد الدراسة، وبالتالي يكون عرضة لكل الآفات الاجتماعية بمختلف أشكالها، ليشكل بذلك مصدر خطر لنفسه ولغيره من أفراد المجتمع.

ثالثاً: أسباب العنف الموجه ضد الأطفال

إن أسباب إساءة معاملة الأطفال والتعامل معهم بأنواع مختلفة من العنف لا يمكن إرجاعها إلى سبب محدد هذا ما أكد عليه ( اليوسف وآخرون، 2005 : 50 ) .

وبصفة عامة يمكن القول بأن أسباب العنف ضد الأطفال والمعاملة السيئة تعود إلى عوامل متداخلة     ومترابطة بشخصية الوالدين، ومزاج الطفل، حجم الضغوط التي يواجهها الوالدين وطبيعة نظام       وتنظيم الأسرة، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن الآباء والأمهات الذين يمارسون العنف ضد أطفالهم يتميزون بعدد من الخصائص الآتية:

1- اضطرابات عصبية و نفسية : يمكن للأولياء الذين لديهم انخفاض في قدرتهم على الضبط الذاتي، أو يعانون من تخلف عقلي و اضطراب في تفكيرهم أن يكونوا عنيفين تجاه أطفالهم. والأمر سيان أذا كان الأولياء يعانون من اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع فتفاعلاتهم تكون كلها عنيفة وفهمهم لسلوك أطفالهم يكون سطحيا وهو ما يجعلهم ينزعون لسلوكات العنف تجاه أطفالهم.

2- مشكلة في العمليات المعرفية: يوجد بعض الأولياء من لا يدركون سلوكات الطفل على نحو إيجابي، فتكون توقعاتهم مرتفعة عن اللزوم أو منخفضة جدا تجاه سلوكات أطفالهم مما يجعلهم يشعرون بضرورة التدخل العنيف لتعديل سلوكات أطفالهم.

3- المشكلات الانفعالية: بعض الأولياء يجدون صعوبة كبيرة في ضبط سلوكاتهم، حيث يتميزون بسرعة في الاستثارة ونرفزة شديدة، مع ظهور استجابات فيزيولوجية مفرطة، مثل ما يحد لبعض الآباء عندما يسمعون صراخ طفلهم، فيبدون تذمرا واضطرابا سديد قد يفضي إلى الضرب المبرح للطفل قصد كفه عن هذا السلوك.

4- الخبرات السابقة مع العنف: يميل بعض الآباء إلى إعادة إنتاج النموذج الأبوي في حياتهم العائلية، فالأب الذي خبر قسوة وعنفا في طفولته يحاول سواء قصدا أو لا شعوريا تجسيده مع أطفاله، فتكون تصرفاته يطبعها العنف بمختلف أشكاله. هناك بحوث توحي نتائجها بأن الآباء المضطهِدين أطفالهم كانوا هم أنفسهم في طفولتهم ضحايا أو شهود مثل هذا العنف في أسرهم (Milner et al., 1991; Bergman & Brismar, 1992, Steinmetz, 1987; Hilton, 1992  وعديد غيرهم). وهناك أخرى لم تصل إلى هذه النتيجة إلا أن صحتها تبقى نسبية حسب ظروف حياة الفرد الذي خبر العنف في حياته ومدى تعلمه وإدراكه لحقيقة تلك التصرفات.

5- العبء الاقتصادي الذي يواجهونه: يؤدي العبء الاقتصادي والحاجة إلى المال لتلبية متطلبات الحياة الأسرية إلى شعور الأولياء بالنقص، فيركزون تفكيرهم وعملهم في كيفية الخروج من الحاجة المادية رغم الصعوبات الكبيرة التي تواجههم، الشيء الذي يشعرهم بالإحباط فينفعلون بسرعة         ويعنفون أطفالهم خاصة عندما يطلبون تلبية حاجاتهم.

6- الأفكار التربوية التقليدية: تقوم التربية التقليدية على العنف كأداة تربوية وتعليمية، وهذا ما ينهجه بعض الأولياء لاعتقادهم بأن العنف أداة تربوية فاعلة، غير أن البحوث الحديثة تركز على التربية الحديثة القائمة على الإقناع بالحجة ومخاطبة عقل وإدراك الطفل قصد حثه تلقائيا على التمسك بسلوكات معينة دون جبر أو إكراه، ليداوم عليها وتصبح سمة بارزة في شخصيته، إلا أن اقتناع بعض الآباء بفاعلية العنف يجعلهم يصرون على تجسيده في تربية أطفالهم.

رابعاً: آثار ومعالجات العنف ضد الأطفال

1- آثار العنف الأسري الموجه ضد الأطفال:

الحقيقة أن العنف الموجه ضد الأطفال يخلف آثارا سلبية وخيمة وعميقة في شخصية الطفل من بينها: القلق، الغضب، العدائية، الاكتئاب،الانطواء والخجل، تدني مستوى تقدير الذات، فقدان الثقة بالآخرين، التسرب المدرسي، اضطرابات مفزعة أثناء النوم، آلام جسدية وعضوية، الهروب من البيت، التدخين والإدمان على المخدرات والكحول، الدخول في عالم الانحراف والجريمة، ممارسة الدعارة كنتيجة عن الاعتداء الجنسي، الانتحار كنتيجة للإكتئاب الحاد الذي يصيب الطفل بفعل العنف المتكرر        وخاصة العنف النفسي واللفظي، كل هذه الظواهر تمثل بمثابة عامل مهدد لاستقرار المجتمع وتعيق المجهودات المبذولة في تحقيق التنمية الاجتماعية الشاملة التي ينشدها مجتمعنا. و في هذا الإطار أثبتت بعض الدراسات العربية كدراسة ( لونة عبد الله دنان، 2004 )بعنوان « العنف اللفظي والإساءة اللفظية تجاه الأطفال من قبل الوالد وعلاقته ببعض المتغيرات المتعلقة بالأسرة»، وتوصلت الباحثة من خلال هذه الدراسة إلى أنه هناك فروق ذو دلالة إحصائية بين الذكور والإناث من حيث التأثر بالإساءة اللفظية من قبل الوالد وذلك لصالح الإناث.

أما دراسة ( منيرة بنت عبد الرحمن آل سعود، 2005 )بعنوان «إيذاء الأطفال، أنواعه، أسبابه، خصائص المتعرضين له». هذا وتوصلت الباحثة إلى النتائج التالية:

أ ـ أن أكثر الإيذاء الذي يتعامل معه المستشفيات هو الإيذاء البدني ويبلغ في هذه الدراسة نحو 91,5% أما الإيذاء نتيجة الإهمال فهو الثاني ويبلغ 87.3% أما الإيذاء الجنسي فهو الأخير.

ب ـ إن الأم هي العنصر الأساسي والأول في أسباب الأذى فهي تبلغ نسبة 74.6% بينما الأب يقل عنها قليلاً بنسبة 73.2% بينما تقل حالا الأذى كثيراً عند الجد والجدة. ( منيرة، 2005 : 272)

في حين جاءت دراسة ( عبد المحسن بن عمار المطيري، 2006 )بعنوان «العنف الأسري وعلاقته بانحراف الأحداث لدى نزلاء دار الملاحظة الاجتماعية بمدينة المغيري». وكان من أهم النتائج التي توصل إليها الباحث أن أبرز أنماط العنف الأسري الموجود لدى أسر أفراد العينة كما تعكسه استجاباتهم هو العنف اللفظي. (عبد المحسن ، 2006 : 104)

وأضافت دراسة ( فاطمة مبارك حمد الحميدي، 2004 ) بعنوان «دراسة للسلوك العدواني وعلاقتهُ بأساليب المعاملة الوالدية» وقد توصلت من خلال هذه الدراسة إلى أن ازدياد السلوك العدواني بدولة قطر ممن يخبرون أساليب معاملة والدية سالبة عن نظراتهم أساليب معاملة والدية موجبة وذلك في بعض أبعاد مقياس السلوك العدواني.

كل ما سبق يؤكد بأن العنف الموجه ضد الأطفال يؤدي إلى  عدم القدرة على التعامل الايجابي مع المجتمع والاستثمار الأمثل للطاقات الذاتية والبيئية للحصول على إنتاج جيد. عدم الشعر بالرضا والإشباع من الحياة الأسرية والدراسية والعمل والعلاقات الاجتماعية. وبالتالي يحد من فاعلية الفرد في تحقيق ذاته والمساهمة في تنمية مجتمعه.

2- معالجات ظاهرة العنف الأسري الموجه ضد الأطفال:

من خلال ما سبق ذكره يمكن أن نبين بعض الآليات التي يتم من خلالها مواجهة العنف الموجه ضد الأطفال، من خلال تبني إستراتيجية إرشادية متكاملة تهدف إلى حماية الطفل والعمل على توفير كل ضروريات النمو السليم له، و ذلك بما يأتي:

v   العمل على زيادة الوعي الأسري وذلك من خلال تكثيف البرامج المتعلقة بالأسرة والمجتمع عن طريق وسائل الإعلام المختلفة. ونشر الوعي بين أفراد المجتمع حول خطورة العنف الموجه ضد الأطفال، وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة من عدة مؤسسات اجتماعية من بينها:

- الأسرة:

تحتل الأسرة مكانة هامة في مواجهة ظاهرة العنف ضد الأطفال، إذ تعتبر المتسبب الرئيسي فيه، لذلك يمكن التعامل مع الأسرة عن طريق الإرشاد النفسي العائلي نحو تجنب سلوكات العنف للأطفال، نظرا للآثار السلبية الناجمة عنه، وذلك بغرض التقليل من حجم هذه الظاهرة. أو يمكن للمكلف بإرشاد التلاميذ أن يستدعي أولياء الطفل المعنف ويحاول توعيتهم بخطورة السلوكات العنيفة الممارسة التلميذ ومحاولة توجيهم للتعامل بحكمة مع الطفل.

- مؤسسات التعليم :

يمكن التأكيد على وجود حاجة ماسة للإرشاد النفسي في كل المستويات والمراحل التعليمية. بغية تعليم الناشئة خطورة ممارسة العنف على الأطفال فأطفال اليوم هم جيل الغد، ولا ضير من أن نستثمر فيهم عملية مواجهة العنف ضد الأطفال.

- دُور الشباب:

تتوزع دور الشباب على مختلف ولايات الوطن، وتم إنشاؤها أساسا لإعلام وتوجيه الشباب زيادة على التكفل بهم من جميع الجوانب حتى الترفيهي منها، فيمكن لدور الشباب أن تستغل لتوجيه وإرشاد الشباب لتفادي استعمال السلوكات العنيفة في تفاعلاتهم مع الأطفال، حيث أن عملية الإعداد النفسي والاجتماعي للشباب مهمة في سبيل توعيتهم بالسلوكات السلبية .

- وسائل الإعلام:

أصبحت وسائل الإعلام والاتصال في العصر الحالي أهم وسيط نصل من خلاله إلى عقول ووجدان الأفراد، فلا حرج من أن نستعمل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة في نقل مبادئ التعامل الإيجابي مع الأطفال، مع توضيح طرائق التربية الحديثة للأطفال حتى يتم تثقيف الأولياء بطريقة سليمة تنتفي فيها سلوكات العنف لتربية الأطفال، مع إمكانية عرض حالات لأطفال تم تعنيفهم         وانعكس عن ذلك آثار وخيمة على الطفل و أسرته حتى تكون نموذجا يجب تفاديه. كما يمكن عرض نماذج محببة في التعامل مع الأطفال حتى يتم اكتسابها وتجسيدها من طرف الأولياء.

- المجتمع المدني:

هناك قناعة تامة على أن معالجة ظاهرة العنف الموجه ضد الأطفال هي مسؤولية اجتماعية وأخلاقية ولم تعد الحكومات وحدها المسؤول عنها، فلابد للأحزاب السياسية ومختلف الجمعيات المحلية والوطنية أن تعمل جاهدة لسن قوانين رادعة لمن يعنف الأطفال تحت أي شكل من الأشكال، كما يمكن أن تنظم ملتقيات توجيهية للتقليل من سلوكات العنف الموجه ضد الأطفال.

- المساجد :

تعتبر المساجد إحدى المؤسسات الاجتماعية الهامة، التي ترتبط بالحياة الاجتماعية بكل خصائصها وتداعياتها، وتتطلع المساجد إلى الاهتمام بالأطفال وضمان الحياة الكريمة لهم من منطلق مبادئ الدين الإسلامي الذي من أهم مقاصده الحفاظ على الإنسان باعتبار محور الحياة الاجتماعية، وللمسجد دور توجيهي وإرشادي للأفراد، خاصة إذا تعلق الأمر بالعنف ضد الأطفال كطريقة تربوية مستمدة من الفهم الخاطئ لبعض الأحاديث والآراء الشرعية، هنا يجب على القائمين على المسجد سحب ذريعة استعمال الدين والتربية في سبيل تجسيد سلوكات عنيفة تجاه الأطفال، كما يجب تنمية الوازع الديني لدى الأولياء قصد تفادي ممارسة العنف على أطفالهم.

v   سن القوانين والتشريعات والأنظمة الخاصة بالتعامل مع حالات الأطفال المتعرضين للعنف.

v   توفير خدمات الإرشاد النفسي للأطفال المعنفين خاصة على مستوى المؤسسات التعليمية.

v   تنظيم دورات توعية للتلاميذ وأولياء الأمور حول مخاطر العنف كوسيلة للتعامل عموماً وللتعامل مع الأبناء على وجه الخصوص.

v   محاربة ظاهرة عمالة الأطفال من قبل الدولة و المجتمع، وكافة الفاعلين في الحياة الاجتماعية.

v   التكفل النفسي والاجتماعي بالأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية، مع تشديد عقوبة الاعتداءات الجنسية إلى أقصى حد لما تسببه من تدمير ذاتي للطفل ولمستقبله.

خاتمة:

تعتبر ظاهرة العنف ضد الأطفال مشكلة عالمية تعاني منها المجتمعات المتقدمة والمتخلفة، حيث أصبحت الدول تعمل جاهدة قصد التقليص من تبعاتها السلبية، لذلك توالت الدراسات والاهتمامات بالعنف الموجه ضد الأطفال، والذي من أهم مظاهره العنف الجسدي والعنف النفسي، الإهمال العائلي والاعتداءات الجنسية وشغالة الأطفال. كل هذه العوامل تتسبب في نمو غير سليم للأطفال بل قد تكون سببا رئيسيا في ولوجهم عالم الانحراف والجريمة، وهنا يتحول الأطفال من عامل لبناء المستقبل الزاهر للبلاد إلى أداة هدم لمقومات البلاد و المجتمع، وعليه إن الاهتمام بالطفولة وتفادي كل العقبات التي تؤثر عليها سلبا من شأنه أن يثمن القدرات المستقبلية للمجتمع في سبيل مواجهة التحديات العالمية التي ما فتئت تتزايد و تتغير من سنة لأخرى. والحقيقة أن التقليل من ظاهرة العنف ضد الأطفال ينبغي أن يكون وفق إستراتيجية تشارك فيها جميع المؤسسات الاجتماعية كل منها حسب نطاق عملها حتى تتحقق الفاعلية في مواجهة الظاهرة والتقليل قدر الإمكان من مخلفاتها.

قائمة المراجع:

إجلال إسماعيل حلمي ( 1999 ). العنف الأسري. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع.

بدر إبراهيم الشيباني ( 2000 ). سيكلوجية النمو. الكويت: دار الوارقين للنشر و التوزيع، ط1 .

عباس محمود عوض ( 1999 ). المدخل إلى علم نفس النمو. القاهرة: دار المعرفة الجامعية.

عبد الله اليوسف و آخرون ( 2006 ). العنف الأسري. السعودية: وزارة الشؤون الاجتماعية.

عبد المحسن بن عمار المطيري (2006 ). العنف الأسري وعلاقته بانحراف الأحداث لدى نزلاء دار الملاحظة الاجتماعية بمدينة الرياض. الرياض: رسالة ماجستير منشورة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية.

فاطمة الحميدي ( 2004 ). السلوك العدواني وعلاقته بأساليب المعاملة الوالدية. قطر:  مجلة مركز البحوث التربوية جامعة ،  العدد 25.

مصطفى عمر التير ( 1997 ). العنف العائلي. الرياض: أكاديمية نايف العربية للعلوم  الأمنية.

سليمان مظهر ( 2010 ). علم النفس الاجتماعي : نظرية المواجهة النفسية الاجتماعية، الجزائر: منشورات ثالة .

سناء محمد سليمان ( 2008 ). مشكلة العنف و العدوان لدى الأطفال و الشباب. القاهرة: عالم الكتب.

سوسن شاكر الجلبي (2006 ). مشكلات الأطفال النفسية وأساليب المساعدة منها . دمشق: دار رسلان، ط1 .

منيرة آل سعود (2005 ). إيذاء الأطفال، أسبابه، وأنواعه وخصائص المتعرضين له. الرياض: جامعة نايف العربية للعوم الأمنية، ط1.

نايف بن محمد المرواتي ( 2010 ). العنف الأسري. الرياض: جامعة نايف العربية، المجلة العربية للدراسات الأمنية   و التدريب، المجلد 26 ، العدد 51 .

هدى حسن ( 2006 ). مرض السكر وعلاقته ببعض العوامل النفسية والسمات  الشخصية. الكويت: مجلة العلوم الاجتماعية جامعة الكويت، مجلد 34 العدد(11) .

La bibliographie :

 

- Cécile, Carra et Faggianalli ,Daniel. (2002). Ecole et violences , la documentation française. Paris : la documentation française.

- Slimane, MEDHAR et Mahfoud ACHAIBOU ( 2004 ). Typologie de la violence a travers la société Algérienne, Alger : édition LARPSO . 

-  Yves, Michaud ( 1978 ) .violence et politique, Paris :  Gallimard.

 

 Télécharger l'article