المشكلات المطروحة في واقع الأسرة الجزائرية وانعكاساتها على جنوح الأبناء

                           

    د /بقادة زينب حميدة

     جامعة سعد دحلب البليدة

مقدمة:

         يمكننا أن نشير في هذه الدراسة إلى أنه في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية  العميقة التي تعرض لها المجتمع الجزائري منذ الاستقلال إلى يومنا هذا أصبحنا لا نستطيع التحدث على نمط عام للأسرة الجزائرية، وذلك لاختلاف المستويات الاقتصادية والثقافية، ومناطق الإقامة لكل أسرة، حيث توجد الأسرة الريفية و الأسرة الحضرية، ومع ذلك تختلف أنماط الأسرة الريفية وفقا لقربها أو بعدها عن المناطق الحضرية التي نجد  بها أسرا تتناسب مع البيئة الاجتماعية السائدة، والمستوى الحضري الذي بلغته، كما تختلف أنماط الأسرة الحضرية، وتنقسم إلى فئات عديدة تبعا لعوامل عديدة مثل المهنة، ومستوى الدخل، ودرجة الثقافة والوعي، ودرجة التدين...وتبعا لذلك يمكننا أن نتساءل: في أي فئة من هذه الأسر يكثر جناح الأحداث في المجتمع الجزائري؟

 

          للتوقف على مدى مسؤولية الأسرة الجزائرية في جنوح الأحداث يجدر بنا الإشارة  إلى أنّ الأسرة تقع في قلب المجتمع، وأنها أكثر النظم الاجتماعية أهمية، ويجب أن نضع في عين الاعتبار أنه لا يمكن فهم مشاكل الأسرة كظاهرة منعزلة، بل يجب  النظر إليها في صورة تكاملية مع بقية النظم، أي في علاقتها بالاقتصاد والتعليم والدين والسياسة، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل كثافة  السكان، وتركيبهم، وتوزيعهم، وأنماط التنقل الاجتماعي والمكاني، والتقسيم الطبقي في المجتمع...الخ، لذلك إذا أردنا الوقـوف على مدى علاقة جناح الأحداث بالوسط الأسري يكون من الضروري أن يتوفر لدينا    فهم دقيق وكامل لما يحدث في الأنساق الاجتماعية الأخرى القائمة في المجتمع: لأن  أي تغير يحدث في أحد هذه الأجزاء يؤدي إلى تغيرات أخرى مصاحبة تمس الأسرة بالدرجة الأولى.

 

         ونظرا للأهمية الكبيرة التي تكتسيها معرفة مدى أثر الأسرة الجزائرية في سببية جناح الأحداث اتجهت هذه الدراسة إلى محاولة الكشف عن  مدى مساهمة الأسر في سببية جناح الأحداث في المجتمع الجزائري من خلال المؤشرات التالية: 

 

         أولا- الأسرة والفقــر

           لقد استفحل الفقر في الجزائر بشكل ملفت للنظر  منذ نهاية الثمانينات حيث أقرت الدراسات والتحاليل المتوفرة، وبصورة خاصة الدراسة التي أجراها البنك العالمي عام 1997 استنادا إلى التحقيقين اللذين قام بهما الديوان الوطني للإحصاء في سنة 1988 ،   و 1995 حول مستوى معيشة الأسر أنّ عدد  السكان الجزائريين الذين يعيشون دون الحد الأدنى لمستوى الفقر المطلق يقدر بنسبة 22.6% من السكان الجزائريين أي ما يماثل 6.36 مليون شخص( وزارة التضامن الوطني  ،2000)

         إنّ الفقر في الجزائر يصنف في ثلاث مستويات مختلفة فيما يخص سنوات 1988 و 1995، نذكرها فيما يلي :( وزارة التضامن الوطني)

 

         - الحد الأقصى للفقر: مقدر بالمبلغ المالي اللازم لتلبية الحاجات الغذائية الدنيا والمقدرة بالنسبة للجزائري بـ2100 حريرة للفرد يوميا أي ما يعادل مبلغ 10.943دج للفرد سنويا خلال سنة 1995، ويشمل هذا الفقر 1611.40 شخصا أي ما يعادل 5.7% من مجموع السكان من بينهم 1107100 شخص يعيشون في الوسط الريفي.

 

         - الحد الأدنى للفقر: الذي يدرج النفقات غير الغذائية، وقد قدر سنة 1995 بمبلغ 14.287دج للفرد سنويا، ويستهدف 3986200 شخص أي ما يعادل نسبة 14.1من السكان من بينهم 2739.30 شخصا يعيشون في الأرياف.

 

- الحد الأعلى للفقر: ويقدر بمبلغ 18.191دج للفرد الواحد سنويا، وبمراعاة أيضا النفقات غير الغذائية. ويستهدف 6.360.000 شخص أي ما يعادل نسبة22.60% من مجموع السكان.

 

         وعند تقييمنا لمدى انتشار الفقر في أوساط السكان يتبين أن نسبة انتشار الفقر في الوسط الريفي بلغت ضعف النسبة المسجلة في الوسط الحضري، وعليه فإن عدد الفقراء في الأرياف قد يساوي ضعف العدد المسجل في الوسط الحضري، وبذلك تسمح النتائج الصادرة عن التحقيق الذي أجراه الديوان الوطني للإحصاء حول مستوى معيشة الأسر في سنة 1995 بتقدير عدد الفقراء، حيث تمّ إحصاء على المستوى الوطني  1.6 مليون شخص يعانون من الفقر الغذائي منهم أزيد من مليون شخص في الأرياف ويوجد حوالي 4 ملايين شخص ممن لا يسمح لهم دخلهم ببلوغ حد الفقر الإجمالي الأدنى منهم 2.7 مليون ريفي، ويوجد أزيد من 6.36 مليون نسمة يعيشون تحت حد الفقر الإجمالي الأعلى منهم 4.2 مليون يقطنون الأرياف (المجلس الإقتصادي و الاجتماعي ، 1998).

         إنّ هذا العدد الإجمالي زاد في الارتفاع منذ بداية الأزمة الاقتصادية والسياسية والأمنية بالجزائر، والمؤشرات التي حددت مستويات الفقر مخيفة ذلك لأنها تدل على مدى تفشي ظاهرة الفقر في الجزائر، والتي قدر حجمها تقرير المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي سنة 1998 بأزيد من أحد عشر مليون فرد لمجموع مكونات المؤشرات الثلاث للفقر (المجلس الاقتصادي و للاجتماعي). بل ويذهب  التقرير الأخير الصادر عن مفتشية العمل أن عدد الذين يعيشون تحت مستوى الفقر قد وصل سنة 2001 إلى 14 مليون فرد، وهي نسبة عالية مقارنة بالعدد الإجمالي للسكان، إذ يمثل ما يقرب من 50% من مجموع السكان (الزبير عروس ،2002 ).

         وتبين الدراسات والتحاليل أن الأشخاص الأكثر عرضة للفقر هم أساسا الفلاحون والمربون الصغار، والذين ينتجون من أجل استهلاكهم الذاتي إلى جانب العمال الموسميين، كما تشمل البطالين والأسر التي تعولها امرأة بدون رب الأسرة، والأجراء الذين يعادل أجرهم أو يقل عن الأجر الوطني الأدنى المضمون بـ 8000دج في الشهر، والأسر عديمة الدخل أو ذات الدخل الضئيل التي تعتبر أيضا من الفئات المتضررة كالموظفين ذوي المستوى المتوسط أو دون المتوسط (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ،2001 ).

         وفي هذا المجال أي بالنسبة لمداخيل الأجراء يمكننا أن نشير إلى بعض المؤشرات التي استخلصتها الندوة الوطنية لمكافحة الفقر والإقصاء حول تدهور مداخيل الأجراء ويرتكز تقييمها لهذه المداخيل على معطيات الديوان الوطني للإحصائيات، وعلى تقديرات مستوى الفقر في ثلاث حدود دنيا حسب الطريقة المعتمدة من طرف البنك العالمي.

         وحسب هذه التقديرات يظهر إفقار واضح للأجراء والمتقاعدين الذين تراجعت قيمة أجورهم الحقيقية بنسبة 35% بين 1991-1998.

         وباعتبار الحجم المتوسط للأسرة الجزائرية (حوالي 6 أفراد في الأسرة) وأجر رب الأسرة يعادل الأجر الوطني الأدنى المضمون (أي 8000دج في الشهر حتى سنة2000) أو مختلف مستويات أجور الوظيف العمومي ()، وحسب المعطيات  المتعلقة بأجور العاملين المنتمين إلى الوظيف العمومي في مختلف الأصناف (من صنف  10 إلى صنف17) فإنّ بعض الموظفين العاملين في الإدارة العمومية والمؤسسات والهيئات التي يحكمها القانون الأساسي العام للوظيف العمومي تنتمي إلى فئة الفقراء. لقد قدر عمـال الوظيف العمومي في سنة 1999 بحوالي 1.4 مليون شخص من بينهم 18.1%  من الإطارات و 34.9% أعوان مهرة و 47 % أعوان تنفيذ، ويضاف إلى  هذه الفئات  فئة المتقاعدين الذين يمثل مبلغ التقاعد المخصص لهم 80% من الأجر في أحسن الحالات (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي

         وتتمثل أفقر الفئات وأضعفها بين الفقراء في الجزائر أيضا في العجزة والمعاقين، والأسر التي تكون كافلتها امرأة فإنّ مجموع أفرادها يعيشون تحت الحد الأدنى للفقر.

         إنّ الأسباب المباشرة لتزايد ظاهرة الفقر في الجزائر تكمن في ضعف الدخل المنزلي الذي أكدته دراسة الديوان الوطني للإحصاء في الثلاثي الأول من سنة 1996 حول اليد العاملة، والذي قدر عدد الأجراء الذين يقل دخلهم عن 8000دج بنسبة (33%) (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي)، وهذا ما يمثل بالنسبة للعائلة المكونة من ستة أشخاص دخلا يساوي الحد الأدنى للفقر.       

 كما أدى ضعف الأجر وعدم مسايرته وتيرة الارتفاع في أسعار السلع الاستهلاكية خاصة منذ سنة 1990 إلى اضطرار الكثير من الأسر إلى التقليص في استهلاك المواد الغذائية الضرورية.

         ثانيا- الأسرة و الاستهلاك:

         إنّ المقاربة المعتمدة لتحديد أسباب الفقر واتجاهاته في الجزائر تعرف الحد الأدنى والأعلى للفقر باعتباره نقص في كمية الاستهلاك الغذائي، ونوعيته، وضعف التلبية الكافية للحاجيات الاجتماعية الأساسية مثل الألبسة والتربية والصحة والسكن...الخ.

         وحسب التحقيق الذي أجراه الديوان الوطني للإحصاء في سنة 1995 حول قياس مستويات المعيشة فإنّ نسبة (20%) من فئة السكان الأكثر حرماناً لا تنفق سوى (6.8%) من النفقات الإجمالية للاستهلاك في حين أنّ (20%) من الفئات الأكثر غنى تسدد (43%) من هذه النفقات أي بفارق يتراوح بين 1 و 6.3 %.

وحسب مجموعات المواد فإنّ النفقات الغذائية تحتل الصدارة في قائمة النفقات (58.5%) من نفقات الاستهلاك، تليها نفقات الألبسة بـ(13.6%) ثم نفقات النقل بـ(9.5%). ويبدون أنّ النفقات المخصصة للصحة والتعليم لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من مجموع النفقات حيث قدرت بـ (4.4%) و(1.1%) على التوالي، أمّا النفقات الموجهة للترفيه فإنها تبدو رمزية (0.6%).

 

         أمّا فيما يخص تطور نفقات الاستهلاك فإنّ التحقيق الذي أجراه المركز الوطني للدراسات والتحاليل الخاصة بالتخطيط سنة 1998 حول عينة من 2000 أسرة تبين أن (52%) من الأسر قد قلصت منذ سنة 1993 من استهلاك المواد الغذائية مثل اللحوم والفواكه والزيت، بل تخلت عن استهلاك بعض هذه المواد (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي). وبالنسبة للفئات  ذات الدخل الضعيف أو المتوسط فإن آثار تخلي الدولة عن دعم أسعار المواد الغذائية كانت بالغة جدا.

         إنّ تقليص أو انعدام شراء بعض المواد الغذائية بالنسبة لنصف الأسر محل الدراسة له انعكاسات مباشرة على مدى تلبية الحاجات الغذائية، وبالتالي على الحصة الغذائية للأشخاص الذين تتكون منهم هذه الأسر.

         وفي هذه الحالة يمكن القول بأن الارتفاع المعتبر والمتباين للأسعار المسجل خلال الفترة  الممتدة بين 1993-1997 أدى إلى استبدال مواد غذائية ضرورية للجسم البشري مثل البروتينات الحيوانية والسكريات و الدهنيات والفواكه والخضر الطازجة بالحبوب الجافة والنشويات والعجائن.

         إنّ هذا التدهور للحصة الغذائية لقسم كبير من الأسر يعكس ويغذي انتشار متزايد لظاهرة الفقر.

         إنّ ارتفاع الأسعار من خلال تحريرها، وإلغاء دعم الدولة لأسعار المواد الأساسية، وتجميد مداخيل الأجراء كلها عوامل أدت إلى إفقار الأسر.

         ثالثا- الأسرة والشغل والبطالة:

         مما زاد في معاناة الأسر في الجزائر تفشي ظاهرة البطالة التي ما فتئت نسبتها تتزايد بسبب الأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد منذ بداية التسعينات، والتي كانت عواقبها شاقة ووخيمة على الفرد الجزائري والأسرة الجزائرية والمجتمع الجزائري ككل.

         ونظرا للانعكاسات السلبية التي تتركها البطالة على الأفراد والأسر ألح الكثير من الباحثين في علم الاجتماع على ضرورة تكثيف البحوث حول هذه الظاهرة، بل ذهب الأستاذ "عبد الغني مغربي" إلى حد الإلحاح على ضرورة استحداث تخصص جديد يسمى علم إجماع البطالة.

         ولما كانت البطالة كظاهرة اجتماعية وطيدة الصلة بجنوح الأحداث ارتأت هذه الدراسة التعرف على أبعادها في المجتمع الجزائري فيما يلي:

         منذ سنة 1987 ما فتئت ظاهرة البطالة تتفاقم في المجتمع الجزائري حيث انتقلت نسبتها من (24%) عام 1993 إلى أكثر من (29%) عام 1997، ثمّ تراجعت قليلا عام 2001 فوصلت إلى (26%) من المجموع الإجمالي لليد العاملة الناشطة (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 1998).

إنّ البطالة التي يعاني منها حاليا أكثر من 2.5 مليون شخص تشمل خاصة الشباب حيث كشف تقرر أعدته الوكالة الوطنية للتشغيل أن نسبة البطالة لسنة 2001 شملت (70%) من البطالين الذين تقل أعمارهم عن (30 عاما). وزيادة على ذلك  فإن البطالين هم في معظمهم طالبو عمل لأول مرة، أي أنهم لا يتوفرون على أية خبرة مهنية، وتجدر الإشارة أيضا أنّ البطالة  وإن كانت تشمل بالدرجة الأولى طالبي عمل غير مؤهلين فإنها تخص كذلك حاملي الشهادات من التعليم العالي حيث قدروا  بـ ثمانين ألف (80.000 بطال) في سنة 1996، وقد  وصل عددهم إلى أزيد من مئة ألف (100.000 بطال)  سنة 2000 (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ،2001).

         وهذا ما يجعلنا نلاحظ أن سوق العمل في الجزائر ميزه التوتر الشديد، وذلك لعدة أسباب نذكر منها:

          الارتفاع المتزايد في أعداد اليد العاملة الجديدة والطالبة لمناصب الشغل، والتي كانت تقدر سنة 1990 بـ 250.000 طلب عمل، ووصلت في بداية سنة 2002 إلى عدد يتراوح ما بين 325.000 إلى 350.000 طلب عمل، لا تتجاوز نسبة الذين يظفرون بعمل من هذا العدد الإجمالي إلاّ (8%) إلى (9%) (الزبير عروس ، 2002).

         وتجدر الإشارة أنّ نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يبقون في بطالة لمدة طويلة بحيث 55 % منهم يبحون عن منصب شغل منذ أكثر من سنة، و34% منذ أكثر من سنتين، وعدد كبير منهم يتوقفون عن البحث عن عمل بسبب قلة مناصب الشغل الجديدة، وعدم فعالية مصالح الشغل في ميدان تقارب العرض والطلب في مجال الشغل (المركز الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 2000)، وتعتبر هذه الوضعية خطيرة جدا خاصة وأن التضامن العائلي الذي هو في طريقه إلى التلاشي لم يعد في مقدوره تدارك الشرخ الاجتماعي الناجم  عن الإقصاء والتهميش لهذه الأعداد الهائلة من البطالين.

         ويمكننا أن نشير في هذا الصدد إلى أنّ الدولة بادرت من أجل التخفيف عن هذه الوضعية المتأزمة التي أصبحت فيها مناصب الشغل المأجورة والدائمة نادرة جدا إلى استحداث مناصب الشغل المؤقتة وغير المؤهلة حيث أصبح عدد مناصب الشغل البديلة (المؤقتة) التي أنشئت في إطار تدابير المساعدة على تشغيل الشباب أكبرمن مناصب الشغل الدائمة.

 

         وبالموازاة مع ذلك يمكننا أن نشير أيضا أنّه نظرا لتفاقم البطالة وقلة مناصب الشغل تطور الشغل في القطاع غير الرسمي بصفة متواصلة ، ويشمل هذا القطاع الأشخاص الذين يشتغلون لحسابهم الخاص، والذين لا يملكون سجلات تجارية بالإضافة إلى الذين يشتغلون في السوق السوداء وبطريقة غير قانونية.

         لقد ساهمت عمليات إعادة الهيكلة وحل المؤسسات في تفاقم ظاهرة البطالة أيضا حيث تشير المعطيات إلى أن الأجراء الذين فقدوا منصب عملهم أو الذين أحيلوا على البطالة التقنية في الفترة الممتدة ما بين 1994 و 1998 يتجاوز عددهم 360.000 عامل وكشفت الحصيلة التي أعدتها المفتشية العامة للعمل (المضبوطة في 30 جوان 1998) أنه خلال هذه الفترة تمّ تسريح 212.900 عامل يضاف إليهم 50.700 ممن أحيلوا على التقاعد المسبق، و 100.800 أحيلوا على البطالة التقنية. وفي نفس التاريخ تشير الحصيلة إلى  أن 815 مؤسسة تمّ حلها منها 134 مؤسسة اقتصادية عمومية و 679 مؤسسة عمومية محلية ومؤسستين من القطاع الخاص(المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 1998).

         وبصفة عامة يمكننا أن نشير إلى أنه نتج عن مخططات إعادة هيكلة المؤسسات تسريح جماعي للعمال بنحو 500.000 عامل بين سنوات 1994 و 1999 أي أكثر من (8%) من السكان المشتغلين دون أن يتم توفير مناصب شغل جديدة لهم (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 2000).

وإذا كانت ندرة عروض العمل تؤثر خاصة على فئة الشباب في الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة خلال هذه  السنوات الأخيرة فإنّ النساء يتوجهن أكثر فأكثر نحو سوق العمل بحثا عن منصب عمل، حيث أن الحاجة الاقتصادية دفعت بهن  إلى البحث عن عمل، هذا الاتجاه أكده التحقيق الذي أجراه المركز الوطني للدراسات والتحاليل الخاصة بالتخطيط CENEAP حول "الأسـر" حيث يبيّن أن نسبة النساء العاطلات عن العمل في تزايد منذ سنة 1993(CENEAP , 2003)

وهذه الحقيقة يؤكد ها أيضا الديوان الوطني للإحصائيات الذي أجرى تحقيقا حول مستويات المعيشة لدى الأسر سنة 1995، وتوصلت نتائجه إلى أنّ امرأة واحدة  من  بين خمس نساء عاطلات عن العمل تنتمي إلى أسرة لا تحتوي على أي شخص عامل، وأنّ 42% من النساء العاطلات عن العمل  ينتمين إلى أسر لا تتوفر إلاّ عل  فرد   واحد  يشتغل (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 2000).

إنّ هذا الاتجاه يعتبر جديدا تماما على المجتمع الجزائري ويعكس بوضوح حدة الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها الأسر في ظل مرحلة الأزمة الاقتصادية التي دفعت النساء الماكثات بالبيت إلى الالتحاق بسوق العمل سعيا وراء الحصول على منصب عمل أي الحصول على مورد دخل، ولا يتعلق الأمر هنا بمسعى تحرر النساء عن طريق العمل، إنما هي حركة أملتها المقتضيات الاقتصادية.

وتتميز ظاهرة البطالة أيضا بخاصية جديدة أخرى وهي انتشارها أكثر فأكثر في المدن، حيث كان معظم البطالين يتمركزون إلى وقت قريب في المناطق الريفية غير أنّه في السنوات الأخيرة وخاصة منذ التسعينات انتشرت البطالة في الأوساط الحضرية.

ونظرا للأهمية الكبيرة التي أولتها الدراسات و البحوث العلمية  لعلاقة الظروف السكنية السيئة لأسر الجانحين بانحراف وجنوح أبنائهم ارتأت هذه الدراسة محاولة التعرف على وضعية السكن في الجزائر من خلال المطلب التالي:

رابعا- الأسرة والسكن:

لقد وجد في ميدان السكن اختلال توازني كبير بين النمو الديمغرافي السريع وبين نمو البناءات السكنية. فحسب معطيات الإحصاء العام للسكان والسكن تقدر حظيرة السكنات بـ4.1 مليون سكن، وقد انتقلت نسبة الأفراد في السكن الواحد من 6.1 أشخاص مع بداية الستينات إلى 7.14 أشخاص سنة 1998 وهي  من أعلى النسب في العالم ، وتتجاوز نسبة الأفراد في المسكن الواحد في الواقع 9 أفراد لـ 55%  من السكنات (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 2000 ).

ويقدر العجز الحالي للسكن بأكثر من مليون سكن مع طلب إضافي قدره 600.000 سكن في سنة 2020 بينما وتيرة الإنجاز لا تتجاوز الثماني ألف وحدة سكنية في السنة (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ،2000).

وبخصوص توزيع المساكن حسب حجم الأسر يظهر التحقيق حول مستويات المعيشة الذي قام به الديوان الوطني للإحصائيات سنة 1995 أن (40.8%) من المساكن تشغلها أسر يتراوح عدد أفرادها بين 7 و 10 أفراد، كما يظهر على الخصوص أن نسبة (8.5%)   من المساكن تضم كل منها 11 شخص أو أكثر، وبعبارة أخرى فإنّ 320 ألف مسكن تشغلها أسر عدد أفرادها 11 فردا فما فوق (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 1998). أي أنها مشغولة من طرف أسر تعيش في ظروف من الضيق والاختلاط لا تطاق.

ولمعرفة الظروف السكنية التي تعيش فيها نسبة كبيرة من الأسر في الجزائر  بمزيد من الدقة، وباستعمال مؤشرين يتمثلان في نسبة شغل المسكن (TOL) ونسبة شغل الغرفة (TOP) يتبين لنا حسب التحقيق الذي قام به الديوان الوطني للإحصائيات سنة 1995 حول مستويات المعيشة أنّ نسبة شغل السكن تقدر بحوالي 7.4، وهي  أكثر ارتفاعا في الوسط الريفي أين قدرت بـ7.6 مقارنة بالوسط الحضري 7.1، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الأسر نلاحظ أن متوسط عددها في المسكن الواحد هو 1.14 في سنة1995  ، أي أنها سجلت تزايد بالنسبة لإحصاء 1987 حيث كانت هذه النسبة  في حدود 1.06 ( المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 1998).

إنّ هذه النسبة تكشف تدهورا في الظروف السكنية على المستوى الوطني إذ أنها تعني أن نمو تشكيل الأسر أسرع من نمو تسليم المساكن.

أما نسبة شغل الغرفة فقد بلغت على المستوى الوطني 2.72 في سنة 1995   بل وصلت إلى غاية 3.57 في المسكن المؤقت، وتبين هذه المستويات المرتفعة في نسبة شغل الغرفة نسبة اكتظاظ خطير، فهناك (10%) فقط من المساكن لها نسبة في شغل الغرفة تستجيب للمقاييس المقبولة عادة (أي نسبة تقل عن 1.1)، وفي المقابل فإنّ هناك (30%) من المساكن تتســم باكتظاظ كبـير (أي نسبة شغل الغرفة تتراوح بيـن (2.1 و3.3)، وأن (28%) من المساكن مكتظة بشكل لا يطاق (أي نسبة شغل الغرفة 3.4) (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 1998).

ومن ناحية أخرى، وحسب التحقيق حول الأسر الذي قام به المركز الوطني للدراسات والتحاليل الخاصة بالتخطيط CENEAP في سنة 1998 يوجد 400 ألف مسكن لا تتوفر فيها الشروط الصحية، وهذا يعني أن أكثر من مليوني شخص يعيشون  في مساكن من نوع الأكواخ (المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي ، 1998).

وإضافة إلى هذا يوجد 600 ألف مسكن في حالة سيئة جداً حسب تقديرات الديوان الوطني للسكن في بداية 2002، وهذا يعني أن المراكز الحضرية الحالية تعرف تدهورا متسارعا بسبب قدم المساكن وشغلها بإفراط، وسياسة الإيجار المنخفض، وغياب التسيير  (أي الترميم والصيانة) وفي هذا الإطار يمكننا ذكر كمثال الجزائر العاصمة التي سجلت لوحدها أكثر من 3000 بناية سكنية مهددة بالانهيار، و3500 سكن فوضوي مقام على سطوح العمارات في الأحياء الشعبية (الزبير عروس ، 2002 ).

وقد زاد من حدة تدهور الحالة العامة للسكن بالجزائر الوضع الأمني الخطيرعلى مستوى الأرياف خاصة ممّا أدى إلى نزوح جماعي إلى الأماكن الأكثر أمـنا  على أطراف المدن الكبرى، فتفاقمت ظاهرة البيوت القصديرية على مستوى كل التراب الوطني حيث يوجد حاليا ما يقرب من 524000 سكن قصديري موزعة عبر التراب الوطني (conseil national économique et social , 2006 )). هذه السكنات  المشيدة فوق 3.791 موقع توجد على مستوى 1323 بلدية  إلى غاية سنة 2002.

إنّ هذا العدد الهائل من السكن المؤقت المتمثل في الأحياء القصديرية والبناءات الفوضوية المتشابهة يشكل انشغالا كبيرا للدولة الجزائية، ذلك لأنه رغم تراجع هذه الظاهرة بأحجام نسبية منذ سنة 1966 بسبب السياسة التنموية  الجديدة التي انتهجتها الجزائر في إطار المخطط الثلاثي (1967-1969) والمخططين الرباعيين، والتطبيق الفعلي لثورة الزراعية، والتي كانت تهدف إلى التخفيف الجزئي على التعمير الفوضوي للمدن، وإحداث نوع من التوازن الجهوي بين المدن والأرياف عن طريق إنشاء صناعات صغيرة لامتصاص اليد العاملة في كل مناطق الوطن من جهة، ومن جهة أخرى خلق مناصب شغل في إطار الثورة الزراعية (150.000 منصب شغل مابين 1971 -1977) (BENATIA .F ,   (1980  فإنها عادت للانتشار مع ظهور الأزمة الاقتصادية والأمنية منذ بداية التسعينات بحيث يقدر الإحصاء العام للسكان والسكن نسبة السكنات المؤقتة (5.81%) من الحضيرة الإجمالية، ويمثل السكن المؤقت نسبة (6.95%) من حضيرة السكنات المشغولة( المجلس الاقتصادي و الاجتماعي ، 2000   ) .

         وبصورة عامة يمكننا الإشارة إلى أن الأوضاع السكنية السيئة والمتدهورة التي تعيش فيها الكثير من الأسر ذات الدخل الضعيف، والتي تتصف بالضيق والاكتظاظ، والنقص الكبير في الشروط الصحية غالبا ما يكون لها علاقة وطيدة بالسلوك الانحرافي لدى الأحداث.

إلى جانب الحالة الاقتصادية المتسمة بالفقر والعوز والاحتياج، والوضع المتأزم لسوق العمل ووضعية السكن المتدهورة التي تعيش فيها الكثير من الأسر الجزائرية توجد مظاهر أخرى فيها الكثير من الدلائل عن تدهور الحالة الصحية لأفراد الأسر المعوزة التي تعاني من أمراض الفقر نتيجة النقص  في كمية الاستهلاك الغذائي ونوعيته أو نتيجة تدني الأوضاع السكنية التي تجعل الكثير من الأسر المعوزة تضطر إلى العيش في مناطق موبوءة بالأوساخ والأمراض لا تتوفر فيها أدنى شروط الصحة، الأمر الذي سنحاول التعرف عليه من خلال الأبعاد التالية :

         خامسا- الأسرة والصحــة:

         تهدف المنظومة الوطنية للصحة إلى تحسين معدل حياة السكان وضمان الاستفادة العادلة للخدمات الصحية بتقديم الخدمات الأساسية التي تحتاجها جميع شرائح السكان. ولقد تم ضمان هذه الاستفادة بفضل انتشار القطاع العمومي للصحة في كامل أنحاء الوطن، والذي مازال يحافظ على شبه مجانية العلاج الطبي وتغطية واسعة نسبيا للسكان، إلاّ أنه رغم التغطية الصحية المكثفة للمنشآت الأساسية والإمكانيات البشرية إلاّ أنه توجد شريحة      لا يستهان بها من السكان خاصة تلك التي تقطن في المناطق المعزولة أو المحرومة لا تستفيد من البرامج الوقائية والرعاية الطبية الأساسية بصفة كافية.

         وقد أصدرت وزارة الصحة تقرير حول صحة الجزائريين والجزائريات لسنة 2000 اعتبرت فيه ستة عشر ولاية من بين الولايات المحرومة نذكر منها خاصة ولايات الهضاب العليا والجنوب(المجلس الاقتصادي و الاجتماعي  ، 2001).

         أما عن الحالة العامة لصحة السكان في الجزائر فقد تميزت بتدهور عام في ظروف إتاحة العلاج للمواطنين خاصة بعد الأزمة الاقتصادية التي نتج عنها اتخاذ عدة إجراءات في ميدان مصاريف العلاج و للأدوية نذكر منها على وجه الخصوص إلغاء معونات الدولة للأدوية ،  الأمر الذي جعل أسعارها ترتفع ارتفاعاً كبيراً وارتفاع الأتعاب الطبية  للأطباء الخواص ومساهمة المرضى في مصاريف الفحص في المستشفيات بعد أن كانت هذه الفحوصات مجانية، بالإضافة إلى تخفيض مبلغ العلاج وبعض الأدوية التي يسددها الضمان الاجتماعي حيث يتضمن منه خاصة ذوو الدخل الضعيف.

وبصورة عامة فإن الزيادة المطردة في أسعار خدمات العلاج والأدوية لذوي الدخل المتوسط يتولد عنها ظاهرة حرمان الفئات الضعيفة من العلاج الناجع لأنه أكثر تكلفة  ذلك لأن منظومة الصحة أصبحت تضم طبقتين. الأولى تمثل هياكل الصحة العمومية الأقل نوعية وتخصص للفئات ذات الدخل الضعيف، وتتكون الثانية من الهياكل الصحية التابعة للقطاع الخاص التي تتمتع بنوعية أفضل موجهة لفئة الأغنياء من المواطنين القادرين على دفع كلفة الخدمات التي يتزايد ثمنها باستمرار .

 

إنّ آثار هذه المنظومة الصحية ذات الطبقتين تظهر مدمرة على المواطنين من الفئات الضعيفة.

         ومن جهة أخرى يمكننا الإشارة إلى أن الحالة العامة لصحة السكان في الجزائر تعبر عنها أيضا العودة المكثفة لأمراض الفقر التي تمس أفراد الأسر الأكثر حرمانا   وهذا ما أكدته  عدة ملتقيات علمية، كما كشف التحقيق حول الأسر الذي أنجزه المركز الوطني للدراسات والتحاليل الخاصة بالتخطيط CENEAP على أساس العينة التي شملتها الدراسة عن تفشي أمراض مثل الكوليرا و التيفوئيد، وأن هذه الأمراض المعروفة "بأمراض الفقيرتصيب أساساً الأسر ذات الدخل الضعيف التي تعاني سوء التغذية  وتعيش في جو من الاختلاط، وفي محيط متدهور داخل مساكن مؤقتة لا تتوفر على الشروط الصحية(المجلس الاقتصادي و الاجتماعي ، 1998 ).

         ومن الولايات الأكثر تضررا بعودة أمراض الفقر يمكننا ذكر ولاية تيبازة التي تؤكد كل تقارير وحدات الكشف والمتابعة الصحية التي قامت بفحوصات طبية في الوسط المدرسي عن العودة القوية لأمراض الفقر في أوساط التلاميذ، إذ كشفت الفحوص الدورية المجراة على التلاميذ المتمدرسين عن وجود ما لا يقل عن 1260 حالة إصابة بداء الجرب من مجموع التعداد الإجمالي لتلاميذ الولاية لسنة 2001، كما تم تسجيل 2140 تلميذ حامل للقمل، أضف إلى ذلك  الارتفاع المقلق في حالات الأمراض النفسية علاوة على 2030 حالة إصابة بمرض الغدة الدرقية الناتج عن النقص في مادة اليود، هذا على مستوى دائرتين من دوائر الولاية، بينما سجلت نسبة 74.44% من التلاميذ المصابين بتسوس الأسنان (الزبير عروس  ،2002).

         إنّ تأزم الوضع الصحي لتلاميذ ولاية تيبازة التي تعتبر امتداداً طبيعياً للجزائر العاصمة يرجع أساسا إلى سوء الأحوال الاجتماعية التي تعيشها الأسر الجزائرية عموما، والتي انعكست سلبا على وضعهم الصحي الذي زاد سوءا مع الارتفاع المذهل لأسعار الأدوية.

عوامل عدم تكيف الأبناء داخل أسرهم.

         وإلى جانب كل الضغوطات السالفة الذكر والتي كانت انعكاساتها ثقيلة على الأسرة الجزائرية، أدت في حالات كثيرة إلى انحراف وجنوح أبنائها يوجد عوامل أسرية أخرى كان لها علاقة وطيدة بتفاقم جناح الأحداث في الجزائر يمكن حصرها حسب المعطيات المتوفرة لدينا، والتي أدلى بها قضاة الأحداث الذين تمكننا من الاتصال بهم بمحاكم بعض دوائر ولاية الجزائر العاصمة باعتبارهم في تعامل يومي مع مختلف القضايا التي تخص الأحداث في النقاط التالية:

 

* عوامل تتعلق بمعاناة أسر الأحداث الجانحين من ظروف اقتصادية سيئة تتبلور فيها حالة الفقر والحاجة المادية، الأمر الذي يجعلها في حالات كثيرة تدفع بأبنائها نحو عالم الشغل، هذا العالم الذي كثيرا ما يكون بيئة صالحة لارتكاب الجريمة وممارسة السلوك المنحرف.

         * كما يوجد أيضا كثير من الأسر تدفع بأبنائها بسبب ظروفها الاقتصادية الصعبة نحو التسول، وممارسة أنشطة ممنوعة قانونيا واجتماعيا تؤدي بهم في النهاية  إلى ارتكاب الجريمة مثل المتاجرة في المخدرات وممارسة الدعارة...الخ.

         * عوامل تتعلق بإهمال الأسر لأبنائها عن طريق تخليها عن مسؤوليتها تجاه أبنائها من جانب رعايتهم المادية والمعنوية، ومتابعة سلوكهم وتصرفاتهم في الشارع والمدرسة ومراقبة أوقات دخولهم وخروجهم من البيت إلى جانب إرشادهم وحل مشاكلهم، الأمر الذي غالبا ما يجعل هؤلاء الأطفال المهملين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الرعاية والضبط السلوكي لوقايتهم من الانحراف والجنوح.

         * عوامل أخرى تتعلق بإهمال الأسر لأبنائها بسبب التفكك العميق الذي يصيب بنيتها وعلاقتها كوحدة اجتماعية مثل تحطم الأسرة بسبب الطلاق أو غياب أحد الأبوين أو كليهما أو تعاظم المشكلات بينهما ممّا يؤدي في حالات كثيرة إلى شعور الأبناء بالضياع ويهيء ظروف الانحراف.

وفي هذا المجال يمكننا أن نشير أن الإحصائيات سجلت نسب مرتفعة للطلاق في الجزائر بلغت حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكن لسنة 1998 نسبة 220.890 شخص (82.5%) منهم نساء (O. N . S, 1998).

         وتفيد هذه النسبة التي تعتبر مرتفعة أن الرجال المطلقين يعيدون الزواج في أغلب الحالات وتتحمل النساء حضانة الأطفال في معظم الأحيان، وتحرم من السكن الزوجي، كما أنه نادرا ما تتكفل بهن أسرهن، ونـا درا  ما يشغلن منصب عمل، ولا يتقاضين بصفة منتظمة مبلغ النفقة الضئيل المحكوم به على أب الأطفال، وهذا ما يدفع النساء المطلقات في ظل هذا الاحتياج المادي إلى الخروج   إلى العمل في أعمال بسيطة كمنظفات بأجر زهيد أو ممارسة الدعارة لكسب القوت.

         وبالإضافة إلى النسب المرتفعة لحالات الطلاق التي يعرفها المجتمع الجزائري ونتائجه السلبية على الأطفال أصيبت الأسرة الجزائرية في كيانها ووحدتها أيضا عن طريق تأثرها بظاهرة الإرهاب التي تسببت في ارتفاع عدد اليتـامى و معاناة  الأطفال من الصدمات الناجمة عن الفقدان العنيف لأحد أبويهم أو كليهما ممّا تسبب  في حالات كثيرة في الضرر بالصحة النفسية للأحداث الذين انجروا نتيجة لذلك نحو الانحراف والجنوح.

       * من العوامل التي جعلت أسر الأحداث الجانحين تفشل في توجيه سلوك أفرادها الوجهة السليمة الأزمة الاقتصادية و الأمنية اللذين أصبحتا تشكلان الانشغالات الأساسية للأسر، و أديتا إلى إضعاف قدرة الأسرة على حماية أفرادها، و على الحفاظ على تماسكها، و على القيام بوظائفها الاجتماعية و التربوية، حيث أصبحت تعتبر مسؤوليتها التربوية في مراقبة و ضبط سلوك أبنائها ثانوي مقارنة بما تلاقيه من مشاكل أمنية وغذائية .  

       * عوامل أخرى انتشرت بكثرة في أوساط أسر الجانحين تتعلق بتقليص تأثير سلطة القيم الاجتماعية، فأصبح السعي وراء المال له الأولوية، و يصبح ما يحرك الوالدين هو الاعتبارات المادية لا الاعتبارات القيمية، فيدفعون أولادهم إلى السعي وراء الحصول على المال، و لا يهمهم من أين حصلوا عليه و بأية طريقة، بل ويبررون حصول أولادهم على المال بطرق غير قانونية مثل إقبالهم على السرقة و المتاجرة في المخدرات وممارسة الدعارة بأنهم معذورون في ذلك لأنهم لم يجدوا عملا، و حصولهم على المال بهذه الطرق ليس عملا إجراميا لأنهم أخذوا ما لم يعطيهم المجتمع. و بهذه الطريقة أصبحت بعض أسر الجانحين تعيش ظاهرة الامتثال في عدم الامتثال.

* هناك عوامل أخرى كثر انتشارها أيضا في أوساط أسر الجانحين، و أضرت

بالتوازن السيكولوجي للأحداث، تتعلق بالاستعمال المكثف للعنف الجسدي واللفظي كمنهج تربوي في معاملة الأبناء. و يمكننا الإشارة في هذا المجال إلى أن اللجوء إلى هذا الأسلوب في تقويم الأبناء غالبا ما يرجع إلى النقص في وعي الآباء، و الضعف في المستويات الثقافية التي تأهل الأسرة لأداء أدوارها بطرق تربوية سليمة و إيجابية، الأمر الذي يؤدي في أغلب الحالات إلى هروب الأبناء من البيت و التعرض لأخطار الانحراف و الجنوح . و الملاحظ أن القانون الجزائري نادرا ما يتابع قضائيا الآباء بسبب التعسف في استعمال العنف الجسدي ضد أبنائهم .

       * عوامل أخرى تتعلق بانتشار الأمية في أوساط الكثير من الأسر قدرت نسبتها سنة 1998 ب (31.90 %)، هذا العائق الذي يخص حوالي 7.4 مليون شخص أكثرهم من المسنين و النساء (4.630.000 ) حسب أرقام الديوان الوطني للإحصائيات (المجلس الاقتصادي و الاجتماعي ، 1998) أصبح يعرقل تفهم الآباء للكثير من المشاكل و الصعوبات التي تعترض أبناءهم نتيجة جهلهم للكثير من المبادئ الأساسية للتربية السليمة، الأمر الذي يؤدي في حالات كثيرة إلى مشادات عنيفة بين الآباء و الأبناء لينتهي في أغلب الحالات بخروج الأبناء عن طاعة الآباء، والهروب من البيت و الانضمام إلى عصابات جانحة.        

     

خاتمة :                

         من كل ما سبق ذكره حول مشكلات الأسرة الجزائرية و انعكاساتها على جنوح الأبناء يمكننا القول أنّه مهما تعددت العوامل الأسرية التي رأيناها مسببة في حدوث وتفاقم  ظاهرة جناح الأحداث في المجتمع الجزائري فإننا لا نشك أبدا في أنها متداخلة ، وقد استخلصنا من خلال تحليلنا لمشكلات الأسرة الجزائرية و علاقتها بجناح الأحداث  أن هناك الكثير من العوامل والمتغيرات ذات الصلة بجـناح الأحداث يمكن أن ترجع إلى بعض التناقضات الحضـارية والتغيرات العميقة التي حدثت في المجتـمع الجزائري منذ الاستقلال، والتي مست الأسرة بالدرجة الأولى، ذلك لأنه لا يمكن فهم مشاكل أسر الأحداث الجانحين كظاهرة  منعزلة، بل يجب النظر إليها في صورة تكاملية مع بقية النظم الأخرى القائمة في المجتمع.

         ومن هنا نستخلص أن أسر الأحداث الجانحين التي تعاني من ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية صعبة لم تلق المساعدة و الرعاية الكافية في ميادين الشغل، والأجر الملائم، والسكن والتربية والتعليم والصحة إلى غير ذلك من الخدمات الاجتماعية  التي تساعدها على تهيئة الجو السليم لتربية أبنائها في أمان واستقرار، وبالتالي وقايتهم من الانحراف والجنوح.

 

الهوامش :

1-وزارة التضامن الوطني، الندوة الوطنية الأولى حول مكافحة الفقر والإقصاء، الجزائر، قصر الأمم، أكتوبر 2000، ص: 10

2-نفس المرجع، ص: 11.

3-المجلس الاقتصادي والاجتماعي،  تقرير حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية لبرنامج التعديل الهيكلي، مرجع سابق، ص ص:158-159

4-  المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، تقرير المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي للسداسي الأول، 1998.

5-  الزبير عروس، الفقر بالجزائر،  مركز البحوث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية، ، العدد63،  سنة 2002، س: 84.

6-  المجلس  الوطني الاقتصادي والاجتماعي، مشروع التقرير الوطني حول التنمية البشرية لسنة 2001، الدورة العامة الواحدة والعشرون، الجزائر ديسمبر 2002، ص ص : 131-134.

 * يحتوي سلم الأجور للوظيف العمومي على 20 صنفا. وتقسم مستويات التأهيل على هذه الأصناف كالتالي: من الصنف 1 إلى 9 مستخدمون التنفيذ، من 10 إلى 13 مستخدمون المهارة، من 14 إلى 20 التأطير.  

7-  نفس المرجع، ص: 11.

8- نفس المرجع ، ص : 11 .

9-  نفس المرجع، ص: 53.

10- المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، تقرير حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية لبرنامج التعديل الهيكلي، الجزائر، نوفمبر1998، ص: 137..

11- المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، التقرير الوطني حول التنمية البشرية لسنة 2001، مرجع سابق، ص: 141.

12-  الزبير عروس، مرجع سابق، ص: 89.

13- المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، التقرير الوطني حول التنمية البشرية لسنة 2000، مرجع سابق، ص: 148.

14- المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، تقرير حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية لبرنامج التعديل الهيكلي، مرجع سابق، ص: 137.

15- المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، التقرير الوطني حول التنمية البشرية لسنة 2000، مرجع سابق، ص:54

 

16- centre national d'études et d'analyses pour la population et le développement, mutations des structures familiales , Alger ,  N° :27, 2003,P :13.

17- المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، التقرير الوطني  حول التنمية الاجتماعية لسنة 2000، مرجع سابق،ص: 142.

18 _نفس المرجع ، ص : 199.

19- نفس المرجع، ص: 199.

 

20- المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تقرير حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية لبرامج التعديل الهيكلي، مرجع سابق،ص: 133.

21- نفس المرجع ، ص : 133.

22-  نفس المرجع، ص: 134.

23-  نفس المرجع، ص: 132.

24-  الزبير عروس، مرجع سابق، ص: 88.

25--conseil national économique et social ,Note de conjoncture du premier  semestre 2006, Alger, division des études économiques, juillet 2006, P : 29

26-FAROUK BENATIA, Alger agrégat ou cité, Alger, Edition :S.N.E.D 1980, P : 226

27- المجلس الوطني الاقتصادي  والاجتماعي، التقرير الوطني حول التنمية البشرية لسنة 2000، مرجع سابق،ص: 200.

28-  المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مشروع التقرير الوطني حول التنمية البشرية لسنة 2001،  الجزائر، الدورة العامة الواحدة والعشرون، ديسمبر 2002، ص: 65.

29- المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تقرير حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية لبرنامج التعديل الهيكلي، مرجع سابق، ص: 131.

30- الزبير عروس، مرجع سابق، ص : 89-90.

31-O.N.S Exploitation exhaustive du recensement général de la population et de l’ habitat, annuaire statistique de L’ Algérie, N 21, Alger, RGPH 1998, P 32.

32- المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي، مشروع التقرير حول الإقصاء الاجتماعي، الدورة العامة السابعة عشر، الجزائر، ماي 2001، ص.24. 

 

Télécharger l'article