عمل المرأة ( الأم) و مشكلة الدور

        

د/ لامية بوبيدي   أ/ أسماء مطوري  

           جامعة الوادي       جامعة الوادي

 

إشكالية الدراسة :

     عادة ما ينظر إلى الأسرة على أنها الوحدة الأساسية المكونة للمجتمع و صلاحه مقرون بصلاحها ، هذه الوحدة المكونة من عدد من الأفراد يؤدون أدوارا  و وظائف معينة – قيادية ، وسيطية ، قاعدية –  في جو اتصالي تفاعلي معين و الذي يحدد ملامحها و معالمها ، حيث قد تتخذ صورة الأسرة السعيدة أو عكس ذلك .

     من  المتعارف عليه أن من بين الوظائف التي يتكفل بأدائها الأب في الأسرة هو توفير الجانب المادي و الاقتصادي لأعضائها، مما يكفل  لهم إشباع حاجاتهم المادية و النفسية.. ، إذ توجد علاقة سببية بين إشباع و تأمين المتطلبات المادية و الأمن و الطمأنينة النفسية لأفراد الأسرة ، علما   أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال أداء الأب لمهنة ما . في المقابل تتكفل الأم بأداء وظيفتها التربوية و العاطفية  و  الرقابة الأسرية على الأبناء ... و غيرها من الوظائف .  لكن  من الضروري وجود تكامل و تساند بنائي وظيفي بين ما يقوم به الوالدان ،  مما يكفل السلامة و الاستقرار و الاستمرار   للأسرة.

        لقد تنامت خلال العقدين الأخيرين ظاهرة خروج المرأة (الأم) للعمل، و التي كانت بالأمس القريب مجرد أفكار  تلقى الرفض و الاستهجان المجتمعي ، انطلاقا من قناعة و فكرة متأصلة في وعي الفرد الجزائري و بالتدقيق في وعي الرجل( المجتمع الذكوري)، و التي مفادها أن مكان المرأة الوحيد بل الأوحد هو المنزل لتنحصر مهمتها في تربية و رعاية الأولاد و الزوج ، كما أن خروجها للعمل يعرض البناء الأسري إلى التصدع أو الانهيار  نتيجة  لعدم وظيفيتها . غير أننا اليوم نلحظ تزايدا في معدلات الأمهات العاملات، و الأهم أنها أضحت منافسة للرجل في ميادين العمل المختلفة و التي كانت بالأمس حكرا عليه فقط ...

        إن الجدير بالذكر أن هناك جدلا قائما حول عمل المرأة أو الأم خارج المنزل، فنجد من يؤيد ذلك و من  يعارضه  و قد يكون سبب الجدل هي تلك القناعات المترسخة و المتجذرة في الوعي الباطن للفرد الجزائري، أو قد تكون نتيجة للبعض من المغالطات المعرفية المتناقلة هنا       و هناك .

      من هذا المنطلق نجد من الضرورة البحث في تنايا و حقيقة هذا الجدل من حيث  إلقاء الضوء على واقع عمل المرأة ( الأم)  في الجزائر من جهة ، و من جهة أخرى  الوقوف على العوامل الكامنة وراء خروجها للعمل دون أن ننسى الآثار الناجمة عنه ، إضافة إلى ذلك البحث في جدلية عمل المرأة( الأم)  و مشكلة الدور- أي دورها كأم .    

 تأسيسا على ما ذكر سابقا تم طرح التساؤل الرئيس على النحو الآتي :

- هل خروج الأم للعمل أدى إلى تقصيرها أو عجزها في أدائها للأدوار المتوقعة منها؟

ثانيا: تحديد المفاهيم :

العمل : الجهد الذي يبذل الإنسان سواء كان عقليا أو عضليا ، بمعنى استخدام الفرد لقواه المختلفة من اجل تحقيق منفعة . [1]

الأم العاملة : و هي الزوجة المنجبة التي تؤدي عملا منظما و مشروعا خارج المنزل و تتقاضى عليه اجر ، و ترتبط مواعيد عمل محددة ، و تؤدي أدوارها الزوجية و الامومية[2].

ثالثا : أهداف و أهمية الدراسة :

     تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف نوردها في النقاط التالية :

- التعرف على واقع عمل المرأة في الجزائر .

- التعرف على العوامل الكامنة وراء خروج الأم للعمل .

- الكشف على الآثار المترتبة على عمل المرأة سواء الايجابية منها أو السلبية .

- التعرف على مختلف المعيقات و المشكلات الوظيفية التي يمكن أن يفرزها عمل الأم ، خاصة ما تعلق بأدائها لدورها كأم و الذي يتحدد من خلال علاقتها بأبنائها في ظل شبكة علائقية تفاعلية متشابكة .

      كما تكتسي هذه الدراسة أهمية بالغة من حيث إنها تركز الاهتمام على فترة هامة في المجتمع و التي تتمثل في المرأة بصورة عامة و المرأة المتزوجة ( الأم) بصورة خاصة ، باعتبارها أصبحت عضوا فعالا في سيرورة التنمية المجتمعية ، إضافة إلى ذلك ارتباط هذه الفئة بأبنائها و التي تتأثر حتما بالبعض من الوضعيات الأسرية .

رابعا: أدوات جمع البيانات :

     لقد تم اعتماد أداة الاستبيان في جمع البيانات من الميدان ، و تضمنت 30 بندا موزعة على ثلاث محاور نوردها على النحو التالي :

المحور الأول : البيانات الشخصية ، حيث تضمن خمس (5) أسئلة .

المحور الثاني :عوامل عمل الأم و الذي تضمن عشر (10) سؤالا .

المحور الثالث : عمل المرأة المتزوجة و دورها كموظفة ، حيث  تضمن (15) سؤالا .

     بالإضافة إلى المحور الذي تضمن البيانات الشخصية .

أن الجدير بالذكر انه للإجابة على المحورين ( الثاني و الثالث ) تم الاعتماد على بديلين هما : نعم – لا .

خامسا : مجالات الدراسة ( حدود البحث) .

أ- المجال الزمني : لقد تم توزيع الاستبيانات على مفردات الدراسة بتاريخ 30 جانفي 2013 ، أما جمعها فتم بتاريخ 4 فيفري 2013 .

ب- المجال المكاني : تم إجراء الدراسة الميدانية على مستوى ست مؤسسات خدماتية بمدينة الوادي ،و تتمثل هذه المؤسسات فيما يلي: أربع مؤسسات تعليمية ، مؤسسة صحية(مستشفى 8 ماي )، مؤسسة العمومية (صندوق الضمان الاجتماعي للإجراء ببلدية الوادي ).

ج- المجال البشري :  يتكون المجتمع الكلي للدراسة من النساء العاملات ، و لقد تم اختيار عينة قصدية قوامها 60 امرأة عاملة . لقد تم اختيار مفردات العينة بطريقة قصدية ، حيث تتسم بالخصائص التالية :

- امرأة عاملة في القطاع العمومي المهيكل.

- امرأة متزوجة لديها أطفال .

 

سادسا : عرض أهم البيانات و النتائج المتوصل إليها و مناقشتها:

1- محور البيانات الشخصية :

الجدول رقم (1) يوضح توزيع مفردات العينة حسب مجال عملهن.

مجال العمل

التكرار

النسبة

التعليمي

35

58.33

الصحي

12

20

الإداري

13

21.66

المجموع

60

100

   يبين الجدول رقم (1) توزيع المبحوثات حسب المؤسسات الخدماتية ، حيث أن (58.33%) من المبحوثات تعملن في المجال التعليمي، في المقابل  أن ( 26.66%) من هن تعملن في القطاع الإداري، كما أنه تم تسجيل نسبة (20%) من المبحوثات تعملن في المجال الصحي .

    مما لا شك فيه أن عمل المرأة خارج البيت أصبح يشكل دعما اقتصاديا قويا للأسرة، في ظل غلاء المعيشة ، حيث أن هذا الأخير يعد من دواعي خروجها للعمل خارج البيت و من إفرازات متطلبات الحداثة .

     إن الجدير بالتنويه أن مساعدة المرأة للرجل حتمية طبيعية فرضتها متطلبات البقاء ، فالإنسان  منذ أن وجد على هذه الأرض أدرك ضرورة التجمع و التعاون و التكامل المجتمعي . فلا يمكن تصور تعطيل نصف المجتمع مع تشغيل مضاعف للنصف الأخر . من هذا المنطلق نجد أن المرأة كانت و ستظل طرفا فعالا في بناء المجتمع و تقدمه ، بدءا بأدائها لأدوارها الأسرية من حيث كونها زوجة و أما. لقد عرفت المجتمعات الإنسانية العديد جملة من التطورات و التغيرات حتما خلفت تغييرات على مختلف مناحي الحياة البشرية خاصة ما تعلق البنية التركيبية و الوظيفية ، فانتقلت من طابعها الزراعي فالصناعي .

     لقد خضعت الأسرة الجزائرية لجملة من التحولات التي فرضت صورة لنمط اسري معين ، حيث اتخذت شكلا مزاوجا ما بين الممتدة و النووية كمحصلة لتغير طابع المجتمعات ، ففي السياق السوسيوثقافي عادة ما كان يرتبط وجود المرأة بالبيت ، حيث يعد المجال المكاني الطبيعي الذي يجب أن تتواجد به ، و الذي يفرض طابعا من الأدوار المتوقعة أدائها من قبلها باعتبارها ابنة وزوجة و أم ، و على هذا الأساس كانت تتم عملية تنشئتها ( التربية العملية) ، فلا يمكن تصور تواجد المرأة خارج حدود الحيز السوسيوجغرافي المرسوم لها .       

     إن الجدير بالتنويه أن المرأة كانت بالإضافة إلى أدائها للأعمال المنزلية كانت تساعد أسرتها عامة و زوجها في أداء البعض من الأعمال المتعلقة بالأرض ، علما أن هذه الأرض تعد امتدادا للحيز الجغرافي و المكاني الذي تتواجد به ، فهي تعمل مع و رفقة أفراد أسرتها فقط في أرضهم ، ومن فالمرأة مارست منذ فجر التاريخ و مازالت تعمل إلى اليوم أما داخل البيت أو خارجه أو تقوم بالعمليتين معا ، فمنذ نشأتها فتاة كانت تعمل في بيت والديها أو أنها أما تعمل في بيت زوجها أو خارجه فتمارس الكثير من الأعمال الزراعية و الاقتصادية فضلا عن عملها داخل بيتها و ما تقوم به من أعمال فرعية كتصنيع منتجات الفاكهة و تربية الدواجن و طحن الحبوب على الرحى الحجرية اليدوية و تحضير العجين و صنع الملابس و حياكتها التي اقتصرت في ذلك الوقت على النساء اللواتي تقمن على جز الأغنام و غزل الصوف و حياكته .[3]

      لقد أفرزت التطورات المجتمعية عدة معطيات من بينها خروج المرأة من البيت قصد العمل، حيث كانت المهن التي تؤديها في الحقيقة هي امتداد لأعمالها داخل المنزل ، إذ نجدها في القطاعات التربوية التعليمية أو الصحية باعتبارها معلمة أو ممرضة أو طبيبة دون أن ننسى عملها في مجال التنظيف . ففي بداية عهد المرأة بالعمل خارج البيت كانت هذه القطاعات المهنية هي المجال المفضل لديهن ، و ربما يعود ذلك للفئة التي تتعامل معها المرأة (التلاميذ، المرضى ) و الذي يرتبط حتما بدرجة الاختلاط و التعامل مع الرجال .

     تنامت في المجتمع الجزائري خلال العقدين الأخيرين ظاهرة خروج المرأة المتزوجة للعمل ، ففي سنة 1989 بلغ معدل النساء المتزوجات العاملات 33.1 % ، ليبلغ 54.2 % سنة 1996[4] ، ومن بين أهم خصائص عمل المرأة الجزائرية، هي ارتفاع نسبة النساء فـي بعض الفروع والأسلاك المهنية مثل التعليم والتربية: أكثر من 60% (سنة 2007)، الصحة 60% (سنة 2007) والقضاء أكثر من 36.82% (جويلية 2008).[5]

     لقد صرَّح السيد عمار سعداني رئيس المجلس الشعبي الوطني  الجزائري  في مداخلة ألقاها الجمعية (112) للاتحاد البرلماني الدولي : " أن التمدرس الشامل للفتيات  وعلى كافة مستويات التعليم أمرا مضمونا، كما أن نسبة مشاركة المرأة في عالم الشغل صارت ترتفع بوتيرة معتبرة وباتت النساء تتوليّن بشكل متزايد مسؤوليات سياسية واقتصادية و وظائف سامية وفي أعلى رُتب الوظيف العمومي بوجه خاص.
إضافة إلى انه  مثّلت النساء الجزائريات عام 2004 ، 69 % من الصيادلة و64 % من جراحي الأسنان، و53 % من المهن الطبية، و55% من الصحافيين  و54 % من الطلبة المسجلين في الطور الثانوي والجامعي و45 % من أساتذة الطب  و35 % من سلك القضاة."[6]

   إن الجدير بالذكر في هذا الإطار أن  ميثاق طرابلس 1962، أول من نادى بحقوق المرأة والحديث عن الاهتمام بها في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، الاقتصادية و السياسية، و من بين ما ورد فيه: لقد خلقت مشاركة المرأة في كفاح التحرير الظروف الملائمة لكسر الكابوس القديم الذي كان يحيط بها و يقيّدها بإشراكها إشراكا كاملا في تسيير الشؤون المنزلية و تنمية البلاد …لذ ينبغي للحزب في الجزائر… أن يقضي على كل عوائق تطور المرأة و تفتحها، و أن يدعم عمل المنظمات النسوية" .

       كما أعطي الميثاق الوطني أهمية لدور المرأة في المشاركة إلى جانب الرجل في الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، منوها بالتحسن الذي عرفته مكانة المرأة، و ضرورة دعمه مستقبلا" : إن وضع المرأة الذي طالما أضرّت به الأفكار الإقطاعية و التقاليد المضادة لروح الإسلام التجديدية، قد تحسن كثيرا منذ حرب التحرير، بعدما كانت المرأة في المجتمع الجزائري محرومة من حقوقها تلازم دركا منحطا، و هي عرضة لسلوك تمييزي لجنسها …و بالرغم من تحسنها الملاحظ فإن ترقيتها المشروعة تتطلب المزيد من الجهود المستمرة و المبادرات و هي ليست مرهونة بالدور الوطني الاجتماعي الذي أدته بجانب رفيقها الرجل أثناء الثورة المسلحة، بل هو مطلب تستلزمه روح العدالة و الإنصاف"، و يضيف "… و على الثورة الجزائرية أن تستجيب لتطلعات عمل النساء في البلاد و ذلك بتوفير الشروط الضرورية لترقيتهن، و ستظل الثورة دون أهدافها إن هي لم تصمم على أن تدمج بنفسها في مسيرتها الملايين من النساء الجزائريات اللواتي شكلن طاقة هائلة للتحول في المجتمع…"" .فالنساء يمثلن نصف السكان القادرين على العمل و يشكلن احتياطا هاما من قوة العمل في البلاد، لا يعني تعطيلها إلا ضعفا في الاقتصاد و تأخر في التطور الاجتماعي، على أن إدخال المرأة الجزائرية إلى دوائر الإنتاج يجب أن يراعي ما يقتضيه دورها كزوجة و كربة بيت "[7]

الجدول رقم (2) يوضح توزيع المبحوثات حسب متغير السن .

السن

التكرار

النسبة

20-25 سنة

09

15

25-30

19

31.66

30-35

18

30

35-40

10

16.66

أكثر من 40

04

06.66

المجموع

60

100

    يوضح الجدول رقم (2) توزيع المبحوثات حسب متغير الجنس ، حيث أن (31.66%) من المبحوثات تبلغ أعمارهن ما بين 25الى 30 سنة، في المقابل أن ( 30 %) من تبلغ أعمارهن ما بين 30الى 35 سنة ، كما تم تسجيل نسبة (15%) من تتراوح أعمارهن ما بين 20-25 سنة ، و أيضا تم تسجيل نسبة (06.66%) من كانت أعمارهن أكثر من 40 سنة .

يعد الزواج نظام اجتماعي يحدد نسيج العلاقات بين الأفراد و العائلات ، كما يحدد طابع الواجبات و الحقوق . يعد الزواج الخطوة الأولى و السابقة لقيام الأسرة ، بل تعد الغاية منه . قد يتخذ الزواج أشكالا متعددة كلها نتيجة للظروف المجتمعية و القيمية ، حيث قد يتخذ شكل الزواج الداخلي أو الخارجي ، كما قد يكون مرتبا أو حرا .  أنه من الضرورة الإشارة إلى ظاهرة تأخر السن الزواج التي ظهرت في الوقت الراهن و التي كانت محصلة لعدد من العوامل و المسببات ، ليأتي غلاء المهور في مقدمتها إضافة إلى أزمة السكن و البطالة و غيرها كثيرا ، لقد كان سن زواج الفتاة في سن الستينات من القرن العشرين في حدود الثامنة عشر ، في المقابل سن زواج الرجل هو الثالثة و العشرون،  كما قد يكون قبل ذلك بقليل لكليهما . غير انه قد عرف سن الزواج بالنسبة لهما تأخرا و الجدول التالي يوضح ذلك .

الجدول رقم (4) يوضح متوسط سن الزواج الأول .[8]

الجنس  السنوات

1966

1977

1987

1998

2002

2006

الرجل

23.8

25.3

27.7

31.3

33.0

33.5

المرأة

18.3

20.9

23.7

27.6

29.6

29.9

الجدول رقم (5) يوضح عدد أبناء  المبحوثات .

عدد أبناء

التكرارات

النسبة

اقل من 3

47

78.33

3-5

7

11.66

5-7

3

5

7 فأكثر

3

5

المجموع

60

100

    يوضح الجدول (4) عدد أبناء المبحوثات ، حيث أن (78.33%) من المبحوثات لديهن ابن أو ابنين، في حين أن (11.66%) منهن لديهم ما بين ثلاث إلى أربع أبناء ، في المقابل تم تسجيل نسبة (5%) منهن من لديهن ما بين خمس إلى ست أبناء، و بذات النسبة من لديهن ما يساوي أو يزيد عن سبع .

     لقد عرفت الأسرة الجزائرية العديد من التغيرات على مستوى الشكل و الوظيفة ، حيث أنها في البعض من المناطق الجزائرية تتخذ شكل الأسرة النواة ، كما قد تتخذ شكل الأسرة الموسعة أو الممتدة ، و لعل مرجع ذلك إلى البعض من الوضعيات السوسيوثقافية و الاقتصادية ، حيث قد يمارس النسق القيمي المجتمعي قهرا على المرأة ، من حيث الاعتراف بوجودها و كينونتها و احتلالها المكانة و المركز المؤهلة له ، و نتيجة لهذا الوضع يتنامى لديها الشعور بالتهديد و اللاأمن النفس اجتماعي الأسري ، و من أمثلة ذلك استمرارية المرأة المتزوجة في عملية الإنجاب حتى تتمكن من إنجاب الابن الذكر، و لنا في ذلك نماذج كثيرة . بالرغم من ذلك نلمس في الآونة الأخيرة ذلك اكتساب لدى المرأة الجزائرية للثقافة الصحية من حيث أدركها لمختلف الإخطار الناجمة على عملية الإنجاب المتتالي ، بالإضافة إلى إدراكها لضرورة إحداث التوازن بين الإمكانات المادية المتاحة و عملية الإنجاب ، و منه أضحى من الضرورة التخطيط و التنظيم لعملية الإنجاب .

    لقد توصلت الدراسة التي أجريت على 60 بلد نام إلى أن المرأة التي تعمل خارج البيت تميل لانجاب عدد اقل من الأطفال أكثر من تلك التي تعمل داخل البيت أو في المزارع ...[9]

الجدول (3) يبين توزيع المبحوثات حسب متغير المستوى التعليمي .

المستوى التعليمي

التكرار

النسبة

الثانوي

17

28.33

الليسانس

40

66.66

الدراسات العليا

03

05

المجموع

60

100

     يقرأ من الجدول رقم (3) توزيع المبحوثات حسب متغير المستوى التعليمي ، حيث أن (66.66%) من المبحوثات من تحصلن على شهادة الليسانس ، في المقابل أن (28.33%) منهن من لديهن المستوى الثانوي ، كما تم تقدير نسبة (05%) من المبحوثات من تمكن من إكمال الدراسات العليا .

   إن التعليم يرفع من مستوى وعي المرأة بحقوقها و السعي إلى اكتسابها، كما يزيد من فرص مشاركتها في الحياة العامة، أي بمعنى يساعد على ما يعرف في الأدبيات الدولية " بتمكين المرأة "، فالمرأة المتعلمة مقارنة بالمرأة الأمية، تتلقى الاهتمام و الاحترام من طرف الرجل، و ذلك لما يطبع سلوكاتها و علاقاتها و حتى نوع عملها و لباسها من دقة و أناقة، يلقى استحسان و رضا الرجل و أفراد الأسرة، لهذه الأسباب و غيرها يعتبر تعليم المرأة ضرورة لا بد منها من أجل تحقيق التقدم و الرقي الاجتماعي، و في هذا الإطار تكاد تجمع أغلب المقالات و الاجتماعات و الندوات التي تعالج موضوع المرأة على أن أمية المرأة العربية هي أهم عوائق مشاركتها في النشاط الاقتصادي و الحياة العامة في مختلف الأقطار العربية.
    إن تحقيق الذات و إثبات الوجود، و شعور الفرد بتقدير و احترم الآخرين له، هو الذي يدفع المرأة التي تشعر بمكانتها المتدنية داخل الأسرة، إلى العمل خارج البيت و التفاني فيه مما يجعلها تشعر بالارتياح و اكتساب المكانة، و قد تبين من دراسة قام بها الباحث "YARROW" أن (% 48) من الأمهات العاملات من الطبقة المتوسطة يعملن من أجل تقديم خدمة للمجتمع و إرضاء حاجة البقاء بصحبة الآخرين، كما أن العمل يعطيهن الفرصة لتحقيق ذواتهن… و أن التحاق المرأة بالعمل هو لسبب عدم الشعور بالتعطيل الوظيفي الذي قد يفصلها عن المجتمع.[10]
    إن عمل المرأة من شأنه التأثير على دورها و مركزها الاجتماعي لما يمنحه لها من استقلالية ذاتية و حرية لم تكن تتمتع بها في الماضي، أي أن الزوجة العاملة هي الأقرب من عملية المساواة بين الزوجين داخل الأسرة، حيث يترك الزوج القرارات الأخيرة أحيانا للزوجة أو يشاورها مباشرة أحيانا أخرى، وهذا ما تؤكده دراسة أقيمت بمدينة عمان العربية حول علاقة الزوجة العاملة بزوجها (سلطة الزوج)، و في نفس الإطار توصل الباحث الجزائري "فاروق بن عطية" في دراسته حول "عمل المرأة في الجزائر" إلى أن تطور مكانة المرأة و بالتالي الزوجة يكون مرهون بخروجها للعمل و حصولها على دخل خاص يجعلها تملك و تكتسب وعيا بذاتها .[11]

إن التعليم في الجزائر خاصة بالنسبة للمرأة يعرف تطورا تدريجيا في معدلاته ، ما دل ذلك إلى تغير في ذهنية العائلات الجزائرية ، حيث أصبحت تسمح لبناتها بالالتحاق بمقاعد الدراسة إلى أن تصل إلى الجامعة ، و عند قبول الآباء بدخول بناتهن الحياة العملية فإنهم يفضلون التعليم و الصحة كقطاعات للنشاط النسوي، في أماكن قريبة .[12]

     لقد كانت الأسرة الجزائرية بالأمس القريب ترفض مختلف الأفكار التي تخرج المرأة من مكانها الذي المحدد و المرسوم لها سوسيوثقافيا و القصد هنا هو البيت العائلي ، أما اليوم فنحن نلمس دعوة متزايدة نحو الاهتمام بالفتاة في مختلف مراحلها النمائية التعليمي . و لعل ما ساهم في تغيير الرؤية العائلية التقليدية هو قرب المؤسسة التربوية التعليمية من المتعلم ، لقد ساعد ارتفاع عدد هياكل قطاع التربية الوطنية التي بلغ مجموعها 23277 خلال الدخول المدرسي 2006 -2007، فـي جعل المدرسة أكثر قربا من مساكن التلاميذ خاصة فـي المناطق الريفـية بغرض زيادة معدلات الالتحاق بالمدرسة والاستمرار فـيها لاسيما بالنسبة إلى الفتيات. لقد تم خلال الدخول المدرسي 2007 -2008 استقبال 7.636.531، تلميذ وتلميذة منهم 3.777.233 بنات، بنسبة 49.46%، يؤطرهم قرابة 354.958 مدرس في كل أطوار التعليم، تمثل النساء 53.71 % من المجموع.[13]   

 

2- محور عوامل خروج الأم للعمل :

الجدول رقم (6) يوضح عوامل خروج الأم للعمل .

عوامل خروج الأم للعمل

نعم

لا

المجموع

التكرار

النسبة

التكرار

النسبة

التكرار

النسبة

لان الزوج يعمل في القطاع غير المهيكل

17

28.33

43

71.66

60

100

لديك الرغبة في توكيد الذات

14

23.33

46

76.66

60

100

لديك الرغبة في إشباع كل الحاجات الأسرية

50

83.33

10

16.66

60

100

لعدم كفاية دخل الزوج

19

31.66

41

68.33

60

100

لعدم التقدير من قبل زوجك و أهله

09

15

51

85

60

100

لغلاء المعيشة

58

96.66

02

3.33

60

100

لديك الرغبة في المشاركة في اتخاذ القرارات الأسرية

20

33.33

40

66.66

60

100

لأنك تشعرين بالوحدة داخل المنزل

09

15

51

85

60

100

لأنك متعلمة

11

18.33

49

81.66

60

100

لديك الرغبة في تحقيق المنفعة الشخصية

10

16.66

50

83.33

60

100

     يبين الجدول رقم (6) عوامل و دوافع خروج الأم للعمل ، حيث نجد في المرتبة الأولى (96.66%) من المبحوثات من خرجن للعمل نتيجة لغلاء المعيشة ، أما في المرتبة الثانية و بنسبة تقدر ب (83.33%) منهن من خرجن للعمل للمشاركة في إشباع كل الحاجات الأسرية ، أما في المرتبة الثالثة فنجد أن الرغبة في المشاركة في اتخاذ القرارات الأسرية ( 33.33%) ، في المقابل تحتل عامل عدم كفاية الدخل الذي يتقاضاه الزوج المرتبة الرابعة و بنسبة تقدر (31.66%)،أما المرتبة الخامسة فنجد عمل الزوج في القطاع غير المهيكل (28.33%)، في حين تحتل المرتبة السادسة الرغبة في توكيد و إثبات الذات بنسبة تقدر ب( 23.33%)، أما في المرتبة السابعة فنجد عامل تعليم المبحوثات (18.33%)، في المقابل تحتل المرتبة الثامنة فنجد عامل الرغبة في تحقيق المنفعة الشخصية الذاتية بنسبة (16.66%) ، في حين نجد في المرتبة التاسعة كلا من عامل الشعور بالوحدة بنسبة قدرها ( 15%) و أيضا لعدم تقدير الزوج و أهله للمبحوثات .

    تعرض المجتمع الجزائري لجملة من المشكلات و الأزمات التي غيرت في مجملها ملامحه بصورة عامة و ملامح الأسرة الجزائرية بصورة خاصة حيث خرجت المرأة للعمل. من بين هذه الأزمات نذكر الأزمة الاقتصادية

و التي كانت وثيقة الصلة بالأزمة الأمنية و السياسية و من بين مظاهر هذه الأزمة نذكر غلاء المعيشة الذي صاحبه انخفاض في مستوى القدرة الشرائية لدى المواطن الجزائري، هذا الأخير أصبح يعاني مشكلة التسريح من العمل أو التهديد بالتسريح خاصة في القطاع العام ، أين تم فتح المجال امام الخوصصة أو القطاع الخاص . هذا الوضع الذي جعل الأسرة الجزائرية تعاني اضطرابات و توترات كادت تدخلها في حالة من اللاوظيفية و السبب في ذلك العجز عن تامين حاجاتها الأساسية من مأكل و ملبس...

     إن الظروف المعيشية و الاقتصادية التي تعيشها الأسرة الحديثة هي التي أجبرت المرأة على الخروج للعمل لمساعدة زوجها في تلبية رغبات الأسرة المتزايدة ، لذا فالإحساس بأهمية العمل كوسيلة للحصول على النقود اللازمة لرفع مستوى معيشة الأسرة كان من أهم العوامل التي جعلت المرأة تتمسك بالعمل الخارجي .[14] خاصة كلما انخفضت الطبقة الاجتماعية و الاقتصادية التي تنتمي إليها [15] . كما أظهرت  الدراسة التي أجراها عبد اللطيف فضل الله في المغرب العربي إلى أن النساء العاملات دفعنا إلى العمل تحت ضغط الحاجة المادية ،فعندما لا تجد المرأة رجلا أو عائلة تعتمد عليها في لقمة عشها فإنها تجد نفسها مجبرة على إلى الخروج إلى العمل لان أغلبيتهن تنتمين إلى الطبقة الكادحة .[16]

      لقد اتضح من خلال استفتاء اجري سنة  1956 بالولايات المتحدة الأمريكية ( استفتاء بيدجون )على ما يقارب 3800 سيدة تعملن كعضوات في الاتحادات ، فتبين أن ثلاث أرباع (3/4) منهن تعملن أساسا من اجل إعالة أسرهم .[17] أما في دراسة أجراها هير HAYER)) عن دوافع خروج المرأة للعمل توصل إلى النساء من الطبقة الدنيا تعملن من اجل المادة . [18]

     يتضح لنا مما ذكر سابقا أن الدافع الاقتصادي يعد من بين الدوافع الأساسية المؤدية إلى خروج المرأة عامة و الأم بصورة خاصة إلى العمل ، فتطلع المرأة نحو مستقبل أفضل و مؤمن لأبنائهم يجعلها تبحث عن مختلف الآليات و الكيفيات التي من خلالها تحقق ذلك ، ليعد الخروج للعمل هو الحل .

     إن الجدير بالذكر أن المرأة تفضل العمل في القطاع العام و المهيكل ، لما له من امتيازات نذكر من بينها استفادة العامل من الأجر الذي يتقاضاه تلقاء العمل المؤدى بالإضافة إلى الاستفادة من التأمين و الضمان الاجتماعي و التقاعد، إضافة إلى العطل السنوية . بالرغم من ذلك يجد الكثيرون صعوبة في الحصول على العمل في الوظيف العمومي بشكل دائم ، مما يجعلهم يكتفون بالعمل في إطار الشبكة الاجتماعية أو عقود ما قبل التشغيل . كما قد يتوجه البعض نحو العمل في القطاع الخاص . لكن بالرغم من مختلف الاستراتيجيات التي اعتمدتها الدولة الجزائرية تبقى أزمة البطالة مطروحة بالرغم من مختلف الحلول الترقيعية .

     قد توجد البعض من الظروف و الوضعيات داخل الأسرة مما تدفع المرأة نحو العمل ، من بينها العزلة و الوحدة ،مع تلك الرغبة في المشاركة في اتخاذ القرارات الأسرية ، حيث  يبدو أن لعمل النساء خارج البيت تأثير على مكانة النساء و سلطتهن في اتخاذ قرارات الأسرية، ليزداد احتمال اشتراكهن في اتخاذ القرارات الخاصة بشراء السلع الهامة و تربية الأطفال .[19] و قد تكون محصلة لمشكلات اتصالية تفاعلية بين أعضاء الأسرة الواحدة، و ذلك لأسباب متعددة أهمها مكان الإقامة، حيث انه قد تختلف معاملة الزوج لزوجته بوجود الآخرين سواء من أهله أو أهلها ، مما يولد لديها ذلك الشعور بالدونية و عدم التقدير من الآخرين مع تنامي الرغبة نحو توكيد و إثبات الذات ، من هنا تدخل المرأة في عملية البحث عن مختلف ميكانيزمات و آليات التعويض ليعد الخروج للعمل من بينها  .

      لقد تبين من خلال دراسة أجراها فرديناند زفيج أن المرأة تخرج للعمل تحت إلحاح الضغط الانفعالي لشعورها بالوحدة ، أكثر من خروجها إلى العمل تحت ضغط الحاجة الاقتصادية .[20] كما أن العمل يمثل ضرورة للمرأة في إشباع حاجاتها للاجتماع بالآخرين ، و تطوير افقها و توسيع مداركها فغدت الكثير من النساء تشعرن بالملل و الاكتئاب قبل أن ينخرطن في ميدان العمل باعتبار العمل المنزلي متعب و روتيني [21]  .

 

3- محور عمل المرأة  و مشكلة الدور .

أداء المرأة العاملة لأدوارها

نعم

لا

المجموع

التكرار

النسبة

التكرار

النسبة

التكرار

النسبة

عادة ما أعود إلى المنزل منهكة و متعبة

53

88.33

07

11.66

60

100

غالبا ما أؤجل انجاز أعمالي المنزلية كتنظيف و غسل ملابس  لنهاية الأسبوع

55

91.66

05

08.33

60

100

أجد صعوبة في التواصل مع زوجي نتيجة لغيرته المتزايدة .

34

56.66

26

43.33

60

100

احرص دائما على توفير رعاية الصحية  لأبنائي.

55

91.66

05

08.33

60

100

غالبا ما أفكر في صحة أطفالي و أنا في العمل

57

95

03

05

60

100

أجد صعوبة في فهم أطفالي .

32

53.33

28

46,66

60

100

اعتقد أن الوقت المخصص للعناية بأطفالي غير كاف .

58

96.66

02

03.33

60

100

أجد صعوبة في معرفة من هم أصدقاء أبنائي .

45

75

15

25

60

100

أشارك أبنائي في مراجعة دروسهم بالبيت

33

55

27

45

60

100

أداوم على متابعة سلوكات أبنائي داخل المدرسة .

37

61.66

23

38.33

60

100

أتعامل بقسوة مع أطفالي نتيجة لضغط العمل .

27

45

33

55

60

100

احرص على نظافة أبنائي باستمرار.

49

81.66

11

18.33

60

100

أحيانا يتصرف أبنائي معي  بعدوانية و عنف .

07

11.66

53

88.33

60

100

ينصاع أبنائي لأوامر الآخرين كالمربية و الجدة ..مثلا ، أكثر مني .

19

31.66

41

68.33

60

100

اعتقد أن أبنائي يثقون بالآخرين أكثر من ثقتهم بي . 

13

21.66

47

78.33

60

100

 

    يوضح من الجدول رقم (6) مختلف الآثار الناجمة عن عمل الأم ، خاصة ما تعلق بمشكلة الدور، حيث أن

(96.66%) من المبحوثات من تؤكدن على عدم كفاية الوقت للاهتمام و رعاية الابناء، و ذلك نتيجة للساعات الطويلة التي تقضيها المرأة في العمل، مما يجعلها تعاني حالات من الإنهاك و التعب عند العودة إلى المنزل و هذا ما أكدته ( 88.33%) من المبحوثات، هذا الوضع الذي قد يدفع بالبعض منهن إلى تأجيل انجاز البعض من المهام و الواجبات المنزلية من بينها التنظيف ...إلى وقت لاحق أو إلى عطلة نهاية الأسبوع  و ذلك في إطار تحديد الواجبات ذات الأولوية في المعالجة و الحل، و هذا ما اعتمدته (91.66%) من مفردات الدراسة . غير أن الرعاية الصحية للأبناء كانت من بين الواجبات التي تواظب و تحرص على القيام بها، حيث أن (91.66%) من المبحوثات أكدن ذلك، و أن (95%) منهن تفكر بصحة أبنائهم حتى و هن في العمل ، كما يتأكد أيضا في حرصهن على نظافة أبنائهم بنسبة تقدر (81.66%)، بالإضافة إلى قيامهن بمتابعة أبنائهم دراسيا من خلال مشاركتهم في مراجعة الدروس و هذا ما تؤكده النسبة المسجلة و المقدرة (55%)، كما أن

(61.66%)من مفردات العينة من تداوم على الذهاب للمؤسسات التربوية التعليمية التي يداوم بها أبناؤهن قصد متابعة سلوكاتهم داخلها و التعرف على مستواهم الدراسي من خلال مقابلة القائمين بالعملية التربوية .

    بالرغم من ذلك تواجه الأم العاملة مشكلات متعددة تأتي في مقدمتها مشكلة الاتصال و التواصل مع زوجها و ذلك قد يكون نتيجة لغيرته المتزايدة و هذا ما أكدته (56.66%) من المبحوثات، و أيضا مشكلة التواصل و التعامل مع أبنائها حيث أن (45%) من المبحوثات من أكدن تعاملهن بقسوة مع أبنائهم من ناحية، بالإضافة إلى أن البعض من الأبناء من يعامل هن بعنف و عدوانية و هذا ما أكدته النسبة المسجلة و المقدرة ب           ( 11,66%) من ناحية أخرى .

     تعتبر علاقة  الأم بالأطفال  من أقوى الروابط الأسرية، فالطفل بمجرد خروجه لهذا العالم يجد أمه التي تحمله و تسهر على راحته حتى يكبر، لكن بخروج الأم للعمل الخارجي تغيرت وظائفها و ظهرت مشكلة العناية بالأطفال، بحيث تتجه معظم الأمهات العاملات  إلى دور الحضانة لوضع أطفالها بين أيدي المربيات طوال فترة العمل لذلك أصبحت رعاية الأطفال و تربيتهم اقل نجاحا من ذي قبل .[22]  إن انشغال الأم لساعات طويلة عن بيتها و أطفالها يؤدي إلى نوع من الإهمال و هذا يؤثر على شخصيتهم و نموهم الفيزيولوجي خاصة خلال الأشهر الأولى من الميلاد . إن الفارق الكبير بين المستوى الخلقي بين هذا الجيل و المستوى الخلقي للجيل الماضي ، انما يعود إلى أن الأم هجرت بيتها و أهملت طفلها و تركته في يد من لا يحس تربيته . [23]

      لقد بينت دراسة حلمي إجلال إسماعيل  سنة 1997 إلى ما تعانيه الأم العاملة من صراع للأدوار في المجتمع الإماراتي ، حيث تعاني الأم العاملة من أعباء كثيرة تقع على عاتقها من تربية الأبناء و متابعة تحصيلهم في الدراسة و تلبية احتياجات الزوج و القيام بالعلاقات الاجتماعية مع الأهل و الأصدقاء، إضافة إلى عملها كربة بيت ، و قد بينت الدراسة أن الزوج الإماراتي رغم تقبله عمل زوجته و مشاركتها الإنفاق الأسري إلى انه لا يقبل أي تهاون في دورها كزوجة و أم .[24]

    لقد ذهبت أ.د/ شادية التل إلى أن عمل المرأة أضحى من المشكلات التي تهدد استقرار الأسرة المسلمة ، لان في ذلك إقصاء لها عن أدوارها الأساسية و هي الامومية و الزوجية ...فبعملها خارج بيتها تفسد علاقتها بأبنائها ،  فهي تغيب عن البيت لفترة طويلة يوميا ، و عندما تعود إلى البيت تكون مجهدة متعبة و بحاجة إلى الراحة ، و بذا يفقد الأبناء الدفء و المودة و الحنان و العطف ، كما يفقدون التربية و التوجيه ..

    كما توصلت الباحثة مليكة الحاج يوسف من خلال الدراسة الميدانية التي أجرتها إلى أن الأم العاملة تخفق في إخفاء الصراع الذي ينشا نتيجة لتضارب الأدوار التي تؤديها ، فمن ناحية نجد الواجبات المنزلية الكثيرة المتعددة و تربية و رعاية الأبناء و الزوج  تحتاج للتفرغ الكلي لأدائها ، أما من ناحية أخرى نجد أداءها لدورها المهني الذي يتطلب الانتظام و الالتزام و الانضباط ، لذا تخفق في تحقيق التوفيق بين عملها المنزلي و عملها المهني . كما أكدت هذه الدراسة على أن الأمهات العاملات تؤكدن على أنه لا يمكن تعويض الحاجات المعنوية ( العاطفية ) للأطفال بالحاجات المادية ، و هذا معناه أن الطفل يحتاج إلى العطف و الحنان و الحب و ليس للعب و الأنشطة المختلفة .  كما أن مدة عمل الأمهات يجعلها تعجز عن مراقبة و متابعة نمو طفلها الصغير ، كما يظهر هذا التأثير على حينما تعود الأم العاملة طفلها على الرضاعة الاصطناعية ، و تحرمه من الرضاعة الطبيعية ، علما أن الكثير من الدراسات السيكولوجية و الصحية أكدت على دور الرضاعة الطبيعية في التكوين البيولوجي و  النفسي و الذهني السليم للطفل و خلال مختلف المراحل النمائية التالية .[25]

     لقد أظهرت الكثير من الدراسات إلى أن أطفال الأمهات العاملات قد يعانون مشكلات و اضطرابات نفسية توافقية ، من بينها نذكر الدراسة المقارنة التي أجرتها الدكتورة بثينة قنديل بين أبناء الأمهات العاملات و غير العاملات ، حيث تبين أن تكيف أبناء الأمهات العاملات يقل كلما زاد غياب الأم اليومي عن خمس ساعات ، كما أن أبناء الأمهات العاملات أكثر طموحا من غيرهم .[26]

 

خلاصة :

     يعد خروج المرأة عامة و الأم خاصة إلى العمل محصلة التغيرات التي مست كيان الأسرة بنيويا ووظيفيا،حيث قد دفعتها العديد من الظروف و الحتميات إلى سوق العمل ، منها ما يتعلق بإشباع الحاجات المادية الأسرية المتزايدة ، منها ما يتعلق بالوحدة و العزلة التي تعيشها في محيطها المنزلي ، إضافة إلى الرغبة في توكيد الذات و اكتساب الاستقلالي المادي و المعنوي و غيرها من الدوافع التي جعلت الأم تقضي يوميا ساعات طويلة غائبة عن المنزل . أن لهذا الوضع العديد من الانعكاسات و الآثار خاصة ما ارتبط بازدواجية الأدوار التي تؤديها الأم العاملة حيث قد تقصر أو تخفق في القيام بأحد الأدوار المتوقعة منها ، مما يجعلها في البعض من الحالات تعاني صراعات و مشكلات توافقية زواجية منها أو أسرية أو مهنية . بالرغم من ذلك تبقى في سعي دائم نحو تحقيق الاستقرار و الانسجام داخل أسرتها .

قائمة المراجع المعتمدة :

1- البهي الخول : المرأة بين البيت و المجتمع ، دار الكتاب العربي ، ب س.

2- السيد عبد المعطي و آخرون : الأسرة و المجتمع ، در المعرفة ، الإسكندرية ، 1988.

3- التقرير الوطني  للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بيجين +15: إعداد الوزارة المنتدبة المكلفة بالأسرة وقضايا المرأة .

4- بلقاسم الحاج : النظام الأبوي الجزائري ومظاهر تغيّر المكانة الاجتماعية للمرأة ، مجلة العلوم الاجتماعية ، مجلة إلكترونية صادرة بتصريح من وزارة الثقافة والإعلام -الإعلام الداخلي - برقم:- غ ع 1076 وتاريخ : 18 - 7- 1432 هـ http://www.swmsa.net/articles.php?action=show&id=1927

5- تماضر الزهري حسون : تأثير عمل المرأة على تماسك الأسرة في المجتمع العربي ، مجلة الامن و الحياة ، العدد 144، افريل – ماي 1994.

6- حسين عبد الحميد ، احمد رشوان : علم اجتماع المرأة ، المكتب الجامعي الحديث ، الإسكندرية ، 1988.

7-حلمي عبد الجواد ، يوسف ساري : الأسرة قديما و حديثا ، مطبعة دار التعاون ، مصر ، 1956.

8- سامي محمد العزاوي ، وفاء قيس كريم : التفاعل الاجتماعي لدى أطفال الرياض من أبناء الأمهات العاملات و غير العاملات ، مجلة الفتح ، العدد 50، آب 2012.

9- عباس محمود عوض، علم النفس الاجتماعي ، دار المعرفة الجامعية،مصر ، دت.

10-عمار سعداني : مداخلة ألقاها خلال الجلسة العلنية للجمعية (112) للاتحاد البرلماني الدولي و الاجتماعات الملحقة ، مانيلا 3/4- 8/4/2005  على الرابط :

; http://www.apn.gov.dz/arabic/discours/discours-0404manilaa.htm

11- فرحات نادية : عمل المرأة و اثره على العلاقات الأسرية ، مجلة الأكاديمية للدراسات الاجتماعية و الإنسانية ، العدد 8 ، 2012 .

12- مليكة الحاج يوسف : آثار علم الأم على تربية أطفالها – دراسة ميدانية لبعض الأمهات العاملات بمدينة الشراقة-  رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في علم الاجتماع ، غير منشورة ، جامعة الجزائر – كلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية – قسم علم الاجتماع – سنة 2002/ 2003 .

13- كامل أبو جابر و آخرون ، أوضاع بعض النساء العاملات في الأردن ، ورقة بحث قدمت في ندوة الاستخدام و السكان و التنمية في الأردن ، 1977.

14- كاميليا إبراهيم عبد الفتاح : سيكولوجية المرأة العاملة دار النهضة العربية ، بيروت ، 1984.

15-كلثوم بلميهوب : الاستقرار الزواجي – دراسة في سيكولوجية الزواج - ، إصدارات شبكة العلوم النفسية و العربية ، سلسلة الكتاب الكتروني ، عدد 24، 2012.

16- FARGUES, Philippe. Algérie, Maroc, Tunisie, vers la famille restreinte ? in population société n° 248 paris : I.N.E.P, juillet, 1990

17-Farouk BENATIA, le travail féminin en Algérie, Alger , SNED, SD

18- Helen Vandeveld Dailliere: femme Algériennes  à travers la condition féminine dans le constantinois depuis l'indépendance ;Alger ;OPU ;1980

- 19- Rapport National sur le développement humain réalisé par le conseil national économique et social (CNES) en coopération avec le programme des nations unies pour le développement ( PNUD) ; Algérie ; juillet;2008, 

 

 



[1] سامي محمد العزاوي ، وفاء قيس كريم : التفاعل الاجتماعي لدى أطفال الرياض من أبناء الأمهات العاملات و غير العاملات ، مجلة الفتح ، العدد 50، آب 2012، ص7

[2] المرجع  السابق : ص7.

[3] -حلمي عبد الجواد ، يوسف ساري : الأسرة قديما و حديثا ، مطبعة دار التعاون ، مصر ، 1956، ص 70

2- FARGUES, Philippe. Algérie, Maroc, Tunisie, vers la famille restreinte ? in population société n° 248

paris : I.N.E.P, juillet, 1990, p 34.

 

[5] - التقرير الوطني  للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بيجين +15: إعداد الوزارة المنتدبة المكلفة بالأسرة وقضايا المرأة ، ص15 .

[6] عمار سعداني : مداخلة ألقاها خلال الجلسة العلنية للجمعية (112) للاتحاد البرلماني الدولي و الاجتماعات الملحقة ، مانيلا 3/4- 8/4/2005 ; http://www.apn.gov.dz/arabic/discours/discours-0404manilaa.htm

[7] بلقاسم الحاج : النظام الأبوي الجزائري ومظاهر تغيّر المكانة الاجتماعية للمرأة ، مجلة العلوم الاجتماعية ، مجلة إلكترونية صادرة بتصريح من وزارة الثقافة والإعلام -الإعلام الداخلي - برقم:- غ ع 1076 وتاريخ : 18 - 7- 1432 هـ http://www.swmsa.net/articles.php?action=show&id=1927

02-11-2011 04:13 PM

 

[8]- Rapport National sur le développement humain réalisé par le conseil national économique et social (CNES) en coopération avec le programme des nations unies pour le développement ( PNUD) ; Algérie ; juillet;2008;p94,  

[9] - فرحات نادية : عمل المرأة و أثره على العلاقات الأسرية ، مجلة الأكاديمية للدراسات الاجتماعية و الإنسانية ، العدد 8 ، 2012 ، ص132 .

[10] عباس محمود عوض، علم النفس الاجتماعي ، دار المعرفة الجامعية،مصر ، دت، ص ص 374-375.

[11] Farouk BENATIA, le travail féminin en Algérie, Alger , SNED, SD, PP41-50

[12] - Helen Vandeveld Dailliere: femme Algériennes  à travers la condition féminine dans le constantinois depuis l'indépendance ;Alger ;OPU ;1980;p198

[13] - التقرير الوطني للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية + بيجين 15 ، مرجع سبق ذكره ، ص 7

[14] - علياء شكري و آخرون : المرأة في الريف و الحضر – دراسة لحياتها في العمل و الأسرة - ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 1988، ص238.

[15] - عمر عسوس : المرأة و العمل في الجزائر ، دراسة قدمت لندوة ( المرأة في المجتمع العربي ) بنغازي ، 28-31/ 10/ 1989، ص 24

[16] - تماضر الزهري حسون : تاثير عمل المرأة على تماسك الأسرة في المجتمع العربي ، مجلة الامن و الحياة ، العدد 144، افريل – ماي 1994، ص50.

[17] كاميليا إبراهيم عبد الفتاح : مرجع سبق ذكره ، ص80

[18] كاميليا إبراهيم عبد الفتاح : مرجع سبق ذكره ، ص 85 .

[19] - كاميليا إبراهيم عبد الفتاح : سيكولوجية المرأة العاملة دار النهضة العربية ، بيروت ، 1984، ص275

[20] حسين عبد الحميد ، احمد رشوان : علم اجتماع المرأة ، المكتب الجامعي الحديث ، الإسكندرية ، 1988، ص 99

[21] - كامل أبو جابر و آخرون ، أوضاع بعض النساء العاملات في الأردن ، ورقة بحث قدمت في ندوة الاستخدام و السكان و التنمية في الأردن ، 1977، ص3

[22] - السيد عبد المعطي و آخرون : الأسرة و المجتمع ، در المعرفة ، الإسكندرية ، 1988، ص16 .

[23] البهي الخول : المرأة بين البيت و المجتمع ، دار الكتاب العربي ، ب س، ص126

[24] - كلثوم بلميهوب : الاستقرار الزواجي – دراسة في سيكولوجية الزواج - ، إصدارات شبكة العلوم النفسية و العربية ، سلسلة الكتاب الكتروني ، عدد 24، 2012، ص66.

[25] - مليكة الحاج يوسف : آثار علم الأم على تربية أطفالها – دراسة ميدانية لبعض الأمهات العاملات بمدينة الشراقة-  رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في علم الاجتماع ، غير منشورة ، جامعة الجزائر – كلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية – قسم علم الاجتماع – سنة 2002/ 2003 .

[26] - السيد عبد المعطي و آخرون : مرجع سبق ذكره ، ص 16.

 

Télécharger l'article