Imprimer
Affichages : 24719

"آفة العولمة و تأثيرها على تماسك الأسرة المسلمة".

 

أ‌.       محمد صالي (جامعة ورقلة)                أ. عبد الحي بن ثاية (جاكعة الجزائر 02)

 

الملخـــــــص

تعد العولمة من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة، وتهدف إلى إزالة الحدود وإذابة الفروقات بين المجتمعات الإنسانية وشيوع القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بني البشر، وتكون البنية التحتية لسيادة آلية رأس المال دون قيود وآلية المعلومات دون رقابة، حاملة شعار "المصير الواحد للبشرية".

وبالنظر إلى الجانب الاجتماعي للعولمة، نجد أنها تهدف إلى القضاء على بنية الأسرة وهدمها واقتلاعها حتى تتعطل عن إنتاج الأسر المسلمة، ومحو خصوصيتها المميزة على المستوى الأسري، والقضاء على الإسلام من خلال تفكيك الأسرة المسلمة، والبدء بالمرأة باعتبارها الأساس في البناء الأسري.

اننا نعاني اليوم من ارتباك شديد على المستوى تماسك الأسرة المسلمة في تعاملها مع الوافدات الثقافية الجديدة التي باتت تتقاطر علينا من كل حدب و صوب، فالمشكلة في الحقيقة تجاوزت حد الارتباك الى شيء من المعاناة من التفكك و الانقسام الذي يؤثر على العلاقات الأسرية.

ففي مواجهة هذا الكم الهائل من التغيرات الدولية التي يمر بها العالم على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية و الثقافية:

 ما الذي سيكون عليه وضع الأسرة المسلمة؟ و  ما هي الآثار السلبية لأفة العولمة على تماسكها؟ وهل سيكون بإمكانها الحفاظ على خصوصيتها التي صمدت على مدى قرون والوقوف أمام هذه الآفة؟

أم أن مصير الأسرة المسلمة مشابها لما تعرضت له الأسرة في الغرب خاصة في مرحلة تسودها العولمة ويقلد فيها الضعيف القوي، أم ان هناك صمامات أمان يمكن للأسرة المسلمة ان تلوذ بها لتجنب الكوارث التي حلت بالأسرة في الغرب؟ 

 

مقدمـــة:

يمر العالم اليوم بمغيرات كبيرة شملت معظم مجالات الحياة، ولا تقتصر التحولات في العالم اليوم على التقدم التكنولوجي الذي ننظر اليه بإعجاب وتقدير لما وصلت اليه التكنولوجيا الغربية الحديثة من تقدم وتطور كبيرين، بل إن التقدم التكنولوجي الكبير أدى إلى تغيير في جميع مجالات الحياة ومرافقها ومنها الحياة الاجتماعية و الاسرية. إن التقدم الحاصل له جوانب إيجابية لا يمكن لأي فرد أن ينكرها أو ينكر وجودها وأهميته في حياته اليومية، وفي الوقت نفسه لها جوانب سلبية بدأت آثارها تظهر ولو بشكل بسيط الان، لكنها تنذر بمخاطر ومشاكل أكبر في حالة عدم الانتباه إليها. ومن أهم مظاهر التغيير التي يواجهها العالم اليوم هو تأثير العولمة على مظاهر الحياة الاجتماعية سواء على مستوى المجتمعات بصورة عامة أو على مستوى الفرد في الاسرة بصورة خاصة، و على الأسرة المسلمة بصورة أخص، لما لها من تأثير و وزن كبيرين داخل المجتمعات المسلمة.

إن وجود الأسرة هو امتداد للحياة البشرية، وسر البقاء الإنساني، فكل إنسان يميل بفطرته إلى أن يظفر ببيت وزوجة وذرية، وقد اهتم الإسلام بالأسرة اهتماما شديدا، وأولاها عناية فائقة، وحرص على تماسكها وحفظها مما يقوِّض دعائمها، فالإنسان لا يكون قويا عزيزا وفي منعة، إلا إذا كان في أسرة تحصنه وتمنعه[1].

لقد أولى الإسلام عناية فائقة بالأسرة، لحمايتها من التفكك، فهي العماد الأول للمجتمع المسلم، والمحصن التربوي الأول الذي يتخرج منه الفرد النافع للمجتمع ولنفسه ولوطنه، وحتى لا يحدث تلاعب في هذا الاستقرار الأسري، حث الإسلام على استمرار رابطة الزوجية، وكره قطعها من غير مبرر، وشرع لذلك جملة تشريعات لضبط العلاقات الأسرية، وقد رافق  التشريع الإسلامي الأسرة في مسيرتها، ورعاها منذ لحظة التفكير في إنشائها إلى لحظة إنهائها، مرورا بأحوالها وشئونها مدة قيامها، مراعيا في ذلك كله قواعد العدالة، والأخلاق، والمثل الاجتماعية، وآخذا بعين الاعتبار العواطف الإنسانية، والطاقة البشرية، والنزوات الجسدية، والخلجات النفسية، مقدرا لكل منها قدرها، في إطار من الموضوعية الشاملة، بما يؤمِّن للأسرة أقوى رباط، وأسمى إطار يقوِّيها ويشدُّ من أزرها، حتى تقوم بواجباتها المنوطة بها في الإنجاب والتربية واستمرار الجنس، في ظل عبادة الله تعالى وشكره على نعمه.

لقد اهتم الاسلام بتنظيم حياة الناس الأسرية وحرص على حل مشاكلها، حيث شرع لها من الأحكام والتشريعات والنظم ما تحافظ به على تماسكها وترابطها، ويوصلها إلى السعادة والطمأنينة والأمان في الدنيا، ويحميها من الشقاء الأبدي في الآخرة بإذن الله تعالى، وهذا الاهتمام والحرص نابعان من الوعي بمكانة الأسرة الفطرية والتربوية، حيث أنها أصل راسخ من أصول الحياة البشرية، وضرورة لا يستغني عنها شعب ولا جيل، وهي الحصن الطبيعي الذي يتولى حماية البراعم الناشئة ورعايتها، وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها، كما أنه في ظلها تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة، وهي الصورة الطبيعية للحياة المستقرة التي تلبي رغبات الإنسان، وتفي بحاجاته، والقلب النابض للمجتمع إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، و تعتبر وحدة البناء في جسم أمتنا، ومجمع فكرها وقيمها، وعنوان هويتها ونموذجها الحضاري، فهي اللبنة الأولى التي يقوم عليها المجتمع، والكيان الصحي الذي ينشأ فيه الفرد ويتربى في ظله، ويبدأ اهتمام الإسلام بالأسرة المسلمة من وقت مبكر جدًّا قبل إنشائها، حيث يحث على اختيار الصالح من الأزواج والزوجات، وتغليب جانب الصلاح والخلق على سائر الجوانب.

لكن الواقع والشواهد والأرقام تؤكد – وللأسف – على وجود بدايات خطيرة للتفكك والانهيار الأسري في مجتمعاتنا الإسلامية بتأثير النظام العالمي الجديد المسمى بـالعولمة، حيث انها تعد من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة، وتهدف إلى إزالة الحدود وإذابة الفروقات بين المجتمعات الإنسانية وشيوع القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بني البشر، وتكون البنية التحتية لسيادة آلية رأس المال دون قيود وآلية المعلومات دون رقابة، حاملة شعار "المصير الواحد للبشرية".

وبالنظر إلى الجانب الاجتماعي للعولمة، نجد أنها تهدف إلى القضاء على بنية الأسرة وهدمها واقتلاعها حتى تتعطل عن إنتاج الأسر المسلمة، ومحو خصوصيتها المميزة على المستوى الأسري، والقضاء على الإسلام من خلال تفكيك الأسرة المسلمة، والبدء بالمرأة باعتبارها الأساس في البناء الأسري.

اننا نعاني اليوم من ارتباك شديد على المستوى تماسك الأسرة المسلمة في تعاملها مع الوافدات الثقافية الجديدة التي باتت تتقاطر علينا من كل حدب و صوب، فالمشكلة في الحقيقة تجاوزت حد الارتباك الى شيء من المعاناة من التفكك و الانقسام الذي يؤثر على العلاقات الأسرية في مجتمعاتنا المسلمة.

لقد شهدت الأسرة في الغرب تغيرات كبيرة أفقدتها صفة الأسرة، و أصبحت مجرد اسم على مسمى، بالنظر الى ما مرت به من مراحل، و ما تعيشه من تشرذم و تفكك كبيرين، فعندما سئل السناتور مونيهان الذي قضى اكثر من اربعين سنة في الحياة السياسية بتميز في منتصف التسعينيات عن أهم تغير شاهده في الولايات المتحدة خلال فترة خدمته أجاب قائلا: " إن أكبر تغير حصل في حياتي هو انهيار كيان الأسرة في منطقة شمال الأطلنطي كلها "، أي الغرب عموما علما ان هذا السناتور الذي حلت محله بعد وفاته هيليري كلنتون كممثلة عن نيويورك لم يكن متدينا بل انه كان ليبراليا من النوع القديم الذي يؤمن بالأسرة كلبنة أساسية في بناء المجتمع وهو يختلف عن الليبراليين الجدد الذين لا يؤمنون بدور للقيم الدينية في حياة الأنسان. أما المؤرخ المعروف لورنس ستون فيقول: " إن حجم الانهيار في الغرب منذ عام 1960 ليس له سابقة تاريخية". بل إن أغلب استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة تؤكد قلق المجتمع الأمريكي من الحال الذي وصلت إليه الأسرة الأمريكية لأن هذه الأسرة، كما يقول وزير التعليم في إدارة الرئيس ريغان، أصبحت أقل استقرارا والزواج قلت أهميته ونسبة الطلاق في تزايد وعدد الأبناء غير الشرعيين في ارتفاع والمجتمع يتجه الى ظاهرة "التعايش" أي العلاقات غير الشرعية، وكثرت اللامبالاة بالأبناء ورعايتهم وعدد الأسر التي يرعاها أحد الوالدين فقط في تزايد.

ففي مواجهة هذا الكم الهائل من التغيرات الدولية التي يمر بها العالم على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية و الثقافية:

-         ما الذي سيكون عليه وضع الأسرة المسلمة؟ و  ما هي الآثار السلبية لآفة العولمة على تماسكها؟ وهل سيكون بإمكانها الحفاظ على خصوصيتها التي صمدت على مدى قرون والوقوف أمام هذه الآفة؟

أم أن مصير الأسرة المسلمة مشابها لما تعرضت له الأسرة في الغرب خاصة في مرحلة تسودها العولمة ويقلد فيها الضعيف القوي، أم ان هناك صمامات أمان يمكن للأسرة المسلمة ان تلوذ بها لتجنب الكوارث التي حلت بالأسرة في الغرب؟ 

أولاً: مفهوم الأسرة.

كما هو معروف عند علماء الاجتماع هي جماعة اجتماعية بيولوجية نظامية تتكون من الزوجين والأبناء، وقد تكون الأسرة ممتدة أو نووية، وهي في كلا الحالين تظل محكومة بقوانين وقيم وعادات وتقاليد تحكم أفرادها والعلاقات فيما بينهم، و تخضع هذه القوانين والعادات والتقاليد للتغير ضمن ظروف المتغيرات الاجتماعية والعالمية، ففي عصرنا جرت الكثير من التحولات الكونية التي فرضت حدوث تحولات كبيرة في المجتمع العربي، ومن ثم في العلاقات الأسرية ولدى الأفراد بشكل عام.

وترتكز قواعد العلاقات التواصلية الأسرية على وشائج متينة من الود والحب والإخلاص والتعلق والثقة المتبادلة، إنها مهمة لبناء أسرة قوية قادرة على لعب دور فعال في خلق شخصية أفرادها وتطبيعها بقيم ومثل حميدة، فلا شيء يعوّض العلاقات العاطفية المتسمة بالود والاحترام في الأسرة.

 

 

أ‌.       الأسرة لغة:

ورد في لسان العرب: "الأسرة: هي الدرع الحصين"[1]، وفي المعجم الوسيط معنى الأسرة لغويا: يعني القيد، يُقال: أسره أسرا وإسارا، قيدَّه وأسره؛ أخذه أسيرا، ومعناها أيضا: الدرع الحصينة، وأهل الرجل وعشيرته، والجماعة يربطها أمر مشترك[1]، وجاء في القاموس المحيط: "والْأُسْرَةُ بالضم: الدِّرْعُ الحَصينَةُ، من الرَّجُلِ الرَّهْطُ الْأَدْنَوْنَ"[1].

قال ابن منظور: "أُسرةُ الرجل: عشيرتُه ورهطُهُ الأدْنَوْنَ لأنه يتقوى بهم، والأُسرة عشيرة الرجل وأهل بيته"[1] وقد جاء في كتاب الله -عز وجل- ذِكر الأزواج والبنين والحفدة، بمعنى الأسرة، ومنه قوله تعالى: "والله جَعَلَ لَكُم من أَنفُسِكُم أَزوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِن أَزَوَاجِكُم بَنِين َ وَحَفَدَة وَرَزَقَكُم مِن الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُم يَكْفُرُون" [1]، أي " أزواجا، ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم، أولادا تقرُّ بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة"[1].

كما أن لفظ الأسرة مشتق من الأسر، وهو القيد أو الشد بالإسار، أي أنه يتضمن معنى الإحكام والقوة.[1]

ب‌.  الأسرة اصطلاحًا.

قال ابن الأثير: "الأسرة عشيرة الرَّجل، وأهل بيته؛ لأنه يتقوّى بهم".

وعرفها بعض علماء الاجتماع بأنها: جماعة اجتماعية أساسية ودائمة، ونظام اجتماعي رئيس، وهي ليست أساس وجود المجتمع فحسب، بل هي مصدر الأخلاق والدعامة الأولى لضبط السلوك، والإطار الذي يتلقى منه الإنسان أول دروس الحياة الاجتماعية[1].

وأورد الدكتور فؤاد بن عبد الكريم عدة تعريفات للأسرة منها[1]:

- "مؤسسة فطرية اجتماعية بين رجل وامرأة، توفرت فيها الشروط الشرعية للاجتماع، التزم كل منهما بما له وما عليه شرعًا، أو شرطًا، أو قانونًا".

- "الجماعة الإنسانية المكونة من الزوج، والزوجة، وأولادهما غير المتزوجين، الذين يعيشون معهما في سكن واحد، وهو ما يُعرف بالأسرة النواة".

- "المؤسسة الاجتماعية التي تنشأ من اقتران رجل وامرأة بعقد يرمي إلى إنشاء اللبنة التي تساهم في بناء المجتمع، وأهم أركانها: الزوج، والزوجة، والأولاد".

كما عُرِّفت الأسرة على أنها "شكل اجتماعي يتميز بطابع ثقافي مميز يختلف من مجتمع لآخر، ويعمل هذا النظام الثقافي على طبع وتلقين الفرد منذ نعومة أظافره السلوك الاجتماعي المقبول، ويتعلم داخلها طبيعة التفاعل مع الأفراد والعادات والتقاليد، وبقية النظم الاجتماعية السائدة في المجتمع".

وعرفها البعض على أنها: "مجموعة من الأفراد، ارتبطوا برباط إلهي، هو رباط الزوجية أو الدم أو القرابة"[1].

ج- مفهوم الأسرة في الإسلام:

لفظ الأسرة ورد في القرآن بمعنى الأهل، كما قال تعالى: "فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله"[1]، وقوله عز وجل: "واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي"[1]. أما معناها فيمكن استخلاصه أو استنباطه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في هذا الباب، التي حددت عناصر الأسرة في الزوج والزوجة والأبناء، قال تعالى: "وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى".[1]

و جعل فقهاء المسلمين لفظ الأسرة يتسع إلى كل من الزوج والزوجة والأولاد، وهو ما يعنيه لفظ الأسرة في بعض القوانين الأخرى.

ولعل التعريف الأرجح للأسرة: أنها "مؤسسة فطرية اجتماعية بين رجل وامرأة، توفرت فيها الشروط الشرعية للاجتماع، التزم كل منهما بما له وما عليه شرعا، أو شرطا، أو قانونا".[1]

وهكذا تعددت تعريفات المنظمات المعنية بأمور المجتمع العالمي، إلاّ أن تلك التعريفات اختلفت فيما بينها تبعا لاختلاف الاعتبارات التي يتبنَّاها أولئك المعنيون بتعريف الأسرة.

وإن مما يؤخذ على هذه التعاريف أنها لم تكن جامعة مانعة.

والتعريف المختار: في ضوء التعاليم الشرعية ، أن الأسرة هي: "المؤسسة الاجتماعية التي تنشأ من اقتران رجل وامرأة بعقد يرمي إلى إنشاء اللبنة التي تساهم في بناء المجتمع، وأهم أركانها، الزوج، والزوجة، والأولاد"[1].

ثانياً: مفهوم العولمة.

أ – تعريف العولمة في اللغة:

العولمة ثلاثي مزيد، يُقال: "عولمة" على وزن قولبة، وكلمة "العولمة " نسبة إلى العَالم ـ بفتح العين ـ أي الكون، وليس إلى العِلم ـ بكسر العين ـ، والعالم جمع لا مفرد له، وهو مشتق من العلامة على ما قيل، وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في كتب اللغة.

    فالعولمة كالرباعي في الشكل، فهو يشبه "دحرجة" المصدر، لكن "دحرجة" رباعي منقول، أمَّا "عولمة" فرباعي مخترع، إن صح التعبير، وهذه الكلمة بهذه الصيغة الصرفية لم ترد في كلام العرب، والحاجة المعاصرة قد تفرض استعمالها، وهي تدل على تحويل الشيء إلى وضعية أخرى، ومعناها: "وضع الشيء على مستوى العالم"، وأصبحت الكلمة دارجة على ألسنة الكتاب والمفكرين في أنحاء الوطن العربي[1]، ويرى الدكتور "أحمد صدقي الدجاني" أن العولمة مشتقة من الفعل "عولم"، على صيغة فوعل، واستخدام هذا الاشتقاق يفيد أن الفعل يحتاج لوجود فاعل يفعل، أي أنَّ العولمة تحتاج لمن يعممها على العالم[1].

كما أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة قرر إجازة استعمال العولمة بمعنى: جعل الشيء عالميا[1]، والعولمة ترجمة لكلمة Mondialisation الفرنسية، بمعنى جعل الشيء على مستوى عالمي، والكلمة الفرنسية المذكورة إنَّما هي ترجمة لكلمة Globalisation الإنجليزية، التي ظهرت أولا في الولايات المتحدة الأمريكية، بمعنى تعميم الشيء، وتوسيع دائرته ليشمل الكل.

 فهي إذا مصطلح يعني جعل العالم عالما واحدا، موجها توجيها واحدا، في إطار حضارة واحدة، ولذلك قد تسمى الكونية أو الكوكبة[1].

ومن خلال المعنى اللغوي يمكننا أن نقول بأن العولمة إذا صدرت من بلد أو جماعة، فإنها تعني: تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة، وجعله يشمل الجميع أي العالم كله[1].

جاء في المعجم العالم الجديد ويبستر "WEBSTER" أنَّ العولمة "Globalisation" هي: إكسابُ الشيء طابعَ العالمية، وبخاصة جعل نطاق الشيء، أو تطبيقه، عالميا[1].

العولمة إذًا من حيث اللغة كلمة غريبة على اللغة العربية، ويُقصد منها عند الاستعمال - اليوم - تعميم الشيء، وتوسيع دائرته، ليشمل العالم كله.

ومن الجدير بالذكر أن تعبير "العولمة" في التداول السياسي قد طُرح من قبل كتاب أمريكان في السبعينات، وبالتحديد من كتاب "ماك لولهان وكينتين فيور": حول "الحرب والسلام في القرية الكونية"، وكتاب "بريجسكي": بين عصرين "دور أمريكا في العصر الإلكتروني"[1].

وخلاصة الكلام هو أن الفعل الرباعي المجرد - فَعْلَلَ - مصدره القياسي دائما على وزن - فَعْلَلَة-، تقول: دحرجت الكرة دَحْرَجَةً، وبعثر الهواءُ الورقَ بَعْثَرَةً، وزمجر الأسد زَمْجَرَةً.

وعليه فإنه من الممكن القول بأن المصدر (عَوْلَمَة) هو اشتقاق صحيح من فعل (عَوْلَمَ)، وأن هذا الفعل من معاني الصيرورة - كما تقدم - أي جعله عالميا، وهو ما يسانده المعنى الاصطلاحي - كما سيأتي ذكره-.

"أما العولمة مصدراً فقد جاءت توليداً من كلمة عَالَمْ، ونفترض لها فعلاً هو (عَوْلَمَ يُعَوْلِمُ عَوْلَمَةً) بطريق التوليد القياسي".

ب – تعريف العولمة اصطلاحاً:

كثرت التعاريف التي توضح معنى العولمة، نذكر هنا بعضًا منها:

ü    يقول "جيمس روزانو"، أحد علماء السياسة الأمريكيين عن العولـمة: "إنَّها العلاقة بين مستويات متعددة، لتحليل الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والأيديولوجيا، وتشمل: إعادة الإنتاج، وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول، نتيجة الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة"[1].

ü    "نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود، دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم، والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم"[1]

ü    ويعرفها الدكتور "مصطفى محمود" فيقول: ''العولـمة مصطلح بدأ لينتهي بتفريغ الوطن من وطنيته، وقوميته، وانتمائه الديني والاجتماعي والسياسي، بحيث لا يبقى منه إلاَّ خادم للقوى الكبرى''[1]

ü    العولمة هي: (العملية التي يتم بمقتضاها إلغاء الحواجز بين الدول والشعوب، والتي تنتقل فيها المجتمعات من حالة الفرقة والتجزئة إلى حالة الاقتراب والتوحد، ومن حالة الصراع إلى حالة التوافق، ومن حالة التباين والتمايز إلى حالة التجانس والتماثل، وهنا يتشكل وعي عالمي وقيم موحدة تقوم على مواثيق إنسانية عامة)[1].

     والمواثيق الإنسانية الواردة في هذا التعريف، هي المواثيق التي يصنعها الغرب، وأساسها نظرة علمانية مادية للوجود لتحقيق مصالحه الخاصة، ثم تصدر للعالم على أنها مواثيق إنسانية لصالح البشرية، ولا بأس أن تصدر بها القرارات الدولية من هيئة الأمم المتحدة، باعتبارها مؤسسة حامية للحقوق الإنسانية.

ü    (هي تعاظم شيوع نمط الحياة الاستهلاكي الغربي، وتعاظم آليات فرضه سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا وعسكريًا، بعد التداعيات العالمية التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الشرقي)، أو هي: "محاولة لفرض الفلسفة البراجماتية النفعية المادية العلمانية، وما يتصل بها من قيم وقوانين ومبادئ وتصورات على سكان العالم أجمع"[1].

ü    هي: "العمل على تعميم نمط حضاري، يخص بلدًا بعينه، هو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات على بلدان العالم أجمع"، وهي أيضًا أيديولوجيًا "تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم، وأمركته"[1].

ü    ويقول الدكتور "فؤاد بن عبد الكريم"[1]: "تعاريف ومفاهيم العولمة يمكن تقسيمها وإدراجها في أربعة اتجاهات:

اتجاه يراها: حقبة تاريخية لفترة زمنية معينة.

وثانٍ يراها: مجموعة تجليات لظاهرة اقتصادية.

وثالث يراها: هيمنة وتسلطًا للقيم الأمريكية.

ورابع يراها: ثورة تكنولوجية واجتماعية.

ثم يخلص في النهاية إلى أن تعريف العولمة هو "التداخل الواضح في أمور الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والثقافة، والسلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن محدد، أو لدولة معينة، دون حاجة إلى إجراءات حكومية".

وبالإمكان أن نختار تعريفاً شاملاً لجوانب العولمة المختلفة، فنقول: إن العولمة هي:

"التداخل الواضح في أمور الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والثقافة، والسلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن محدد، أو لدولة معينة، دون حاجة إلى إجراءات حكومية"[1].

إن العولمة مرحلة من مراحل التطور الرأسمالي الغربي، فقد صارت الرأسمالية أكثر عنفاً وضراوة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وتعني العولمة، من ضمن ما تعني، الغزو الثقافي، وتدمير الهوية الوطنية، واحتقار الثقافات الأخرى، غير الغربية، التي يرى الغرب أنها تتناقض مع التقدم، ومع العلم. لهذا يصف الغرب، زوراً وبهتاناً، الإسلام بالإرهاب، والرجعية، ومصادرة حقوق الإنسان.[1]

ثالثا- أسباب و مظاهر انهيار الأسرة في الغرب.

 

ان انهيار الأسرة الغربية الذي تحدث عنه السناتور مونيهان وغيره من عقلاء الغرب كان نتيجة لمزيج من العوامل المادية والثقافية والاجتماعية وقد حصل هذا الانهيار عبر فترة تزيد على الأربعين سنة.

ففي الستينات شهدت الولايات المتحدة وبقية دول الغرب ثورة تحرر من كل القيم في ظل ما عرف بالليبرالية وأصبح كل ما يلبي رغبات الإنسان ونزواته أمر مقبول بغض النظر عن عواقبه وكانت أول ضحايا هذه التحرر هي الأسرة حيث أن جوهر هذا التحرر هو " تحرير الفرد" من كل القيود أي انه انفلات كلي.

فأصبحت المجلات والأفلام والمسرحيات والجامعات وجميع المنتديات تعزف على وتر النزوات والغرائز والأنانية والتحرر من الدين والسخرية من قدسية الأسرة والمطالبة بتجربة كل شيء بالضبط كما نرى في مجتمعاتنا اليوم. ولنضرب مثلا نوضح من خلاله ان "حرية المرأة" التي يرددها اتباع الليبرالية المعاصرة ماهي الا غطاء لحركة هي في جوهرها معادية لجوهر الأسرة وما تعنيه من عقد ومودة وانجاب وابناء وأمومة وعفة وشرف ووفاء ورحمة وغيرها من المعاني التي تمثل جوهر ما نفهمه عن الأسرة. ففي عام 1973 صدرت وثيقة باسم رائدتين في الحركة النسائية الأمريكية المعاصرة نوردها بالنص لأهميتها، تقول الوثيقة المعنونة " البيان النسائي" ما يلي:

" الزواج هو مؤسسة وجدت لمنفعة الرجل وهو وسيلة مشرعة للسيطرة على النساء ... وعلينا ان نعمل على تدميره لأن نهاية مؤسسة الزواج هو شرط أساسي لتحرير المرأة. لذلك يتحتم علينا تشجيع النساء على ترك أزواجهن وعدم العيش معهم على انفراد.....ويجب ان تعاد كتابة التاريخ حول قضية اضطهاد المرأة، علينا ان نعود الى أديان النساء القديمة كممارسة السحر والشعوذة"[1] .

ونتيجة لانتشار هذه الأهواء تآكلت المنظومة القيمية التي كانت جذورها تعود الى الدين وحلت محلها منظومة " القيم الليبرالية" التي هي أقرب الى الإباحية و التفلّت من كل ضوابط اخلاقية او عقائدية، فعلى صعيد الأسرة خرجت المرأة من البيت من غير ضوابط وكثر الاختلاط غير المبرر وطبعا نتج عن ذلك تزايد في العلاقات غير الشرعية ومما ساعد على ذلك توفر وسائل منع الحمل وتعديل القوانين لإباحة الإجهاض، وهنا كذلك قامت مجتمعاتنا الإسلامية بتقليدهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، ونتيجة لهذه التحولات بدأت نسبة الأبناء غير الشرعيين في التزايد، وأصبح المجتمع أكثر قبولا للعلاقات الجنسية المثلية التي توجت بالمطالبة بالزواج المثلي، وهذا ما حصل في كثير من دول الغرب نسأل الله ان لا يحصل عندنا.

هذه الهزات التي اصابت الأسرة التقليدية أدت الى ارتفاع نسبة الطلاق، والى تشرد الأبناء وزيادة معدلات الإجرام بينهم، إضافة الى فشلهم في متابعة تعليمهم، وهذه الظواهر أطلت برأسها كذلك في المحيط الإسلامي خلال السنوات الأخيرة، خاصة الطلاق الذي أصبحت نسبه تنافس مثيلاتها في الغرب.

ونذكر ابناء أمتنا الإسلامية أن هذا كله حصل تحت شعارات تتكرر اليوم في عالمنا الإسلامي وتدور حول "حرية المرأة " و"عمل المرأة " " وتنظيم الأسرة" و"مؤتمرات السكان" كالتي حصلت في القاهرة والصين ودول الخليج وهي مؤتمرات لا تريد بالمرأة خيرا، وإنما هي أقرب إلى ما نصح به المبشر "زويمر" وغيره من أعداء هذه الأمة بأن إخراج المرأة المسلمة من بيتها هي أول المعارك التي يجب كسبها في صراعنا مع المسلمين، واليقين أن هذه المؤتمرات تهدف الى تفكيك الأسرة المسلمة وإبعادها عن المنظومة القيمية الربانية التي تحفظ حقوق الرجل والمرأة والأولاد حتى تنتهي هذه الأسرة إلى الفوضى التي تعيشها الأسرة في الغرب كما سيتم توضيحه لاحقا.

فالبداية ستكون المطالبة بخروج المرأة من غير ضوابط واختلاطها بالرجال من غير حياء وحقها في الطلاق لأتفه الأسباب، وبعد ذلك ستبرر لها العلاقات خارج إطار الزوجية، وبعده ستشجع هي والرجال على التساوي حتى في الإرث، وبعدها سيقال لها وللرجل أن العلاقات المثلية شيء طبيعي، وهكذا دواليك ستنتقل الأسرة المسلمة من جنة " السكن والمودة والرحمة "التي أرادها الله لها، إلى جحيم" الشحناء والخيانة والطلاق وتشريد الأبناء" التي يعيشها الغرب اليوم.

و للتعريج على المظاهر التي أدت إلى انهيار الأسرة في المجتمع الغربي، نتناول بعض الأرقام الصادرة عن الولايات المتحدة، لقد انتقل المجتمع الأمريكي من مجتمع غالبية النساء فيه يقمن برعاية الأسرة إلى مجتمع يطغى عليه عمل الأبوين خارج البيت، فعلى سبيل المثال ارتفعت نسبة النساء المتزوجات والعاملات اللواتي لديهن أبناء دون السادسة من العمر من أقل من 20% عام 1960 إلى اكثر من 60% عام 1996. و هكذا هي البداية، تتحرر المرأة بالعمل وبالكسب وبذلك فهي تستقل عن زوجها حتى ولو كان هذا الخروج الى العمل أكثر كلفة على الأولاد والزوج من الدراهم القليلة التي ستكسبها في العمل. وفي هذا الصدد يقول وليم بنت وزير التعليم الأمريكي السابق إن بعض النساء الأمريكيات لم يرضخن لضغوط "التحرر" هذه واخترن البقاء مع أولادهن الصغار ليستمتعن بأول خطوة يخطوها هذا الطفل وبأول كلمة يلفظها وبأول ابتسامة تصدر منهم. بل إن آخر الاستبيانات حول رأي المرأة العاملة في الولايات المتحدة تشير إلى ان 35% من الأمهات اللواتي يعملن قد اكدن على أنهن يغبطن النساء اللواتي لا يعملن خارج المنزل، وتشير هذه الاستبيانات كذلك إلى أن 65% من النساء اللواتي لا يعملن يشعرن بأنهن سعيدات ببقائهن في البيت، كما وتؤكد 57% من النساء العاملات بأنهن سيتركن عملهن لو لم تكن الأسرة في حاجة مادية.[1]

ومنذ الستينات تراجع معدل الزواج بنسبة 33% بينما تضاعفت نسبة الطلاق خلال الفترة نفسها، حيث أنها تقدر اليوم بأكثر من 50% في الوقت الذي تزيد فيه نسبة النساء اللواتي لم يتزوجن أبدا على 68% ، أما نسبة النساء اللواتي لم يتزوجن أبدا في الفئة العمرية بين 25 و29 سنة فقد ارتفعت من 10% عام 1970 إلى 35% عام 1995 .[1]

وفي عام 1994 كان أكثر من 50% من المواليد الجدد هم أبناء غير شرعيين، وترتفع هذه النسبة الى اكثر من 70% بين السود، كما أن أكثر من 75% من مواليد الفئة العمرية دون العشرين عام هم غير شرعيين وفي 15 مدينة من أكبر مدن الولايات المتحدة تصل هذه النسبة إلى أكثر من 90%، و هي نسب مخيفة و مرعبة تهدد المجتمع بالتحلل و التفكك، و ترهن مستقبل أجياله.

أما الأبناء الذين يولدون في أسرة من أحد الوالدين، الأم في أغلب الحالات، فقد زادوا ثلاث أضعاف بين عامي 1960 و1998، حيث أنه يعيش اليوم أكثر من ثلث الأطفال الأمريكيين بعيدا عن آبائهم الفعليين و40% منهم لم يروا آبائهم لمدة تزيد على عام.

ولا يقل الحال سوء في ما يتعلق بأعداد الأمريكيين الذين يعيشون في ظل صيغة "التعايش" التي تجمع شخصين أو أكثر من غير عقد شرعي أو مبرر خلقي، لأن هذا التعايش لا يقتصر على رجل وامرأة غير متزوجين، ولكنه قد يتكون من شخصين من نفس الجنس أي امرأتين او رجلين او رجلين وامرأة او امرأتين ورجل أي أنها صيغ تخجل منها حتى البهائم. ولقد ازداد عدد الأمريكيين الذين يعيشون بصيغة "التعايش" ما بين عام 1960 و2000 بحوالي 11 ضعفا، حيث أصبح عددهم الإجمالي في الوقت الحاضر يزيد على خمس ملاين ونصف.

أما المظهر الآخر من مظاهر هذا الانهيار فهي أن الخصوبة في المجتمع الأمريكي والتي وصلت الى أكبر نسبة لها في عام 1957 حيث كانت تساوي 3.5 طفل لكل امرأة، بدأت في التراجع لتصل الى 2.0 طفل لكل امرأة اليوم، وقد ادى هذا التراجع في الخصوبة خاصة منذ 1975 إلى اقتراب معدل المواليد من معدل الوفيات أو أقل من ذلك حتى، وهذا يعني أن النمو السكاني يقارب الصفر أو النمو السالب، مما دفع بأحد السياسيين البارزين في المجتمع الأمريكي وهو "بات بوكانون" الى تأليف كتاب عنونة "موت الغرب" لينبه الى هذا التراجع في خصوبة المجتمع الأمريكي وبقية الدول الغربية التي يعتبر وضع بعضها اسوأ حال من المجتمع الأمريكي[1].

وأخيرا إن أفراد الأسر الأمريكية – كمثال عن الأسرة في الغرب- يتعرضون للقتل غير المبرر، الصغار منهم والكبار، فالتشريعات الوضعية التي أباحت الإجهاض من غير ضوابط وفي مراحل متأخرة من عمر الجنين، أدت إلى تزايد حالات الإجهاض في الولايات المتحدة من 6000 حالة عام 1966 إلى 600000 حالة عام 1973، ثم إلى أكثر 1.5 حالة في السنة في الوقت الحاضر، وهذه الأرقام في حالة صعود دائم. أما الكبار في السن فقد بدأوا يتعرضون لنوع من الإبادة في السنوات الأخيرة في ظل ممارسات أًطلقت عليها عدة مسميات لتلطيف أثرها على السامع، ولكن جوهرها هو التخلص من هذه الفئة بسبب مرض مزمن أو إعاقة مزمنة، وكأن مهمة هؤلاء الكبار قد انتهت بعدم قدرتهم على الإنتاج أو الحركة، ولم يعد لهم دور في هذا المجتمع الذي وللأسف لم تعد تضبطه إلا أنانية القيم الفردية الليبرالية. وعلينا تصور حجم هذه المصيبة في مجتمع يشيخ بسرعة بسبب انخفاض معدلات المواليد كما ذكرنا سابقا، حيث أنه من المتوقع أن يزيد عدد الأفراد الذين تفوق أعمارهم 85 سنة بحوالي خمس أضعاف خلال الخمسين سنة القادمة، أي من 3 ملايين إلى 15 مليون، وهذا يعني كذلك تراجع قدرة المجتمع على توفير العناية الصحية وكثرة أمراض هذه الشريحة، فهل يعني أن المجتمع الأمريكي سيستمر ويتمادى في عملية التخلص من هذه الفئات المسكينة بسبب كبر سنها وعجزها تحت ما يعرف "بالقتل الرحيم" ؟[1].

تعددت الأقوال بشأن الأسرة فمن قائل (توفلر) إنها ستزول ومن قائل إن هناك تباشير عصر ذهبي للأسرة، وحيث القدرة على الإنجاب بتطوير البويضة  الملقحة فهو يقول، كم سيكون معنى الأمومة مختلفاً عند ذاك، وماذا إذا أمكن شراء الجنين وزرعه في الرحم؟، وقد اختفت الآن حالة الأسر الواسعة المترابطة، فقد كان الترابط نتيجة السكون في حياة الأفراد متوقعاً. إن الأمهات سيؤجلن الحمل إلى ما بعد التقاعد، وذلك كي لا يشغلهن الأولاد عن الإنتاج والحركة، وربما ستكون تربية الأولاد مهنة واسعة لها أناس متخصصون بها، فيودع لديهم الناس أولادهم ويمكن بناء تلك التربية على أساس علمي؟!

 كما يتوقع توفلر تغيرا في علاقات الزوجية، فالأساس الأول استمرار المودة بين الزوجين التوافق في نموهما النفسي، غير أن التحول المريع والمتسارع في ثقافة كل فرد ستجعل من المستحيل في المستقبل استمرار مثل هذا التوافق، فلن يكون الحب أساس الزواج الأول، متوقعا أن يصبح الزواج المؤقت أمرا مستساغا ومقبولا. وحسب تعبير أحد علماء الاجتماع فإن المجتمع الأمريكي فيه من تعدد الزوجات أكثر مما يوجد في المجتمعات التي تتبعه، لكن التعدد يجري على محور الزمن، وذلك بتعدد الطلاق والزواج، ومن كل أربعة يتزوجون اليوم يوجد في  أمريكا واحد قد تزوج سابقا، وسوف يأتي اليوم الذي يتزوج فيه الرجل والمرأة وكلاهما عالم إنه زواج تجريبي يتوقع فكاكه إذا لم ينجح، والزواج المؤقت سيكون العلاقة الشائعة بين رجال ونساء المستقبل.

كما يصف توفلر الجيل الجديد بأنه جيل اللحظة الحاضرة، حيث إن شعاره "افعل ما يحلولك في هذه اللحظة، وذلك قبل أن تفقد الفرصة"[1].

أصبحت المجتمعات الغربية تعاني من التحلل والتفكك الأسري الذي  نخر وينخر عظامها، وهي مجتمعات عرفت عن "الزواج" واستبدلته "بالرفقة" والتي أصبح 40% من طفولتها تولد خارج الأسر الشرعية، أي عن طريق الزنا و50% من هؤلاء الأطفال يعيشون خارج الأسر الشرعية أي مع "رفيق" الأم أو رفيقة الأب.

وقد نشأت عن فوضى الجنس في الغرب أزمة اجتماعية حادة، وهي أزمة الأطفال الذين تلدهم أمهات غير متزوجات، و ارتفعت نسبهم في تلك المجتمعات، و بازدياد هذه النسبة زاد كم الأطفال والغلمان والمهملين والمشردين والمجانين والمنحرفين ومحترفي الإجرام.

ويؤكد تقرير أوردته مؤسسة متخصصة في دراسة هذا النوع من المشاكل الاجتماعية، إن 13 مليون طفل أمريكي دون الثالثة من العمر معرضون لمتاعب وأضرار من المرجح أن تلازمهم ما بقوا أحياء ... وهذا لا شك مستقبل كئيب ومن أهم أسباب كآبته "الإباحة الجنسية"، حيث أتهم نكسون "هوليوود" بتدمير المجتمع  الأمريكي، من خلال ما تنتجه من مادة إعلامية تدعو للإباحية الجنسية. واجتمع كلينتون مع (400) سينمائي من هوليود والتمس منهم الرحمة بالمجتمع الأمريكي، عن طريق الكف عن إنتاج الأفلام الجنسية الاباحية.  

هذه بعض الآثار التي نتجت عن انحسار القيم والأخلاق عن دائرة الأسرة في المجتمعات الغربية، وهذه هي الثمرة الخبيثة للمجتمع الذي سادته الليبرالية المعاصرة بكل ما تعنيه هذه الليبرالية من محاربة للدين وغرس الرذيلة والميل إلى تغذية نزوات الإنسان، وتحطيم القيم بكل صورها وأشكالها، و لم يتم التحدث عن  العنف المنزلي ضد الزوجات والأطفال، و عن الجرائم الناتجة عن تفكك الأسرة وتشرد الأبناء ولم نتحدث عن المخدرات والمسكرات بكل اشكالها، و عن انعكاسات انهيار الأسرة على التعليم بأكمله، و عن أثر هذا السقوط الأخلاقي على أدوار الأفراد على كل مستويات المجتمع وهذه كلها افرازات لواقع الأسرة المتفككة، ولم نتحدث عن أطفال يقتلون أطفالا في المدارس الابتدائية، و عن تفشي العلاقات الجنسية في السنوات المبكرة من أعمار الأولاد والبنات.

رابعا: لماذا اهتم الإسلام بالأسرة المسلمة؟

أولى الإسلام عناية فائقة بالأسرة، لحمايتها من التفكك، فهي العماد الأول للمجتمع المسلم، والمحضن التربوي الأول الذي يتخرج منه الفرد النافع للمجتمع ولنفسه ولوطنه، وحتى لا يحدث تلاعب في هذا الاستقرار الأسري، حث الإسلام على استمرار رابطة الزوجية، وكره قطعها من غير مبرر، وشرع لذلك جملة تشريعات.

فللأسرة أهمية كبيرة، فهي الأمة الصغيرة، ومنها تعلم النوع الإنساني أفضل أخلاقه الاجتماعية، ومن الأسرة تعلم النوع الإنساني الرحمة والكرم.. فلولا الأسرة لم تحفظ صناعة نافعة توارثها الأبناء عن الآباء، ثم توارثها أبناء الأمة جمعاء، لذا اهتم الإسلام بالأسرة اهتماماً بالغاً، شمل جميع مراحل بنائها، ذلك أن الأسرة نواة المجتمع، والمجتمع ومجموع هذه الأسر، هي لبناته التي يقوم عليها، وينمو بها، ويحصل له منها الامتداد الأفقي.

فالأسرة هي المعقل ما قبل الأخير والحصن الحصين للفكر الإسلامي، فالحصون البشرية للفكر الإسلامي تبتدئ بالفرد، ومن ثم الأسرة، ثم المجتمع، ثم الدولة فالأمة، وتبرز خطورة الأسرة في كونها أهم مراحل بناء الدولة والأمة، فإذا هدم هذا الحصن رجعنا إلى مرحلة البداية والبناء الأولي من جديد.

ومن هنا أصبح الشغل الشاغل لتلك التجمعات العالمية والمنظمات الغربية، السعي لعولمة الحضارة ممثلة في الحياة الاجتماعية لتلك الدول، عبر تقنين الإباحية والرذيلة باسم الحرية، ومن خلال تعميم الشذوذ باسم حقوق الإنسان والحرية الشخصية، وتقويض بناء الأسرة.

غير أن فكرة الأسرة في الإسلام مستمدة من الشريعة الاسلامية، تضمن وحدة وقوة الأسرة المسلمة على مدار القرون، ولذلك فإن عملية عولمة القيم الأسرية هو بمثابة تهديد واضح لأمن الأسرة المسلمة، وعدوان على خصوصيتها.

كما أن النظام الأخلاقي ومنظومة الأعراف الاجتماعية الإسلامية شديدة الخصوصية، وفرض أي قيمة من ثقافات أجنبية عليها لن يؤدي إلا إلى إعدام الاستقرار النفسي عند الأفراد، وبالتالي يؤدي إلى مزيد من العنف والفوضى السياسية والاجتماعية.

 ولعل من أبرز أسباب هذا الاهتمام بالأسرة المسلمة في الاسلام موجزة كالتالية:

01-  لأن الأسرة تلبي مطالب الفطرة البشرية من حيث:

أ – إيجاد الولد الذي يحمل اسم أبيه من بعده، ويكون عونا له في شيخوخته، قال تعالى:" وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ".[1]

ب – أن الأسرة هي البيئة الأولى لتدريب الإنسان على المسؤولية التي كلفه الله بها، وهي عمارة الأرض، وهي الميدان العملي الأول الذي يمارس من خلالها مسؤولية قوامته عليها، لينتقل - بعد ذلك – من نطاق الأسرة الضيق إلى نطاق المجتمع الكبير.[1]

ج – أن سنة التزاوج تحقق سنة الله تعالى في خلقه.[1]

د - إشباع مطالب الجسد والروح في الإنسان، ولا تتم عن طريق الأسرة الشرعية.

02- لأن الأسرة لها مهام اجتماعية، مثل:

أ – حفظ النسب من الاختلاط، "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ" رواه الترمذي، وصححه الألباني.[1]

ب – حماية المجتمع من الأمراض الاجتماعية والانحلال، ففي ظل الأسرة يتم تنظيم شهوة الإنسان، وتتولد عنده القناعة بما قسم الله له، فلا يمتد نظره إلى المحرمات، وقد حث النبي صلى الله عليه و سلم الشباب المستطيع على الزواج، فقال: "...يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ " رواه البخاري ومسلم.[1]

ج – حماية المجتمع من الأمراض الجنسية المصاحبة للزنى.

د – إعداد الفرد ليكون إنساناً صالحاً في نفسه، وأسرته، ومجتمعه.

هـ – إعداد الفرد لواجب التكافل الاجتماعي، كما جاء في الحديث: " عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ " رواه مسلم.[1]

03-       لأن دور الأسرة بالغ الأثر في التربية على الأخلاق الفاضلة للفرد والمجتمع:

فالأسرة هي المكان الصحي الوحيد للحضانة، والتربية السليمة، ومحل التضحية والإيثار، والصبر والتحمل.

وبذلك يكون التشريع الإسلامي قد رافق الأسرة في مسيرتها، ورعاها منذ لحظة التفكير في إنشائها إلى لحظة إنهائها، مرورا بأحوالها وشئونها مدة قيامها، مراعيا في ذلك كله قواعد العدالة، والأخلاق، والمثل الاجتماعية، وآخذًا بعين الاعتبار العواطف الإنسانية، والطاقة البشرية، والنزوات الجسدية، والخلجات النفسية، مقدرا لكل منها قدرها، في إطار من الموضوعية الشاملة، بما يؤمِّن للأسرة أقوى رباط، وأسمى إطار، يلفُّها، ويقوِّيها، ويشدُّ من أزرها، حتى تقوم بواجبها الاجتماعي والإنساني، في الإنجاب والتربية واستمرار الجنس، في ظل عبادة الله تعالى وشكره على نعمه.

خامسا: فما هي الوسائل التي تستخدمها العولمة لهدم الأسرة؟

هناك عدة وسائل استخدمت لعولمة حياة الأسرة سلوكاً وأخلاقاً ونظاماً وقانوناً، وفرض النموذج الغربي على حياة البشر اجتماعياً، وهذه الوسائل متعددة يمكن إجمال أبرزها فيما يلي:

أولاً: وسائل الإعلام بمختلف أشكالها وأنواعها ( المقروءة والمسموعة والمرئية):

 و التي تشمل القنوات الفضائية، والصحف، والمجلات، والشبكة العنكبوتية، وغيرها من الوسائل الإعلامية، وهذا الأمر معلوم للجميع ومشاهد على أرض الواقع.

وقد أسهمت برامج الأطفال في القنوات الفضائية على سبيل المثال في إفساد ذوقهم العام من خلال ما تقدمه تلك من إعلانات غير ملائمة وأفلام كارتون تحضّ على الجريمة كالسرقة والكذب والاستهتار بالقيم.

 هذه هي حقيقة أكدتها دراسة حديثة قام بها خبراء بالمجلس العربي للطفولة والتنمية على شريحة من الأطفال في المنطقة، حيث نوّهت تلك الدراسة إلى أهمية الدور الذي يلعبه التلفزيون في تثقيف وتوسيع مدارك الطفل من خلال نقل المعارف والخبرات عبر البرامج الهادفة المختلفة، لكن هناك العديد من السلبيات التي تؤثر على الناحية التربوية للطفل، منها زيادة نوعية البرامج التي تحتوي على مشاهد العنف.

كما أشارت الدراسة إلى أن القنوات الفضائية بسيطرتها وهيمنتها على قطاع كبير من المشاهدين جعلتهم بمرور الوقت أشبه بالأسرى، مما أضعف التواصل والعلاقات الأسرية خاصة بين الأطفال وآبائهم. واعتبرت الدراسة أن التنشئة التلفزيونية أثرت على الأطفال وحوّلتهم من نشطاء مندفعين راغبين في فهم الأشياء والشروع في العمل، إلى أطفال أكثر حذراً وسلبية لا يريدون التقدم واكتشاف ما حولهم.

واستشهد الخبراء في بحثهم بالعديد من الدراسات التربوية التي أجريت في العقد الأخير والتي كشفت عن وجود علاقة بين مشاهدة التلفزيون والتحصيل الدراسي، وأنه كلما زادت مشاهدة الأطفال للتلفزيون انخفض تحصيلهم الدراسي، كما أشارت الدراسة إلى أن هناك دلائل تشير إلى أن مشاهدة التلفزيون لا تؤدي إلى تقليل وقت اللعب عند الأطفال فحسب، بل إنها أثرت في طبيعة لعب الأطفال، خاصة اللعب في المنـزل أو المدرسة.

وأكدت أنه على الرغم من دور التلفزيون في النمو الاجتماعي والثقافي للطفل فإنه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، ويجعل الطفل شخصية ضعيفة منفصلة عن مجتمعها إذا ما ركّز على عرض قيم وثقافات أخرى، كأفلام الكارتون المدبلجة، التي تؤثر على ذاتية الطفل الاجتماعية والثقافية.

وأوضحت الدراسة أن القنوات الفضائية أصبحت تشكل مدرسة موازية في نقل المعارف والعلوم، وأن عامل التكرار في ما تقدمه من برامج ليست هادفة تؤدي إلى تهميش ثقافة الطفل. وأوصت الدراسة بأهمية بحث القائمين عن الإعلام العربي خاصة قنوات التلفزيون سواء الأرضية أم الفضائية عن برامج جذابة ومشوقة وهادفة قادرة على تحفيز الأطفال على المشاركة في أنشطة المجتمع وإتاحة الحرية لهم للتعبير عن أفكارهم وتنمية قدراتهم على النقد وتشجيعهم على المناقشة والتواصل مع آبائهم.

ثانياً: الاستعانة بالقوى والقيادات السياسية المهيمنة على العالم:

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، وما تلاه من تداعيات، حدثت تحولات عالمية كبيرة  بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث سعت إلى إحداث تغييرات كان لها الأثر الواضح في تدخلها على المستوى العسكري والسياسي والاقتصادي للمنطقة العربية والإسلامية، وأخذت تبشر دول المنطقة وشعوبها بالديموقراطية الأمريكية، التي تقوم - في جانبها الاجتماعي- على المساواة بين الجنسين، والتحرر الجنسي، والمثلية الجنسية، وإباحة الإجهاض، وغيرها من القضايا.[1]

ثالثاً: الاستعانة بمؤسسات الهيمنة الدولية:

وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ففي السنوات الأخيرة وخاصة سنوات التسعينات، كثفت الحركات النسوية العالمية من جهودها وكذلك نشطاء حقوق الإنسان، من أجل نقل تصوراتها وأفكارها من حيز الكلام التنظيري، إلى حيز التنفيذ العملي، ومن الأطر الثقافية، والأخلاقية، والاجتماعية الخاصة ببعض الشعوب والحضارات الغربية، إلى النطاق العالمي العام، مستغلين طغيان موجة العولمة، من خلال إقامة مؤتمرات واتفاقيات، نوقشت فيها قضايا مختلفة متعلقة بالأسرة.

أما القضايا التي نوقشت في هذه المؤتمرات ولها علاقة بكيان الأسرة فنذكر منها:

الدعوة إلى حرية العلاقة الجنسية المحرمة، واعتبار ذلك من حقوق المرأة الأساسية، ونشر "مصطلح الجندر"، وتوفير خدمات الصحة الجنسية والإنجابية للمرأة، ونشر وسائل منع الحمل ذات النوعية الجيدة، والدعوة إلى منع حالات الحمل المبكر، والدعوة إلى تحديد النسل، والاعتراف بحقوق الزناة والزواني، والاعتراف بالشذوذ الجنسي، والتنفير من الزواج المبكر، وسن قوانين تمنع حدوث ذلك، وإنهاء تبعية المرأة والبنت من الناحية الاجتماعية.

و سنشير إلى بعض هذه النماذج من التوصيات والإجراءات الخاصة ببعض هذه القضايا الاجتماعية، الواردة في هذه المؤتمرات الدولية، لما لها من أخطار مبطنة تهدف الى زعزعة استقرار الأسرة المسلمة.

01-    ما يتعلق بقضايا الصحة الجنسية و الإنجابية:

إذا كانت (العفة) قيمة من القيم الإسلامية بل والإنسانية، وإذا كان الزواج الشرعي هو السبيل لتحويل الغرائز الجنسية والأشواق العاطفية إلى حياة بناءة واقية في المجتمع السوي، فإن وثيقة مؤتمر السكان تتحدث عن "المتعة" الجنسية المأمونة والمسؤولة وليس عن المتعة الجنسية الشرعية المشروعة و"الحلال"، كما تعد الوثيقة هذا النشاط الجنسي حقاً طبيعياً وإنسانيا عاماً من حقوق الجسد، كالغذاء، وغير مقصورة على المتزوجين زواجاً شرعياً،  إذ تنص الوثيقة أن ذلك حق لجميع الأزواج والأفراد: سواء كان المرأة أم رجلاً أم مراهقاً.

جاء في تقرير المؤتمر العالمي للبيئة والتنمية الذي عقد بريودي جانيرو (1992):

"ينبغي أن تتخذ الحكومات خطوات نشطة لتنفيذ برامج لإنشاء وتعزيز المرافق الصحية الوقائية والعلاجية التي تتضمن رعاية صحية تناسلية مأمونة وفعالة، تركز على المرأة وتديرها المرأة، وينبغي للبرامج أن تدعم بالكامل دور المرأة المنتج، ودورها التناسلي ورفاهيتها".[1]

02-      ما يتعلق بالحمل غير المرغوب فيه، ووسائل منعه:

وجاء في تقرير المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة المنعقد في بكين (1995):[1]

" والمراهقات أكثر تعرضاً -بيولوجياً واجتماعياً ونفسياً- من الأولاد المراهقين للإيذاء الجنسي، والعنف، والبغاء، ولعواقب العلاقات الجنسية السابقة لأوانها وغير المحمية. والاتجاه إلى التجارب الجنسية المبكرة - مع انعدام المعلومات والخدمات -، يزيد من خطر الحمل غير المرغوب فيه والمبكر للغاية، ومن خطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، وغيره من الأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي".

03-      ما يتعلق بإجراءات السماح بأنواع الاقتران الأخرى غير الزواج:

 وذلك من خلال الاعتراف بالأشكال الأخرى للأسرة، حيث تتحدث تلك الوثيقة صراحة عن اقتران لا يقوم على الزواج، وهو يشيع في العلاقات المحرمة دينياً بين رجلين أو امرأتين عند الشواذ، بل وتتجاوز إباحة ذلك إلى ترتيب "الحقوق" لهذه الأنواع من "الأسرة" فتقول الوثيقة: "وينبغي القضاء على أشكال التمييز في السياسات المتعلقة بالزواج وأشكال الاقتران الأخرى"، وتدخل في عداد الأسر ذات الحقوق "الأعداد الكبيرة من الأفراد غير المتزوجين والناشطين جنسياً" فنحن إذن إزاء عولمة مفهوم للأسرة "بل يدخل فيها كل الأفراد الناشطين جنسياً ومن كل الأعمار.

نقف قليلا عند وثيقة مؤتمر الأمم المتحدة، المُسمى المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، الذي عُقد في القاهرة من 5-13 سبتمبر عام 1994م، وهذه بعض الأمور التي ركزت عليها هذه الوثيقة:

ü    الفرد هو الأساس، ومصالحه ورغباته هي المعيار، لا الدين ولا الأمة، ولا العائلة، ولا التقاليد، ولا العرف، ومن حق الفرد التخلص من القيود التي تُفرض من جانب تلك الجهات.

ü    تتحدث عن ممارسة الجنس دون أن تفترض وجود زواج، وعن ممارسة الجنس بين المراهقين دون أن تستهجنه، والمهم في نظر الوثيقة ألا تؤدي هذه الممارسة إلى الوقوع في الأمراض، والواجب توعية المراهقين وتقديم النصائح المتعلقة بممارسة الجنس ومنع الحمل، وتوفير منتهى السرية لهم، واحترام حقهم في الاحتفاظ بنشاطهم الجنسي سرًا عن الجميع.

ü    تستهجن الوثيقة الزواج المبكر لأنه يؤدي ـ في نظرها ـ إلى زيادة معدل المواليد.

ü    استخدمت الوثيقة لفظ "قرينين" بدلا من زوجين، فلفظ قرينين أكثر حيادًا، لأنَّه لا يفترض وجود رباط قانوني معين، وهذا الحياد يجعل الشذوذ الجنسي والعلاقات الجنسية دون زواج أمرًا جائزًا ومقبولا.

كما جاء في تقرير مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية المنعقد بكوبنهاجن (1995)[1]:

" الاعتراف بالدور الرئيس الذي تؤديه الأسرة، مع وجوب توفير بيئة تكفل لها الحماية والدعم. وتوجد للأسرة أشكال تختلف باختلاف النظم الثقافية، والسياسية، والاجتماعية".

04-               ما يتعلق بإجراءات التنفير من الزواج المبكر:

يحافظ الزواج على قيمة "العفة" وييسر الاستمتاع الشرعي والحلال بالعلاقات العاطفية بين الزوجين، فإن وثيقة مؤتمر السكان تسعى لعولمة منظومة القيم الغربية التي غدت تحرم الزواج المبكر وتدعو إلى اعتماد "البدائل" التي تصرف عن هذا الزواج المبكر، فالهدف هو الحيلولة دون حدوث الزيجات المبكرة، وعلى الحكومات أن تزيد السن الأدنى عند الزواج حيثما اقتضى الأمر ولا سيما بإتاحة بدائل تغني عن الزواج المبكر، ذلك هو نموذج عولمة قيم التفكك الأسري والانحلال الجنسي الغربية وفرضها على العالم باسم الأمم المتحدة ومن خلال وثيقة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية.[1]

كما جاء في تقرير المؤتمر الدولي المعني بالسكان المنعقد بمكسيكو (1984):

" تشجيع التثقيف المجتمعي، بغية تغيير المواقف الحضارية التي تقر الحمل في سن مبكرة، اعترافاً بأن حدوث الحمل لدى المراهقات -سواء أكن متزوجات أم غير متزوجات-، له آثار ضارة على معدل تفشي الأمراض والوفيات بين الأمهات والأطفال على السواء".[1]

كما استهجنت وثيقة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، الذي عُقد في القاهرة عام 1994م، الأمومة المبكرة دون أن تميز بين ما إذا كانت هذه الأمومة قد حدثت في نطاق الزواج الشرعي أم خارجه، لأنها في نظرها تزيد من معدلات النمو، وتقيد المرأة من العمل والمساهمة في الإنتاج.

05-      ما يتعلق بإجراءات تحديد النسل، ومن ذلك:

وجاء في تقرير المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة/ بكين (1995):

" الاعتراف بالحق الأساسي لجميع الأزواج والأفراد في أن يقرروا بحرية ومسؤولية عدد أولادهم، وفترة التباعد فيما بينهم، وتوقيت إنجابهم، وأن تكون لديهم المعلومات والوسائل اللازمة لذلك".[1]

06-      ما يتعلق بإجراءات سلب قوامة الرجال على النساء، ومن ذلك:

" ينبغي تنقيح القوانين المدنية لا سيما القوانين التي تتعلق بالأسرة، من أجل القضاء على الممارسات التمييزية حيثما وجدت وأينما اعتبرت المرأة قاصرة، وينبغي إعادة النظر في الأهلية القانونية للمرأة المتزوجة، بغية منحها المساواة في الحقوق والواجبات".

07-      ما يتعلق بإجراءات سلب ولاية الآباء على الأبناء، ومن ذلك:

جاء في تقرير المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة المنعقد ببكين (1995):

" إزالة الحواجز القانونية، والتنظيمية، والاجتماعية، التي تعترض التثقيف في مجال الصحة الجنسية والإنجابية، في إطار برامج التعليم الرسمي بشأن مسائل الصحة النسائية".

08-      ما يتعلق بإجراءات الإجهاض، ومن ذلك:

جاء في وثيقة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، الذي عُقد في القاهرة عام 1994، بخصوص موضوع الإجهاض أنها لا تدينه، حتى ولو لم يكن ثمة خطر على صحة الأم، المهم أن يكون الإجهاض آمنا لا يهدد حياة الأم، "إنَّ الإجهاض الذي تدعو إليه منظمة الأمم المتحدة من خلال مؤتمرها هذا، صلته وثيقة بالإباحية للجنس، المسقطة للقيود والالتزامات، دونما شرع أو قواعد آمرة ضابطة، وعلينا الوعي بأنَّ الحديث عن الإجهاض في هذا المؤتمر لم يكن حديثًا عن كونه حكما، أو فتوى لحالة أو حالات معينة، وإنَّما كان الحديث عنه بحسبانه سياسة عامة، مما يعني أنَّ الإجهاض بهذا المعنى إسناد للإباحية"[1].

كما جاء في تقرير المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة ببكين (1995):

" ينبغي النظر في استعراض القوانين التي تنص على اتخاذ إجراءات عقابية ضد المرأة التي تجري إجهاضاً غير قانوني".

وهذه التوصيات والنتائج السالفة الذكر و المتعلقة بمختلف القضايا التي تمس جوانب مهمة من  ركائز الأسرة المسلمة أغضبت دولاً إسلامية كثيرة، ودولاً شرقية تختلف في نظرتها إلى المرأة والمجتمع، ولفداحة الخطب فإن تلك الحملات المسمومة تجد مؤيدين مسلمين تأثروا بالثقافة الغربية، وتلقوا برامج تعليمية في الداخل والخارج هي عبارة عن أساليب ومناهج غربية .

سادسا: الآثار السلبية للعولمة على التماسك الأسري.

يتبين من خلال دراسة حياة النبي صلى الله عليه و سلم داخل بيته، ومعاشرته لزوجاته رضي الله عنهن، وإرشاده للمؤمنين أن الأكدار والمواقف الساخنة في الحياة الأسرية لا يخلو منها بيت، وليست الأسرة السعيدة المتماسكة هي التي تخلو من مشاكل، بل هي التي تعرف طريقة احتوائها وسبل حلها وتخفيف آثارها، وكم هي الأحاديث التي تحكي لنا حكمة وحنكة النبي في الإرشاد والتوجيه، والتعامل مع المشاكل الأسرية، حتى كان شديد العناية بالمشاعر وفهم النفسيات، حيث إن تماسكنا الأسري وإن تأثر كثيرا بشكل سلبي بالعولمة، إلا أنه ما زال يتمتع -ولله الحمد- بصلابة كبيرة وتماسك رائع قل نظيرها في أي مجتمع آخر، بل يحسدنا عليه الكثير ممن فقدوها من أمم الغرب والشرق على حد سواء، ولا يقدر المرء قدر هذه النعمة إلا إذا عايش ما يعانيه الغرب ومن حذا حذوه من المجتمعات، من تفكك أسري، وتمزق خلقي، وانحلال وتفسخ، وفساد وشر..، فهم يعيشون حياة أشبه بحياة حيوانية فارغة عن كل القيم الروحية والخلقية.

لكن هذا الجانب المشرق وتلك الايجابيات الجميلة لا يجب أن تحجب عنا الجانب الآخر المظلم، والذي يشهد له الواقع والوقائع في المحاكم ومراكز الشرطة والهيئات والسجون، والبحوث والدراسات والتحقيقات الإعلامية والصحفية، في الآثار السلبية للعولمة على تماسك الأسرة.

نلخص هذه الآثار في ثلاث نقاط أساسية، تشمل الجوانب الفكرية و الاجتماعية و الأخلاقية هي كما يأتي:

01-     التأثير السلبي للعولمة على تماسك الأسرة فكريًّا:

×      و ذلك من خلال التأثير على مفهوم الزواج، والذي يختلف باختلاف الحضارات، لكنه غالباً ما يتم عبر وسائل الإعلام التي لا تنقل سوى المفهوم الغربي للزواج، أو النُسخ العربية منه، والتي لم يختلف فيها المحتوى سوى أنها أصبحت بلسان عربي، وهذه مشكلة في حد ذاتها، فالوسائل الحديثة كالفضائيات والإنترنت تركز دائمًا على أن المرأة مظلومة ومقهورة، وتطالبها بأخذ حقوقها، وهذه فلسفة تُعرض بشكل يومي وينظر إليها الجميع مما يؤدي إلى التنازع على القوامة في الأسرة، وبالتالي كثرة المشاكل ثم تفككها وتشرد الأبناء. كما أن الاتجاه العالمي يصبو نحو إلغاء كلمة (زوج)، وإحلال لفظ (شريك حياة) بديلاً عنه كما تم تناوله سابقا، وشريك الحياة ليس بالضرورة أن يكون بينك وبينه عقد في نظرته وفلسفته، ومصطلحات أخرى يحاولون ترويجها، وقد تم عقد العديد من المؤتمرات العالمية التي أجمعت على حرية الإنسان في الجنس.[1]

×      تأثر مفهوم القوامة والولاية الشرعية لرب الأسرة على أولاده وتأديبه لهم وتوجيههم، فهي في نظر العولمة ليست إلا تضييقًا على الحرية الفردية وحرمانًا لها، وإلى مثل هذا المعنى يشير تقرير "قاصرات للأبد"[1]، فالقصد واضح، فالولاية والقوامة الشرعية تعتبران في نظرهم تدخلاً في الخصوصيات، كما في الغرب إذ لا يمكن أن يعترض الرجل - مثلا - على ابنته التي تخرج مع من تشاء، وتصادق من تشاء، بل وأن تحمل حملاً خارج نطاق الزوجية.. فليس للأب أي سلطة ورقابة عليها، وإذا اعترض فالسجن ينتظره، وسيف القانون والعقوبات مسلط على رأسه، فلم يعد له أي سلطان على أولاده، فليس له أن يأمرهم وينهاهم، وربما قال قائل: هذه هي حياتهم ونمطهم الاجتماعي، فنقول: لا بأس، لكن المشكلة أن هذا النمط هو ما يراد عولمته وتعميمه، وهذا ما تبثه ليل نهار وسائل العولمة عبر برامجها وأفلامها، بل وقرارات مؤتمراتها التي تم تناول جزء منها سابقا.

02-     التأثير السلبي للعولمة على تماسك الأسرة اجتماعيًّا :

×      كثرة المشاكل الزوجية والأسرية الظاهرة الناجمة من الانفتاح السلبي، والتي بدأت تطفو وتظهر على السطح بشكل مخيف ينذر بشر، كما أن المشاكل الزوجية الساكنة كخلايا نائمة تقلق ذوي الاختصاص الأسري.

×      بتأثيرات العولمة السلبية أصبح كثير من الأزواج والزوجات لا يحترمون رباط الزواج الشرعي، والميثاق الغليظ، ويلجئون إلى الطلاق لأتفه الأسباب، فقد زادت نسبة الطلاق في ظل المتغيرات العالمية، وصارت الأرقام مخيفة.

×      لقد أصبحت الكثير من البيوت أشبه بفنادق للإيواء في أوقات الراحة فقط، فهي جميلة بمناظرها وأشكالها وحدائقها، وتوافر الخدمات فيها، لكن سكانها لا يرون بعضهم بعضا إلا قليلا، حتى على وجبات الطعام فلكل منهم فيها موعد، كما أصبح الفرد يعيش في عالمه الخاص به، ولا غرابة فهي نتيجة طبيعية في ظل هذا الركض المحموم لكل أفراد الأسرة ذكورا وإناثًا.

×      الإغراق في الجانب الاقتصادي العائلي، وانشغال الأبوين في العمل الوظيفي وطلب الرزق وشدة المعاناة المالية، يصحبه استهلاك عائلي محموم، إضافة إلى ضيق مصطلح ومفهوم عمل المرأة الأممي وانتشاره، والذي لا يرى أن عمل المرأة في بيت زوجها، أو في مزرعة والدها مثلا عملا شريفا وإن تقاضت مقابل ذلك حقًّا ماديًّا، بل يراه هضمًا لحق المرأة وحبسا لها، مما أفضى لخروج كثير من النساء من بيوتهن للعمل الوظيفي ولو على حساب الوظيفة الرئيسة لها من رعايتها وعنايتها لبيتها وأولادها وزوجها. فهي قطعا ليست أسيرة، ولكن لما كانت قاعدة انطلاقها ومركز عملها البيت شُبهت بالأسير، وليس في هذا تنقيص لشأن المرأة ولا تقليل لدورها في الحياة، فإن مسؤولية المرأة في بيتها لا تقل عن مسؤولية الرجل في خارجه، بل تفوقه .

ولكن هذا الدور الريادي للمرأة لم يأخذ حقه من التوضيح والبيان، والتشجيع عليه لا من قِبَلِ وسائل الإعلام كتوعية وتثقيف، ولا من قبل الجهات المعنية خاصة في الدول الإسلامية، بل على العكس، كما أنها - الحكومات والدول الإسلامية- تخلت عن دعم الأسرة كمؤسسة تربوية لها أثر كبير في توطيد الأمن والاستقرار. إذًا فهذا المفهوم بحاجة ماسة إلى إبرازٍ إعلامي يُعلي من قيمته، حتى لا يظل في الأذهان دور الأسرة خاصة الأم مرتبطًا بالكنس والطبخ والغسل فقط.. كما يروجه المغرضون، بل هو إدارة لأخطر مؤسسة لبناء المجتمعات الحضارية.

 

 

03-     التأثير السلبي للعولمة على تماسك الأسرة أخلاقياً:

×      عولمة مفاهيم وأنظمة تخالف قوانين الأسرة المسلمة المستمدة من الشريعة السمحة، بل هي مفاهيم تتصادم مع الفطر السليمة، والقيم الإنسانية المشتركة، فمثلاً :

أ – مفاهيم مثل: التراضي بين الطرفين لإقامة علاقة جنسية عابرة لا يعد جريمة أخلاقية، أو خيانة زوجية، إذا الخيانة الزوجية هي التي ترتكب في فراش الزوجية، وأما خارجه فلا تعتبر خيانة.

وأيضاً: المرأة في المجتمعات الغربية تخرج مع من تشاء، وتصادق من تشاء، وتفعل ما تشاء، وبحماية القانون، وليس لأب ولا للزوج حق الاعتراض على شيء.

   ب- وأيضًا سَن زواج الشواذ، أي زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، والمطالبة بحقوقهم، وأصبح هذا القانون في الغرب جزءا من نظام الأسرة لديهم، وكثير من العقلاء عندهم حتى من الرسميين وأساتذة الجامعات المعارضين للقانون لا يستطيعون حتى مجرد التصريح بالاعتراض فقد أصبح الشواذ قوة ضاربة في مجتمعهم، بل لقد بدأ تعديل مناهج الطب على أن هذا الأمر لم يعد شذوذاً، وأن كل ما أثبتته الدراسات من أضرار وأمراض إنما هو تحامل، بل لقد تم تعديل المصطلح العلمي من شواذ إلى تسميته بـ (زواج المثليين).

 ج - وأيضًا من القوانين التي أصبحت الأنظمة العالمية تبيحها، وتعترض على من يعارضها: السماح للانتقال من جنس إلى جنس بدون أي مبرر، رغم أنها عملية طبية صعبة ومعقدة.

وهكذا يتضح خطر العولمة في تذويب ثقافة الآخر وإلغاء معتقداته السماوية، وخصوصياته الحضارية، بل ومحاربة أنماط الحياة الأسرية خاصة السائدة في الدول الإسلامية، والمستمدة من الدين الإسلامي الحنيف وشريعته السمحة، وإن لم يتحرك العقلاء فهذه الخصوصيات ستتلاشى وتقل تدريجيًّا من خلال هذا الانفتاح المتسارع الذي تشهده بلاد العالم .

×      سوء استخدام وسائل الاتصال الحديثة من انترنت، وما سنجر، وشات، وبلوتوث، ويوتيوب، ونقال ونحوها، مما أشغل عالم الشباب والفتيات بشكل أكبر، وصرفهم عن كثير من الواجبات الأسرية والمدرسية، وباتت هذه الوسائل المؤثر والمرجع الأول لمعلوماتهم وأخلاقهم وسلوكياتهم، وجعل الكثير منهم أسارى غرفهم نومهم الخاصة في كل الأوقات فلا يكاد يرون آباءهم وإخوانهم، بل هم غارقون ولساعات طوال مع الأصدقاء بل ومع المجاهيل في عالم وسائل الاتصالات التي أصبحت تخرق الخصوصيات في البيوتات، وتدخل لغرف نوم الأولاد والبنات دون أي استئذان أو آداب..، فترى كل فرد من أفراد الأسرة يستخدم هذه التقنيات بما يحلو له دون رقيب أو حسيب، فأصبح الكثير من الجيل الجديد يعيش عالمه الخاص به، وكأن هذا رد فعل من الأولاد لانشغال الآباء عنهم.[1]

 

 

سابعا: كيف تواجه الأسرة المسلمة أخطار العولمة؟

بعد هذا العرض المستفيض لخطورة العولمة، وآثارها السلبية على الأسرة وعلى المجتمع الإسلامي كله، نتعرض لبعض الأمور الواجب اتخاذها لحماية الأسرة من أخطار العولمة، وقد قسمت إلى قسمين: أمور تخص قضايا عامة للنهوض بالمجتمع المسلم ككل، وأخرى خاصة بالأسرة المسلمة.

أولا- بالنسبة للأمور العامة للنهوض بالمجتمع المسلم:

1- التمسك بالشريعة الإسلامية، التي ارتضاها الله تعالى لنا، فوفقها ننظم حياتنا، ونربي أجيالنا، ونتبصر بحقائق الحياة.

2- تبني المنهج الشمولي في فهم الإسلام، الذي يجمع بين العقيدة، والشريعة، والسلوك، والحركة، والبناء الحضاري، وفق منهج واع، أصولي سليم، يعتمد فقط على العلم والعقل، وهذا يتطلب تغيير حياتنا منطلقين من قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)[الرعد: 11][1].

3- إعادة النظر في مشكلاتنا الاجتماعية، في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية العامة، ومقاصدها، وغاياتها الحكيمة في الحياة أولًا؛ لتحديد مسئولية الأسرة، والمدرسة والجامعة، ومعاهد التعليم، ومؤسسات المجتمع المدني، في القيام بواجباتها في هذا الجانب.

4- إقامة المجتمعات الإسلامية على القاعدة الإيمانية، التي تجمع بين المسلمين جميعًا، دون الالتفات إلى اختلاف اللغة أو اللون أو العرق.

ثانيا-  بالنسبة للأمور المتعلقة  بالأسرة المسلمة:

1- الاهتمام بتربية الأسرة المسلمة:

و ذلك بتثقيف أفرادها، وتوعيتهم، وتوجيههم من خلال أجهزة الدولة المختلفة، ومن خلال الوسائل، والبرامج التي تشترك جميعًا في تكوين أجيال تشعر بانتمائها الإسلامي، وانتسابها الحضاري للأمة العربية والإسلامية، إنَّها التربية الإسلامية، التي تهدف إلى صياغة الفرد صياغة إسلامية حضارية، وإعداد شخصيته إعدادًا كاملًا من حيث العقيدة، والأخلاق والقيم، والمشاعر والذوق، والفكر، حتى تتكوَّن الأمَّة الواحدة المتحضرة، التي لا تبقى فيها ثغرة تتسلل منها إغراءات العولمة اللادينية، الجنسية، الإباحية.[1]

2- المحافظة على الأسرة المسلمة من المخاطر الخارجية، وذلك عن طريق:

- كشف سوءات مؤتمرات تحرير المرأة والمساواة للجمهور الإسلامي، وبيان مراميها، ومخالفتها لمقاصد الشريعة، وهذا الدور يقع على عاتق وسائل الإعلام الجادة، والدعاة، وأهل العلم.

- قيام الوزارات، والهيئات، والمؤسسات الإسلامية ـ الرسمية وغير الرسمية ـ بإصدار بيانات تستنكر هذه المؤتمرات وأهدافها الخبيثة، ونشر هذه البيانات، وتغطيتها تغطية إعلامية حتى يتبين الأمر للمسلمين.

- كشف زيغ التيار النسوي العلماني التغريبي في العالم الإسلامي والعربي، وأنه جزء من تيار الزندقة المعاصر، والمدعوم من هيئات مشبوهة خارجية. 

- قيام الجهات الخيرية الإسلامية ـ والأقسام النسائية فيها على وجه الخصوص ـ بتحمل مسئولياتها، والتنسيق فيما بينها، للقيام بالحملات الدعوية التثقيفية لمختلف شرائح المجتمع، وإصدار وثيقة للأسرة المسلمة، تؤصَّل فيها الرؤية الشرعية، حول المرأة وحقوقها الأساسية في الإسلام.

- عمل رصد إعلامي جاد لكل فعاليات المؤتمرات الدولية والإقليمية، ومتابعة الخطوات الفعلية لتنفيذ توصيات المؤتمرات السابقة، التي ناقشت قضايا المرأة، وإصدار ملاحق صحفية؛ لبيان الموقف الشرعي من هذه المؤتمرات وتوصياتها.

- ممارسة ضغوط قوية على وسائل الإعلام المختلفة، التي تقوم بالترويج والتغطية السيئة لهذه المؤتمرات، لتكف عن ذلك.

- ضرورة إعادة النظر في خطط تعليم المرأة، بحيث تتفق مع طبيعة المرأة من ناحية، وظروف المجتمع واحتياجات التنمية من ناحية أخرى.

- تكوين هيئات عليا للنظر في كل ما يتعلق بالأسرة من النواحي النفسية، والثقافية، والصحية، وتفعيل دور وزارات التي تعنى بالشئون الاجتماعية، للقيام بدور فاعل للاستجابة لمتطلبات الأسرة المسلمة.

- نشر موقف الإسلام من المرأة والأسرة عالميا، وذلك من خلال مبادرات إسلامية لعقد مؤتمرات عالمية عن قضايا المرأة، والأسرة، وحقوق الإنسان، من منظور شرعي.

- ضرورة العمل على إيجاد مؤسسات نسائية متخصصة، (شرعيًا ـ علميًا ـ تربويًا ـ اجتماعيًا ـ اقتصاديًا)، من شأنها أن تسهم إسهاما جليا في توفير الحصانة الشرعية والفكرية، وفي البناء الدعوي والتربوي للمرأة المسلمة، لتكون قادرة على مواجهة هذا التيار التغريبي الهادر.

- التحذير من مخاطر الغزو الثقافي والإعلامي للحضارة الغربية، التي تتميز أسرها بالتفكك، والتشتت، وغياب الروابط الدينية والأخلاقية والتربوية فيما بين أفرادها، في مختلف وسائل الإعلام.

- وجوب قيام وسائل الإعلام المختلفة المسموعة، والمرئية، والمقروءة، ثم المساجد، ودور القرآن، والمدارس، بالإضافة إلى الجمعيات، والنوادي الثقافية، والتربوية، والدعوية، و المراكز الشبانية بالتوعية بأهمية الأسرة في المجتمع ودورها العظيم.

- الرد العقلاني الموضوعي على الترهات التي يروجها الغرب، وتوجيه الأسرة العربية العملي لمواجهاتها، بدءًا من إنكار أكاذيبهم، والاستعداد لمقاومتها.

 

3- المحافظة على الأسرة من الداخل وذلك عن طريق:

- إحياء العقيدة الصحيحة داخل الأسرة، وتصحيح العبادة الإيجابية الدافعة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات.

- التدريب على الصبر، وإحياء القيم الاجتماعية، والإسلامية داخل الأسرة.

- إعطاء المعلومة الصحيحة والخبرة للشباب حول شروط ومقومات الزواج الناجح.

- عدم تعجيز الشباب في أمور الزواج، وذلك بالمغالاة في المهور، وتكاليف الزواج الباهظة.

- وجوب قيام العلاقة الزوجية على التفاهم، والحوار، والاحترام المتبادل، والتعاون من أجل بناء أسرة متينة، وقوية.

- توعية المجتمع بالبعد الجنسي في موضوع الزواج.

- وجوب طاعة الزوجة لزوجها، من أجل الحفاظ على تماسك الأسرة، والفوز برضوان الله.

- تفعيل دور المرأة الأم، وتثقيفها، وتوعيتها دينيا، وتربويا، واجتماعيا، بأهمية صحة علاقاتها الأسرية السليمة مع زوجها وأبنائها.

- إدراك حقيقة العلاقة التي ارتضاها الرب تبارك وتعالى بين الأفراد داخل الأسرة، وأنها علاقة رحمة وتواد وتكافل، وليس تنافس وأنانية وتآمر.

- مساندة من أرادت العمل من النساء لمنفعة نفسها، وأسرتها، وخدمة مجتمعها، والمشاركة في تنميته، وتشجيعها على الإيجابية، والمبادرات المحمودة.

 

خاتمـة:

 إن الاهتمام بالأسرة كان قديما قدم الإنسان على الأرض، وقد مر بمراحل تطور كبيرة سواء في نظام الأسرة أو في وظائفها ومهمتها التي تعددت من وظائف اجتماعية واقتصادية إلى وظائف سياسية وتربوية.

وجاء الإسلام الذي أحكم الأحكام، وأبقى الحسن من بقايا آثار النبوات وسلامة الفطرة، وألغى السيئ من انحرافات البشر ووضع للأسرة من التشريعات والضوابط ما يجعلها أحد أهم سمات المجتمع الإسلامي، غير أنه لا يمكن أن نفصل فصلا تاما بين الأسرة في القديم والأسرة الإسلامية والأسرة المعاصرة، فقد تأثر كل منها بالآخر، ويبقى أن الأسرة خاضعة لما يفرضه عليها المجتمع من قواعد وقوانين وهي تستجيب لكل ذلك مستسلمة تارة ومقاومة تارة أخرى بحسب ما لديها من مفاهيم وأفكار تتفق أو تختلف مع ما يأتي به المجتمع من تشريعات. 

 كثيرة هي المعوقات التي تحول بين الأسرة وقيامها بوظائفها ويبقى أخطر هذه المعوقات انتشار الفساد وإباحية الزنا والاختلاط ونشر ثقافة غريبة غربية تحت ستار العولمة عبر مؤتمرات ومؤامرات دولية مشبوهة، يقوم على إدارتها أناس لهم أهدافهم المشبوهة، وعلى الرغم من كل هذه المعوقات فإن القناعة الثابتة لدينا هي بقاء الأسرة المسلمة واستمرارها، فهي ستبقى على الرغم من كل الهجمات التي وجهت وتوجه إليها حتى الآن يساعدها في ذلك أيضاً الديانات السماوية وأهم هذه الديانات هي الإسلام الذي أعطى النموذج المثالي حكما وعمليا في الحفاظ على الأسرة وبقاء كينونتها، وفي حين أن بقاء الأسرة أحد أسرار بقاء الأمة الإسلامية فإن إهمال الأسرة في الغرب هو القنبلة الموقوتة التي تهدد بزوال حضارة الغرب كلها، وإن من يعادي الأسرة يعادي الفطرة ويعادي الأديان ويعادي حضارة الإنسان التي شادها وشيدها على مر السنين. 

وهكذا يتضح من ثنايا البحث، خطورة العولمة على الأسرة المسلمة والمجتمع الإسلامي، وكيف أن الإسلام كفل لنا من الطرق والوسائل ما نحارب به كل وسائل تغريبنا عن ديننا، وإبعادنا عن ثقافتنا، وطمس معالم حياتنا الاجتماعية، ومقاومة تذويبها في الأطر غير الإسلامية وغير الشرعية، و التي يجب التصدي لها، و الوقوف عند أخطارها، لتجنب ما حصل للأسرة في الغرب.

 

قائمة المراجع:

01-       أحمد صدقي الدجاني (1998)، مفهوم العولمة وقراءة تاريخية للظاهرة، جريدة القدس، 6/2/1998م.

02-       أحمد مصطفى عمر (1998)، إعلام العولـمة وتأثيره في المستهلك، ، المستقبل العربي ص72، نقلًا عن مجلة (الإسلام وطن)، عدد 138، حزيران، 1998.

03-       ألفين توفلر، صدمة المستقبل، تر عبد اللطيف الخياط.

04-       باسيل يوسف (1997)، حقوق الإنسان من العالمية الإنسانية والعولمة السياسية، مجلة الموقف الثقافي: العدد 10،1997م، دار الشئون الثقافية، بغداد.

05-       تقرير المؤتمر الدولي المعني بالسكان/مكسيكو،1984م.

06-       تقرير المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة / بكين 1995م.

07-       تقرير المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة، بكين، 1995م.

08-       تقرير المؤتمر العالمي للبيئة والتنمية، ريودي جانيرو، 1992م.

09-       تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان،ص397.

10-       د.زكريا بشير إمام(2000)، في مواجهة العولمة ، ط1، 2000م، مركز قاسم للمعلومات، الخرطوم، السودان.

11-       د. أحمد مجدي حجازي(1998)، العولمة وآليات التهميش في الثقافة العربية، ص3، وهو بحث ألقي في المؤتمر العلمي الرابع، (الثقافة العربية في القرن القادم بين العولمة والخصوصية) المنعقد بجامعة فيلادلفيا في الأردن في مايو 1998م.

12-       د. السيد أحمد فرج (1986/1407هـ)، الأسرة في ضوء الكتاب والسنة، الطبعة الأولى ، طبعة دار الوفاء، مصر.

13-       د. فؤاد بن عبد الكريم (2006/1427هـ)، الأسرة والعولمة، بحث في التقرير الارتيادي السنوي الثالث الصادر عن مجلة البيان 1427هـ.

14-       د. محمد عابد الجابري (1998)، العرب والعولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1998م.

15-       د. محمود فهمي حجازي، مجلة الهلال، عدد مارس 2001، القاهرة .

16-       د.الحسيني سلمان جاد(1997)، وثيقة مؤتمر السكان والتنمية، رؤية شرعية، ، كتاب الأمة عدد 53، السنة السادسة، جمادى الأولى1417هـ.

17-       د/ ابراهيم الدويش، التماسك الأسري في ظل العولمة، مؤسسة نور الاسلام، www.islamlight.net.

18-       صلاح بن ردود الحارثي(2003/1424هـ)، دور التربية الإسلامية في مواجهة التحديات الثقافية للعولمة، جدة، مكتبة السوادي.

19-       القاموس المحيط، (ج 1/ ص 347).

20-       لسان العرب، مادة (أَسَرَ) 1/141.

21-       مجلة "foreign policy " الصادرة في واشنطن - عدد مارس/ أبريل، 2003 م.

22-       محمد إبراهيم المبروك وآخرون (1999)، الإسلام والعولمة، الدار القومية العربية، القاهرة 1999م.

23-       محمد سعيد أبو زعرور(1998)، العولمة، دار البيارق- عمان ، الأردن، الطبعة الأولى 1418هـ - 1998م..

24-       محمد عمارة(2000)، مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية العروبة العدد15، المنامة البحرين أغسطس 2000.

25-       المعجم الوسيط، (ج 1/ ص 36).

26-       نعيمة شومان (1998)، العولـمة بين النظم التكنولوجية الحديثة، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت 1418هـ- 1998م.

27-       وثيقة مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة عام 2000م  للمساواة والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين  الذي انعقد في ( نيويورك ).

28-       ياسر عبد الجواد (2000)، مقاربتان عربيتان للعوامة، المستقبل العربي، عدد 252، شباط 2000م.

29-       سيار الجميل ، العولمة والمستقبل استراتيجية تفكير، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1 عمان، الأردن.

المراجع باللغة الأجنبية :

01-      Bennet , William(2001) The Broken Hearth. Broadway Books. New York. Bork.

02-      Buchanan , P(2002) The Death of the West. ST.Martin’s Griffin. New York.

03-      Fr.Ted Colleton, “ family Is Key to Social Integration,” , Interim, May 1998.

04-      Robert (2003) Slouching Toward Gomorrah. Reganbooks. New York.

05-      Stiles, Paul (2005) Is the American Dream Killing You. Collins New York.

06-     WEBSTERS NEW COLLEGIATE DICTIONARY، 1991.

المواقع الالكترونية:

01-        www.khayma.com

02-        www.freemuslim.org

 

 

 

Télécharger l'article