دور الأسرة في علاجِ ظاهرة تعاطي المخذرات والوقاية منها

 

د/ قوارح محمد (جامعة عمار ثليجي بالأغواط)

       أ/ حمايمي عبد الرزاق (جامعة الجزائر 02)

 

تمهيد:

لقد عني الإسلام ببناء المجتمع الذي أساسه بناء أسرة المسلمة، حيث إن الأسرة هي: المحضن الأساسي الذي يتلقي فيها النشء الفضائل والقيم والآداب في جو من التربية الإسلامية من أب وأم وأولاد.

وتعريف الأسرة لغة:

 "الدرع الحصين"، وأسرة الرجل : عشيرته ورهطه الأدنون، لأنه يتوقى بهم

( لسان العرب، ج 04، ص 18).

أما تعريف الأسرة اصطلاحاً:

 فتتعدد تعريفاتها تبعاً لاختلاف المدخل الذي يتم من خلاله الدراسة.. فعلى اعتبار أن الأسرة جماعة اجتماعية، تعرف بأنها "جماعة اجتماعية مكونة من أفراد ارتبطوا مع بعضهم برباط الزواج أو الدم أو التبني، وهم غالباً يشتركون مع بعضهم في عادات عامة، ويتفاعلون مع بعضهم تبعاً للأدوار الاجتماعية المحددة من قبل المجتمع(محمد شريف صقر، 1987، ص 16).

أما تعريف الأسرة كنظام اجتماعي:

 حيث تعرف النظم الاجتماعية: بأنها الطرق التي ينشئها المجتمع وينظمها لتحقيق حاجات إنسانية ضرورية. والأسرة من الظواهر الاجتماعية التي ينطبق عليها تعريف النظام الاجتماعي، فهي عبارة عن وظائف حيوية متشابكة ومتداخلة محاطة بمجموعة من المعايير الاجتماعية، تنسق عملها وتسهل مهمتها وتربطها بنظم أخرى، كالنظم التربوية والدينية والاقتصادية، ولذلك فالأسرة كنظام اجتماعي يتصل بمعظم أوجه النشاط في المجتمع.

ولذلك يعرفها " قاموس فيرتشيلد" بأنها: منظمة اجتماعية رئيسية، فيها يعيش رجل مع امرأة في علاقة جنسية دائمة أو مؤقتة يقرها المجتمع، بالإضافة إلى الواجبات والحقوق الاجتماعية المعترف بها مع إقامة الأولاد معهم في معيشة واحدة.

ويوضح مصطفى الخشاب: أن الأسرة في طبيعتها هي مؤسسة اجتماعية تخضع في تكوينها للدوافع الطبيعية والاستعدادات والقدرات الكامنة في الطبيعة البشرية النازعة إلى الاجتماع، وهي بأوضاعها ومراسيمها عبارة عن: مؤسسة اجتماعية تنبعث عن ظروف الحياة الطبيعية التلقائية للنظم والأوضاع الاجتماعية، وهي ضرورة حتمية لبقاء الجنس البشري ودوام الوجود الاجتماعي(مصطفى الخشاب، 1966 ص 43).

والواقع أن الأسرة كنظام أو الأسرة كجماعة لا تختلفان كثيراً، حيث إن الجماعة والنظام يتضمنان نوعاً من التنظيم الاجتماعي، وإن كان هناك تفضيل لدى العلماء على اعتبار أن الأسرة نظام اجتماعي.

 من العرض السابق نجد أن الأسرة تعتبر جماعة ذات تنظيم داخلي خاص، كما أنها في نفس الوقت تمثل وحدة أساسية في التنظيم العام للمجتمع.

مفهوم الأسرة في الإسلام:

ونستطيع أن نقرر بأن الأسرة المسلمة: هي تلك المؤسسة الاجتماعية التي تخضع في تكوينها للدوافع الطبيعية والاستعدادات والقدرات الكامنة في الطبيعة البشرية النازعة إلى الاجتماع، في ضوء التعاليم الإسلامية، وبما لا يتعارض مع ظروف الحياة الاجتماعية.

وعلى ضوء ذلك فالأسرة في الإسلام هي نظام اجتماعي حددت صورته الشريعة الإسلامية، وكذلك ثقافة المجتمع التي تتفق مع هذه الشريعة، وأقرت أساسه برجل وامرأة يرتبطان بطريقة منظمة حددها الإسلام، وقد يزداد عدد أفراد الأسرة بالإنجاب أو بانتماء بعض الأقارب للأسرة.

وللأسرة عدة دعائم أساسية هي مقوماتها التي تتمكن عن طريقها القيام بوظيفتها، أهمها:

- الرابطة الزوجية.

 ـ الدعامة المكانية.

 ـ الوظيفة الاجتماعية.

 ـ تحديد واضح للأدوار داخل الأسرة.

 ـ وأخيراً الدعامة القانونية.

أهمية الأسرة في المجتمع:

1-   إنها أول جماعة إنسانية يتكون منها البنيان الاجتماعي، وهي أكثر الظواهر الاجتماعية عمومية وانتشاراً.  

2-   تعتبر الأسرة الإطار العام الذي يحدد تصرفات أفرادها، فهي تشكل حياتهم وتضفي عليهم خصائصها وطبيعتها، وبذلك فهي مصدر العادات والعرف والتقاليد وقواعد السلوك.

3-   تقوم الأسرة على أوضاع يقرها المجتمع في مراحل تكوينها وتطورها وصورة حياتها.

4-   الأسرة بوضعها كنظام اجتماعي تؤثر في النظم الاجتماعية الأخرى.

5-   تعتبر الأسرة في كثير من المجتمعات وحدة إنتاجية، وإن كانت هذه الوظيفة تختلف من مجتمع لآخر.

6-   الأسرة وسط اصطلح عليه المجتمع لإشباع غرائز الإنسان ودوافعه الطبيعية.

7-   تلقي الأسرة مسؤوليات مستمرة على أعضائها أكثر من أي جماعة أخرى.

وتعتبر الأسرة صالحة لأن تقوم بدورها المنوط بها في المجتمع من حيث تنشئة أفرادها وفقاً لتعاليم الإسلام والصالح العام المستهدف في ضوء سياسة المجتمع، بقدر توافر هذه الخصائص والسمات فيها.(محمد الشريف صقر، 1978 ص 23-31).

وظائف الأسرة:

 تقوم الأسرة بمجموعة من الوظائف الجوهرية، وهذه الوظائف جميعها اجتماعية، أي أنها تتداخل وتتفاعل مع أبنية المجتمع (علياء شكري، 1979، ص 237).

       وقد حدد محمد شريف صقر أهم وظائف الأسرة في الوظائف الآتية.

 (محمد الشريف صقر 1978، ص 32-49)

1-   تنظيم السلوك الجنسي:

حيث يتم إشباع الدافع الجنسي عن طريق الزواج، إضافة إلى تحقيق وتنظيم للعلاقات والإشباعات الجنسية بين الزوجين في نطاق الأسرة بما لا يتيح الفرص لإشاعة الفاحشة في المجتمع.

2-   وظيفة الإنجاب: (التناسل ـ حفظ النوع)

 حيث إن الأسرة هي الوسط الاجتماعي لإنجاب الأطفال المعترف بهم شرعاً وقانوناً، وهي وظيفة لا يمكن أن تعطي مسئوليتها لأي هيئة مهما كانت، فالأسرة هي الأداة البيولوجية التي تحقق الإنجاب والاستمرار لحياة المجتمع، وهي الوسيلة التي تنتقل من خلالها الخصائص الوراثية من جيل إلى جيل.(عادل احمد سركيس، د.ت، ص 16)

ويقول الرسول  : "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم"

(محمد نصر الدين الألباني، 1402هـ، ص 2 ).

وفي هذه الوظيفة أغراض تربوية سامية، حيث إن إنجاب الذرية يتم عن طريقها حفظ النوع وتعمير الأرض واستمرار الأمة ودوامها، فالله تعالى خلق هذه الدنيا وخلق الناس وأمر بالزواج لتدوم هذه الحياة.

3-   إشباع الحاجات الأساسية لأعضائها:

 فلا تقتصر وظائف الأسرة على تحقيق الحاجات الأساسية للزوجين فقط، بل تمتد لتشمل الطفل وبقية أفراد الأسرة، وهذا يحقق للأسرة الشعور بالسعادة عامة، لإشباع حاجات الأطفال، وتحقيق النمو السليم للأطفال، وهذا يساعد على إحداث التماسك والترابط الأسري، وتمتد هذه الحاجات لتشمل الحاجات النفسية والإشباع النفسي.

4-   نقل التراث الاجتماعي:

 فالأسرة هي التي تنقل لغة المجتمع وعاداته وقيمه، وبالتالي فهي ليست ضامنة لاستمرار النوع الإنساني فحسب، بل ضامنة لاستمرار ثقافة المجتمع التي هي جزء منه.

5-    الرقابة والضبط الاجتماعي:

فالأسرة هي مصدر تكوين الرقابة لأفرادها، بجانب أنها تمارس الرقابة الاجتماعية غير الرسمية، والرقابتان الذاتية وغير الرسمية هما أقوى أثراً من الضبط أو الرقابة الاجتماعية التي نعرفها في شكل "القوانين الوضعية".

6-    تحديد الأدوار والمكانات الاجتماعية:

فالأسرة تمارس وظيفة الإدماج في المجتمع، بمساعدة الأفراد على النجاح في مراكزهم المختلفة، ولكل فرد في الأسرة مكانة محددة، سواء كان ابناً أو أباً أو أماً..إلخ.

7-   حماية أفراد الأسرة: بِدفْعِ كل خطر يهدد حياتهم، ومنعهم من اقتراف الجرائم والتصرفات اللااجتماعية ذات التأثيرات الضارة بالمجتمع.

8-   تنشئة الأفراد على فضيلة الإسلام والعقيدة الإسلامية:

ففي الزواج ورعاية الأبناء وحسن تنشئتهم وحمايتهم، وهي الوظائف السابقة للأسرة، نجد ترجمة أساسية لدعوة الشريعة الإسلامية، فالأسرة تحافظ على حفظ  النوع بالتناسل والإنجاب، ثم تربية الأبناء على الأسس الإسلامية وإقامة حدود الله، وتكوين العلاقات الاجتماعية السليمة بما يحقق السكن والطمأنينة، وكل هذه الأمور من المقاصد الإسلامية الغراء.

ويتم دور الأسرة في علاج ظاهرة تعاطي المخذرات من خلال بعض الوظائف السابقة التي تضطلع الأسرة بالقيام بها يمكن علاج ظاهرة تعاطي المخذرات … والوقاية منها؛ فعلى الآباء والأمهات واجبات نحو أبنائهم، قبل أن يكون على الأبناء واجبات نحو آبائهم، ومسئولية الأسرة ليست قاصرة على المصروف والكسوة والأكل وتوفير أسباب الراحة وغير ذلك من الأمور المادية، بل إن الأسرة عليها معول كبير في تنشئة الطفل حسنَ الخلق وسويَّ الطباع، متشرباً للقيم والعادات الإسلامية الصحيحة، وفي ذلك وقاية للطفل الناشئ من الانحراف وتعاطي المخذرات.

كما أن الأسرة من خلال حماية أفراد الأسرة تدفع عنهم كل خطر يهدد حياتهم، سواء من التصرفات غير الاجتماعية أو غير ذلك، وحماية الأفراد من خطر تعاطي المخذرات إنما يتم للأسرة من خلال حديث الأب مع أبنائه وتبصيرهم بهذا الخطر الداهم، وجذب انتباههم لمواجهة هذه المشكلة المجتمعية الخطيرة بإمدادهم ببعض الكتب والمنشورات التي تحثهم على تكوين اتجاهات سالبة نحو المخذرات والعقاقير، وفي حالة خطأ أحد الأبناء وانحرافه لتعاطي المخذرات، فعلى الأب أن يصطحب ابنه لأقرب مؤسسة علاجية حينما يشاهد عليه أيًّا من السمات التي يمكن من خلالها الحكم على هذا الابن أنه يتعاطى المخذرات.

ومن خلال وظيفة المراقبة والضبط الاجتماعي.. يمكن للأسرة أن تربي في أبنائها مراقبة الله عز وجل، وأن يتقي الله في أي مكان كان، حيث قال رسول الله  "اتق الله حيثما كنت"، وحينما تكون المراقبة الذاتية هي عنوان الفرد في كل مكان وفي سائر سلوكه وتصرفاته، سيتم تنمية الصلة بالله تعالى، والأسرة حينما تحرص على ذلك فهي تقوي الصلة بين العبد وربه، ويكون بذلك لدى الفرد سياج منيع وحصن شامخ عن تعاطي المخذرات.

ومن خلال التربية داخل الأسرة عن طريق التعليم غير المقصود يمكن تربية الطفل على الأخلاق الإسلامية العليا، بأن يكون الوالدان قدوة حسنة لأطفالهم وبقية أفراد الأسرة، لأن الناشئة في الأسرة يتعلمون عن طريق التقليد والمحاكاة لكل السلوكيات والتصرفات التي يقوم بها الكبار.

وحينما تكون الأسرة قدوة صالحة لأبنائها ستصدق أعمالها وأقوالها، وينشأ الفتى في بيئة نقية بإذن الله بعيدة عن الانحراف، وترسم لهم الأسرة بذلك الطريق السليم بعيداً عن تعاطي المخذرات والسلوكيات المنحرفة الأخرى.

وكذلك على الأسرة أن تطهر دائماً البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الابن من كل السلوكيات الخاطئة، وكل ما يسبب ذلك، وقد لوحظ في الفترة الأخيرة انتشار أجهزة الفيديو داخل المنازل وغالباً ما يستقدم الآباء أو الأبناء بعض الأفلام التي تدعو للانحراف بطريق غير مباشر، وعلى الآباء هنا مراقبة الأبناء وعدم استقدام أي أفلام تدعو إلى سلوكيات شاذة، خاصة أن بعض الأفلام حتى التي تحارب المخذرات وانتشارها يكون فيهاـ بطريقة غير مقصودة ـ أمور تدفع الفرد لاقتحام سور الممنوع، وهذا سبب انتشار المخذرات، بل تظهر على البطل في الفيلم علامات النشوة والابتهاج عند تعاطي المخذرات للمرات الأولى أو غير ذلك .. وذلك قد يدفع الفرد للبحث عن هذا المخذر، أو أن هذه الأفلام قد تبين كيف حصل البطل عن طريق السرقة أو القتل مثلاً على مبلغ النقود الذي كان سيشتري به المخذرات، وقد تُبين هذه الأفلام للفرد كيف يذهب للمكان الذي يوجد به تجار السموم أو غير ذلك.

   فعلى الآباء من خلال وظيفة المراقبة والضبط أن يمنعوا مثل هذه الأفلام أو غيرها من أن يشاهدها الأبناء.

وقد وجد أن كثيراً من جرائم التعاطي المخذرات والانحرافات إنما تتم في الأسر المفككة التي تكثر فيها الخلافات العائلية ويحدث فيها الشقاق بين الوالدين والأبناء، ولكن يمكن للأسرة من خلال سيادة جو الوفاق وروح الاطمئنان والاستقرار العائلي أن تحكم عملية الإشراف والرقابة وحسن التربية للأبناء، وعلى الأسرة بذلك أن تتخطى أي عقبات أو مؤثرات قد تدفع لحدوث تفكك وشقاق بها حتى لا تلحق آثاره بالأبناء.

وكذلك وجد أن جرائم تعاطي المخذرات إنما تكثر في الأسر التي يغيب الأب فيها لفترة طويلة خارج المنزل، سواء في العمل أم السفر للخارج أم غيره، وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بألا يغيب الرجل عن بيته حتى في حالة الحرب عن أربعة شهور، فبالأحرى يجب ألا يغيب الأب عن الأسرة في الظروف العادية لهذه المدة، وإذا كان من الضروري تغيب الأب مثلاً للسفر ( وهو ضروري اليوم )، فعلى الأم وبقية أفراد الأسرة من الأجداد والأخوال والأعمام، القيام بدور المراقبة وتولي مهام الأب وقت غيابه.

  وهناك مجموعة من الأمور يجب على الأسرة مراعاتها للوقاية من تعاطي الأبناء المخذرات أهمها:

-         يجب أن تُعَوِّد الأسرة أبناءها على استثمار وقت الفراغ في عمل مفيد.

-         يجب على الأسرة ألا تستقدم الخدم للعمل في المنزل قبل التأكد من حسن أخلاقهم.

-         يجب أن تنمي الأسرة جانب الصدق مع الأبناء والتحذير من الكذب وعواقبه الوخيمة.

-         يجب أن تشرف الأسرة على اختيار أبنائهم لأصدقائهم، سواء في المنزل أو المدرسة أو النادي أو غيره.

-         يجب على الأسرة أن تتابع الأبناء دراسياً، خاصة عند الرسوب أو التخلف الدراسي؟.

-         يجب على الأسرة أن تستقدم للأبناء وسائل ترويح مفيدة، وكذلك اقتيادهم للأندية الرياضية والاجتماعية مع المراقبة عليهم.

-         يجب ألا تتمادى الأسرة في خروج الأم للعمل خارج المنزل إلا في حالات الضرورة القصوى، كفقد العائل أو ضآلة راتبه مثلاً.

-         يجب على الأسرة أن تعود أبناءها على حضور الصلاة في جماعة في المسجد دائماً من خلال ترغيب وترهيب جيد، حتى يمكن لها أن تقيهم من الانزلاق إلى الرذيلة والاستجابة لدعاة الشر والفساد من رواد تعاطي المخذرات.

-         كما يجب عليها أيضاً أن تقوي صلة الأبناء بالله والتقرب إليه لملء الفراغ الروحي لديهم، وإنما يكون ذلك بوجود القدوة الصالحة وأسلوب التربية الرشيد.

 

Télécharger l'article