الهوية الثقافية بين قيم الأصالة والحداثة في ظل التغيرات السوسيوثقافية للمجتمع الجزائري.

أ:أسماء بن تركي

-المركز الجامعي-الوادي

 

 

الملخص:

شكّل مفهوم الهوية منذ آلاف السنين وحتى اليوم إشكالية غير قابلة للتجاوز في الوضع البشري بين ثابت أم متغير، أساسي أم ثانوي، عنصر تقدم أم انكفاء على الذات... فالهوية هي الذاتية والخصوصية وهي القيم والمثل والمبادئ التي تشكل الأساس لبناء الشخصية الفردية أو المجتمع وهوية الفرد هي عقيدته ولغته وثقافته وحضارته وتاريخه، وكذلك هوية المجتمع فهي الروح المعنوية والجوهر الأصيل للكيان وللأمة.

وإذا اعتبرنا الهوية أيضا هي الوعي بالذات الاجتماعية والثقافية، وهي ليست ثابتة وإنما تتحول وتتغير تبعا لتحول الواقع الاجتماعي لكل مجتمع من المجتمعات، بل أكثر من ذلك هناك داخل كل هوية هويات متعددة ذوات مستويات مختلفة فهي ليست معطى قبلي، بل الإنسان هو الذي يخلقها وفق صيرورة التحول  .

ولأن المجتمع الجزائري عرف العديد من التوترات بين ثنائيات عديدة مترادفات لمعنى واحد: التقليد والتجديد، المحافظة والتحديث، الجمود والتحرر، الرجعية والتقدمية، الأنا والآخر، المحلي والعالمي، القديم والجديد، ، ومنها الأصالة والحداثة.

من خلال هذه الورقة سنتناول بتحليل سوسيولوجي الهوية الجزائرية بين قيم الأصالة والحداثة في ظل التغيرات السوسيوثقافية للمجتمع الجزائري بطرحنا للتساؤلات التالية:

  • o هل ما جاءت به الحداثة من قيم ثقافية تتلاءم وطبيعة الهوية الجزائرية؟
  • o وهل التمسك بالقيم الأصيلة يعتبر ابتعادا ورفض للحداثة؟
  • o وهل يمكن الحديث عن ثوابت ومتغيرات في القيم في ظل التغيرات السوسيوثقافية في المجتمع الجزائري؟

من الحقائق الأساسية التي تجابه الإنسان في عصرنا أن النموذج الحضاري الغربي أصبح يشغل مكانا مركزيا في وجدان معظم المفكرين والشعوب، وليس من المستغرب أن يحقق نموذج حضاري له مقدرات تعبوية وتنظيمية مرتفعة انتصارات باهرة على المستويين المعنوي والمادي1.

هذه المقدرات التعبوية والتنظيمية المثيرة للانتباه لم تصل الحضارة الغربية بمحض الصدفة وإنما كانت نتيجة لتطورات اجتماعية وفكرية مخطط لها مسبقا من طرف مفكري المجتمعات الأوروبية، فقبل الثورة الفرنسية 1789 كانت الأمور في هذه المجتمعات وفي فرنسا مبنية على أساس تقليدي، أين كانت نماذج قديمة جدا قد تعود إلى عشرة قرون أو أكثر تتحكم بأمور الحياة والفكر والسياسة والاقتصاد...2، إلى أن ظهر اتجاه جديد يدعو إلى تحطيم المقدس أي الماضي التليد والموروث الثقافي الغابر في القدم (مدارس الفكر الإغريقي وتوجهات الفكر المدرسي الوسيط) والذي يقدم إنجازاته بمظهر القداسة والإهابة، هذا المشروع الذي يسمى بالحداثة.

فالحداثة تمثل أولوية الذات وانتصارها 3، والتي يرى المفكر محمد أركون أنها ليست حدثا تاريخيا معينا أو محددا بدايته بل هي نتيجة لتاريخ طويل مليء بالأحداث التي أسهم كل منها بقسط معين في تشكيلها4، فالتحول الجذري الذي ناصره عصر الأنوار يمثل الفسحة التي طالما انتظرها الإنسان الغربي لتحقيق نصرته على الطبيعة وقد اقتنع فلاسفة الغرب أن اللاهوت هو بحق عقبة في سبيل التحرر والإنطلاق والإبداع، فظهرت الضرورة لتمجيد قدرة العقل على تجاوز التقاليد الكهنوتية5.

هذه الحداثة التي قضت أزيد من ثلاثة قرون في التبلور والتشكل في أوروبا كانت دون أن يشارك فيها العقل العربي والإسلامي، فمنذ العصر الذي عاشه ابن خلدون والعقل العربي الإسلامي يعيش في حالة قطيعة مع التراث ومع الحداثة مما جعل المجتمع الإسلامي يتقهقر إلى أدنى المستويات ويعيش التأخر بكل ما تحمله الكلمة من معنى6. غير أن حقيقة العلاقة بين المجتمعات العربية المسلمة وغيرها ولا سيما الأمم الغربية ليست خيارا تقرر فيه هذه المجتمعات المضي فيه أو تركه جانبا، فطبيعة الحياة في هذا العصر لا تسمح لأي أمة من الأمم لأن تعتزل العالم، ولو حاولت فهي ستجني على نفسها وعلى أبنائها.

فانفتاح العالم العربي الإسلامي على الغرب لم يحدث طوعا، فقد جاء على طريقين أوسعهما محاولات النفوذ الأجنبي التي توجهت بسيطرة الإستعمار مباشرة على معظم أقطار المسلمين وسيطرته المقنعة على البقية. والطريق الآخر هو إنفتاح الحكومات المسلمة التي أرادت تعزيز سلطاتها بتحديث إدارتها وجيوشها، فأرسلت البعثات إلى العواصم الغربية وإستقدمت المستشارين والخبراء الأجانب7.

والجزائر كغيرها من دول العالم لم تكن بعيدة عن كل مجريات الأحداث والتغيرات الحادثة على مستويات مختلفة، هذه التغيرات جعلت من الجزائر تمر بتحولات عديدة على مختلف الأبنية سواء السياسية والاقتصادية والأسرية... هذه التحولات جاءت للوصول بالمجتمع الجزائري إلى مصاف الدول المتطورة وتوفير حياة أفضل للمواطن واللحاق بركب المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا والوصول بالمجتمع إلى مصاف المجتمعات الحديثةوهي كسائر الدول الأخرى لها خصوصيتها الثقافية التي تميزها عن غيرها وتجعل لمجتمعها له هوية خاصة به، تتحدد أساسا من وجودنا التاريخي والجغرافي هذا الوجود الذي يحدد خصوصيتنا وإنتماءنا8.

غير أن هذا الوجود بات مهددا في الوقت الذي أصبحت فيه المجتمعات الغربية تروج لثقافاتها وأنماطها السلوكية المتناقضة مع شخصيتنا العربية الإسلامية عبر وسائل إعلامية مختلفة، فأصبح هاجس الخصوصية في الهوية الثقافية والوطنية هو نفسه هاجس الأصالة والمعاصرة معا ومحاولة تنميط سلوكيات البشر وثقافتهم في المجتمعات كافة وإخضاعها لقيم وأنماط سلوك سائدة في ثقافات أخرى لمجتمعات حديثة، الأمر الذي يحمل إمكانية تفجير أزمة الهوية الثقافية التي أصبحت من المسائل الرئيسية التي تواجه المجتمعات الإنسانية على المستوى العالمي.

فالهوية نخرج بموجبها من حالة العدم إلى طور الوعي بالذات، وتطرح في مقابل ذلك فكرة الوعي بوجود آخر مختلف وبالتالي تدفع إلى النظر في المعني الكينوني للإنسان وفي مراكز التقاء الجماعة أو تنافرها، هذا إلى جانب ما تحتمله لفظة «التحديث أو الحداثة» من محمولات عقلية انتقائية أو ترجيحية أو نمطية فاعلة في الهوية.

وللوصول لتحديد علاقة الهوية الثقافية بالحداثة وكيف هي الهوية الجزائرية بين قيم الأصالة والحداثة في ظل التغيرات السوسيوثقافية للمجتمع الجزائري، سنحاول من خلال هذه المداخلة أن نبحث الأبعاد البنيوية لكل من مصطلح الهوية والحداثة وما يتصل بها من راهنية، ومايمكن أن يصاحبها من ضبابية في الفهم من حيث اعتبار ذلك سببا من أسباب التقدم والتحرر مثلا أو من حيث النظر في إمكانية قطع الصلة بقيم الأصالة وبحث هل ما جاءت به الحداثة من قيم ثقافية تتلاءم وطبيعة الهوية الجزائرية؟ وهل التمسك بالقيم الأصيلة يعتبر ابتعادا ورفض للحداثة؟ وهل يمكن الحديث عن ثوابت ومتغيرات في القيم في ظل التغيرات السوسيوثقافية في المجتمع الجزائري؟

الهوية:

يعتبر مفهوم الهوية من المفاهيم صعبة التحديد باعتبارها مفهوم متحرك وفي حالة بناء دائم من خلال الوضعيات التي يكون فيها الأفراد والجماعات ونوعية العلاقات الموجودة بينها وفي كل تلك الوضعيات وما يحدث داخلها من علاقات، إذ يقوم شعور الانتماء بوظيفة هامة في تأكيد الهوية ورسم حدودها9.

ويعد مفهوم الهوية من المفاهيم التي أخذت حيزا كبيرا من تفكير الباحثين وقد زاد هذا الاهتمام في السنوات الأخيرة بظهور عصر الحداثة، حيث غدت الهوية مستهدفا رئيسيا وهي التي ينظر إليها كأداة يتم التحصن بها في أوضاع التعليمات والاستهدافات، وهنا قد تبرز الانتماءات القبلية والطائفية والدينية والقومية، وقد تقود إلى الإنكفاء على الذات ورفض التعايش وعدم الإقرار بالإختلاف والتنوع، ومن ثم تكون الفرصة لمواجهة الآخر والدخول في صراعات للحفاظ على الهوية.10

ويشير مفهوم الهوية إلى ما يكون به الشيء هو هو، أي من حيث تشخصه وتحققه في ذاته وتمييزه عن غيره، فهو وعاء الضمير الجمعي لأي تكتل بشري، ومحتوى لهذا الضمير في نفس الآن، بما يشمله من قيم وعادات ومقومات تكيّف وعي الجماعة وإرادتها في الوجود والحياة داخل نطاق الحفاظ على كيانها11

جاء في معجم العلوم الاجتماعية أن الهوية هي تحديد المميزات الشخصية للفرد من خلال مقارنة حالته بالخصائص الاجتماعية العامة12.

فالهوية جسر يعبر من خلاله الفرد إلى بيئته الاجتماعية والثقافية، فهي إحساس بالانتماء والتعلق بمجموعة، وعليه فالقدرة على إثبات الهوية مرتبطة بالوضعية التي تحتلها الجماعة في المنظومة الاجتماعية ونسق العلاقات فيها13.

أجمع الكثير من الباحثين أنه لا وجود لشعب دون هوية، لكن اختلفوا في الشكل الذي يحدد هذه الهوية. وفي هذا السياق انتقد أحد الباحثين، ما أسماه بالشكل الميتافيزيقي الذي يحدد هوية الأمم والشعوب، ويقدم شخصيتها في إطار تصورات استاتية أو نماذج مثالية، دون الرؤية إليها كمجموعات حية تتميز باحتمالات تكشف عن ذاتها في عملية تحققها ، ويطرح مقابل ذلك مقاربة سوسيولوجية ترى أن الهوية تتغذى بالتاريخ وتشكل استجابة مرنة تتحول مع تحول الأوضاع الاجتماعية والتاريخية، فتمتحّ منها، دون أن تشكل ردّا طبيعيا، وبذلك فهي هوية نسبية تتغير مع حركة التاريخ وإنعطافاته.

وتتحدد الهوية الثقافية في مجموعة من المقومات الأساسية المتجسدة في :

أ- اللغة الوطنية واللهجات المحلية المرتبطة بوجود شعب ما وتطوره ومصيره على أساس أن تكون اللغة الوطنية معتمدة في التدريس على جميع المستويات، وفي التسيير الإداري، وفي القضاء، إضافة إلى التواصل بين شرائح المجتمع إلى جانب اللهجات المحلية.

ب- القيم الدينية والوطنية المتكونة عبر العصور والتي تكسب الشعب حامل الهوية حصانة تحول دون ذوبانه في شعوب أخرى، وتؤهله لمقاومة كل محاولات التذويب مهما كان مصدرها.

ج- العادات والتقاليد والأعراف النابعة من تلك القيم والحاملة لها والعاكسة لمستوى الشعب حامل الهوية الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.

د- التاريخ النضالي الذي ينسجه ذلك الشعب حامل الهوية من أجل المحافظة على هويته أرضا وقيما، وعادات وتقاليد وأعرافا.14

ويحدد محمد عابد الجابري مستويات ثلاثة للهوية الثقافية هي: فردية، وجمعية، ووطنية قومية والعلاقة بين هذه المستويات الثلاثة تتحدد أساسا بنوع الآخر الذي تواجهه. ويضيف أنها تتحرك على ثلاثة دوائر متداخلة ذات مركز واحد كما يلي:

-فالفرد داخل الجماعة الواحدة، قبيلة كانت أو طائفة أو جماعة مدنية (حزبا أو نقابة الخ…)، هو عبارة عن هوية متميزة ومستقلة، عبارة عن "أنا"، لها "آخر" داخل الجماعة نفسها: "أنا" تضع نفسها في مركز الدائرة عندما تكون في مواجهة مع هذا النوع من "الآخر".

-والجماعات، داخل الأمة، هي كالأفراد داخل الجماعة، لكل منها ما يميزها داخل الهوية الثقافية المشتركة، ولكل منها "أنا" خاصة بها و"آخر" من خلاله وعبره تتعرف على نفسها بوصفها ليست إياه.

والعلاقة بين هذه المستويات ليست قارة ولا ثابتة، بل هي في مد وجزر دائمين، يتغير مدى كل منهما اتساعا وضيقا، حسب الظروف وأنواع الصراع واللاصراع، والتضامن واللاتضامن، التي تحركها المصالح الفردية والمصالح الجمعية والمصالح الوطنية والقومية. وبعبارة أخرى فالعلاقة بين هذه المستويات الثلاثة تتحدد أساسا بنوع "الآخر"، بموقعه وطموحاته: فإن كان داخليا، ويقع في دائرة الجماعة، فالهوية الفردية هي التي تفرض نفسها كـ "أنا"، وإن كان يقع في دائرة الأمة فالهوية الجمعية (القبلية، الطائفية، الحزبية الخ) هي التي تحل محل "الأنا" الفردي. أما إن كان "الآخر" خارجيا، أي يقع خارج الأمة (والدولة والوطن) فإن الهوية الوطنية –أو القومية- هي التي تملأ مجال "الأنا"15.

والواقع أن مسألة ثبوت الهوية أو تغيرها قد طرحت على محك المساءلة والنقاش، وأثبتت المجادلات العلمية أن هوية أي مجتمع ليست أمرا ثابتا وسرمديا كما ذهب إلى ذلك المفكر المغربي محمد عابد الجابري، بل يرتبط بالمؤثرات الخارجية وبالتداول العلمي للأفكار والثقافات  كما يرتبط بالصراع على السلطة، وهي الصراعات التي تشحذها هي نفسها بصورة مباشرة أو غير مباشرة المؤثرات الخارجية ولعبة التوازنات  .

لكن يبدو أن تغير الهويات ينبغي أن يخضع لقانون التوازن بين الثوابت المميزة للهوية والعناصر القابلة للتحول، وإلا كانت الهوية عرضة للخطر والتدمير، فالهوية تتضمن مكونات ثابتة وأخرى قابلة للتغيير. إذ يعتبر الدين واللغة من الثوابت الراسخة، بينما تكون المكونات الأخرى من عادات وقيم وطرق تفكير قابلة للتغيير في الشكل الإيجابي الذي تحدده حركية المجتمع وتفاعله بمحيطه الخارجي16.

وتتمثل أهم وظائف الهوية في المجتمعات فيما يلي:

*ضمان الاستمرارية التاريخية للأمة إذ لا يمكن التشكيك في انتماءاتها.

*تحقيق درجة عالية من التجانس والانسجام بين السكان في مختلف جهات الوطن الواحد.

*تمثل الهوية الجنسية والشخصية الوطنية التي تحافظ على صورة الأمة أمام الأمم الأخرى وذلك من خلال الحفاظ على الكيان المميز لتلك الأمة17.

الحداثة وما تحمله من قيم:

يؤرخ بعض المفكرين بداية الحداثة عام 1436، مع اختراع غوتنبيرغ للطباعة المتحركة ويرى آخرون أنها بدأت منذ العام 1520 مع الثورة اللوثرية ضد سلطة الكنيسة. مجموعة أخرى من المؤرخين يتقدمون بها إلى العام 1648 مع نهاية حرب الثلاثين عام ومجموعة خامسة تربط بينها وبين الثورة الفرنسية عام 1789 أو الثورة الأمريكية عام 1776 وقلة من المفكرين يظنون أنها لم تبدأ حتى عام 189518.

تميز الثقافة الغربية بين مصطلحين هما: modernité و modernisme تتم ترجمة كل منهما إلى اللغة العربية بمصطلح الحداثة الذي يختلف عن التحديث modernisation. ويتفق كل من معجم لوروبير والموسوعة الفرنسية العالمية يونيفارساليس على تعريف modernité بأنها خاصية لكل ما هو حديث، كما يتفقان على تعريف modernisme بأنه الميل إلى البحث عن الحديث بكل السبل والتشبث به. ويضيفان إلى هذا المصطلح الأخير سياقا دينيا فيعرفانه بأنه حركة مسيحية مطالبة بتحديث المعتقدات والعقائد التقليدية بما يتناسب مع التفسيرات الحديثة للكتاب المقدس19

عند تعريف الحداثة اصطلاحا نجد أننا أمام كم هائل من التعريفات، كما أن تعريفها بلسان أصحابها يحوطه الغموض واللبس والاضطراب فعلى صعيد اللسان الغربي نجد أن الحداثة « تجسد صورة نسق اجتماعي متكامل، وملامح نسق صناعي منظم وآمن وكلاهما يقوم على أساس العقلانية في مختلف المستويات والاتجاهات» وهي عند جيدن »  تتمثل في نسق من الانقطاعات التاريخية عن المراحل السابقة حيث تهيمن التقاليد والعقائد ذات الطابع الشمولي والكنسي«

فمصطلح الحداثة من المصطلحات التي جاءت بها الثقافة الغربية ونمَّته ليكتسب فيها دلالته لمدة تزيد عن ثلاثة قرون، قبل أن ينتقل إلى التداول داخل الثقافة العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد كانت هذه القرون الثلاثة مكانا لتحولات سياسية واجتماعية وفكرية واقتصادية وتكنولوجية كان لها انعكاسها المباشر على الإنسان وعلى منظومته القيمية والاعتقادية، مما جعل الحداثة قيمة فكرية أكثر مما هي تجل مادي لهذه التحولات.

جاء في موسوعة يونيفارساليس: (تعد تحولات البنى السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والنفسية العوامل التاريخية الموضوعية لظهور الحداثة، فهذه التحولات ليست هي الحداثة في حد ذاتها (…) فالحداثة ليست هي الثورة الصناعية والتكنولوجية، ولكنها إدخال لهذه الثورة في مسرح الحياة الشخصية والاجتماعية) ويمكن إجمال هذه الانعكاسات فيما يلي:

1. الزحف الكبير للثقافة الاستهلاكية والمادية ومنطق الربح السريع وتصاعد النزعة الفردية الذي قابله تراجع مماثل لدور الدين والأخلاق في الحياة وانهيار للقيم بسبب الإنجازات العلمية الهائلة للعقل البشري في الصناعة والعلوم التجريبية.

2. تزايد الإحساس بغربة الذات الفردية وتمزقها بسبب التحولات الكبيرة التي شهدتها المدينة الغربية وما حملته من عزلة للذات، وبسبب إحساس الإنسان الغربي بفقدان القدرة على التحكم في العالم بعد تراجع أهميته في العالم الحديث.

3. أدى هذا الإحساس بتراجع دور الإنسان وقيمته إلى تكريس مذهب الشك في الحقيقة المطلقة واليقينية وتزايد الاعتقاد بمذهب النسبية في كل شيء.

4. انتقلت هذه النسبية إلى مجال قراءة النصوص الدينية وغيرها، وتأويلها، فتراجع الاعتقاد بالمعنى المسبق في النص، الذي يقوم القارئ باستخراجه منه، نتيجة لتغير الموقف من اللغة في علاقتها بما تحيل إليه، ليحل محله القول بالدلالات غير النهائية، كما ظهرت مقولة موت المؤلف وانتهاء سلطته في تحديد معنى النص ليتم ربط القراءة بالمتلقي وما يعطيه هو للنص من دلالات.

5. أدى تراجع دور الدين وتقدم البيولوجيا وما حملته من اهتمام بجسم الإنسان إلى انتقال التقديس إلى مجال الجسد، فحل الجنس محل الدين، فأصبح الجسد مقدسا بعد تمكن الغربيين من الثورة على غيبيات الكنيسة.

6. انتشار مفاهيم الحرية الفردية والثورة على كل السلطات، وما كان لذلك من تأثير كبير على مجال التعبير الفني20.

ويعرض الدكتور هشام غصيب في كتابه "الخطاب الفكري العربي وتحديات الحداثة"، إلى دور فلسفة وعقيدة التنوير في نقل المجتمع الأوروبي من المجتمع الزراعي الإقطاعي البدائي محدود الأفق، إلى المجتمع الصناعي الرأسمالي المتطور اللانهائي الأفق، وهو الانتقال الذي احتاج حسبه إلى أكثر من أربعة قرون على الأقل من المعاناة على جميع الأصعد، فقد استلزم ثلاثة أنماط من الثورات الجذرية:

1-الثورات السياسية البورجوازية التي حققت كثيرا من المهمات الديموقراطية لمجتمعات أوروبا الغربية(الثورة الهولندية مطلع القرن السابع عشر، الثورة الإنجليزية (1641م –1688م)، الثورة الفرنسية الكبرى (1789م-1815م  وغيرها من الثورات

2-الثورات الثقافية الكبرى (النهضة الأوروبية والإصلاح الديني في القرن السادس عشر والثورة العلمية الكبرى في القرن السابع عشر، والثورة الفلسفية التنويرية في القرن السابع عشر والثامن عشر.

3-الثورات الاقتصادية وما صاحبها من توسع جغرافي سواء في أوروبا أو خارجها خاصة الثورة الصناعية في أوروبا التي جاءت ابتداء من القرن الثامن عشر.

وأعتقد أن هذه الثورات وغيرها من الصدمات الداخلية في بنية المجتمع الأوربي هي التي ساعدت على انتقال أوروبا نقلة حديثة، من مجتمع الطبيعة إلى المجتمع المدني، خاصة عندما عملت الثورة العلمية الكبرى على بعث المنهجية العلمية بصفتها قوة إنتاجية وطاقة إبداعية ومرجعية اجتماعية رئيسية، إذ عملت هذه الثورة الفكرية العظيمة على قلب منطق إنتاج المعرفة من منطق فقهي أو برهاني أو عرفاني إلى منطق استكشافي21

كل ماسبق يعكس أن الحداثة هي في جوهرها خصوصية غربية بما حملته حضارة وإنسان يعيشان حالة من الأزمة بسبب التطور العلمي والفكري الذي إستمر طيلة ثلاثة قرون من الزمن وهو في الحقيقة ما جعل السمة الأساسية للحداثة أنها ميزت المجتمع الغربي الحديث ،وما يطلق عليها بالتجاوز المستمر ويمكن لنا القول أن الحداثة الغربية احتوت القيم التالية:

1. التمرد على القوانين وطرق التعبير والتقاليد الفنية المألوفة.

2. تحرير الفرد من سلطة المؤسسات بكل أنواعها، ومن ضمنها مؤسسة الأسرة التي تعد في نظرها صورة من صور القهر، مع ما يعنيه ذلك من إخراج العلاقة بين الجنسين من دائرة الأسرة واعتماد مقاربة النوع التي لا تؤمن بالفروق الجوهرية بين الجنسين وتدعو إلى حق الشذوذ الذي يصل إلى المطالبة بحق الزواج المثلي (الذي صادقت عليه مجموعة من الدول الأوروبية انسجاما مع هذا المفهوم الجديد للحرية)

3. إلغاء المعنى المسبق في النصوص، بما فيها النصوص الدينية وربط الدلالة بالمتلقي –انطلاقا من مقولة موت المؤلف- والقول بالدلالات غير النهائية للنص، وتكريس مذهب الشك في كل الحقائق والمفاهيم.

4. اعتبار الدين تجربة بشرية قابلة للتجاوز ضمن ما تتجاوزه الحداثة، وإلغاء سلطته من خلال علمنة المجتمع، وإلغاء سلطة الأخلاق في مجال الإبداع.

5. تمجيد التجارب المتأخرة زمنيا والمبالِغة في التمرد داخل كل مذهب.

6. تمجيد العقلانية والتفكير العقلاني، ووضعه في مقابل التفكير الديني، واعتبار هذا الأخير عائقا أمام الحداثة لاعتماده على المعرفة الوثوقية واليقينية، وإحلال العقل ومنجزاته العلمية محل الله في مركزية المجتمع.

7. تمجيد الجسد والارتفاع به إلى مستوى التقديس.

8. التعبير عن مفاهيم تعكس وضعية التشرذم والأزمة التي يعيشها الإنسان الغربي كمفاهيم الغربة واليأس والضياع…

ذلك هو مفهوم الحداثة الغربية، وتلك هي أهم خصائصها التي تعكس وضعية حضارية متأزمة يعيشها الإنسان الغربي على مستوى القيم. وهي خصائص تم بناؤها عبر ثلاثة قرون من التطور الحضاري الذي شمل كل مجالات الحياة وتميز بالإجهاز على المكتسبات الروحية للمجتمعات الغربية22 .

وبسبب خاصية التجاوز التي تميز الحداثة، فقد بدأت في الغرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة التي تأتي في سياق تجاوز الحداثة لنفسها ويتميز فكر هذه المرحلة بالتشكيك في قيم الحضارة، والسعي المستمر للتحرر منها والتحرر من كل سلطة. يقول الكاتب الأمريكي العربي الأصل إيهاب حسن: (وهكذا انتقالنا من موت الإله إلى موت المؤلف وموت الأب يوصلنا إلى إفراغ الثقافة من قيمها المفروضة علينا، وإلى تحرير المعرفة من نظامها التمويهي)23 فالحداثة مدرسة عريضة تشمل كل مجالات الحياة، فكراً وعقيدة وثقافة وأدباً وفناً،وسلوكاً وسيرة، وقيماً.

قيم الحداثة وتأثيراتها على الهوية الثقافية:

تقوم الهوية على مجموعة من الركائز منها اللغة والدين والمذهب والفكر والعقيدة والعقلية وحديثا أصبحت الايديولوجيا من ضمنها أيضا، بالإضافة لما يملكه الفرد والمجتمع من الهوية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية وما يتضمن من الموروثات التاريخية وتفرضه عليه جغرافية الشكل والنوع المعين من الهوية. في حالات يمكن أن تطغي بعض منها على الأخر وتختلف من بقعة لأخرى ناهيك عن الاختلاف الواسع مع الدول المتقدمة، وكلما كانت الظروف الاقتصادية مسيطرة على الفرد، وهو يهتم بها أكثر من المجالات الأخرى- أي الاهتمام بالهوية الخاصة- يمكن أن تخفف الحداثة من سمك وثقل هوية الفرد سوى كانت اجتماعية أم ثقافية خاصة به، أي تقرب الأفراد رغم الاختلافات الكثيرة في كافة الجوانب من شكل وجوهر الهوية الخاصة بهم، في المجتمعات المتخلفة تبرز الاختلافات الخاصة بالهوية بين مكونات الشعب، وهناك من العوامل المؤثرة على التشدد في الالتزام بالهويات الخاصة ومنها الفقر والبطالة والتخلف في ظل أنظمة قمعية، وهذا ما يؤدي إلى مجابهة كل القيم الحديثة24.

اختلف المفكرون في تأثير قيم الحداثة على الهوية، وتعددت آراء واتجاهات الباحثين في المجتمعات العربية الإسلامية حول الهوية بين قيم الأصالة والحداثة في ظل التحولات السوسيوثقافية لهذه المجتمعات، هناك من يرى الحداثة أمر مفروض ولابد لنا أن نبحث عن تأصيل لهذه القيم الحديثة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وآخرون يدعون إلى اعتزال كل ما جاءت به الحداثة من قيم وآخرون يقولون بالتعامل مع الحداثة وما جاءت به من قيم لكن بحذر.

هذا وتعد الهوية في نظر بعض الباحثين والمفكرين من جهة أخرى عائقا ينبغي إزالته للإنضمام إلى مسيرة الحداثة، أما بعضهم الآخر يرى أنها الحصن الدفاعي الذي يحمي الثقافة القومية من وحشية القيم الحديثة التي تعتبر دخيلة عن القيم الأصيلة للمجتمع، وبين هذا وذاك يوجد من دعا لهوية منفتحة ومتجددة، توازن بين الأصيل من القيم والمعاصر منها حسب الضرورة والاحتياج.

ولكن اليوم تأتي العودة القوية لثوابت الهوية الثقافية في الجزائر كما في دول العالم العربي الإسلامي، نتيجة لإخفاق الأيديولوجيات التمدنية الغربية، في بناء هوية منزوعة الصلة بالعمق الثقافي والتاريخي لهذه المجتمعات، وفشل قيم الحداثة وشعاراتها البراقة في إحداث التنمية والرفاهية المأمولة25.

غير أنه يوجد من ينتزع عن الهوية سمتها الاجتماعية الثقافية، فيراها سياسية لها علاقة بالمواطنة، حيث الافتراض بأن الهوية تقوم على أساس ثقافي، مبني على فكرة التجانس الاجتماعي، وهو افتراض غير مبرر، ورأي آخر يرى في الحداثة أنها مسئولة عن الربط بين الهوية الثقافية والهوية السياسية، الأمر الذي أدى إلى صراعات اجتماعية في داخل مجتمعاتنا وهذا ربط لا يكون حقيقيا إلا عندما تعبر الهوية السياسية عن الهوية الثقافية التي ينظر إليها على أنها فعل مرتبط بالماضي والمستقبل، بينما الهوية السياسية فعل يقوم في الغالب على معطيات الحاضر26 .

ولكن بحثنا عن أصالة قيم هويتنا لا تعني إهمال ثقافة الآخر وعدم الاطلاع عليها والإفادة منها   كما لا تعني ثقافة دينية بالمعنى الكهنوتي، وأيضاً ليست نشر العلوم الشرعية التخصصية التي تدرس في المعاهد كما هي عليه ، بل تعني العودة إلى الأصالة منهجاً وقيماً ومصدراً في تنمية ثقافة المجتمع أيا كان اتجاهها سياستا أو أدباً أو فكراً أو فناً .

فالمجتمعات العربية والإسلامية على الصعيد الثقافي لا تبدأ من العدم بل هي تستند إلى إرث ثقافي غني بالقيم البناءة، هذه المجتمعات تستطيع أن تقدر القيم الأصيلة  لديها والموجودة في تراثها ودورها في تكويننا النفسي والاجتماعي ونأخذ منه ما تقتضيه حاجتنا اليوم، وأن نقبل على الثقافة المعاصرة فنقتبس من ثقافات الآخرين ما تحتاج إليه ثقافتنا لتحقق معاصرتها ومواكبة الثقافات الأخرى، ولاسيما في ميدان العلوم والتقانة والتقنية والعلوم المستحدثة في السنوات الخمسين الأخيرة، فالمواءمة بين الموروث والجديد يحفظ للأمة هويتها ويجدد طاقتها على النماء والتطور.27 هذا من جهة.

من جهة ثانية فالتقانة ليست مفصولة عن بنية معرفية أنتجتها وبالتالي الإدعاء بالقدرة على الامتلاك التكنولوجي دون امتلاك القيم العلمية الثقافية التي أفرزتها هو محاولة للتحديث السطحي أي إمتلاك السطح الخارجي من البنية الحديثة، كذلك البنية الثقافية العربية المعرفية ليست مقفلة دون الحداثة فعلى مدى تاريخها الطويل لاتحمل تكوينا متناقضا مع العقلانية التاريخية لولا عوامل التثبيط الأيديولوجي، وبالتالي فهي قادرة على تكييف تراثها حداثيا.

فمحاولة الترنح بين صدمة الحداثة وما حملته من قيم جديدة ونرجسية قيمنا الأصيلة، وما تتركه الأولى من جرح عميق يحتاج لفعل معرفي لتجاوزه، وما تتصف به الثانية دفع الكثير من المفكرين للمزج بين قيمنا الأصيلة وما احتوت عليه الحداثة من قيم، فالواقع الاجتماعي بنموذجيه الثقافي والطبقي لم تتح له الفرصة بعد لمعايشة التكوينات الحديثة أما النرجسية في قيمنا الأصيلة والتي تعتبر إحدى العلامات المميزة للثقافات المغلة وهي بعيدة جدا عن سمات الثقافة العربية الإسلامية.28

في الأخير يمكن أن نؤكد على ما قاله الجابري فالهوية الثقافية لا تكتمل ولا تبرز خصوصيتها الحضارية، ولا تغدو قادرة على نشدان العالمية، على الأخذ والعطاء، إلا إذا تجسدت مرجعيتها في كيان مشخص تتطابق فيه ثلاثة عناصر: الوطن والأمة والدولة .

الوطن: بوصفه "الأرض أو الجغرافية والتاريخ وقد أصبحا كيانا روحيا واحدا يعمر قلب كل مواطن.

الأمة: بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة قوامها ذاكرة تاريخية وطموحات تعبر عنها الإرادة الجماعية التي يصنعها حب الوطن.

الدولة: بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة، والجهاز الساهر على سلامتهما ووحدتهما وحماية مصالحهما وتمثيلهما إزاء الدول الأخرى، في زمن السلم كما في زمن الحرب.

فكل مس بالوطن أو بالأمة أو بالدولة هو مس بالهوية الثقافية, والعكس صحيح أيضا: كل مس بالهوية الثقافية هو في نفس الوقت مس بالوطن والأمة وتجسيدهما التاريخي.29

كيف يكون الحفاظ على الهوية الثقافية في ظل قيم الحداثة:

تعتبر التغيرات السريعة والمتلاحقة في هذا العالم هي التي أوجدت وضعا إستثنائيا يهدد هويتنا الثقافية في بنائها وفي وجودها وحتى بقائها، فلم يعد الذهول والاستغراب والخوف مما يجري أسلوب تعاطينا مع هذه المتغيرات، بل وحتى التفكير والمراجعة وابتكار آليات فاعلة هي الإجراءات التي تهيئ لنا استمرار وجودنا، والحفاظ على هويثنا الثقافية.                    

فمواجهة الحداثة وما تحمله من قيم بعيدة عن هويتنا ولا تعمل على تأصيلها لا يكون بالأساس عن طريق تأكيد الهوية وترسيخها والتشبث بها، فهذا الأمر قد يكون له آثار جانبية أشد خطرا.

والحفاظ على الهوية أيضا لا يتأتى عن طريق الانغلاق وقفل الأبواب لأن هذا دليل على ضعفها.30

في الحقيقة أن ما نحتاجه اليوم للوصول إلى مصاف الدول المتطورة بالحفاظ على هويتنا الجزائرية بثقافتها العربية الإسلامية ليس فقط بنقدنا للحداثة بمنظور واقع مجتمعنا، وإنما يكون أيضا وأساسا بنقد ما قبل الحداثة التي نريد الوصول بمجتمعنا إليها وكل قيمه التي نسميها أصيلة فيه وتحدد هويتنا، وفهم ما هي قيمنا الأصيلة الموجودة في مجتمعنا؟ وهل هي حقيقة قيم جاء بها ديننا الإسلامي؟ ذلك لأن بداية التفكير في نقد أو قبول أو عدم قبول قيم الحداثة لا يكون في الأصل إلا بعد فهم ذواتنا من الداخل ومعرفة قيمنا وماذا نريد منها ومن خلالها وهل نستطيع بها تحقيق ما نطمح إليه، أي نقد ما نسميه قيما أصيلة ونرفض منها ما لا يقبله العقل البشري الطامح للتطور وفق منظومة قيم ديننا الإسلامي .                                               

فالحداثة بكل ما جاءت به من قيم قد نوافق على بعضها ونرفض بعضها الآخر ولا يمكن الحديث عن الابتعاد عنها وتحاشيها وإنما لابد لنا بعد فهم ذواتنا وقيمنا أن نعمل على تصفية قيم الحداثة لنأخذ منها ما يزيد في تطورنا ويخرجنا من دائرة التخلف. وبالتالي معرفة هل نحن فعلا بحاجة إلى ما يسمى الحداثة الغربية بكل ما جاءت به من قيم .                                       

فإذا ما عدنا إلى الحداثة في مفهومها التقني وفي تطورها التكنولوجي فنحن لا يمكن لنا أن نغلق الأبواب على أنفسنا ونبتعد عن كل ما أفرزته هذه الحداثة من تطور وتقدم للبشرية، أما أن نتبع الحداثة فيما تنادي به من قيم تحرر تدعوا إلى الإباحية وتتبنى كل ما جاءت به في أنظمتها السياسية والاقتصادية وحتى التربوية دون أن تراعي في ذلك قيمنا الأصيلة بعد تصفيتها والتفكير مليا في هويتنا الثقافية وأصلها وقيمنا بعد مراجعتها وحذف الدخيل عنها ليكون لنا الوعي الكافي للتعامل مع قيم الحداثة الغربية تماشيا مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها)) وبالتالي علينا أن نفهم أن الحداثة من خلال كل ما تقدمه هي في النهاية منهج فكري له ميزاته الخاصة التي تميزه، منهج هذا الفكر يسعى للتغيير واقع الحياة التي يتفق مع ما يطرحه الفكر المحدث من مفاهيم وأساليب للحياة ومن نظريات خاصة لصياغة الحياة الاجتماعية للإنسان وفق معطيات ذلك الفكر.

وبالتالي التعرف على ما جاءت به الحداثة أمر ضروري ولابد منه والأخذ بقيمها أو تركها يبقى اختياري لدينا كمجتمع عربي مسلم بعد أن نضع أنفسنا في مكان يحق لنا فيه الإختيار وتكون لنا القدرة الواعية لتطبيق ذلك وفقا لما تقتضيه هويتنا الثقافية وقيمنا الإسلامية، ومنها نؤسس لحداثة إسلامية وفقا لمفاهيمنا وتشريعنا دون أن نهمل الحداثة الغربية في إطار الإستفادة من تجربتها إقتداءا قياسا على ما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبدأ من الصفر في بناء أمته وإنما حافظ على الأخلاق الكريمة الموجودة في عصر الجاهلية ونفى السيئ منها وبنا على الصالح منها فهو القائل عليه الصلاة والسلام (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، كل ذلك للوصول في النهاية لنهضة عربية إسلامية ليس فقط لمجتمعنا وإنما للبشرية كافة .   

 

الهوامش:

[1] - بدران بن لحسن: العولمة ومنعطف التجديد، مجلة الإحياء، العدد 21، باتنة، جامعة الحاج لخضر، 2007، ص 356.

[2] - فريدرك معتوق: معجم العلوم الاجتماعية، مراجعة: محمد دبس، بيروت، أكاديميا، 1998، ص235.

[3]- ابن داود عبد النور: المدخل الفلسفي للحداثة تحليلية نظام تمظهر العقل العربي قراءة في نصوص ميشال فوكو، الجزائر، دارالإختلاف، 2009، ص21 .

[4]- فارح مسرحي: الحداثة في فكر محمد أركون مقاربة أولية، الدار العربية و دار الاختلاف، الجزائر، 2007، ص19.

[5]- ابن داود عبد النور: مرسع سبق ذكره، ص23.

[6]- فارح مسرحي: مرجع سبق ذكره، ص 10.

[7]-توفيق السيف: الحداثة كحاجة دينية، المملكة العربية السعودية، الدار العربية للعلوم، دس، ص ص80-85.

[8]- محمد السويدي: مقدمة في دراسة المجتمع الجزائري تحليل سوسيولوجي لأهم مظاهر التغيير في المجتمع الجزائري المعاصر، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1990، ص97.

[9]- حكيمة بولعشب: تحديات-الهوية-الثقافية-العربية في ظل العولمة، من موقع:http://www.aranthropos.com

[10]- محمد حسن برغثي: الثقافة العربية والعولمة دراسة سوسيولوجية لآراء المثقفين العرب، بيروت، المؤسسة العربية للنشر، 2007، ص113.

[11]- عباس الجراري: مكونات الهوية الثقافية المغربية، في: الهوية الثقافية للمغرب كتاب العلم ، السلسلة الجديدة، 1988 ، ص22

[12]- فريدرك معتوق: مرجع سبق ذكره، ص190.

[13]- محمد العربي ولد خليفة: المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائرية، 2003، ص92.

[14]- محمد الحنفي:الهوية والعولمة، من موقع:http://www.mokarabat.com/s797.htm

[15]- محمد عابد الجابري: العولمة والهوية الثقافية عشر أطروحات، من موقع:http://awraq-com.maktoobblog.com ،15/04/2010،31h21:.

[16]- إبراهيم القادري بوتشيش: حول مفهوم الهوية ومكوناتها الأساسية، من موقع http://histoire.maktoobblog.com

[17]- حكيمة بولعشب: مرجع سبق ذكره.

[18]- ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

[19]-  le petit Robert universalis, France ,1997, (CD) encyclopeadia

[20]- عبد الغني حسني: في مفهوم الحداثة، من موقع: /www.diwanalarab.com

[21]- ملمح وأيديولوجية الحداثة في الفكر الغربي مقاربـة لنظـرية وسائـط العَقْلَنَة: من موقع: ttp://www.alimbaratur.com

[22]- المرجع السابق نفسه.

[23]- هشام شرابي: معنى الحداثة، في: الإسلام والحداثة، ندوة مجلة مواقف، دار الساقي، لندن 1990 ، ص379.

[24]- عماد علي: الحداثة وتاثيراتها على الهوية الثقافية في منطقتنا، المثقف، العدد: 1370 ، 10/04/2010.

[25]- محمد حسن برغثي: مرجع سبق ذكره، ص115.

[26]- المرجع السابق نفسه: ص 117.

[27]- فرحان السليم: الثقافة العربية بين الأصالة والمعاصرة، من موقع: http://www.saaid.net/Minute/158.htm

[28]- جمال الدين الخضور: مفهوم الحداثة في المشروع النهضوي العربي، من موقع: www.reefnet.gov.sy/booksproject/

[29]- محمد عابد الجابري: المرجع السابق نفسه.

[30]- محمد حسن برغثي: مرجع سبق ذكره، ص129.

 

 

 

TELECHARGER L'ARTICLE