الأهمية الاستراتيجية للموارد البشرية و الكفاءات

 

و دورها في تحقيق الميزة التنافسية

 

من منظور المقاربة المرتكزة على الموارد

 

 

 

                                                             من إعداد :1-  سملالي يحضيه

 

                                                             2-    بلالي احمد

 

                                                        كلية الحقوق و العلوم الاقتصادية

 

                                                                جامعة ورقلة

 

تعد الميزة التنافسية احد أهم المواضيع التي مازالت تلاقي الاهتمام بالدراسة و التحليل من قبل مجموعة
 من الباحثين  في مجال الاستراتيجية ،فلقد ركزت الكثير من المقاربات على محاولة تحديد مصادر الميزة التنافسية، و رغم الإقبال الذي لاقيته المقاربة الهيكلية في الاستراتيجية التي تربط تنافسية المؤسسة بمتغيرات البيئة الخارجية – هيكل الصناعة - بصفة خاصة ،إلا ان التحليل الاستراتيجي اتجه نحو تأكيد أهمية ودور الموارد الداخلية للمؤسسة في عملية خلق و امتلاك الميزة التنافسية المستدامة، من خلال المقاربة المبنية على الموارد   RESOURCE BASED VEIW ، و ضمن هذا الإطار نحاول إبراز  الأهمية الاستراتيجية للموارد
 و الكفاءات البشرية باعتبارها المحدد الأساسي للميزة التنافسية ،في ظل الانتقال نحو اقتصاد مبني على المعرفة .

 

 أولا:الجذور الاقتصادية لمفهوم الموارد و الكفاءات

 

   لقد أفضت جملة التغييرات الحاصلة في بيئة المؤسسة، خاصة ما تعلق بتنافسيتها، إلى التشكيك في صدق النظريات المستندة على المقاربة الهيكلية في الاستراتيجية، التي ترى بان الصناعات ذات الهيكل الملائم الذي يتسم بالنمو في الطلب و اتساع في مقومات النجاعة الأساسية، هي صناعات أكثر جدوى وفاعلية من غيرها.

 

و على هذا الأساس فقد أثبتت الوقائع خلاف ذلك الأمر، بحيث نجد أن كثيرا من المؤسسات استطاعت أن تحقق نجاحا كبيرا ضمن اشد القطاعات تنافسية، كما هو الشأن بالنسبة للمؤسسات العاملة في قطاع صناعة السيارة، مثل مؤسسة FIAT التي استطاعت تحسين ميزتها التنافسية بالرغم من منافسة الشركات اليابانية و الكورية الجنوبية بصفة خاصة، و كذا مؤسسة جنرال موتورز، وهذا في قطاعات اعتبرت هيكليا في حالة هبوط و حدة تنافسية.

 

   لقد عزز و دعم هذا الواقع ذلك التفكير المركز على المؤسسة و مواردها -بدل من الاهتمام بالصناعة-، والذي يرى بأن المحدد الأقوى للربحية ليس هو هيكل الصناعة، بل يتعلق الأمر بتجنيد و تفعيل موارد المؤسسة و كفاءاتها المحورية. على هذا الأساس أصبحت النظرة الهيكلية تقليدية و ليست لها القدرة على تفسير تنافسية المؤسسات، مما جعلها تترك مكانها شيئا فشيئا لمقاربة نظرية جديدة أكثر شمولية, عرفت بالمقاربة المرتكزة على الموارد RESOURCE BASED VEIW.

 

فمع نهاية الثمانينات من القرن الماضي حصل تغيير هام في نماذج و أدوات التحليل الاستراتيجي، فبعدما كانت أساسا متجهة إلى التحليل الاقتصادي و الصناعي للأسواق، بدأت تلك الأدوات تتجه إلى التركيز على التحليل الداخلي لمؤسسة،و هكذا فلقد شكل هذا المرور من هيكل الصناعة إلى المؤسسة قطيعة نظرية، مهمة كان عاملها الأساسي ذلك المنظور المؤسس على الموارد (basé sur les ressources Perspective) الذي لا يأخذ في الاعتبار المؤسسة و إستراتيجياتها من خلال حافظة نشاطاتها ( منتجات، أسواق) بل من خلال مواردها الداخلية المادية و غير المادية [1].

 

 إن هذه المقاربة المرتكزة على الموارد تستمد أصولها بشكل مشترك من[2]:

 

1-من قانون المنافذ"loi des débouchés" المشهور لـSay 1803، الذي يرى بان الإنتاج يودي منطقيا
إلى خلق الطلب على المنتجات، ذلك لان عملية تشكيل المنتج من شانها - حسب رأيه -أن تفتح في نفس اللحظة منفذا على منتجات أخرى،

 

2- من نظرية الريع la théorie de rente"" لـ David Ricardo التي تفترض أن امتلاك مورد أو عدة موارد نادرة يمكن أن يعود على مالكه بفوائد ربيعية مفيدة.

 

و بالرغم من حداثة هذه المقاربة من حيث شكلها الحالي، إلا أنها ترجع بنا إلى أعمال كل من Ricardo (1817), Shemputer (1934), Say (1803)، فلقد جددت أهمية النظريات الاقتصادية القديمة ذات الصلة بالربح و المنافسة،التي تفترض من زاوية اقتصادية التأثير القبلي(prédominance ) للمؤسسة من خلال مواردها الخاصة،  أي أنها لا تولي أهمية بالغة  للصناعة و خصائصها الهيكلية.

 

   استنادا إلى ذلك نجد أن منظري اقتصاديات العرض l'économie de l'offre" " و خاصة Friedman ومن قبلهم PENROS 1959, ، توصلوا إلى أن نجاعة و فعالية المؤسسة في أدائها و قدرتها على تحقيق ميزة تنافسية مستدامة، تكمن بالدرجة الأولى في مدى اعتمادها على استراتيجية ذكية و أصيلة، ترتكز على موارد متفردة تختص بها المؤسسة عن غيرها من المؤسسات المنافسة، وليس على اختيارها لصناعة جذابة، كما يذهب إليه رواد المقاربة الهيكلية في الاستراتيجية[3].و يعتبر كتاب Ponros جزءا من الأعمال المؤصلة لفكرة أن سلوك

 

 و نجاعة المؤسسة يمكن تفسيره من خلال مواردها الخاصة، فالمؤسسة حسب رأيه يجب أن "تفهم على أنها إطار أو نموذج تسييري لجميع الموارد المنتجة، ذات الترابط و التنسيق متعدد الاستعمالات، بحيث تكون خاضعة للقرار الإداري" [4].

 

وعلى هذه المقاربة ارتكزت الكثير من الأعمال الفكرية التي أكدت على أهمية و دور الموارد في فهم سلوك المؤسسة و كذا التطور الاقتصادي.و تجدر الإشارة إلى أن  Wernefeltيعد أول استعمال مصطلح المقاربة المبنية على الموارد resource based view حين استعمل هذه العبارة في مقال نشره سنة 1984 في جريدة التسيير الاستراتيجيStrategic Management journal   ، ثم تبعه آخرون من أمثال Grant, Cool, Barney   المؤسسين لهذه النظرية التي اعتبرت فيم بعد مدرسة قائمة بذاتها خلال فترة التسعينيات.لتتشكل بذلك ملامح نظرة جديدة و موسعة في مجال الاستراتيجية.

 

ثانيا :فرضيات المقاربة المبنية على الموارد

 

ترتكز النماذج الكلاسيكية للتحليل الاستراتيجي على فرضيتين أساسيتين, فمن جهة تفترض ان المؤسسات النشطة   في صناعة ما تعتبر متماثلة في الموارد الاستراتيجية التي تسيطر عليها و كذا الاستراتيجيات المنتهجة، و من جهة أخرى تفترض ان الموارد المتاحة متحركة وغير ثابتة ( قبلة للتنقل) ،و هذا يعني عدم وجود تباين (hétérogénéité) في الموارد المستعملة من طرف تلك المؤسسات ضمن استراتيجياتها. بخلاف ذلك نجد أن المنظور المرتكز على الموارد كما هو مقدم من قبل (Barney,1991) يقترح فرضيتين بديلتين لدراسة مصادر الميزة التنافسية هما[5] :

 

 - الفرضية الأولى: التباين النسبي للموارد

 

 يفترض هذا النموذج أن المؤسسات التابعة لنفس الصناعة يمكن أن تكون لها موارد استراتيجية متباينة،
 أي بعبارة أخرى يمكن للموارد أن تتميز نسبيا من مؤسسة لأخرى، حتى و إن كانت هذه الموارد تابعة لنفس القطاع او الصناعة،و عليه فان الموارد المالية ، المعارف التكنولوجية، شهرة المؤسسة ما هي ألا متغيرات قابلة للتميز والتباين من مؤسسة لأخرى.

 

 - الفرضية الثانية: نسبية حركية للموارد

 

 إن حركية الموارد مابين المؤسسات يفترض وفقا لهذه المقاربة أنها ليست مطلقة، و هو ما يعني أن التباين
في الموارد قد يكون مستداما، لوجود عوامل تحد من قدرتها على الحركة بشكل كامل (Imparfaitement mobile). فإذا كان بالامكان مثلا إن نقوم بنقل التكنولوجيا من مؤسسة لأخرى فان براءات الاختراع قد تحول دون سهولة ذلك .

 

ثالثا:الموارد و الميزة التنافسية

 

يتطلب تحليل اثر الموارد في اكتساب ميزة تنافسية مستدامة للمؤسسة الاقتصادية حسب (Barney,1991)[6] تحديد مضمون كل من الموارد ، الميزة التنافسية ، و الميزة التنافسية المستدامة باعتبارها مرتكزات المقاربة المبنية على الموارد.

 

فالموارد تشتمل على مجموع الأصول، القدرات أو الطاقات، الإجراءات التنظيمية، الخصائص(attributs)، المعلومات، المعارف و المهارات التي تتحكم فيها المؤسسة و تسيطر عليها، و التي تمكنها من إعداد و تنفيذ استراتيجيات تنافسية من شأنها أن تزيد من فعاليتها و نجا عتها.

 

كما تعرّف الموارد و الكفاءات على أنّها أصول محسوسة أو غير محسوسة مرتبطة بالمؤسسة، و يمكن تصنيفها إلى خمس فئات[7] : مالية ، بشرية( عدد الأجراء ، مستوى التأهيل ...الخ) ، مادية ( أماكن الإنتاج ، آلات متوفرة ، مخزون ...الخ )، تنظيمية ( نظام المعلومات، مراقبة الجودة، إجراءات ...الخ ) ، تكنولوجية ( مهارة ، براءات ...الخ ) .كماأضاف(R.M.Grant,1991)[8] إلى هذه القائمة قسما سادسا تمثل في السمعة (La reputation) مع تركيزه على دور الموارد غير المحسوسة.

 

   ذلك إن المؤسسة   يمكنها امتلاك ميزة تنافسية إذا ما اعتمدت على استراتيجية تساهم بشكل فعال في خلق قيمة ليس في مقدور المتنافسين الحاليين و المحتملين تقليدها، فمثلا نجد ان شركة " Mc Donald's" كانت تملك ميزة تنافسية في بداية نشاطها ، لأن طريقة إنتاجها بحجم كبير و فريد لم تكن مقلّدة من منافسيها في ذلك الوقت ، أما اليوم فإنّ مجموعات كـ Harvey's أو QUICK  أو Burger Kingقد تمكنوا من إنتاج الميزة التي كانت تملكها " ماكدونالد " و هذا لأن المنافسة في  قطاع الغذاء السريع  ليست ملائمة هيكليا لاتسامها بالحدة و الكثافة ، و للخروج من هذا الإشكال كان على " ماكدونالد " أن تراهن على خلق ميزة تنافسية اعتمادا على مواردها الداخلية التي ليس بمقدور منافسيها  تقليدها ، وتمثلت هذه الميزة في الزيادة الثابتة لمنتجات جديدة و جودة الخدمة وهذه بالارتكاز على مستخدمين مكونين بشكل جيد .ان الميزة التنافسية المستدامة اذا هي تلك الميزة التي تتحقق من خلال انتهاج المؤسسة لاستراتيجية خالقة للقيمة و غير معتمدة من طرف أي متنافس حالي أو محتمل.

 

 في هذا المنظور فإنّ المؤسسة ذات الموارد الجيدة تمتلك ثروة حقيقة بامكانها أن تعتبر كحافظة موارد، غير أنّ تحديدها ليس دائما سهلا على اعتبار أنّ أنظمة المعلومات التقليدية لا تعطينا عنها إلا صورة مجزأة و غير كاملة،أما واقعيا فان الأصول المادية  وحدها التي يمكن فصلها و قياسها بسهولة ( أراضي، مصانع، تجهيزات ...الخ)و هي التي تؤخذ في الحساب من قبل أدوات التسيير التقليدية، و هكذا فالميزانية المحاسبية نادرا ما تهتم بالموارد غير المحسوسة و بكفاءات الأفراد.و بالرغم من ذلك فان (Barney) يميّز بين ثلاثة فئات للموارد هي :[9]

 

- الرأس المال الماديCAPITAL PHYISIQUE  : يحتوي على الإنشاءات ( المباني)، و التجهيزات ، التكنولوجيا و الموقع الجغرافي للمؤسسة،

 

- رأس المال البشريCAPITAL HUMAIN:الذي يضم التكوين ، الخبرة ، التحكيم ، الذكاء و علاقات المسيرين و خبراتهم .

 

- راس المال التنظيمي CAPITAL ORGANISATIONNEL: حيث يشتمل الهيكل التنظيمي للمؤسسة ، العلاقات التنظيمية. بينها و بين المؤسسات في بيئتها .

 

و حسب Barney فأن كل الموارد و حتى تساهم  في تحقيق الميزة التنافسية المستدامة يجب أن يتسم بأربعة خصائص هي:

 

1- يجب أن يساهم المورد في خلق القيمة للمؤسسة، باعتباره احد نقاط القوة التي يمكن استخدامها في استغلال الفرص المتاحة او استبعاد التهديدات المحتملة في البيئة الخارجية.

 

2- يجب أن يكون المورد نادرا او فريدا أو مميّزا ضمن المنافسين الحاليين او المحتملين للمؤسسة.

 

3- يجب ألاّ يكون المورد قابلا للتقليد بشكل كامل، وبسهولة من قبل المؤسسات  المنافسة التي لا تمتلكه.

 

4- عدم إمكانية استبداله بمورّد مماثل له على ضمن إطار الاستراتيجية المعتمدة من قبل المؤسسة.

 

    رابعا :مقاربــة الموارد البشــريــة

 

ضمن المنظور المرتكز على الموارد توجد عدة مقاربات تحاول أن تأكد على دور الموارد و أهميتها الاستراتيجية و من أهمها فيما يتعلق بموضوعنا نجد  مقاربة الكفاءات الأساسية ",1990  Prahalad et Hamel " ، المقاربة المرتكزة على الكفاءات لـ "Lado,Boyd,Wright,1990  "   و مقاربة الموارد البشرية " Mac williams,et McMaham,Wright1994   "[10] و سنتناول بالتحليل المقاربة الأخيرة لاشتمالها على الكفاءات بشكل عام باعتبارها موردا من الموارد البشرية و لان هذه المقاربة تكشف لنا بوضوح عن تلك العلاقة الأساسية ما بين الموارد البشرية للمؤسسة و تنافسيتها .

 

وفقا لهذا المنظور فان،) 1994  Mac Williams, McMaham,Wright) ينظرون إلى الموارد البشرية على أنها المصدر الأساسي للميزة التنافسية المستدامة، على هذا الأساس فالموارد البشرية التي تخلق القيمة تعتبر نادرة
 و غير قابلة للاستبدال أو للتقليد بشكل كامل. و بالتالي يرون إن الموارد البشرية تعد خزّانا للرأس المال البشري الذي يتشكل من العمّال و المسييرين.

 

    وفي إطار تحليله للنشاطات الداخلية للمؤسسة المسؤلة استراتيجيا عن خلق القيمة وبالتالي عن الميزة التنافسية وفق أسلوب سلسلة القيمة، يرى Porter أن الموارد البشرية هي المسؤلة عن خلق القيمة، و أن تسييرها يؤثر على الميزة التنافسية للمؤسسة من خلال تنمية الكفاءات وتحفيز المستخدمين وبالتالي تعتبر عاملا حاسما في تطوير الميزة التنافسية[11] .

 

إن اعتبار الموارد و الكفاءات البشرة موردا استراتيجيا مسئولا عن خلق الميزة التنافسية المستدامة يتطلب منها
أن تتصف بنفس الخصائص التي تتميز بها الموارد الاستراتيجية وفق منظور هذه المقاربة و ذلك على النحو التالي [12]:

 

1- مساهمة الموارد في خلق القيمة: إن الطبيعة المتباينة للموارد و الكفاءات البشرية من خلال اختلاف مستوياتهما و قدراتهم تجعل مساهماتهما في خلق القيمة متباينة، فمثلا بقدر ما نجد أنّ المستخدمين كانوا أكفاء و مجندين بقدر ما كان أداؤهم جيّدا و بالتالي يزداد ما يضيفونه من قيمة للمنتج أو الخدمة،و بقدر ما تمتلك مؤسسة ما مستخدمين جيّدين (  pérformants) ذوي قدرات و مهارات عالية بقدر ما يكون رصيدها من الرأس المال البشري قيما و مميزا.

 

3-  ان تكون الموارد نادرة: و ليكون المورد مصدرا للميزة التنافسية وجب أن يكون نادرا.و أخذا بعين الاعتبار التباين الطبيعي للقدرات الذهنية ( أو القدرات الإدراكية ) في الموارد البشرية، فان تلك التي تمتلك قدرات عالية عادة ما تكون نادرة، فالمشكل الأساسي الذي تعاني منه المؤسسات الاقتصادية في ظل المناخ الاقتصادي الجديد المتسم بالتنافسية الشديدة هو ذلك النقص الكبير في الموارد و الكفاءات البشرية المتخصصة و المؤهلة،و بالتالي فان المتاحة  منها يمثل للمؤسسة التي تمتلكها و تستخدمها ميزة  تنافسية . 

 

4-    يجب أن يكون المورد غير قابل للتقليد : ان أهم ما يصعب إمكانية تقليد الموارد و الكفاءات  البشرية مايلي :

 

-         طبيعة ثقافة المؤسسة و معايير أدائها التي لايمكن تجسيدها في بيئة مغايرة .

 

-    صعوبة تحديد بدقة مدى مساهمة كل كفاءة او فرد في القيمة التي تم خلقها في المؤسسة بسسب   تداخل النشاطات المختلفة.

 

-    صعوبة تكرار العلاقات الاجتماعية بخصائصها الجوهرية التي كانت وراء عملية خلق القيمة   بسبب التعقيد الاجتماعي(La complexité sociale) للعلاقات.

 

و تجدر الإشارة إلى انه و حتى في حالة توصل مؤسسة ما الى استقطاب كفاءات المؤسسات المنافسة من خلال طرح حوافز مغرية فان الكفاءات و الموارد البشرية كما أشار إليه (,Mc Mahan ,Mac Williams,  Wright)[13]  ليست متحركة بسهولة و بشكل تام بسبب تكلفة  الإحلال و الاستقطاب  المرتفعة، وكذا صعوبة تحقيق نفس التواؤم و التآزر la synergie داخل المؤسسة المستقطبة.

 

4- عدم قابلية المورد للتبديل: فحتى يكون المورد البشري مصدرا للميزة التنافسية المستدامة فانه يجب ألاّ يكون قابلا للتبديل بمورد مماثل (Equivalent) له على مستوى الاستراتيجية المتبناة من قبل المؤسسة.فحسب
 (,Mc McMahan , Williams)  Wright)  فإنّ الموارد البشرية تأتي من بين الموارد النادرة غير  القابلة للتحويل ، ألان الميزة التنافسية المحققة يصعب استمرارها حالة تبديل الموارد و الكفاءات البشرية التي ساهمت في خلقها.

 

 خامسا :تسيير المعرفة مدخل لاستثمار الموارد و الكفاءات البشرية 

 

 تعتمد تنافسية المؤسسة بالدرجة الأولى على مدى كفاءة مواردها البشرية, وذلك على اعتباران تلك الكفاءات
 و ما تحوزه من معارف و خبرات تعتبر مقوما أساسيا للميزة التنافسية, و عاملا مهما في عملية خلق القيمة
 و إحداث التغييرات الملائمة.  وعلى هذا الأساس يعتبر العنصر البشري ممثلا في الموارد و الكفاءات البشرية أحد أهم العوامل المسؤلة عن امتلاك المؤسسة للميزة التنافسية و نجاحها في اختراق الأسواق العالمية

 

   لقد بدأ الاعتماد على التكنولوجيان يتراجع لسرعة تغيّرها، إذ أصبح التنافس و التفوّق المرتكز عليها أمرا صعبا،.ففي ظلّ عالم تتحرك فيه المعلومات، و الموارد و التكنولوجيا بحرية عبر الشركات و الحدود، أصبحت أصول المؤسسة قابلة للتبادل مع مثيلاتها في المؤسسات الأخرى. بخلاف عنصر وحيد يملك قوّة الترجيح و المتمثّل في الكفاءات البشرية القادرة على خلق القيمة المضافة من خلال ما تملكه من القدرات و المهارات المختلفة[14].

 

لقد أدركت الشركات العالمية في ظل تحوّلات البيئة التنافسية أنّ العامل الإنتاجي الوحيد الذي يمكن أن يوفّر لها الميزة التنافسية المتواصلة هم كفاءاتها البشرية، ذات المعرفة و المهارات العالية القادرة على الإبداع [15]، و منه زادت الأهمية الاستراتيجية لتلك الموارد و الكفاءات و التي تدفع للتحوّل من اقتصاد المعلومات إلى اقتصاد المعرفة و العقول الذكيّة،و تتطلب من المؤسسة الاستثمار فيها خاصة منخلال تسيير المعرفة لتحقيق اندماج سريع و فعال في عالم اقتصاد المعرفة.

 

1- مفهوم تسيير المعرفة

 

   باستعراضنا للدراسات المختلفة للموضوع نلاحظ أن تعريف تسيير المعرفة يختلف من باحث لأخر بحسب ضيق أو سعة منظوره للمعرفة من حيث اشتمالها على معارف ظاهرية أو ضمنية، أو على الكفاءات و تحصيل المعلومات. على هذا الأساس فان التعريف الذي يمكن تبنيه هو الذي يعتمد على النظرة الشمولية و الواسعة للمعرفة، وعليه فبمكاننا تناول التعريف الذي الذي يرى بان "تسيير المعرفة هو مجموعة من أساليب التنظيم و التكنولوجيات الهادفة لخلق، جمع، تنظيم، تخزين، نشر، استعمال و تحويل المعارف في المؤسسة. معرفة مجسدة في شكل راس مال فكري و تجربة محصلة من طرف المعاونين أو الخبراء في مجال ما.

 

بتحليلنا لهذا التعريف فانه يمكننا استخلاص الأبعاد الأساسية التالية لتسيير المعرفة:     

 

-    إن تسيير المعرفة لا يختص فقط بالمعارف الظاهرة وبل يتعدى أيضا إلى المعارف الضمنية، و منه إلى الكفاءات المولدة على هذا الأساس.

 

-    إن تسيير المعرفة يعتبر نظاما هادفا يستجيب لتوجيهات و أهداف استراتيجية معينة، تأتي تنافسية المؤسسة في مركزها.

 

-         يعد تسيير المعرفة نظاما تسييريا يرتكز على معطيات مجسدة في شكل راس مال فكري ذي قيمة معينة.

 

-    يستند هذا النظام إلى مسارات ذات تفاعلات داخلية بين مختلف عناصره بشكل تتولد معه معارف جماعية جديدة تكون ذات اثر بالع على الإبداع و التجديد داخل المؤسسة.

 

      لم يعد خافيا الدور الذي تلعبه المعرفة كعامل حاسم في صنع الكفاءات و في تعزيز المركز التنافسي للمؤسسة، بفعل عملية خلق القيمة التي تتحقق من خلال التفاعلات التي تحدث مابين مختلف مكونات الرأس المال غير المادي، وهوما يجعلنا ندرك أهمية الدور المتنامي للمعرفة في هذا المجال، باعتبار أنها تأتي في قلب الميزة التنافسية لما يمكن أن تحققه من قدرة على الإبداع، وتحكم في الكفاءات الاستراتيجية.

 

    كل ذلك يؤكد الأهمية التي اكتسبها بالتالي تسيير المعرفة والكفاءات، فلقد كان من دوافع الاندماج و الدخول في اقتصاد المعرفة الإدراك المتزايد للمؤسسات بان المعرفة تعد موردا أساسيا لخلق القيمة، و التالي يجب استغلالها بشكل جيد و تسييرها بشكل واضح وفعال، إضافة إلى الاهتمام المستمر المعبر عنه من خلال تطور الخطاب لدى الخبراء و المسيرين في إطار اللقاءات العلمية و التطبيقية حول موضوع تسيير المعرفة.

 

    لقد افرز هذا الاهتمام تبني المؤسسات لمجموعة من الأدوات و الإجراءات و النماذج التي تختص بتسيير المعرفة، التي تم تطويرها و انتشارها من خلال التكوين لدى المكاتب و المخابر المختصة، بحيث أصبحت تشكل مرحلة جديدة في التحول الضروري للمؤسسات في مواجهة محيط تنافسي يتسم بالإبداع و الجودة و التطوير،و هي جملة عناصر تأتي ضمن ضروريات التنافسية و تعكس المعرفة و الكفاءة التي يصعب نقلها أو الحصول عليها، إذ تعتبر عامل تميز و متغيرا ذا نصيب كامل ضمن استراتيجية المؤسسة.

 

2- الصعوبات المرتبطة بتسيير المعرفة

 

      إن تسيير المعرفة و بالنظر إلى حداثته لازالت تواجهه جملة من الصعوبات خاصة على مستوى إدخال مشاريع، و نشر أساليب جديدة في ظل اقتصاد المعرفة، و كذا على مستوى الأهداف المرجوة من الاستثمار في هذا المجال، و عموما فانه يمكننا ذكر جملة صعوبات مرتبطة بتسيير المعرفة منها[16]:

 

-         كون تسيير المعرفة نظاما لا زال في مرحلة التجربة مما يجعل النتائج المحققة دون مستوى الطموحات.

 

-          طبيعة المشاكل المرتبطة بتقييم مردو دية المشاريع و جدوها.

 

-    نقص و انعدام الدافع لدى المستعملين، على اعتبار أنهم- استنادا لما سبق – قد لا يرون فائدة من استخدام الإجراءات الخاصة بتسيير المعرفة، أو قد يشعرون بعدم ملاءمتها لاحتياجاتهم التنافسية.

 

-         نقص الالتزام من قبل المسيرين بسسب الإجراءات التي لا زالت قيد التجربة، او لتعارضها مع ثقافتهم التنظيمية.

 

-    الطابع الظرفي للمعلومة الامر الذي يستدعي ضرورة إفراغها من المعطيات الظرفية الخاصة و إعادة توظيفها على أساس الظروف المراد استغلالها فيها.

 

-         خطر الروتين المصاحب لرسملة المعلومة، بحيث أنها قد تستعمل دون أية روح نقدية أو تجديدية، فالمبالغة في الرسملة كما يقول BALLEY " يمكن أن تخنق فرص الإبداع و التغيير.

 

-    الصعوبة القانونية لتحديد اصل الملكية الفكرية للمعرفة، اذ كثير ما تكون نتيجة لتظافر جهود جملة عناصر تصعب من امكانية  اقتسامها.

 

3- الكفاءات و الاندماج الاجابي في اقتصاد المعرفة

 

لقد غير اقتصاد المعرفة التوجه العام الذي سلكته المؤسسات الاقتصادية من كثافة الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات إلى كثافة الاستثمار في المعرفة المرتكزة على الكفاءات , حيث يشير  DUFFY إلى أن المؤسسات أصبحت تدرك أن قدرتها التنافسية مرتبطة بامكانية الاستفادة مما تعرفه و تتعلمه ، كما ان فهم العلاقات الحرجة يعد أساس النجاح و التفوق في ظل اقتصاد المعرفة, وان تنامي الاعتراف بالمعرفة كوجود جوهري غير ملموس ماديا وضع المؤسسات الاقتصادية أمام تحديات متزايدة مازالت تدفعها إلى تركيز استثماراتها على الرأس المال الفكري .

 

  إن أهم ما تفتقده المؤسسات الاقتصادية خاصة في الدول النامية و الجزائر بصفة خاصة ذلك النموذج الجديد للتسيير الذي يتلاءم مع متطلبات الاندماج الايجابي في اقتصاد المعرفة .فالدراسات الحديثة تشير إلى أن الهيكل الميكانيكي السائد في اغلب المؤسسات لا ينسجم مطلقا مع اقتصاديات المعرفة .

 

وضمن هذا الإطار أكد BOTKINأن المؤسسات الناجحة و القادرة على الاندماج في اقتصاد المعرفة هي تلك التي تستطيع تعويض الهياكل المركزية و اللامركزية بهياكل معرفية مستقلة و متصلة فيما بينها و التي تكون المعرفة فيها محفزة بالعلاقات الديناميكية المتداخلة .

 

و فيما يتعلق بالقيمة الاستراتيجية للمعرفة يؤكد duffy على أن استخدام المعرفة المتولدة و المتجددة يقلل من التكاليف و يرفع من سرعة طرح المنتجات و الخدمات في الأسواق حيث أن[17]:

 

- الإنتاج الكبير يصل إلى الأسواق أولا وبالتالي يحقق العوائد المبكرة.

 

- اختراق الأسواق مبكرا يحقق ميزة تنافسية. 

 

إن المنتجات التي تنتجها المؤسسات من خلال الأعمال المبنية على المعرفة تتصف بجملة خصائص هي:

 

-         تميزها على سلع النافسين في مواصفات الجودة الأساسية و الثانوية.

 

-         ذات قيمة و منفعة للعملاء.

 

-         تسمح للعميل بزيادة قدراته و مهاراته كنتيجة لاستخدامه للمنتجات المتخصصة.

 

-         ذات دورة حياة قصيرة.

 

-         تمكن العميل من اتخاذ القرار بشكل فورية و سريع بحكم طبيعتها.

 

كما تتميز المؤسسات المعتمدة على المعرفة knowledge-based organization بخاصية امتلاك الخبرة لكفأتها البشرية، الأمر الذي يتيح لها نشر منتجاتها بطريقة متميزة، فهي تسوق الأفكار و الإبداعات و الابتكارات
التي تعد منتجا غير ملموس،و لكن يمكن قياسه و تسويقه على نطاق واسع.

 

الخلاصة

 

مع تطور الفكر الاستراتيجي خاصة مع نهاية الثمانينات و بداية التسعينات و مع مختلف التغيرات الحاصلة
في بيئة المؤسسة أصبح واضحا إذن أن هيكل الصناعة ليست هو المحدد الأقوى لربحية المؤسسة وقوة تنافسيتها بل وجب البحث عنه في داخل المؤسسة و من خلال مواردها الخاصة و كفاءتها المحورية . إن هذه النظرة تم تاسييس لها من خلال المقاربة المرتكزة على الموارد و التي تمخضت عنها عدة مقاربات كان من أهمها تلك التي تتعلق بالموارد البشرية للمؤسسة و كفاءتها المحورية .

 

إن الأهمية الاستراتيجية للموارد و الكفاءات البشرية في خلق الميزة التنافسية لا تنعكس فقط من خلال تمتع
هذه الموارد المسؤلةعن خلق القيمة بالخصائص و المميزات الواجب توفرها في الموارد و الاستراتيجية و إنما أيضا من خلال فعالية و ضرورة الاستثمار في ترقية وتنمية الموارد البشرية و الكفاءات في ظل التحديات المختلفة للعولمة و بروز ما يعرف باقتصاد المعرفة و ما يحققه هذا الاستثمار من اندماج ايجابي و ما يترتب عنه من تموقع يساهم بشكل مستمر في تحسين قدرات المؤسسة التنافسية.

 

 


[1] ALLOUCHE, J. et G. SCHMIDT, Les outils de la décision stratégique : Tome 2, depuis 1980,

Paris, Éditions La découverte, 1995.

 

[2] [2] Pierre-Xavier MESCHI, LE CONCEPT DE COMPÉTENCE EN STRATÉGIE :

PERSPECTIVES ET LIMITES, Université de la Méditerranée,p01

http://www.strategie-aims.com/montreal/meschi.pdf le 26/10/2003

[2]  Pensor .

[3] Pierre-Xavier MESCHI, , op cit;p01

[4]  Pensor .

[5] Jacques Grisé,op cit,p03

[6] BARNEY, J., "Firm Resources and Sustained Competitive Advantage", dans Journal of

Management, no. 17 (1991), p. 99.

[7] Jacques Grisé,op cit,p03

[8] Grant R.M, "The resource-based theory of competitive advantage : implications for strategy

formulation", California Management Review, printemps 1991, vol 33 n°3, p 114.

[9] BARNEY, J.,P.102

[10] Jacques Grisé,LES RESSOURCES HUMAINES EN TANT QUE SOURCE

D’AVANTAGE CONCURRENTIEL DURABLE, DOCUMENT  DE  TRAVAIL  1997-013, AGRH 1997 ,Montréal, Québec ;p03

[11] Porter. M , L’avantage concurrentiel, Dunod, Paris , 1999, p. 60.

[12] Jacques Grisé,op cit,p3

[13] Jacques Grisé,op cit,p4

[14] قدي عبد المجيدة،سملالي يحضيه،نحو تنمية استراتيجية للموارد و الكفاءات البشرية في ظل العولمة ،الملتقى الدولي حول الشفافية و نجاعة الاداء ،كلية العلوم الاقتصادية و علوم التسيير ،جامعة الجزائر ،جاون2003،ص5

[15]  أشوك شاندا. شلبا كوبرا، ترجمة الخزامي عبد الحكم، إستراتيجية الموارد البشرية، دار الفجر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، السنة 2002، ص10.

[16] سعد زناد درويش،اقتصاد المعرفة و تكنولوجيا المعلومات ،المؤتمر العلمي الاول لكلية الاقتصاد و العلوم الادارية ،جامعة العلوم التطبيقية ،12/14 ايار 2003،ص2

[17] سعد زناد درويش نفس المرجع نص6

 

Télécharger l'article