إشكالية تنمية الموارد البشرية في ظل العولمة  

 

إعداد : ا.د.عبد المجيد قدي

كلية العلوم الاقتصادية و علوم التسيير

جامعة الجزائر

 

 لم يعرف العالم المعاصر موجه من التغيرات كالتي يعرفها اليوم ،و لا تحديات كالتي يواجهها بشكل أدت معها إلى انفجار في المفاهيم و المصطلحات ،بل تعدى الأمر إلى مراجعة الكثير من المفاهيم 

و القضايا السائدة لتحل محلها أخرى أكثر دلالة و نجاعة، وإذا كانت التنمية الاقتصادية تشكل لعقود خلت طموح الشعوب ،خاصة دول العالم الثالث ،فإنها لم تعد تحظى بذلك القدر من الاهتمام،كون العولمة أفرزت معها جملة من التحولاتالسريعة والعميقة في المجالات الإنتاجية، المالية، التكنولوجية، والمعلوماتية، تفرض على الدول النامية بما فيها الجزائر تسريع عملية التكيف الإيجابي بما يحقق  لها اندماجا فعالا  في الاقتصاد العالمي، فلقد أصبح التنافس في ظل عالمية السوق يعتمد على تنمية الموارد والكفاءات البشرية القادرة على الإبداع و التطوير والتجديد التكنولوجي واستثمار المعلومات وحسن إدارة التغيير من جهة، بما يمكنها من صياغة وتنفيذ الاستراتيجيات التنافسية الملائمة للتحديات الجديدة والمستمرة من جهة أخرى. مما جعلها تمثل رأس مال فكري وبشري فاق في أهميته الرأس المال المادي، الأمر الذي يتطلب مايلي:

-         الاهتمام بالتنمية البشرية باعتبارها مدخلا استثماريا كليا أساسيا لتنمية الموارد والكفاءات البشرية.

-         حتمية الاستثمار في الموارد والكفاءات البشرية باعتبارها محددا للميزة التنافسية.

-         إدراك أهمية التنمية الاستراتيجية للموارد والكفاءات البشرية، ومتطلباتها.

-         تنمية الموارد والكفاءات البشرية في ظل عالمية السوق.

 أولا:التنمية البشرية مدخل استثماري للموارد والكفاءات البشرية:

احتلت تنمية الموارد البشرية اهتمام الباحثين سواء على المستوى الكلّي أو الجزئي، باعتبارها مدخلا لاستثمار الموارد البشرية و أحد محدّدات النمو الاقتصادي. و لقد  توصلت الجهود الدولية
 إلى اعتماد عدد كبير من مؤشرات التنمية البشرية بغرض قياس جهود دول العالم في تحقيق أعلى مؤشرات التنمية البشرية. 

1- البعد الاستثماري للتنمية البشرية:

حسب تقرير التنمية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تتمثل التنمية البشرية
 في" توسيع خيارات الناس و قدراتهم من خلال تكوين الرأس الاجتماعي، بحيث تتم تلبية احتياجات الجيل الحالي بأكبر قدر ممكن من العدالة دون المساس باحتياجات الأجيال القادمة "[1]. كما تعمل التنمية البشرية على إتاحة خيارات متعددة في متناول الأفراد من خلال خلق البيئة المساعدة على تنمية القدرات بشكل كامل، مع إتاحة فرصة الحياة المنتجة و الخلاّقة حسب احتياجات الأفراد و اهتماماتهم.

      إنّ التنمية البشرية باعتبارها جهدا استثماريّا، يرتكز على زيادة المعارف و القدرات لدى جميع أفراد المجتمع القادرين على العمل، حيث تقوم بتجميع الرأس المال البشري و استثماره بصورة فعّالة.

و إذا كانت التنمية الاقتصادية تعمل على زيادة الدخل الوطني فإنّ التنمية البشرية تهتم بتشكيل قدرات البشر، من خلال تحسين مستوى المعرفة و الصحة و مساعدتهم على الانتفاع من تلك القدرات.
 لذا فإنّ  استراتيجية التنمية البشرية تركز على :

- تنمية القدرات البشرية عن طريق التعلم و التدريب و زيادة القدرة على العمل و الإنتاج
عن طريق الرعاية الصحية.

- الانتفاع من القدرات البشرية عن طريق خلق فرص عمل منتجة بما يتناسب مع القدرات البشرية المكتسبة .

- تحقيق الرفاهية باعتبارها هدفا لمختلف الجهود الإنمائية.

     كما لا تهتم التنمية البشرية بتنمية المهارات و القدرات و الاتجاهات البشرية اللازمة لتعزيز النمو و الكفاءة الاقتصادية فقط، بل تشمل أيضا المجالات الاجتماعية و الثقافية و النفسية التي تمكّن الفرد من أن يعيش حياة تحقّق له مزيدا من الرخاء الاجتماعي .

     و ضمن مسار التنمية البشرية أصبح التركيز يتزايد على العناصر الأساسية المميّزة للكفاءات البشرية،  حيث أدخلت مفاهيم جديدة مثل الجودة البشرية (Humain Quality)[2] و التكنولوجيا البشرية 

التي  تتحكم فيها عناصر التخصص الدقيق  التعليم ذو الجودة العالية، و المشاركة الفعّالة للفرد في إدارة التنمية ، بحيث يكون الإنسان محور جميع العناصر السابقة ، ممّا يبرز أنّ التنمية البشرية عملية متكاملة
 في عناصرها الأساسية، فهي تهتم بتطوير الخصائص الذاتية و المكتسبة عند الإنسان و استثمارها بشكل أمثل من خلال انتهاج سياسات تنموية توفر مستويات تعليمية ذات نوعية متميّزة.

2- التنمية البشرية مدخل استراتيجي لتنمية الكفاءات البشرية:

  لقد زاد إدراك الدول النامية و العربية بشكل خاص لأهمية التنمية البشرية و دورها في تنمية الكفاءات القادرة على إدراة الاقتصاد و الانتقال بالمؤسسات خاصة الاقتصادية إلى تحقيق
ميزة تنافسية الأمر الذي دفع  ببعض الهيئات المتخصصة إلى إعداد تقريرين لحد التنمية الإنسانية العربية أخرها عن المعرفة وتجلياتها المختلفة ، فلقد أكّدت دراسة لصندوق النقد الدولي[3] أنّ الدول العربية بحاجة إلى تطبيق مجموعة من السياسات لضمان النموّ المتكامل مع منظومة الاقتصاد العالمي ، و التعامل الإيجابي مع تحرير الأسواق، و إلى تطوير مواردها البشرية لزيادة قدرتها و تعاملها مع التغيّرات المتوقعة . و لا يمكن تحقيق ذلك دون الاهتمام بمجالات اكتساب المعرفة و نشرها من خلال البحث و التطوير خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات و الاتصال باعتبارها أداة مساعدة على الإبداع و التجديد ،و العمل على تضييق الفجوة الرقمية بينها و بين الدول التقدمةفي ظل تزايد اعتماد العمليات الإنتاجية و التسويقية في المؤسسة على أدواتها و منتوجاتها المتميّزة. وبرغم ذلك يلاحظ في هذا المجال مايلي

 ا- ضعف الاهتمام بالبحث و التطوير :

 إنّ من أهم مداخل التنمية البشرية الفعّالة زيادة مستوى البحث و التطوير في منظومة التعليم العالي الذي يعد مصدر أساسي للكفاءات البشرية من خلال ما توفره من فرص اكتساب المعرفة المتطورة ، إلاّ أنّه بالنسبة للدول العربية يسجّل [4]:

- ضعف ارتباط عملية التنمية بالسياسات العلمية و التقنية ، فرغم استثمار حوالي 3 آلاف مليار في تكوين الرأس المال الثابت الإجمالي عبر العشر سنوات الأخيرة إلاّ أنّ عوائده على الدخل الفردي قليلة جدا .

- ضعف تمويل البحث العلمي الذي يعد من أكثر المستويات انخفاضا في العالم حيث وصل
إلى 0,14 % سنة 1996 مقابل 2,53 في إسرائيل و 2,9 في اليابان و 1,62 في كوبا .

- ضعف انتاج براءات الاختراع من العالم العربي مقارنة بما يتم انتاجه في العالم.

- ضعف الحوافز و المكافات المقدمة للباحثين و المشتغلين في مجال البحث و التطوير،مما يدفع الى هجرتهم نحو اماكن اخرى.

 ب- تنامي الفجوة الرقمية  :

 إنّ من  العوامل المؤثرة سلبيا على تنمية الكفاءات البشرية في ظل العولمة تنامي الفجوة الرقمية بين أقاليم العالم و التي يتم التعبير عنها بعدة مؤشرات منها عدد الحواسب الشخصية ، الهواتف الثابتة  عدد مواقع الانترنيت و منسوبية استخدامها إلى إجمالي عدد السكان فمثلا نجد نصيب الفرد
في الدول العربية من إجمالي مستخدمي شبكة الانترنيت يبلغ 0,5% [5]بينما تبلغ نسبة السكان في الدول العربية إلى إجمالي سكان العالم 5 % .و توجد عدة عوامل أساسية تعمل على توسيع تلك الفجوة الرقمية بين البلدان العربية و العالم المتقدّم من أهمّها :

- كون تكنولوجيا المعلومات و الاتصال بحكم طبيعتها ذات قابلية عالمية للاحتكار و الدمج
 و ذلك نظرا لما توفّره من وسائل السيطرة المركزية و سهولة المناولة  في الأصول الرمزية 
 و سهولة تدفق  السلع المعلوماتية .

- الانتقال إلى اقتصاد المعرفة الذي أدى إلى تحويل عملية إنتاج المعرفة على أساس الربحية مما زاد من أهمية و دور الاستثمار البشري في الكفاءات في البلدان المتقدمة. 

     - ارتفاع كلفة إنشاء البنية التحتية لطرق المعلومات فائقة السرعة.

 - النزيف المتزايد للعقول الذكيّة سواء بشكل فعلي من خلال الهجرة أو رقمي عن طريق شبكة الانترنيت خاصة تلك المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات و الاتصال.

 - سرعة تغيّر تكنولوجيا المعلومات و الاتصال التي تزيد من صعوبة التخطيط التكنولوجي  و تجعل القرار الاستراتيجي رهنا بتوصيات خبراء غير ملمين بالجوانب الاجتماعية
  و الثقافية.

     - عدم إدراج المعارف الحديثة و تكنولوجيا الأعلام و الاتصال ضمن مكونات البرامج التعليمية في الكثير من الدول العربية فلا زالت الكثير من الجامعات العربية لم تدرج المعلوماتية ضمن برامجها التكوينية.

     - انعزال بعض الجامعات العربية و عدم إطلاعها على ما وصلت إليه الأبحاث و التطوير العالمية فبي المجال الرقمي.

3-دور البحث والتطوير في تنمية الكفاءات البشرية :

 تمثّل الكفاءات البشرية رأس مال بشري متميّز تفوق قيمته الرأس المال المادي  الأمر الذي يستوجب الاهتمام به و تنميته لتحقيق تنمية مستديمة.إنّ تأهيل الكفاءات البشرية المحلية يتطلب دعم و تمويل برامج معرفية في مجال البحث و التطوير في المجالات التالية [6]:

- التركيز على مراكز التميّز المحلية :

   إنّ النجاح  على الصعيد العالمي يجب أن يبدأ و ينمو من خلال النجاح المحلي و من هنا تأتي أهمية التركي زفي تأهيل الكفاءات البشرية على احتياجات السوق الداخلي من خلال إيجاد مراكز متخصصة و ذات تميّز مبني على الإمكانيات المحلية المتاحة .

     - التركيز على مجالات التميّز :

   يجب استهداف الميادين التي تبرز فيها كفاءة متميّزة و قدرة على الارتقاء إلى أعلى مستويات العلم و المعرفة في العالم بالتركيز على الميادين الحيوية للاقتصاد كالزراعة و المياه و الطاقة الشمسية و البيولوجيا الجينية و الصناعات الكبرى البتروكيمياوية و البرمجيات و المعلومات.

 - التركيز على المنافسة العالمية :

   إنّ الالتزام بمتطلبات الانظمام إلى منظمة التجارة العالمية سوف يؤدي إلى تخفيض الحماية الاقتصادية للصناعات المحلية التي ستواجه منافسة قويّة ليس فقط من الأسواق الإقليمية بل العالمية ، و بالتالي يجب أن تركّز برامج تنمية الكفاءات البشرية على تأهيل السلع و الخدمات الوطنية إلى المستوى العالمي .

  - التركيز على مجالات الاستخدام الكثيف للعنصر البشري مقارنة برأس المال المادي ، ذلك أنّ الميزة التنافسية تكمن أساسا في توافر العنصر البشري ذوي الكفاءة العالية.

     إنّ تنمية الكفاءات البشرية و الحفاظ عليها لا يجب أن يقتصر على تلك المتاحة في الداخل ،
 بل يجب الاهتمام بالكفاءات البشرية المهاجرة من خلال ما تملكه من معرفة و مهارة اكتسبتها طوال فترة أدائها في الجامعات أو المؤسسات الاقتصادية العالمية، والتي يمكن أن تسهّل عملية التأهيل الإيجابي لاقتصاديات الدول النامية بشكل خاص و اندماجها في البيئة التنافسية العالمية ، لذا يتطلب الأمر :

- تقوية قنوات الاتصال مع الكفاءات البشرية المهاجرة ببلدانها من خلال إنشاء قواعد
بيانات منظّمة ، و تأسيس  وسائل اتصال دورية و متعددة ، و منها قنوات المعلوماتية
و الاتصال الحديثة .

-    إنشاء برامج تحقّق الاستفادة من خبرة تلك الكفاءات من خلال الاستشارات أو زيارات العمل المحدودة أو المفتوحة ، بحيث تتيح التكنولوجيا الحديثة في مجال المعلومات و الاتصال طرق مبتكرة تساعد على نقل خبرة الكفاءة المهاجرة لتثمين جهود التنمية.

-   إبرام اتفاقيات تعاون بين الخبرات العربية في الخارج و جامعات بلدانها في مجال التكوين و التطير ،و إدماجها ضمن خلايا تفكير إصلاح المنظومة التربوية.

ثانيا:الاستثمار البشري أساس الميزة التنافسية

1-      العنصر البشري محدد أساسي للميزة التنافسية :           

يعتبر العنصر البشري ممثلا في الموارد و الكفاءات البشرية أحد أهم العوامل المسؤولة عن امتلاك المؤسسة للميزة التنافسية[7]، و نجاحها في اختراق الأسواق العالمية .إنّ إهمال هذا العنصر
و عدم تنميته و تحفيزه و توفير بيئة العمل المؤثرة إيجابيا على روحه المعنوية من شأنه تحميل المؤسسة لخسائر مختلفة و فادحة، و هذا بالنظر إلى أن تلك الموارد و الكفاءات هي المسؤولة
عن اتخاذ و تطبيق القرارات الاستراتيجية التي تهيّئ للمؤسسة فرص النجاح أو قد  تتسبب
 في مشكلات تؤدي إلى الضعف و الخسارة .وبالتالي فإن فقدان الكفاءات أو ضعف أداء الموارد البشرية،- بسبب عدم فعالية طرق التسيير المعتمدة رغم كفاية الموارد المالية- يعد سببا رئيسا
 في فشل استراتيجيات و سياسات المؤسسة التنافسية .

    وفي إطار  تحليليه للنشاطات الداخلية للمؤسسة المسؤولة استراتيجيا عن خلق القيمة وبالتالي
عن الميزة التنافسية وفق أسلوب سلسلة القيمة، يرى Porter أن الموارد البشرية مسؤولة عن خلق القيمة،و أن تسييرها يؤثر على الميزة التنافسية للمؤسسة من خلال تنمية الكفاءات وتحفيز المستخدمين وبالتالي تعتبر عاملا حاسما في تطوير الميزة التنافسية[8] .

  لقد أصبحت الموارد البشرية أساس التنافسية، مما يعطيها بعد استراتيجيا في قيادة ونجاعة المؤسسات، كما أن وظيفة الموارد البشرية خرجت من إطارها التسيير إلى دورها الإستراتيجي،
 تحت تأثير سرعة وحجم التحولات التنافسية [9].

   لقد الاعتماد على التكنولوجيا بدأ يتراجع لسرعة  تغيّرها، إذ أصبح التنافس و التفوّق المرتكز عليها أمرا صعبا، خاصة بعد توسّع استخدام تكنولوجيا المعلومات التي جعلت قدرة تصميم العمليات الإنتاجية و التسويقية متاحا لجميع المنافسين، علاوة على قدرتهم على تقليد التكنولوجيا بعد مضيّ  وقت  قصير من ظهورها .ففي ظلّ عالم تتحرك فيه المعلومات ، و الموارد و التكنولوجيا بحرية عبر الشركات و الحدود ، أصبحت أصول المؤسسة  قابلة للتبادل مع مثيلاتها في المؤسسات الأخرى . بخلاف عنصر وحيد يملك قوّة الترجيح و المتمثّل في الكفاءات البشرية القادرة على خلق القيمة المضافة من خلال ما تملكه من القدرات و المهارات المختلفة .

لقد أدركت الشركات العالمية في ظل تحوّلات البيئة التنافسية أنّ العامل الإنتاجي الوحيد
 الذي يمكن أن يوفّر لها الميزة التنافسية المتواصلة هم كفاءاتها البشرية، ذات المعرفة و المهارات العالية القادرة على الإبداع [10]، و منه زادت الأهمية الاستراتيجية لتلك الموارد و الكفاءات و التي تدفع للتحوّل من اقتصاد المعلومات إلى اقتصاد المعرفة و العقول الذكيّة، ذلك أنّ في ظل اقتصاد المعلومات أدى الانخفاض المستمر لتكلفة تشغيل المعلومات إلى اعتبارها سلعة متاحة للبيع و الشراء، الأمر الذي  أصبحت معه محددا غير أساسيا للميزة التنافسية ، بل أصبحت العقول الذكية المتمثّلة
 في إجمالي المعرفة و المهارات و القدرات التي تمتلكها الكفاءات البشرية المؤهلة للإبداع و التجديد للجودة الشاملة هي المصدر الجديد للميزة التنافسية .

2- حتمية الاستثمار في الموارد والكفاءات البشرية :

     و إذا كانت درجة كفاءة المؤسسات ما زالت تقاس بمدى ما تنجزه و ما تحقّقه من نتائج مالية،  فإنّ المؤشرات المالية لم تعد وحدها المستخدمة ذلك أن  التسيير في المؤسسات أصبح يعتمد - إضافة إلى ذلك في قياس الكفاءة- على جودة القدرات اللازمة لإحداث التغيير و التطوير بما يحقّق الإبداع[11]، و يتناسب و أهداف المؤسسة و هو ما يعد من صميم الاستثمار في الموارد و الكفاءات البشرية. في ظل تطوّرات تكنولوجيا الاتصال و المعلومات و استخداماتها المختلفة في المؤسسة الاقتصادية خاصة فيما يتعلق بنظم العمل و أساليب التسيير ، و مع زيادة حدّة المنافسة نتيجة لتحرير و عولمة الاقتصاد ، تظهر أهمّية الاستثمار بشكل مستمّر  في الموارد و الكفاءات البشرية بشكل يتحقق معه ترتيب استخدام الموارد المتاحة مادية كانت أم بشرية و هو ما سيؤدي حتما إلى :

- زيادة قدرة الكفاءات البشرية على التخطيط الفعال للموارد البشرية وربطها بتحقيق الأهداف الإستراتيجية للمؤسسة.

-زيادة فاعلية ونجاعة إستراتيجيات تنمية الموارد البشرية بما يؤدي إلى الاستغلال الجيد لمختلف القدرات والمهارات واستثمارها في عملية الإبداع والتطوير وإدارة التغيير لرفع القدرة التنافسية للمؤسسة.

   ثالثا: التنمية الاستراتيجية للموارد البشرية:

   1- التنمية الاستراتيجية للموارد البشرية ومتطلبات التغيير

   تمثّل التنمية الاستراتيجية للموارد البشرية الاتجاه طويل المدى لوظيفة تنمية الموارد البشرية
 في المؤسسة، إذ يتّم ضمنها إيجاد أنسب خيارات المؤسسة في تنمية مواردها البشرية أخذا بعين الاعتبار طبيعة الأهداف و النظم و العمليات و الموارد المتاحة ، كذا وضع متغيرات البيئة التنافسية.
إنّ التنمية الإستراتيجية للموارد البشرية تهدف إلى الحفاظ على كفاءة العاملين و تنمية و توظيف قدراتهم
و مهاراتهم في ضوء التغيرات البيئية السريعة ، و بالتالي فهي مدخل يرتبط بجوانب جوهرية
في البيئة التنافسية مثل إدارة التغيير ، بناء الجدارة ، تغيير الثقافة .وبالنظر لكون حقل الموارد
 و الكفاءات البشرية دائم التغيير و التوسع فإنّ الموارد البشرية ليست معنية فقط بإدارة التغيير التنظيمي، بل التنبؤ بحدوثه و البحث عن الفرص ذات الصلة بالموارد البشرية  و اقتراح الحلول الملائمة في إطار استراتيجي .

     إنّ تحقيق كفاءة التسيير الاستراتيجي للموارد البشرية تتوقف على مدى إدراك أهمية التغيير
 و حدوثه و الحاجة إلى توجيهه بطريقة منظمة . فالتغيّرات الكبيرة تحتاج إلى خبراء للموارد البشرية و قادة مؤسسات يحسنون التعامل مع تلك التغيرات المستقبلية ، و بالتالي فإنّ المؤسسة الاقتصادية معنية بتحديد الطرق المناسبة للتعامل مع التغيّرات المحيطة بما يحافظ على الموقف التنافسي الحالي
 و المستقبلي .إنّ إدراك المؤسسات لأهمية التحولات و متطلبات التكيّف معها زاد من التركيز الاستراتيجي على نظم تنمية و تسيير الموارد البشرية.

2- أهمية التنمية الاستراتيجية للموارد البشرية

 و تزداد الحاجة إلى الاهتمام بالتنمية الاستراتيجية للموارد البشرية في المؤسسات الاقتصادية بسسب:

    - ازداد الوعي بأهمية الموارد البشرية كأصل أساسي من أصول المؤسسة، فالمؤسسات بحاجة إلى ابتكارات و جودة شاملة توفّر لها ميزة تنافسية ، وهو ما تمتلكه و تصنّعه الكفاءات البشرية ،
 مما زاد  من أهمية التركيز عليها مقارنة بأصول المؤسسة المالية و التكنولوجية.

    - زيادة الحاجة إلى كفاءات تحسن استخدام تكنولوجيا المعلومات ، فالمؤسسات في ظلّ العولمة
 لا تعاني من فقر في المعلومات، بل صعوبة تشغيلها و تحليلها و توظيف الكمّيات الضخمة و السائلة منها بسبب سرعة تغيّر البيئة التنافسية .

  و تتجلى أهمية تسيير و تنمية الموارد البشرية في المؤسسات الاقتصادية في الدول النامية بسبب تحديات البيئة الداخلية و منها اتجاهات العاملين السلبية المؤثرة على تطوير الأداء التنافسي و منها :

أ‌-   انخفاض رضا الأفراد عن الأجور و المزايا الممنوحة لعدم قدرتها على تلبية
الاحتياجات الضرورية .

ب‌-  شعور الأفراد بقلّة المعلومات المتاحة لهم في بيئة العمل و اللازمة لتنمية مهاراتهم
و تحسين أدائهم .

ج-الشعور المتزايد للأفراد بعدم الأمان الوظيفي الناتج عن نقص المهارات بسبب استخدام تكنولوجيات المعلومات .

د‌-      الاعتقاد المتزايد للأفراد بعدم استغلال و توظيف قدراتهم بشكل كامل و فعّال .

ه‌-       شعور الأفراد بعدم وضوح و عدالة تطبيق معايير تقييم أدائهم ، و عدم ارتباط الأداء المتميّز بالحوافز المكافئة.

و‌-     الطلب المتزايد من العاملين للمشاركة الفعّالة في تقديم الاقتراحات و اتخاذ القرارات المرتبطة بعملهم و أدائهم .

ي‌-   الطلب الاجنبي الكبير على العمالة المتخصصة من قبل المؤسسات الدولية و تقديمها اغراءات كبيرة لا ستقطاب هم نحوالخارج.

3- متطلبات التنمية الاستراتيجية للموارد البشرية  :

تتوقف قدرة المؤسسات الاقتصادية على تبني الاتجاه الاستراتيجي في تنمية الموارد البشرية
 على إمكانية  تطوير بيئة داخلية تحقّق ما يلي :

- أن تكون الموارد البشرية عنصرا أساسيا ضمن القرارات الاستراتيجية و التشغيلية .

       - ضرورة ارتباط القرارات المتعلقة بالموارد البشرية باحتياجات الأداء الفعلي.

       - التكامل بين الموارد البشرية و بقية الموارد المالية و التكنولوجية .

       - تكامل سياسات الموارد البشرية ( الاستقطاب ، التدريب ، التجهيز ...الخ ) و تدعيم بعضها

    كما يتطلب تطبيق المفهوم الاستراتيجي لتنمية الموارد البشرية على مدى إدراك المؤسسة لأهمية التغيرات الضرورية في بيئة الموارد البشرية و هي :

- تغيير قيم و اتجاهات العاملين المرتبطة بالعمل ، برفع درجة ولائهم  للمؤسسة و أهدافها
و زيادة دافعيتهم للعمل من خلال تنمية أسس التعامل العادل ، و تحسين أخلاقيات
و سلوكيات العمل ، مع محاولة  تفجير قدرات العاملين و تحسين مهاراتهم و تنميتها تحقيقا للأمان الوظيفي  و تنمية لروح الالتزام و الابتكار لديهم  كتنمية نظام حوافز يلبي توقعاتهم
و احتياجاتهم المشروعة .

- تغيير طبيعة مهارات مديري الموارد البشرية ، إذ من الضروري لإنجاح إستراتيجية
   المؤسسة التنافسية تطوير مهاراتهم التخطيطية ، و التسويقية ، و التمويلية  لتحسين قدراتهم
  على التعامل مع الاختلافات الفردية ، كذا تباين الإستراتيجيات المستهدفة .

       - تطوير دور وظيفة الموارد البشرية في الاهتمام بقضايا تسيير العاملين و حل
     مشاكلهم إلى المشاركة الفاعلة في صياغة الأهداف و وضع الاستراتيجيات دون الاقتصار
    على التنفيذ فقط .

  رابعا: تنمية الموارد و الكفاءات البشرية في ظل عالمية السوق :

   تواجه المؤسسات الاقتصادية في ظل الانفتاح المتزايد للأسواق العالمية تحديات كبيرة تؤثّر بشكل مباشر على أدائها التنافسي ، ذلك أنّ التوجّه نحو عالمية السوق يتطلب بشكل أساسي الاهتمام بالموارد و الكفاءات البشرية و تطويرها بما يؤثر على جودة و تكلفة المنتجات المصدّرة إلى الأسواق العالمية وتعد وظيفة الموارد البشرية من أكثر الوظائف تأثرا بتلك التغيرات بحكم أنّها مسؤولة عن مختلف الأنشطة المرتبطة بالموارد المتاحة بالمؤسسة ، لذا يجب إجراء التعديلات  الملائمة على استراتيجيات و سياسات الموارد البشرية لضمان تكيّف إيجابي للمؤسسة يساهم في استغلال الفرص البيئية التنافسية و يقلّل من مخاطر التهديدات المحتملة فيها. ولقيام وظيفة الموارد البشرية بذلك الدور الهام يجب بالضرورة أن تكون شريكا أساسيا في صياغة و تنفيذ إستراتيجية المؤسسة، و أن تعمل على التنبؤ بالتحولات التنافسية المؤثرة على كفاءة و فعالية تنمية الموارد والكفاءات البشرية على المدى الطويل .ولقد واجهت تلك الوظيفة في سبيل تحقيق تنمية مستديمة  لتلك الموارد والكفاءات العديد
من التحديات منها :

1- الاتجاه نحو عالمية السوق :

  لقد بنيت  بعض الدراسات أنّ من أهم العوامل التي تدفع بالمؤسسات المحلية أو الدولية لزيادة الاهتمام بنظم تسيير الموارد البشرية ، تزايد الاتجاه نحو العولمة و تحرير الأسواق و التقدّم التكنولوجي المتسارع و ثورة المعلومات ، و أنّ السبب الرئيسي الذي يدعو المؤسسات الهادفة للدخول إلى الأسواق العالمية إلى تطوير استراتيجيات الموارد البشرية  كون هذه الأخيرة كانت مصمّمة  لملاءمة السوق المحلي [12].

إنّ أهم تحدّي يواجه المؤسسات الاقتصادية في ظل عولمة السوق هو إيجاد وسائل تحرير بابتكارية الكفاءات و كسب كامل التزامهم . و تزداد أهمية هذا التحدّي خاصة بالنسبة للشركات دولية النشاط التي قد تواجه نقصا في الكفاءات عالية التأهيل و التعليم حتى في البلدان الصناعية المتقدّمة . لذا يتوقع زيادة شدّة المنافسة على الكفاءات البشرية التي لا شك أنّها سترتبط بالمؤسسات القادرة
 على تلبية احتياجاتها المادية و المعنوية و بالتالي تطلّب الأمر من تلك الشركات العمل على تطوير أنظمة التدريب و التحفيز الملائمة على جذب الكفاءات عالية الأداء .

أدى انضمام غالبية  الدول  في مسار تحرير التجارة الدولية إلى اندماج اقتصادياته في سوق عالمي واحد تسوده المنافسة الشديدة. لأجل هذا يتوقف تحقيق المؤسسات لميزة تنافسية بشكل خاص
على تنمية و تأهيل الموارد و الكفاءات البشرية خاصة في الشركات عالمية النشاط أو ذات التوجه التصديري وذلك من خلال التركيز على :

     - تنمية مهارات مديري الموارد البشرية لامتلاك وتطوير فن التعامل مع العاملين متعددّي الجنسيات ، و محاولة فهم أساليب تسيير الموارد البشرية، بما يسمح بتعديل الأنظمة الحالية بشكل إيجابي .

-      تدريب الكفاءات البشرية على اكتساب مهارات الاتصال و صياغة الاستراتيجيات
 و حل الصراعات ، و بناء فرق العمل الجماعي .

  - التأكد من إدراك و فهم الكفاءات البشرية لمهامها و واجباتها ضمن الثقافة و القوانين المعمول  بها في البلدان المستضيفة.

-       اكتساب مهارات اللغات المتعددة كأداة اتصال لنجاح الكفاءات البشرية في بيئة العمل الدولية

2-تنويع مزيج الموارد البشرية :

  تضم الشركات دولية النشاط ، عاملين متعددي الجنسيات و الثقافات و الأعمار ، ممّا يعني اختلافا في القدرات و المهارات التي تتطلب بالضرورة مزيد من التنمية و التدريب الجيّد.

3 -الاتجاه المتزايد للتصغير:

  في سبيل زيادة كفاءاتها التنافسية ، زاد اتجاه المؤسسات الاقتصادية إلى تخفيض حجم العمليات  كتقليل المستويات التنظيمية و تخفيض عدد المنتجات و التخلص من العمالة الزائدة أو اندماج  بعض الوحدات أو إلغائها .ضمن هذه التحولات تكون وظيفة الموارد البشرية ملزمة بتنمية و تدريب العمالة المتاحة لاكتساب مهارات تتطلبها الطبيعة المتغيرة للنشاط و إدارة الصراع التنظيمي [13].

4- إعادة هندسة العمليات :

   بهدف التناسق مع التحولات التنافسية لجأت كثير من المؤسسات إلى إحداث تغييرات هيكلية
 في العمليات ، و في أسلوب أدائها، و هو ما اثر بشكل مباشر على نظم و سياسات الموارد البشرية، وبالتالي يجب التركيز على إخضاع الأفراد لبرامج تدريبية تقنع بأهمية التغيير و دوافعه
 و تجاوز الصعوبات التي يتعرض لها العاملين أثناء التغيير،إضافة إلى الاهتمام  بتقديم برامج لتنمية مهارات استخدام التكنولوجيا الحديثة في ظل اقتصاد المعلومات و سرعة الاتصالات [14].

5- الاتجاه نحو اللامركزية في التسيير 

  تقتضي ظروف المنافسة و متطلبات تحقيق الجودة الشاملة مشاركة الموارد و الكفاءات البشرية في مختلف المستويات التنظيمية ،من خلال زيادة هامش التدخل للكفاءات لتحليل المشكلات و تقديم الاقتراحات و الاحتكاك بالعميل ، لذا يجب تنمية مهارات التفاعل مع المشكلات المختلفة و التفاوض
 و التسيير بالمشاركة ، كذا تنمية مهارات العمل ضمن فريق جماعي كالتعاون و الثقة بالنفس
و احترام الآخرين .

6- الاتجاه نحو تنويع المهارات:

  لم تعد المهارات الفنية سواء المرتبطة بأداء العمليات أو اتخاذ القرارات هي المطلوب اكتسابها من طرف الموارد و الكفاءات البشرية بل في ظل نمو قطاع الخدمات عالميا أصبحت متطلبات الجودة العالمية لتلبية حاجات العملاء محورا لاهتمام المؤسسات الاقتصادية خاصة الخدمية كأداة فعّالة لمواجهة التحدّيات التنافسية لذلك كان لزاما على المؤسسات تنمية مهارات جديدة تتعلق بخدمة العملاء و التفاعل معهم.

     بعد هذا العرض لا يمكننا في النهاية إلا أن نخلص إلى أن التكييف الإيجابي مع تحولات البيئة التنافسية يستدعي انتهاج إستراتيجية فعالة للتنمية البشرية تركز على تنمية القدرات البشرية والانتفاع بها من خلال اكتساب المعرفة والاهتمام بالبحث والتطوير خاصة في مجال تكنولوجية المعلومات، كأداة تساعد الموارد والكفاءات البشرية على الإبداع والتجديد التكنولوجي. و بالنظر إلى حتمية الاستثمار في الموارد والكفاءات البشرية كون الميزة التنافسية أضحت مرتبطة أساسا بالعنصر البشري في ظل  التحول إلى اقتصاد المعرفة، أصبح لزاما على المؤسسات الاقتصادية  في الدول النامية اعتماد تنمية إستراتيجية لمواردها البشرية تستجيب للتحديات التنافسية الجديدة.

المراجع والإحالات :



[1]  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية، 1990.

[2] كلتم علي الغانم الغانم،مشكلات التنمية البشرية في الدول النامية، مجلة  شؤون اجتماعية، الكويت،العدد 54،سنة 1997، ص113.  

[3] Alonso- Gamo,P., Fedelino, A. and horvitz, S. sept.1997, Globalization and Growth Prospect in arab countries, INF working paper, WP/97/125.

[4] تقرير التنمية الإنسانية العربي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، سنة2002، ص 61.

[5]  المرجع السابق،ص 60.

[6]  المرجع السابق، ص62.

[7]  سيد مصطفى أحمد، إدارة الموارد البشرية: منظور القرن الحادي والعشرين، دار الكتب، القاهرة، السنة 2000، ص 19.

[8] Porter. M , L’avantage concurrentiel, Dunod, Paris , 1999, p. 60.

[9] Armand. Dayan, Manuel de gestion, ELLIPSES/ AUF,Paris,1998, p .331.

[10]  أشوك شاندا. شلبا كوبرا، ترجمة الخزامي عبد الحكم، إستراتيجية الموارد البشرية، دار الفجر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، السنة 2002، ص10.

[11]  القاضي فؤاد، إستراتيجيات تخطيط الاستثمار البشري في المؤسسات العربية:  المؤتمر السنوي الثاني للتدريب، القاهرة، 24-26 أكتوبر 1995، مركز الخبرات المهنية للإدارة،ص61.

[12]   عبد الله العمر فؤاد، دليم القحطالي، تطوير الموارد البشرية في الشركات الصناعية السعودية المرتبطة بالتصدير في ظل عالمية السوق: دراسة تطبيقية، مجلة الإداري، السنة22، العدد80، مارس 2000.

[13]  حسن راوية، مدخل إستراتيجي لتخطيط وتنمية الموارد البشرية، الدار الجامعية ، القاهرة، سنة2002، ص16.

[14]  المرجع السابق ،ص17.

 

Télécharger l'article