الإستثمار البشري وإدارة الكفاءات كعامل لتأهيل المؤسسة

واندماجها في إقتصاد المعرفة

 

 

 

من إعداد: الهادي بوقلقول

 

 

 

مقدمـة:

 

لقد أجبرت البيئة الإقتصادية الحادة المنافسة، المديرين والقادة في المنظمات على النظر خارج أسوارها، لفهم قواعد البقاء ووضع منظماتهم على طريق النمو والإزدهار .

 

فمن يستطيع تنظيم الموارد المالية، وتكنولوجيات المعلومات، وقبل هذا وبعده تنظيم الموارد البشرية ودارتها، سوف يحتل الريادة طالما أن لديه قوة الأفراد وذكائهم ومعرفتهم .

 

فالمنظمات اليوم أدركت أن العامل الوحيد الذي يبقيها في السباق نحوالريادة ويوفر لها الميزة التنافسية المتواصلة هو أفرادها .

 

ان ترجمة هذه الحقيقة تتجلى من خلال التحول الجاري في إدارة الموارد البشرية في كل المنظمات
على مستوى العالم، خاصة وأننا بصدد الإتجاه نحو مجتمعات المعرفة، والذي تصبح فيه العمالة المزودة بالمعارف مسألة محورية .

 

فالموارد البشرية لاتساهم فقط في المخرجات النهائية، ولكن أيضا في الطرق التي تطور أساليب الإدارة والتسيير، لهذا فان التحدي الذي يواجه دوائر الأعمال اليوم، يتمثل بالأساس في تحرير الطاقة الإبتكارية للأفراد وكسب كامل التزامهم، وهو التحدي الصعب للمنظمات، خاصة تلك التي تواجه نقص شديد في العمالة العالية التأهيل والتعليم، بما في ذلك تلك الموجودة في البلدان المتقدمة، لهذا السبب سوف تشتد المنافسة على العمالة الأكثر كفاءة وتأهيلا .

 

وإذا كان إنخفاض التكلفة المستمرة  في عملية تشغيل المعلومات أدى لإعتبارها سلعة جاهزة للبيع والشراء، فإنه وكنتيجة لذلك فإن المعلومات غير كافية لكي تصبح ميزة تنافسية في حد ذاتها، وإنما الإهتمام المتنامي بالأصول الذكية  يجعلها المصدر الجديد للميزة التنافسية .

 

فهذه الورقة تتناول أهمية الإستثمار البشري وإدارة الكفاءات كمحددين لتأهيل المؤسسة بصفة عامة
و الجزائرية على وجه الخصوص، و ادماجها في اقتصاد المعرفة.

 

من خلال :

 

تعريف الأستثمار البشري، تعريف الكفاءات و الأصول الذكية  وأساليب ادارتها و تسييرها، من جهة،
و ابراز أهمية العنصر البشري في تأهيل المؤسسة و دور الكفاءات المؤهلة و المزودة بالمهارات و المعارف في ادماجها في اقتصاد المعرفة من جهة ثانية.

 

 

الرأسمال البشري Le Capital Humain :

 

إن  مفهوم  الراسمال البشري يشير إلى النظرية التي و ضعها (Gary Becker) في منتصف الستينيات من القرن الماضي.

 

و كانت الإنطلاقة، من الأبحاث التي درست أسباب النمو القوي المحقق خلال ما يعرف بالثلاثينيات المجيدة    « les trentes glorieuses »، حيث أرجعت نسبة كبيرة من النجاحات المحققة في تلك الحقبة
الى التقدم التقني الحاصل آنذاك، و لكن أيضا إلى تراكم المهارات الجماعية و الفردية.

 

 

 

فالرأسمال البشري يشير إلى مجموع المعارف و المهارات و الخبرات، و كل القدرات التي تمكن
من زيادة إنتاجية العمل لدى فرد أو جماعة عمل معينة.

 

و نظرية الرأسمال البشري تقوم على تنمية فرضية مؤداها أن الفرد يقوم بالإستثمار في هذا الرأسمال
و تراكمه من أجل الحصول على إيرادات في شكل أجور إضافية. و تراكم هذا الرأسمال يتم من خلال عمليات التكوين الأساسي، و التكوين المستمر، و أيضا من خلال التربية الأسرية، أو المهارات المكتسبة أثناء العمل،
أو مجموع السيرورات التي تمكن من تنمية الكفاءات لدى الأفراد العاملين.

 

و يتطلب إحداث ذلك التراكم تكاليف مباشرة متمثلة في تكاليف الدراسة و مصاريف الإيواء،
و النقل...إلخ، و تكاليف غير مباشرة متمثلة بالأساس في تكاليف الفرصة أو الأجر الذي كان من المفروض أن يتقاضاه الفرد لوعمل خلال تلك الفترة.

 

فالإستثمار في الرأسمال البشري يهدف إلى الحصول على مداخيل أكثر من التكاليف التي يتطلبها،
و يقوم به إما الفرد ذاته (التكوين الأساسي، الخبرات، و التكوين خارج المهنة التي يؤديها الفرد)، أو تقوم به المؤسسة (من خلال التكوين المستمر).

 

فالكفاءات المتحصل عليها في النهاية قد تكون عامة (يتم استعمالها في أية مؤسسة) أو خاصة تؤدي
إلى إحداث تأهيل خاص « Qualification Spécifique » أي مجموع القدرات التي يتم تثمينها في المؤسسة التي ينتمي إليها الفرد فقط.

 

و العائد المترتب عن ذلك يكون في شكلين؛ إما في شكل زيادة في الأجر، بالنسبة الفرد أو زيادة
في إنتاجية العمل بالنسبة للمؤسسة.

 

االرأسمال الفكري Le capital Intellectuel :

 

         إن الرأسمال الفكري للمؤسسة يتكون من الرأسمال البشري (مهارات الأفراد العاملين) و الرأسمال الهيكلي le capital structurel (التنظيم و الملكية الفكرية) (EDVINSON & MALONE) )1997(،
و (STEWART)   )1997(.

 

        فالرأسمال الفكري أو ما يطلق عليه بالأصول الذكية يمكن تعريفها بأنها " الإجمالي المجتمع
من المعرفـة، و المهـارات، و القـدرات التي يمكن أن تمتلكها المنظمات و توجهها نحو الإنتاج البناء ..." (A.Shasda & Ch.Cobra)، كما يعرفها توماس ستيوارت THOMAS STUART : « هي المواد والممتلكات الذكية، والمعرفة والمعلومات والخبرات، التي يمكن أن تستخدم لخلق الثروة ... ».

 

وقد بدأ الإهتمام بهذا النوع من الأصول منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، حيث أشار الكثيرين الباحثين إلى أن الأصول الرئيسية للعديد من المؤسسات في ميدان إنتاج التكنولوجيا العالية لا تتمثل في الأصول المادية فقط، و لكن في مهارات أفرادها، و في التراكم الفكري و المعرفي الذي تملكه هذه المؤسسات.

 

و هنا يمكن ذكر على سبيل المثال لا الحصر شركة MOTOROLA التي قامت بمحاولة لبناء أصولها الذكية من خلال أنشطة إدارة المعرفة في التدريب و التعليم.

 

و قيـاس هذا النـوع من الأصول (الأصول الذكية) التي تشـكل (الرأسمال الفكري) حقـل حديث التطور، و صعب القيام به لأنها مخفية و لا تظهر في سجلات المؤسسة أو حالاتها المالية. حيث يقدم بعض المفكرين اقتراح تقييم هذه الأصول من خلال الفرق بين القيمة التي تبينها سجلات المؤسسة و السعر الذي يكون المشترون المحتملـون مستعـدون لدفعه من أجـل الحصول على ملكيـة المؤسسة أو الرقـابة عليها (EDVINSON) (1997)، (BROOKING) (1997) ففــي 1996  اقتـرحت لجنـة القيـم المنقولـة لينويــورك (Security Exchange Comission) ضرورة إقامة ملحقات (Annexes) تخص معلومات عن الرأسمال الفكري – الأصول الذكية – إلى جانب التقارير المالية السنوية للمؤسسات.

 

و أصبحت الكثير من المؤسسات على غرار شركة Infosys المختصة في المعلوماتية تدخل أصولها من الرأسمال الذكي كجزء من تقريرها السنوي و كأساس لحساب نموها المتواصل (عبد الحكيم الخزامي) (2002)

 

 

 

الكفاءة في الإدارة la compétence en management

 

يجب قبل كل شيء التطرق لمفهوم الكفاءة من خلال المساهمة القيمة التي قدمها (M. Porter) (1980) و التي مكنت من التحليل الإستراتيجي للمؤسسة فيما يتعلق بالجانب الخارجي. فهذا التحليل مكن من بناء نظرية مهيكلة لتموقع المؤسسة مقارنة بمنافسيها و مختلف القوى التي تؤثر عليها. و بالرغم من النقد الذي تعرضت له هذه المقاربة فإنها ما تزال صالحة إلى الآن.

 

ثم قام (M. Porter) (1985) بتقديم مساهمة أخرى مميزة، قائمة على أساس القيم المضافة(سلسلة القيمة)، و كان يهدف منها إلى معالجة "العلبة السوداء" للمؤسسة من الداخل و ليس فقط من تحليل بيئتها التنافسية.

 

هذه المساهمة لم تلق الصدى المرجو منها عند الممارسين les Praticiens و قد يرجع ذلك بالأساس إلى صعوبات إستخدام مفهوم سلسلة القيمة في الممارسة.

 

و في هذه الأثناء ظهر تيار آخر يقوم تحليله على الموارد les ressources و المؤسس على أعمال (PENROSE) (1959)، حيث قدمت هذه النظرة الجديدة التي قام بإرساء دعائمها كل من (WERNERFELT) (1984)، (RUMELT) (1984)، (BARNEY) (1986) و (COLLIS) (1991)، و الذين أكدوا أن تنمية المؤسسة لا ترتبط فقط بتموقعها الخارجي و القوى التي تتحكم في بيئتها الخارجية، و لكن نسبة كبيرة من نجاحها مرتبطة بالموارد التي تمتلكها و التي تقوم بتعبئتها(2000) (DURAND. T).

 

و ثم إثراء هذه المقاربة فيما بعد، و تحول الإهتمام من الموارد (Ressources) تدريجيا إلى المعارف (Connaissances) من خلال أعمال كل من (1996) (CONNER, PRAHALAD)، (ZANDER & KOGUT) (1996).

 

و يمكن القول ان هذا التيار لم يعرف نجاحه من طرف الممارسين إلا من خلال مقال (G.HAMEL,C.K.PRAHALAD) (1996)  حول الكفاءات المفتاحة les compétences clés و كان أن أدى ذلك إلى إحـداث السبـق في تقديم فكـرة أســاسية عن النظرية المبنيـة على المـوارد من خـلال إقتــــراح

 

(HAMEL & PRAHALAH) ضرورة إعادة التفكير في الإستراتيجية ليس من خلال و حدات الأعمال الإستراتيجية (SBU)، أو التقسيم التنظيمي المناسب، و لكن من خلال تثمين الكفاءات المفتاحة المرتبطة بوحدات الأعمال الإستراتيجية (SBU)، و هو الأمر الذي حقق نجاحا باهرا.

 

        و تبعت ذلك سلسة من الأعمال و الدراسات، و ضعت الأساس الثلاثة مقاربات نظرية؛ الأولى ركزت على الموارد، و الثانية ركزت على المعرفة، و الثالثة ركزت على الكفاءات.

 

        و إذا كان منطق التحليل هو نفسه في هذه المقاربات الثلاثة، فإن نظرية الكفاءة مكنت من تحقيق تطورات مشهودة. فبورتر (1991) (M. PORTER) يعتبر أن كل أصل أو مورد عادي يمكن تمييزه و شراؤه، أي قابل للتقليد (imitable) و لا يمكن اعتباره "مفتاح" و بالتالي فإن الميزة التنافسية المرتبطة بهذا النوع
من الموارد لا تكون مستدامة.

 

و لما كانت النظرية المبنية على المعرفة هي امتداد لنظرية الموارد فإنه يجب البحث على الميزة التنافسية من خلال الأصول أو الموارد غير المادية، و التي لا تقبل التقليد على الأقل على المدى الطويل.  

 

 

الكفاءات الإستراتيجية les compétences stratégiques

 

إن مفهوم الكفاءة عموما يعتبر من الإشكاليات المتعلقة بإدارة الموارد البشرية، فعلى المدير (المسير) تحديد الكفاءات التي يتمتع بها العاملين و مقارنتها مع تلك التي يتطلبها تحقيق الأهداف الإستراتيجية للمؤسسة،
و تخطيط ان أمكن التسويات أو التصحيحات الواجب القيام بها.

 

فالكفاءة لا تتمتع بالطابع الإستراتيجي إلا إذا كانت متغيرا ضروريا لتكييف المؤسسة مع محيطها.

 

 

و هناك مقاربة تنظر إلى المؤسسة من خلال درجة الإعتمادية (l'interdépendance) فيما بين المؤسسة و محيطها، فالمؤسسة تحاول التأثير على محيطها، و نجاحها في ذلك يكون مشروط بقدراتها
على استغلال و تنمية الموارد الداخلية بصفة أصيلة (Originale).

 

فمنطـق استـراتيجية الموارد يربط بين الخاصية الوحيدة لقدرات المؤسسة في مجال المهارة التقنبة (savoir faire technique)، و المهارة التجارية و الإدارية، و التي تعتبر مصادر مهمة للتميز، و التي تمكن من خلق ميزة تنافسية معينة و الحفاظ عليها.

 

و بصفة عامة فإن الموارد يمكن تحديدها من خلال مجموع الأصول المادية (Tangibles) و المعارف و المهارات، و القدرات الخاصة للمؤسسة.

 

فالمؤسسة تعتبر كمجموعة من الكفاءات المتراكمة عبر الزمن، و المتجدرة في بنيتها،
و تكنولوجيتها، و عملياتها الروتينية، و العلاقات ما بين الأفراد و التي يعتبر إيجاد توليفة مناسبة منها مصدرا من مصادر النجاح.

 

فيمكـن الحديث بالتـالي عن الكفـاءات المفتـاحة les compétences clés، الكفـاءات الأســاسية les compétence fondamentales، الكفاءات المميزة les compétences distinctives و الكفاءات الخاصة  les compétences spécifiques للحديث عما يمكن للمؤسسة أن تقوم به بإمتياز مقارنة بمنافسيها.

 

و المفاهيم السابقة هذه تعبر عن تنوع الأبحاث و الدراسات المتعلقة بالموضوع من خلال بعدها النظري، و أيضا من خلال الأهداف التي تريد الوصول إليها.

 

فالكفاءات الإستراتيجية يمكن تنميتها إنطلاقا من ثلاثة أنواع للموارد: الموارد المادية (المعدات، التكنولوجيا، المباني...)، الموارد البشرية (كفاءات الأفراد)، و الموارد التنظيمية (الهيكلة، نظام التنسيق، الرقابة...).

 

إن الكفاءات الإستراتيجية للمؤسسة لا ترتبط فقط بالموارد البشرية فكفاءة الفرد تتكون من خلال مجموع الصفات الفردية (المعرفة، المهارة، السلوك) المرتبطة بمجموعة من النشاطات الخاصة، و لكن الكفاءة كقدرة على العمل بطريقة فعالة لا ترتبط بفرد واحد، فالفعل النـاجع داخـل المؤسسة يقوم على آليـات للتعـاون تضمن إقـامة الإعتمـادية (علاقـات التـأثير المتبـادل) مابين الكفاءات المتكاملة و تؤدي إلى خلق عوامل للتعاضد (les facteurs de synergie) التي تعطي نتيجة أكثر من النتيجة المحققة إذا كان كل فرد يعمل بمفرده.

 

فالرهان الذي تواجهه المؤسسات هو التنسيق و الإستعمال الجيد لمجموع الكفاءات الموزعة بين عدد واسع من الأفراد.

 

و بعبارة آخرى فإن الكفاءة الإستراتيجية تأتي من الطريقة التي يتم بها خلق تكامل ما بين الكفاءات الفردية من خلال آليات تنسيق معينة، فالكفاءات الإستراتيجية هي كفاءات جماعية.

 

لهذا فإن البحث على إيجاد التوليفات (Combinaisons) الجديدة ما بين المهارات الفردية و الأصول الخاصة، و القواعد التنظيمية، هو الذي يؤدي إلى دعم الميزة التنافسية للمؤسسة، التي تصبح مرتبطة بدرجة التدعيم (Consolidation) و سرعة تحويل و نقل الكفاءات الإستراتيجية للمؤسسة.

 

 

 

 

 الأبعاد التنظيمية و الإدارية لتأهيل الكفاءات في المؤسسة :

 

        إن الكفاءات تعبر عن الطرق التي تجيد المؤسسة بواسطتها القيام ببعض الأعمال مقارنة بمنافسيها،
و تتمثل في مجموع الممارسات الروتينية، و المهارات المميزة، و الأصول المكملة التي تترجم نجاعة الإجراءات المعمول بها لحل المشاكل المطروحة داخل المؤسسة (1994) Guilhon .

 

فالكفاءة تتشكل من مجموعات متجانسة من المعارف (connaissances)، و القدرات التي تؤدي إلى إحداث التوليفات المناسبة من هذه المعارف.

 

        فالمؤسسة محل التأهيل (sujet de mise à niveau)، و حتى تحصل على الأهداف المراد بلوغها
من الإستثمارات التي تقوم بها في مجال إدارة المعارف، يجب عليها إدارة جيدة للمزيج المعرفي :

 

 

المزيج المعرفي (LEARNING-MIX) و أبعاده :

 

  • البعد التكنولوجي ( نظم المعلومات ) .
  • البعد الإستراتيجي ( محفظة المعارف ) .
  • البعد التنظيمي ( بنية تنظيمية تمكن من الإبداع و تقاسم المعارف) .
  • البعد المرتبط بالهوية ( هوية متعلمة identité apprenante ) .

 

 

و هذه المكونات الأربعة للمزيج المعرفي تتكون فيما بينها إعتمادية متبادلة بحيث لا يمكن الثأتير على إحداها دون المساس بالبقية .

 

أ- نظم المعلومات (Systèmes d’information ) :

 

        و تمثل الجزء المادي أو المنظور من إدارة المعرفة، و تشكل التكنولوجيا الحديثة للإعلام و الإتصال وسيلة مهمة لها. حيث نشير هنا إلى وجود تيارين : الأول يدعو إلى ضرورة الزيادة في الإمكانيات المادية لجمع البيانات و المعلومات و معالجتها و استغلالها ( كحالة إدارة العلاقة مع زبائن المؤسسة ...)، أما الإتجاه الثاني فيتمثل في الدمج التدريجي للأنظمة التي تمكن من ربط عدد كبير من المتعاملين (Acteurs) مثل تقنيات إدارة سلسلة الإمداد الشاملة Suppley chain management في صناعة معينة، و التي تدمج مختلف نظم المعلومات من المورد إلى أبعد زبون .

 

و نشير هنا إلى أن نظم المعلومات لا يمكن إختصارها في العامل التكنولوجي فحسب بل إن هذا الأخير يعتبر وسيلة و ليس غاية في حذ ذاته (Cross et Baird) (2000).

 

ب- محفظة المعارف Porte feuille de connaissance :

 

        حيث تمثل الأصول غير المادية، الموارد التنافسية لأنها صعبة التحديد و التقليد (Grant) (1991)،
و إدارة محفظة المعارف تعتبر من المهام الصعبة بالنسبة للمديرين لأن المعارف موارد غير مادية (intangibles) و في أغلب الأحيان ضمنية (Tacites) مما يصعب من تحديدها و امتلاكها.

 

فالأبحاث و الدراسات تشير إلى أن المؤسسة التي حققت نموا كبيرا هي تلك التي تقوم بإدارة محفظة معارفها و تكييف ثقافتها و سلوكها و بنيتها و نمط إدارتها مع التحديات العالمية .

 

        أو بعبارة أخرى فإن المؤسسات القادرةعلى توقع التغيرات، هي تلك التي تملك أكبر حظ للنجاح في ظل السياق التنافسي الحالي.

 

        لهذا فإن هنالك تحليل يركز على المعارف و الكفاءات المفتاحة للمديرين ( التكيف، الحدس، المرونة، الخبرة ...) التي يجب التحكم فيها و إثرائها لضمان النجاح.

 

ج- هيكلة ( بنية) متعلمةune structure apprenante  

 

إن الرهان الأكبر لبناء إستراتيجية مبنية على المعارف تتمثل في إكتساب أو خلق و نقل و إستخدام المعرفة و هو الأمر الذي يتطلب بنية تنظيمية ملائمة تكون أولويتها القدرة على خلق و تبادل المعارف .

 

        و قد ظهرت أشكال تنظيمية جديدة تعتمد على التقليل من المستويات التسلسلية( البنية المسطحة ) تمكن من الإدارة حسب المشاريع و تسمح بعمل الأفراد شبكيا (En réseau)، و الهدف الأول من هذا النوع
من البنيات هو تقليص و تحديد الحواجز بين مختلف مصادر المعلومات الداخلية و الخارجية إلى أدنى حد ممكن.

 

و بظهور هذا النوع من البنيات التنظيمية ظهرت وظائف جديدة مرتبطة بإدارة المعارف و الكفاءات : مسؤول مركز المعارف chief knowledge officer، مدير الرأسمال الفكري chief learning officer ...الخ.

 

 

د- هوية متعلمة Une identité apprenante:

 

        الهويـة هي مجمـوع خصـائص المؤسسـة التي تطبعهـا بميـزة محـددة و تجعلـها فريدة
من نوعها

 

 (Larçon Reitter) (1979)، فمفهوم الهوية يشمل و يتعدى مفهوم الثقافة، و يتمثل في التقاليد و الممارسة الإدارية، و تنظيم الوقت، و سلوكات الأفراد، و القيم الضمنية المشتركة بين الأفراد الذين يكونون المؤسسة.

 

        فالهوية المتعلمة هي التي تسمح " بالحق في ارتكاب الخطأ " بشرط التعلم منه، و بتثمين و خلق و تقاسم المعارف و تحفيز التدريب المتبادل، و التي تجعل أفرادها قادرين على إعادة النظر في أطر التفكير و العمل
و مناقشة المشاكل الحقيقية و خلق علاقات ثقة متبادلة بينهم.

 

و الهوية المتعلمة ضرورية لتشغيل الأشكال التنظيمية الجديدة ( الهياكل المتعلمة )، و الإستخدام الفعال و الناجع لنظم المعلومات و إدارة محفظة المعارف .

 

إستراتيجيات إدارة وتثمين الرأسمال الفكري في المؤسسة :

 

يمكن التطرق إلى إستراتيجيات إدارة الرأسمال الفكري من خلال البدائل المتاحة أمام لمؤسسة التي يمكن إيجازها في ما يلي :

 

  • ·        إستراتيجية المعرفة (الرأسمال الفكري) :

 

 التي تعتبر كأحد الفروع المهمة لإستراتيجية المؤسسة ككل، والتي تهتم بخلق وتمييز وتحديد وتقاسم المعارف داخل المؤسسة .

 

 

  • ·        إستراتيجية إدارة الرأسمال الفكري :

 

ويتعلق الأمر هنا بإدارة براءات الإختراع  (BREVETS)، والمهارات (savoir-faire)، والمهارات التنظيمية، إضافة إلى المعارف المتعلقة بالعملاء والموردين .

 

 

 

  • ·        إستراتيجية الرأسمال البشري :

 

من خلال تدريب وتكوين الأفراد وتعليمهم، حيث أن إستراتيجيات النهوض بالرأسمال البشري تعتبر
من ضروريات العصر بسبب التقدم التكنولوجي المتسارع والإبداع التقني العالي وزيادة درجة تعقيد المنتوجات التي عقدت عمليات التصنيع، حيث انه وكنتيجة للتقنية العالية المستخدمة ستقل نسبة العمل المعاد، كما أن الحصول على فرصة عمل سيتطلب مهارات وخبرات متعددة ومتنوعة عند العاملين وبدون ذلك فإن الفرصة تكون مستحيلة (عادل حرحوش) (2001).

 

  • ·        إستراتيجية خلق المعارف داخليا :

 

من خلال البحث ودراسة العمليات وبحوث التسويق، وكذا التجديد التنظيمي أو ما يسمى " إعادة الهندسة التنظيمية " (Reingeneering Organisationnel) حيث أن البحث عن مفاهيم جديدة في مجال الإدارة والتنظيم من أجل التعامل مع متغيرات المحيط المعقدة من المتطلبات والأهداف الأساسية لكل تنظيم يبحث عن الفاعلية والنجاعة والمحافظة على بقائه وإستمراريته (عادل حرحوش) (2001).

 

  • إستراتيجية تحويل (نقل) المعارف :

 

يتم ذلك من خلال إكتساب المعارف وتنظيمها وحفظها وتوزيعها الداخلي (WIIGK) (1997)، فالقيام بعمليات روتينية وفعالة في مجال وظيفة البحث، وتكوين الأفراد واليقظة التكنولوجية والتنافسية، وإدارة الأصول غير المادية سواء على مستوى العمليات أو على مستوى التحالفات والتحويلات التكنولوجية، تعتبر اليوم
من الأمور المهمة لزيادة وتجديد وتثمين الأصول غير المادية.

 

 

فالمهارات لابد ان تكون موضوع إثراء جماعي (التحويل و النقل) وهذا ما يدعو إلى ضرورة خلق الظروف الحقيقية لنشر ثقافة التقاسم والشفافية ما بين أعظاء المؤسسة من خلال جعل إدارة المهارات في خدمة الصالح العام للمؤسسة ككل.

 

 

 

دور إدارة المعارف والكفاءات في تأهيل المؤسسة :

 

 

مما لا شك فيه أن تأهيل المؤسسة الإقتصادية يتطلب تأهيل الذهنيات أولا وقبل كل شيء ثم من خلال تشخيص حقيقي وتقدير الإنحراف ما بين الموارد الحالية القابلة للتعبئة (mobilisation)  والموارد المستقبلية المرغوبة، والذي من شأنه التمكين من تحديد نقاط القوة ونقاط الضعف للطاقات البشرية المتوفرة وبالتالي توضيح المحاور الكبرى للعمل ووضع خطط للتكوين والتدريب والتوظيف، وإدارة مسارات العمل بالنظر لمخطط تنمية المؤسسة ككل والإمكانيات التي تتوفر عليها، تكون الغاية منها التحسين الشامل او الجزئي للمهارات، والإدماج في العمل (الشكل الموالي).

 

 

Source : Jean Yves Buck : le management des connaissances ed Org- 3° tirage 200 P58

 

 

فمثل هذا التشخيص قائم على تحديد الوسائل التي تمكن من تقليص الفجوات فيما يتعلق بالتحويل (النقل) الداخلي للمعارف، أو كسب إلتزام وولاء المهارات المتاحة، أو القيام بالتنبؤات المستقبلية لتشكيل المهارات
من أجل إعادة إنتاجها (J.Y BUCK)  (2000) .

 

فتنمية الكفاءات التي قد يصاحبها تحويل للمهارات، أصبحت تشكل رهانا كبيرا للمؤسسات التي تريد الإستمرارية، وهذا يتطلب خلق بيئة داخلية متعلمة (un environnement apprenant) لها القدرة
على التفاعل وإقتناص الفرص المتاحة. فنجاح مثل هذه المؤسسات يتطلب إرادة إدارية تشجع على التأقلم والتكيف الدائم والمتعدد الأبعاد، الذي يساير الرهانات الإستراتيجية لها، والذي يقود إلى تحديد محاور التنمية على مدى زمني متوسط بالنسبة للمؤسسات خاصة منها تلك التي تكون موضوع التأهيل (mise a niveau)  ثم تصميم خطة موجهة لتحقيق إحترافيـة كـل الأفراد، يكون الغرض منها محو الفوارق المعرفية وتقريبها
من حدود الإمتياز (A.LAMIRI) (2003) .

 

 

الخاتمة :

 

ما يمكن قوله في نهاية هذه الورقة أن الرهان الحقيقي لأية مؤسسة يتمثل في كفاءاتها مهما يكن مصدرها حتى لو كان الصدفة أوالحظ، فإستغلال أصل معين أو مورد معين قد يجعل المؤسسة أكثر كفاءة مقارنة بمنافسيها.

 

وإذا كان هذا المنظور الناشىء والمبني على الرأسمال الفكري أحد مجالات إهتمام التيارات الحديثة
في الإدارة والذي أصبحت أهم مفاهيمها: التدريب التنظيمي (ARGYRIS) )1992( والكفاءات المركزية للمؤسسات (HAMEL.G ,PRAHALALAD.C.K) (1990)، فإن نظرية الإستراتيجية المبنية
على الموارد تضع الكفاءات والمهارات في مركز إهتمامها في من خلال قدرتها على خلق ميزة تنافسية مستدامة.

 

لهذا كله فإن المؤسسات الجزائرية وخاصة الإقتصادية منها مطالبة بإعطاء أهمية أكبر للعنصر البشري، فالإستثمار في الموارد البشرية من خلال التكوين والتدريب والتعليم يمكن أن يؤدي إلى إحداث مكاسب ضخمة .

 

كما ان تثمين الرأسمال الفكري وإعطاء أهمية لكل أشكال المعرفة داخل المؤسسة سواءا أكانت صريحة أو ضمنية لدى المديرين أو المستخدمين وفي كل المستويات (Nonaka et takeuchi) (1995)، من شأنه المساهمة في تأهيل المؤسسة و السماح لها بإكتساب ميزات تنافسية تضعها في سكة التطور و تمكنها
من مواجهة التحولات و مواكبة التغيرات و التكيف مع المستجدات البيئية.     

 

 

قائمة المراجع :

 

 

1)    Argyris . C : on organisational learning , cambridge , (MA) , Blackwell 1992 .

 

2)    Becker Gary (1975) : Humain capital colombia university press 1964 2°ed Nber.

 

3)    Durand Thomas : L’alchimie de la compétence Revue françaisede gestion, N° 127

 

jan – fev 2000.

 

4- Ettinger j . C et al : « créer son entreprise  : l’évolution psychologique nécessaire » , gestion 2000 , Vol 13 N° 1 .jan . Fev.

 

5- Guilhon B et al : Economie de la connaissance et organisations – entreprises, territoires et réseaux , ed, L’harmathan.

 

6- Hamel .G .Prahalad . C.K: competiting for the future ,Boston, Harvard school press.

 

7- Lamiri .A : imanagement de l’information , redressement et mise à niveau des entreprises OPU Alger 2003.

 

8 – Metais E , Moingeon . B : Le management de l’innovation - le learning – Mix. Revue française de gestion. N° 133 Mars, Avril 2000 .

 

9- Reix . R : savoir tacite et savoir formalisé dans l’entreprise, revue française de gestion  N° 105 Sep . Oct . 1995.

 

10- Prahalad . C. K ,Hamel .G : The Core competence of the corporation. Harvard business review 68 .3 .1990.

 

11 – wright. R. W , Van Wiik. G , Bonty. I : les principes du management des ressources fondés sur le savoir, revue française de gestion  N°105. Sep , Oct 1995.

 

12- د . عادل حرحوش صالح المفرجي : الإستراتيجيات التنظيمية و الإدارية لتأهيل المنظمات الإقتصادية العربية. مجلة العلوم الإقتصادية و علوم التسيير، جامعة فرحات عباس. سطيف 2001 .

 

 

 

Télécharger l'article