العنصر البشري من منطق اليد العاملة

 

 إلى منطلق الرأسمال الإستراتيجي

 

 

من إعداد : بن عيسى محمد المهدي

 

 

 

 

المقدمة :

 

عرفت مكانة العنصر البشري داخل المؤسسة الاقتصادية تغيرات كثيرة ومتنوعة تنوع نظرة المؤسسة له , و المرتبط بمـدى اقتناعها على أنه مورد استـراتيجي يمنح التفـوق و الريادة بقدر الاعتناء و الاهتمام به, وليس عامل منتج للتكلفة يجب تقليلها وتخفيضها , فالأشكال التسييرية التي عرفتها المؤسسة عبر تطورها التاريخي يؤشر على مستوى الذي وصلت إليه من حيث قدرتها التنظيمية التسييرية في علاقتها بمواردها الداخلية ومحيط الخارجي. في اعتقادنا أن المنظمة الحديثة التي ظهرت بظهور  التنظيم العالمي للعمل بعد اختفاء الشكل المانيفاكتوري Manufacturière في بداية القرن الماضي عرفت عدة أشكال تسييرية الفاصل الأساسي بين شكل وآخر يتمثل في تطور نظرتها لمكانة وأهمية العنصر البشري بالنسبة لها.

 

 

I.مرحلة التصور الكمي للتعداد:

 

         تمتد مرحلة التصور الكمي للتعداد طيلة فترة سيطرة الفكر الكلاسيكي على أسلوب التسيير داخل المؤسسة الاقتصادية وتنقسم هذه المرحلة إلى فترين ,فترة التصور التايلوري  لتنظيم العمل تسييره وفترة تصور مدرسة العلاقات الإنسانية .

 

 

  أ)-النمط التايلوري لتنظيم العمل :

 

        كان ينظر للعنصر البشري خلال هذه الفترة من أسلوب الإنتاج و التسيير على أنه مجرد يد عاملة ,يكمن دورها في تكميل دور الآلة ,فالعنصر البشري ككيان مادي ومعنوي كان غائب وتسييره لا يتعدى عملية تطويع هذه اليد العاملة لتقوم بحركات اقتصادية معدة ومدروسة مسبقا من طرف الآخرين فالمجال الإنتاجي ليس مجال اكتساب الخبرة و المعارف بل هو فضاء لبيع قوة العمل أما على مستوى التسييري لهذا العنصر كان بسيط بساطة النظرة إليه بحيث كانت لا تخرج لدى أعرق المؤسسات الاقتصادية عن العمليات التالية :

 

        1- استقطاب العمالة بقدر الحاجيات الكمية للمؤسسة

 

2- السهر على احترام تطبيق القوانين

 

3- الرقابة المباشرة لمدى قيام العنصر البشري بدوره الإنتاجي ففي هذه المرحلة ليس تسيير العنصر   
             البشري الذي هو غائب فقط بل الإنسان الذي هو كذلك.

 

 

ب)- فترة العلاقات الإنسانية :

 

        أما المرحلة  الثانية عرفت انتقال نوعي من مفهوم اليد العاملة إلى مفهوم القوة العاملة أو التعداد effectif أما على المستوى التسييري كان أول اهتمام بالجانب العلمي في تسيير هذا التعداد، بحيث في هذه المرحلة عرفت المؤسسة بصفة عامة تطور واهتمام بالجانب الكمي في التسيير بتطبيق النماذج الرياضية والكمية من أجل ترشيد القرار التسييري ، فأول تطبيق لهذه الطرق والمناهج الكمية كان في المؤسسات الصناعية الأمريكية الكبرى ثم انتقل إلى الإدارات العمومية  وشركات الطيران فيها1 فالنمط التسييري للتعداد كان في هذه المرحلة ذو طابع كمي عددي كذلك يدخل في إطار السير الاقتصادي للتعداد على المدى الطويل ولذا نستطيع أن ندرجه في مرحلة التخطيط الطويل المدى لكون كانت المنظمة تعيش في محيط يتسم بالاستقرار وعليه لم يكن لهه دور أساسي في توجيه القرارات التسييرية .

 

-أما النموذج الذي كان متبع من طرف هذه المؤسسات الكبيرة في تسيير العنصر البشري منحصر  في العمليتين التاليتين:

 

         1- النماذج المحاكاة les modèles de simulation

 

       2-  نماذج التعظيم les modèles d' optimisation      

 

1- نماذج المحاكاة: كانت تستعمل فرضيات عن التطور الديموغرافي لتعداد المؤسسة مستقبلا وما يترتب عنه من تغيير هيكلي في بنية هذا التعداد لدى مختلف الفئات المهنية والتخصصات المختلفة ، واستخراج الفروق المحتملة بين التعداد المتوقع والاحتياجات المستقبلية للمؤسسة حسب التخصصات المهنية والفئات العمرية المتواجدة فيها، والوصول إلى تحديد بعض النسب فيما يتعلق بالتوظيف والترقيات .....الخ أي بواسطة هذه التقنية تقوم المؤسسة ببناء هيكلة توقعية مستقبلية لتعدادها.

 

 

2- نماذج التعظيم: أما نماذج التعظيم كانت المؤسسة تستعملها في هذه المرحلة من أجل تحديد بواسطة الحسابات القيم العظمى لبعض العناصر,  التي تستعملها كمؤشر أساسي يجب احترامه من أجل تعظيم الإنتاج أو تخفيض التكلفة ومثل هذه العناصر التخفيض  في الكتلة  الأجرية أو تعظيم نسبة التأطير داخل المؤسسة ........إلخ.

 

 فنلاحظ من تطبيق هذين النموذجين على تسيير العنصر البشري في هذه المرحلة لا نستطيع أن نحكم  بأن المؤسسة كانت تقوم بعملية التخطيط الإستراتيجي فيما يتعلق بتسيير تعدادها  لأن المبادئ الأساسية التي من المفروض أن يبنى عليها هذا التصور الاستراتيجي غائبة تماما ولم تأخذ بعين الاعتبار, كتطور التكنولوجيا ,والمنافسة الخارجية, وسوق العمالة، وعليه لا نستطيع أن نحكم على هذه الآليات بأنها تسيير توقعي للتعداد بل تسيير احتياطي أو وقائي  préventive  لا أكثر ولا أقل ، كما أن فكرة المورد البشري غائبة تماما لأنه لا زالت النظرة المسيطرة  عليه هي نظرة التكلفة التي لا بد من تخفيضها.

 

 إن المفكر الحديث لهذا التوجه هو عالم النفس الفرنسي P.Jardilier والتي أراد أن يجمع بين نمو المؤسسة ونمو الفرد داخل المؤسسة، بحيث يقول في كتابه la gestion prévisionnelle, في المقدمة «أن  الطرق والمناهج التي تم التعرض لها في هذا الكتاب مطبقة في المؤسسات  التي تهدف إلى الجمع بين تنمية  المؤسسة وتنمية  الإنسان فيها » فنلاحظ أن إشكالية تسيير العنصر البشري داخل المؤسسة في هذه المرحلة  أرادت أن تجمع بين الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي  إلا أنها جعلت هذا الأخير  مرهون بالجانب الاقتصادي وتابع له. أما الهدف الأساسي لهذا التسيير يتمثل في الربط والتوفيق بين الحاجات الشخصية للعامل والحاجة الاقتصادية للمؤسسة وذلك بتوزيع العمال على المناصب المهنية التي تتوافق مع طموحاتهم و خاصة الإطارات منهم وهذا يتطلب دراسة مسبقة للمناصب الموجودة ومحتواها ومعرفة دقيقة للإمكانيات المهنية والطموحات النفسية للعامل هذا من جهة ومن جهة ثانية أرادت المؤسسة في هذه المرحلة أن تنتقل من منطق توفير منصب عمل وكفى إلى منطق اهتمام أكثر بالعامل بأن توفر له حياة مهنية كاملة و مسار مهني كاملune carrière   حتى تجعله أكثر وفاء واهتماما بالمؤسسة التي يعمل فيها أو تعتبر كذلك آلية من آليات التحفيز المعنوي، أما الأدوات التي تم تنميتها وتطبيقها كذلك هي :

 

       1- تحليل وتقييم لمناصب العمل وتصنيفها .

 

       2- مخططات تسيير المسارات المهنية للعمال.

 

        3- مخططات التكوين.

 

وحتى نفهم  جيدا هذه الأدوات نقدم الخطوات الأساسية التالية  التي كانت تتبعها شركة MARLIN GERIN الفرنسية في عملية التخطيط التوقعي للمسارات المهنية.

 

هذه الشركة كانت خلال السبعينات تطبق التخطيط التوقعي للمسارات المهنية معتمدة على الخطوات التالية:

 

     1- تشكل لجنة مكونة من 12-15 إطار من إطارات المؤسسة لتقدم الدعم اللازم .

 

2- تقوم هذه اللجنة باجتماعات دورية مع المسؤولين التنفيذيين للمؤسسة من أجل تحديث عملية تحليل المناصب.

 

1-  تقوم هذه اللجنة بدراسة دقيقة لجميع مناصب العمل وتحدد محتوى ومضمون كل منصب وذلك وفق تقنية تحليل المناصب.

 

2-  ثم تقوم بترتيب مناصب العمل في المكانة التي يستحقها في شبكة سلم الأجور .

 

3-  بالتوازي تقوم كذلك بدراسة وتقييم شخصية كل الإطارات للوقوف على إمكانياتهم المهنية واستعداداتهم النفسية وطموحاتهم الشخصية.

 

4-  تقوم اللجنة باقتراح الأشخاص المؤهلين لشغل المناصب المفتوحة لغرض الترقية.

 

5-  كما تضع اللجنة مخطط تعويض لكل منصب داخل المؤسسة.

 

6-  كما أن هذه العملية تمكن اللجنة من ضبط دليل خاص يمكن المؤسسة فيما بعد من إعداد مخطط تكويني.

 

7-  أن هذه العملية تعاد في كل سنة من أجل إعداد مخطط ينفذ لاحقا.

 

        نلاحظ أن هذا الشكل لا يأخذ بعين الاعتبار المحيط إنما كل ما هناك فهو منفتح على المناخ الداخلي للمؤسسة من أجل تقوية العلاقة أكثر ليس بين جميع العمال والمؤسسة ، إنما الإطارات فقط حتى يندمجوا أكثر فيها بحيث كانت تعرف في تلك الفترة حركية كبيرة فجاء هذا الشكل التسييري من أجل تثبيتهم

 

كما نلاحظ أن هذا الشكل ليس شكل تنظيمي شامل يضبط العلاقة بين المؤسسة ومحيطها بل جاء فقط لضبط العلاقة بين هذه الأخيرة والإطارات فيها وبالتالي نجده يتميز بممارسات تسييرية مركزه على الفرد وليس على التنظيم ككل.

 

فإذا قمنا بإسقاط هذا الشكل البشري على واقع المنظمة الجزائرية الحالية نجد أنه يشبه الذي تطبقه الإدارات العمومية التابعة لقطاع الوظيف العمومي وكذا بعض المؤسسات الأخرى التي يتميز محيطها بالاستقرار لذا نجد أن الممارسات التسييرية للعنصر البشري في هذه الهيئات وخاصة فيما يتعلق بالعمليات التالية الترقية، دوران العمالةturnover، والتكوين يتم بواسطة تحديد معدلات ونسب يتم إعدادها بطرق إدارية وقانونية لا يتم تغييرها إلا بنفس الطريقة، وبعد فترة زمنية معينة، أي غياب كلي حتى للطرق الكمية الرياضية المعترف بها علميا رغم أنه يطلق عليه المخطط السنوي لسير المورد البشري P.G.R.H فهو لا يستجيب لأدنى المتطلبات التي يستلزمها المخطط والذي ذكرناه أعلاه والمتمثلة في التطور التكنولوجي والمنافسة الخارجية.... إلخ.

 

 

II.التسيير التوقعي للتشغيل وتسيير الكفاءات :

 

لم يعد تسيير العنصر البشري يقتصر في هاته المرحلة أي في منتصف الثمانينات على اهتمام بالكفاءات من أجل ربطها وتنمية وفائها للمؤسسة: 

 

       1- بواسطة آليات التحضير المادية و المعنوية

 

       2- أو عن طريق تسيير وتنظيم المسارات المهنية لهذه الكفاءات بل أن الظروف الاقتصادية التي تغيرت وأصبحت تتميز بالخصوص بالانكماش الاقتصادي خلق لدى المؤسسة بعض الصعوبات في تسييرها

 

 

لمواردها البشرية بسبب الفائض في التعداد الناتج عن هذه الظروف وخاصة لدى المؤسسات الكبرى ذات الاستعمال الواسع و الكبير لليد العاملة مثل :شركات تركيب السيارات ,شركات الأشغال العمومية و البناء والنقل .

 

 

فكان تسيير الموارد البشرية لا ينحصر فقط في الاهتمام بالكفاءات وإنماء أصبح كذلك مهتم بالتشغيل كونه أصبح يطرح نفسه بقوة على جميع المستويات الاجتماعية و السياسية والاقتصادية فعلى المستوى الاجتماعي أصبحت البطالة ظاهرة تطرح نفسها بحدة على القوة العاملة في المجتمع .

 

أما على المستوى السياسي أصبحت السلطات العمومية في كثير من الدول في حيرة كبيرة أمام هذه الظاهرة لأنها لم تكن مهيأة لتتعايش مع هذه الوضعية (إشكالية البطالة ).

 

أما على المستوى الاقتصادي أصبحت المؤسسات الاقتصادية تعاني من فائض في التعداد والتضخم في الكتلة الأجرية وتراجع في مستويات النجاعة و الفعلية الشيء الذي أدى إلى مواجهة مفتوحة وتصادم حقيقي بين السلطة العمومية من جهة و المؤسسات الاقتصادية من جهة أخرى :

 

       1- فالسلطة العمومية كانت تحمل المؤسسات الاقتصادية مسؤولية إنتاج البطالة بسبب التسريح المفاجئ و المبالغ فيه للعمالة الزائدة عن حاجتها وعليه كانت تفرض على هذه المؤسسات قوانين في نطاق تشريعات عمل من أجل تحميل هذه المؤسسات المسؤولية الاقتصادية و المتمثلة في المحافظة على القدرة الشرائية و التسييرية بواسطة خلق وإنتاج حلول لمواجهة هذه الظاهرة الجديدة خارج إطار تسريح العمال

 

       2- أما المؤسسة الاقتصادية كانت تتصرف انطلاقا من اعتبارات اقتصادية محضة وعليه فإن العمالة الزائدة هي بطالة مقنعة يجب التخلص منها لا أكثر ولا أقل لأن الاحتفاظ بها داخل المؤسسة سيكون مكلف ويمكن للكتلة الأجرية في هذه الحالة أن تلتهم لوحدها القيمة المضافة التي ستحقق.

 

فهذا الصراع بين المؤسسة الاقتصادية و السلطة العمومية في الدول الغربية الرأسمالية انتهى في آخر المطاف إلى تقاسم الأدوار بينهما ,بحيث قامت هذه الأخيرة باتخاذ الإجراءات قانونية تشجيعية لصالح المؤسسة عن طريق الضرائب و الأعباء الاجتماعية المختلفة من أجل مساعدتها على إيجاد الحلول العملية لمشكل التشغيل الفائض عن حاجتها الفعلية في المقابل قامت المؤسسة ببعض الإجراءات العملية التي أصبحت العمالة الزائدة إشكالية تسييرية و البطالة المتمثلة في العمالة الجديدة القادمة لسوق وبالتالي مطروحة على عاتق الحكومات وليس على المؤسسات الاقتصادية كمضمون التسيير التوقعي للكفاءات و التشغيل ويتمثل في الآليات التالية :

 

1- تطوير الحركية الداخلية وتنوعها La Mobilité interne  هذه المرحلة شهدت بصفة خاصة ظهور ونمو بما يسمى مخططات إعادة الإدماج  وهي آلية تسييرية تعمل على نشر وتوزيع عمال المؤسسة المعرضين للتسريح الاقتصادي على هياكل المؤسسة وفروعها بما يتناسب والحاجة الفعلية إليهم ودون تقيد لا بالمكانة الهرمية ولا بمنصب العمل ولا بتخصص المهني ولا بالمنطقة الجغرافية وهي عدة أنواع :

 

       أ)-الحركية العمودية نحو الأسفل :Mobilité interne vers le bas الذي كان معروفا في السابق وقبل هذه المرحلة هو الحركية العمودية نحو الأعلى أي بما يسمى بالترقية ,أما في هذه المرحلة ظهرت آلية جديدة وهي الحركة العمودية نحو الأسفل رغم ما يترتب عنه من سلبيات وآثار نفسية على العمال لكنه في نهاية المطاف أصبحت عملية مشروعة قانونيا ومقبولة نفسيا وإجراءا تسييرا عاليا لأن ضمان الشغل ومنصب العمل بأي ثمن أصبح هو الهاجس الأول والأخير في فترة تميزت بتنامي البطالة والتسريح الجماعي للعمال.

 

 ب)-الحركية الجغرافية : يقصد بها كما هو معروف تغير أو نقل العامل إلى منطقة جغرافية أخرى غير المنطقة الجغرافية التي انطلق منها سواء لنقل نشاط المؤسسة إلى منطقة أخرى محليا أو دوليا تفتح مجالات اقتصادية جديدة أو لوجود نقص في العمالة على مستوى فروع أحد هياكل المؤسسة ,فعملية النقل أصبحت

 

 

 

قدر محتوم على العمال حتى لا يفقدون عملهم لأن هذه العملية يترتب بالنسبة إليه إشكاليات كبيرة على المستوى العائلي والمستوى الشخصي من حيث التأقلم مع ظروف العمل الجديدة

 

 

 ج)-الحركية الوظيفية : نظرا كذلك للظروف الجديدة التي ذكرناها ومنها خاصة في هذه الحالة التطور والتغير التكنولوجي أصبح من المفروض على المؤسسة أن تطور آليات الحراك المهني و الوظيفي وأن تضع مخططات تسييرية لذلك من أجل تغير تخصصات المهنية لبعض العمال الذين أصبحت مهنهم لا تتناسب مع

 

 

التكنولوجيا الجديدة أو استراتيجية الانسحاب وتغير النشاط وهذا يترتب عليه مشاكل مهنية ونفسية سلبية للعامل لأنها تفرض عليه إعادة التكوين من جديد أو تطوير الدائم والمستمر لقدراته وكفاءاته طيلة حياته المهنية

 

د)-الحركية الأفقية : ويقصد بها التغيير المهنة أو منصب العمل دون أن يترك ذلك خطرا على المكانة الهرمية التي كان يتمتع بها أي دون أن يتبع ذلك ترقية أو تخفيض لدرجة كما هو الحال في حالة الحركية العمودية وهذا يترتب عليه كذلك أن يبذل العامل  مجهودات مهنية ونفسية كبيرتين حتى يستطيع أن يتأقلم مع الوضعية الجديدة ويكون أكثر فاعلية ونجاعة في قيامه بدوره الإنتاجي.

 

2- تطوير آليات الاتصال و الإعلام : من أجل قيام المؤسسة بكل هذه العمليات لإعادة ترتيب وتنظيم وضعها الداخلي بما يتناسب والظروف الجديدة التي فرضت عليها من جراء الانكماش الاقتصادي كان لزاما عليها أن تطور آليات الاتصال في كل الاتجاهات أي الصاعد والنازل والأفقي هذا كله من أجل بناء قاعدة معلومات دقيقة في ما يخص :

 

1- مناصب العمل الشاغرة في كل فروع المؤسسة والمتطلبات المهنية والذهنية والنفسية التي أن يتوفر عليها المترشح لهذا  المنصب

 

 2- معلومات تخص كذلك العمال الذين أصبحوا في حالة بطالة مقنعة

 

 3- معلومات تخص كذلك العمال من حيث القدرات العلمية و المهنية التي يتوفرون عليها أو النقائص
 التي يعانون منها ويجب تداركها بواسطة دورات تكوينية.

 

3-تطوير مخططات التكوين :في هذه المرحلة مخططات التكوين كانت تهدف في الأساس ومن ناحية مضمونها إلى إعادة رسكلة العمال لتحمل مهام ونشاطات جديدة تختلف عن مستوى التأهيل السابق وهذا بالفعل التغير والتطور التكنولوجي الحاصل كما قلنا و التغير المستمر لقطاع نشاط المؤسسة الذي يتطلب مهن وتخصصات أخرى.

 

4-المخططات الاجتماعية :plans sociaux  : فرضت السلطات العمومية في الدول الصناعية الغربية ومنها فرنسا مثلا على جميع المؤسسات الذي يبلغ تعدادها 50 عامل فما فوق مخطط أطلق عليه بالمخطط الاجتماعي الذي يهدف في الأساس إلى تحديد سياسة واستراتيجية المؤسسة في ما يتعلق بالتسيير الموارد البشرية في حالة الانكماش الاقتصادي وفائض في العمالة و المحاور التي يرتكز عليها هذا المخطط تتمثل فيما يلي :

 

1- آليات دمج المؤسسة لعمالها في الحياة المهنية داخليا أو خارجيا

 

2- سياسة التكوين ومخططاته

 

3- آليات تنظيم ساعات وأوقات العمل الرسمية و القانونية بصورة مرنة ووفق انخفاض وانكماش
 نشاط المؤسسة 

 

4- مخططات تسيرية التي تتوقع المؤسسة أن تقترحها لعمالها المسرحين في حالة الانكماش
الاقتصادي وخاصة عن طريق ما يسمى بإعادة الانتشار  أو هو مخطط  تضعه المؤسسة لفائدة عمالها المسرحين من أجل مساعدتهم إداريا ومعنويا إلى أن ينشئوا مؤسسة خاصة بهم على أنقاض
النشاط الهامشي التي تخلت عنه وستتخلى عنه المؤسسة في ظل استراتيجية التركيز concentrationفهذه الاستراتيجية لها عدة إيجابيات بالنسبة للمؤسسة، للعمال أو بالنسبة الاقتصاد ككل:               
أ)- فبالنسبة للعمال: فإنها تسمح للمسرحين بضمان منصب شغل و العمال الباقين تترك لديهم
الارتياح والشعور بأن المؤسسة مهما كانت ظروفها الاقتصادية لا تتخلى عنهم

 

ب)- بالنسبة لمؤسسة: هذه الاستراتيجية تمكنها من إعادة الانتشار أو إعادة الهيكلة نفسها وفق
المتطلبات السوقية الجديدة و التي تفرض عليها أن تركز مجهودها التقني والمهني على
 النشاطات الهامشية الأخرى

 

 

ج)- بالنسبة للاقتصاد الوطني: هذه الاستراتيجية تسمح بخلق مؤسسات صغيرة جديدة تساعد وتساهم
في الإنعاش الاقتصادي من جهة وامتصاص البطالة من جهة أخرى أما استراتيجية الدمج الخارجي
الذي يحتوي عليه هذا المخطط الاجتماعي تنقسم بدورها إلى شكلين:

 

-إعادة الدمج الجماعي l’Aout placement  :

 

        ويقصد به إعادة دمج العمال المسرحين في مؤسسات أخرى وتحت رعاية مؤسستهم وتعتبر هذه الطريقة الجديدة شكل من أشكال المساعدة المهنية التي تقدمها هذه الأخيرة لعمالها وتدخل في نطاق المنظور الجديد لتسيير المسارات المهنية التي لم تعد عملية محصورة في الحدود  الإدارية للمؤسسة ,بل أصبحت مخططات هذه المسارات تبني أفاق مهنية لعمالها حتى خارج مجال نشاطاتها الإدارية و الاقتصادية الشيء الجديد هنا أن هذه المخططات أخذت بعد أعمق كان ينظر له في السابق على أنه ليست من مسؤولية المؤسسة

 

-الدمج الفردي reclassement individuel :

 

         يتم إعادة دمج الفرد المسرح لدى مؤسسة أخرى بعد أن تقوم المؤسسة الأصلية بإعادة تأهيله بما يتوافق والظروف التكنولوجية و المهنية الجديدة أي تساعد العامل المذكور في الحصول على التكوين والتأهيل اللازمين حتى يصبح قابل لتسويق في سوق العمالة أو ما يسمى باللغة الفرنسية Marketing personnel وهذه العملية تقوم على الخطوات التالية :

 

       - تحديد رغبات العامل ودوافعه المهنية

 

       - دراسة كاملة لشخصيته وكفاءاته وقدراته التأهيلية

 

       - تحديد النقائص و السلبيات التي يعاني منها في ظل الظروف الجديدة

 

       - تقديم له العون اللازم حتى يتخلص من هذه النقائص التأهيلية

 

نلاحظ أن هذه الخطط المتنوعة التي واجهت بها المؤسسة المتطورة انعكاسات الانكماش الاقتصادي تعبر عن قدرتها التسيرية في مجال إدارة الأعمال وعن تطور مستوى اهتمامها بالعنصر البشري حيث تجعل منه كبش الفدى بل حاولت بكل إمكانياتها أن تجتهد وتعطي هذه البديلة على عكس من ذلك فالمؤسسة الاقتصادية الجزائرية في حالة انكماش الاقتصادي الذي عرفته في منتصف الثمانينات.

 

اختارت الحلول السهلة باللجوء إلى تسريح الجماعي للعمالة الزائدة الشيء الذي فاقم من حدة البطالة وأزم الوضع الاقتصادي بانخفاض القدرة الشرائية وتراجع معدلات الاستهلاك فعوض أن تكون معالجة هذه الإشكالية تدخل ضمن اهتمام واستراتيجية المؤسسة كما فعلت الشركات الغربية المتطورة أصبحت إشكالية مطروحة على عاتق الهيئة السياسية وأصبحنا نتكلم في الجزائر على سياسة التشغيل وإخفاق سياسي في مواجهة الأزمة وليس على استراتيجية التسيرية تقوم المؤسسة المعنية لصالح عمالها المسرحين مما جعل هذه المؤسسات مصابة بما يسمى بالعجز االتسييري وغير قادرة على مواجهة مشاكلها  بعقلية مقاولاتية.

 

 

III. تسيير المورد البشري والإستراتيجية:

 

        كما رأينا فيما سبق أن المهمة الأساسية لتسيير العنصر البشري قبل سنة 1990 كان مضمونه ينحصر في العمل على تكييف هذا العنصر وفق حاجيات المؤسسة من الناحية العددية ومن الناحية النوعية أي من ناحية التشغيل ومن ناحية الكفاءات، وليس هناك ربط واضح ودقيق بين تسير العنصر البشري وإستراتيجية المؤسسة وعليه فإن كل المراحل السابقة لا نستطيع أن نتكلم على إستراتيجية في تسيير الموارد البشرية بالمفهوم العلمي والدقيق لهذا المصطلح بل على تخطيط أو مخطط على أكثر تقدير، وفي هذا الصدد يقول C.H.Bessiere   سنة(1988).

 

«يهدف التسيير التوقعي للموارد البشرية إلى وضع تحت تصرف المؤسسة اليد العاملة المناسبة من الناحية التأهيلية ومن الناحية العددية وفي الوقت المناسب وحسب حاجياتها».

 

       غير أنه تحت اشتداد المنافسة والتطور التكنولوجي الضخم و السريع الذي عرفه العالم ابتداء من نهاية الثمانينات، ظهرت هناك حـاجة ملحة للربط بين إستراتيجية المؤسسة في عـلاقتها بالمحيط من جهة

 

 

وبين تسيير الموارد البشرية من جهة ثانية. فإستراتيجية المؤسسة كانت تقودها في السابق ثنائية المنتوج _السوق و المتمثلة في الباحث الدائم عن المكانة التنافسية المنتجة للربحية أما العنصر البشري كان ينظر له على أن دوره يكمن في التأقلم الدائم والمستمر سواء من ناحية التأهيل أو التعداد مع الوضعية المتوقعة للمؤسسة في علاقتها بالسوق، وعليه فإن القرارات المتعلقة بتسيير الموارد البشرية كانت في هذه المرحلة تأتي تابعة للقرار الإستراتيجي أي أن نستطيع أن نطلق عليها مجرد سياسة الموارد البشرية في خدمة الإستراتيجية المؤسسة ، أما على المستوى الهيكلي داخل المؤسسة أصبحت الهيئة المكلفة بتسيير الموارد البشرية هيئة عملية تحت الوصاية المباشرة للإدارة العليا ومكلفة بالتشغيل والعمالة والأجور والتكوين .. إلخ

 

فالإشكالية المطروحة في تلك الفترة كانت كيف يتم الربط بين إستراتيجية المؤسسة و سياسة الموارد البشرية ؟

 

كما هو معروف أن القرار الإستراتيجي للمؤسسة كانت تتحكم فيه حافظة قطاع النشاط من حيث معدلات النمو المتوفرة فيه ولذا فأن الإستراتيجية المؤسسة كانت في كل الأحوال لا تخرج عن إستراتيجيات الخمس التالية:

 

 

1-  إستراتيجية الانطلاقة           Stratégie entrepreneuriale

 

2- إستراتيجية النمو                    Stratégie de croissance 

 

1-  إستراتيجية الربح                     Stratégie de  profit  

 

4-  إستراتيجية التصفية                Stratégie de  liquidation   

 

5-  إستراتيجية العودة أو الرجوع  Stratégie du retournement   

 

فلأول مرة و ابتداء من هذه المرحلة أصبح مطروح على الهيئة المكلفة بتسيير الموارد البشرية أن تضع سياسة خاصة بها تتناسب مع كل مرحلة التي هي عليها المؤسسة، وفي نفس الوقت تحضر للمرحلة المتوقعة حسب الإستراتيجية المرسومة من طرفها وذلك في كل ما يتعلق بالعمليات الأساسية لتسيير الموارد البشرية والمتمثلة في المجلات التالية :

 

               1- التوظيف وإستقطاب العمالة  

 

               2- سياسة الأجور والمرتبات

 

               3- التكوين والترقية الاجتماعية للموارد البشرية

 

وبذلك أصبح عملية تسيير الموارد البشرية عملية ديناميكية متغيرة و متطورة تعتمد على القراءة الدقيقة وفهم عميق لإستراتيجية المؤسسة وليست ستاتيكية و ثابتة  ثبوت المخطط كما كان يتم  في السابق.

 

 

أولا: سياسة الموارد البشرية في ظل إستراتيجية الانطلاق :

 

         كما هو معروف أن الإستراتيجية الانطلاق تخص إستراتيجية المؤسسة التي تريد أن تنطلق في مشاريع جديدة أو منتوج جديد وعليه فإن المؤسسة في هذه الحالة تتميز بما يلي:

 

أ)- إمكانيات مالية كبيرة.

 

ب)- لا تعير أي اهتمام للجانب الإجرائي القانوني أو حتى التنظيمي بقدر.

 

ج)- لها ثقافة تسييرية تفرض عليها أن تكون مخاطرة، مقاومة، مجددة و مرنة.

 

ولنجاح هذه الإستراتيجية يتطلب من المؤسسة أن تأخذ هذه القيم كركائز أساسية في تسييرها لمواردها البشرية وذلك في المجلات الثلاثة:

 

 1-  مجال التوظيف واستقطاب العمالة :

 

        فسياسة المؤسسة فيما يخص هذه العملية لابد أن تعمل على استقطاب عمالة شابة وجديدة، تتميز بقدرات تأهيلية كامنة عالية حتى يكون لها هامش تطور في الكفاءة والتأهيل كبيرين، لابد أن تكون كذلك تتميز بالقدرة على التجديد أي منفتحة على التغيرات والتطورات التي هي مقبلة عليها حتى تكون قادرة على تحمل كل الصعاب و المخاطر المهنية التي يمكن أن تصادفها أثناء قيامها بمهامها وحتى لا تكون قوة جمود

 

 

 

رافضة و مقاومة لكل عملية تغيير هذا فيما يخص الصفات الأساسية للعمالة التي من المفروض أن تستقطبها المؤسسة في هذه المرحلة. أما الممارسة التسييرية للهيئة المكلفة بعملية تسيير الموارد البشرية لا بد رافضة ومقاومة لكل عمليات التغير مقاومةRésistante  .

 

2- مجال سياسة الأجور والمرتبات :

 

        إن سياسة الأجور في هذه الحالة لا بد أن تكون محفزة و مرنة أي تتغير بتغير درجة المساهمة والمشاركة الشخصية في المشروع أما التقييم فيكون على أساس تقيم الأداء الشخصي والنجاعة الفردية أما المكافأة التشجيعية تتميز بالشكل الفجائي من حيث قيمتها وشكلها و على العموم أن السياسة الأجرية في مرحلة الانطلاق لابد أن تعمل على ضمان أكبر مستوى من المشاركة العمالية.

 

3- مجال التكوين و الترقية المهنية و الاجتماعية :

 

       إن الآفاق المهنية بالنسبة للعمال في هذه الحالة كبيرة لآن المؤسسة مقبلة على تطور ونمو.فسياسة الموارد البشرية في هذه الحالة عليها أن تربط بين المشروع الشخصي للعامل و مشروع المؤسسة وذلك بواسطة مخططات تسيير المسارات المهنية من تكوين و ترقية وتطوير للكفاءات و خاصة تلك الكفاءات الإستراتيجية التي تخدم قطاع نشاط المؤسسة

 

ثانيا: سياسة الموارد البشرية في ظل إستراتيجية النمو:

 

تتميز المؤسسة في ظل إستراتيجية النمو بالخاصتين التاليتين:

 

          1- ارتفاع المتطور في القدرة التسويقية

 

          2- التوازن المالي

 

         هذا ما يجعلها تعيش في حالة توتر وتردد بين الإقدام على الانطلاق في مشروع أو منتوج جديد من جهة أو الاستمرار فقط في التنمية و التطوير للمشروع القائم، أي المؤسسة تعيش في حالة تردد بين الاستقرار والمحافظة على الوضع الحالي أو التوجه نحو التغير والتجديد كما أن المؤسسة في ظل هذه الإستراتيجية تبدأ تضع الأسس تنظيمية أكثر رسمية، هذا يعبر عن الجانب المحافظ من إستراتيجيتها، أما التوجـه نحو التغـير والتجـديـد لا يشكل هاجس إلا لـدى الفـئة المسيرة و خـاصة تلك المكلفة بالبحث و التطوير(R&D)،وعليه فسياسة الموارد البشرية لابد أن تكون منسجمة مع هذه الإستراتيجية ومع هذا المناخ السائد .

 

 

1-  مجال التوظيف واستقطاب العمالة :

 

         في ظل هذه الإستراتيجية لابد على المؤسسة أن تستقطب العمالة التي تتميز بالكفاءة العالية فقط و في وظائف محددة و دقيقة أي تلك الوظائف و المهام التي تخدم مباشرة مشروع النمو فمن هذا المنطلق لابد أن تكون إجراءات التوظيف و اختيار المرشحين تتميز بالصرامة و التدقيق في اختيار العمال الذين يتميزون بكفاءة عملية أي ما يسمى في اللغة الفرنسية le savoir faire  .

 

2- مجال سياسة الأجور والمرتبات :

 

         تقوم سياسة الأجور والمرتبات في هذه الإستراتيجية على نظام أجري يأخذ بعين الاعتبار النجاعة الفردية بالدرجة الأولى وكذا المساهمة في إنجاز الأهداف الجماعية وعليه فإن آليات التقييم لا تعتمد على النتائج الفردية فحسب بل على مدى تأقلم الفرد على العمل الجماعي بما أن النظام الأجري يأخذ بعين الاعتبار الأقدمية في المؤسسة لكونها تجسد درجة وفاء الأفراد لمؤسستهم إذن فالنجاعة الفردية والسلوك إزاء الجماعة ومستوى الوفاء للمؤسسة هي الركائز الأساسية التي تقوم عليها السياسة الأجرية في المؤسسة في هذه المرحلة .

 

3- مجال التكوين و الترقية المهنية و الاجتماعية :

 

        إن الآفاق المهنية بالنسبة للعمال في ظل هذه الاستراتيجية تبقى قائمة و تقوم في الأساس على تطور الكفاءات وتنميتها بواسطة عمليات التكوين المستمرة بما يتناسب وهذه الاستراتيجية وعليه فالتكوين والترقية يبقيان عاملان مهمان بالنسبة للعمال وكذلك بالنسبة للمؤسسة التي تقوم بهيكلتهما وتنظيمهما والتخطيط لهما

 

 

بما يتناسب وحاجيات المؤسسة في هذه المرحلة، أي سياسة التكوين والترقية يكونان أداتان لتحقيق مشروع النمو.

 

 

 

 ثالثا: سياسة الموارد البشرية في ظل الاستراتيجية الربحية:

 

        في ظل هذه الاستراتيجية يكون نشاط المؤسسة أو منتوجها وصل إلى مرحلة النضج وعليه تكون المؤسسة في حالة البحث على تحقيق أكبر ربحية ممكنة وتخفيض التكلفة إلى أقصى ما يمكن، ففي مرحلة النضج هذه تعمل المؤسسة على تطوير إمكانياتها التنظيمية وآلياتها الرقابية للقضاء على كل ما تعتبره تبذير وإسراف لإمكانياتها المالية أو يؤدي إلى حالات الارتيابincertitude  ولذا تصبح الإجراءات الإدارية والقانونية والتنظيمية هي الميزة الغالبة مما يؤدي بالنظام للوقوع في البيروقراطية على جميع المستويات نتيجة حرسها المفرط على تجنب و محاربة كل حالات الارتياب وعدم التأكد incertitude أما سياسة الموارد البشرية لابد أن تعمل على خدمة هذه الإستراتيجية في المجالات التالية كما يلي:

 

1-  مجال التوظيف واستقطاب العمالة :

 

        تكون سياسة التوظيف واستقطاب العمالة في ظل هذه الاستراتيجية محصورة جدا ومقتصرة إلا على بعض الاحتياجات الطارئة والمتخصصة لأنه المهم في هذه المرحلة هو جلب الكفاءة العملية لتعويض الكفاءات التي تفقدها المؤسسة لسبب أو لآخر و بالتالي لا نستطيع أن نتكلم عن توظيف أو سياسة لاستقطاب العمالة في ظل هذه الإستراتيجية.

 

2- مجال سياسة الأجور والمرتبات :

 

        إن الممارسات الأجرية في ظل هذه الاستراتيجية لابد أن تكون مقننة بشكل دقيق جدا لأن المؤسسة كما قلنا يكون هدفها الأساسي هو تخفيض التكلفة ومنها العمل على التحكم في الكتلة الأجرية، أما المبادئ الأساسية التي تبنى عليها سياسة الأجور تتمثل فيما يلي:

 

       1- الربط بين المقابل الأجري والنتائج المحققة على المدى القصير سواء من الناحية الكمية أو النوعية
           أي على أساس المرد ودية الفردية.

 

       2- تقييم أداء الأفراد يكون على أساس مدى امتثالهم للضوابط الإجرائية والقانونية التي وضعتها 
          المؤسسة كوسائل من أجل تحقيق وإنجاز الأهداف المسطرة بأقل تكلفة وأكبر ربحية ممكنتين.

 

3- مجال التكوين و الترقية المهنية و الاجتماعية :

 

        إن الأفاق المهنية في حال الاستراتيجية الربحية تكون محدودة جدا لأن المؤسسة تكون منشغلة بتحقيق إنجازات على المدى القصير وعليه فإن هذه الممارسات من ترقية وتكوين تلقى رواجا أكبر
في المشاريع المتوسطة أو الطويلة المدى أما في حالة النضج إن وجدت تكون في حالات محدودة
أو مضبوطة بآليات تسييرية مثل التخصيص المالي عن طريق ميزانية المحددة أو مضبوطة كذلك بمخطط خاص يهدف فقط إلى استخلاف العمالة الخارجة.

 

رابعا: سياسة الموارد البشرية في ظل استراتيجية التصفية:

 

        في الحقيقة أن استراتيجية التصفية هي أسوأ حالة تكون عليها الموارد البشرية لأن المؤسسة تكون
في حالة انحدار أو شلل كلي في أعمالها من جراء تخلصها من النشاطات التي ليست لها مردودية مما يؤثر سلبا على حالة الموارد البشرية، ففي هذه المرحلة أن الهيئة المكلفة بتسيير الموارد البشرية عليها أن تجد الحلول المناسبة للتخلص من التعداد زائد عن الحاجة، و لهذا لا نستطيع أن نتكلم على توظيف و استقطاب العمالة وإنما نتكلم على أحسن الطرق والوسائل التي تسمح للمؤسسة من التنظيم الجيد ليس لتسريح العمال بل إعادة رسكلتهم في مهن وتخصصات وأعمال أخرى كما رأينا في المخططات الاجتماعية أما سياسة الأجور تكون في أسوأ حال لغياب كل آليات وعناصر التحفيز فيها، أما الأفاق المهنية والاجتماعية في ظل هذه الظروف تكون محدودة إن لم نقل معدومة داخل المؤسسة فبواسطة السياسة الجديدة التي تقوم
على المخططات الاجتماعية تريد المؤسسة فتح آفاق مهنية سواء على مستوى التكوين و التشغيل خارج المؤسسة وهذا يدخل ضمن سياسة الموارد البشرية في ظل هذه الاستراتيجية الحتمية.

 

 

خامسا: سياسة الموارد البشرية في ظل استراتيجية العودة:

 

        في  استراتيجية إعادة الانطلاق تريد المؤسسة الخروج من قطاع نشاط والدخول إلى قطاع نشاط آخر أو طرح منتوج جديد في السوق كرد فعل منها على وضعية الركود التي تعيش فيها، هذا يتطلب منها إعادة النظر في كل شيء، التنظيم الداخلي، الهيئات و حتى في المسؤولين الأساسيين فيها لأنه في هذه المرحلة مصلحة المؤسسة قبل أي مصلحة أخرى فردية أو شخصية فمن أجل تطبيق هذه الاستراتيجية لابد من سياسة خاصة بذلك على مستوى الموارد البشرية فيما يخص العمليات السابقة.

 

1-  مجال التوظيف واستقطاب العمالة :

 

إن آليات التوظيف واستقطاب العمالة في هذه المرحلة في غاية الحرج والأهمية وذلك لعدة أسباب منها:

 

1- الموارد المالية المحدودة لا تسمح بوضع سياسة تحفيزية مادية عالية على حساب مصاريف أخرى.

 

2- الفائض في العمالة والذي ربما لا يناسب المنتوج والنشاط الجديد سواء من ناحية التأهيل والتخصص المهني أو من ناحية القيم الثقافية التي أصبح يتسم بها العمال والتي ربما تكون مقاومة
لكل تغيير.

 

ولهذا السبب فإن استقطاب العمالة يكون متجه نحو التوظيف الداخلي من جهة و الخارجي من جهة ثانية. فالتوظيف الداخلي وآلياته رغم محدود يته يبقى مفتوح للمرشحين الذين يتميزون بالقدرة على التأقلم مع الوضع الجـديد ولهم الكفـاءة المهنية اللازمة، أما التوظيف الخارجي يكون هدفه استقطاب العمالة الأساسية و الإستراتيجية أي التي تتناسب عماليا مع المشروع الجديد التي تخدم معرفيا وعمليا المشروع الجديد.

 

2- مجال سياسة الأجور والمرتبات :

 

        إن الإمكانيات المالية المتاحة للمؤسسة لا تسمح لها بوضع نظام أجري متكامل وإنما السياسة الأجرية تقوم في الأساس على المنح الجماعية بالخصوص لأن النتائج الجماعية هي التي تهدف إليها المؤسسة في هذه المرحلة حتى تحقق الانطلاقة المرجوة لكون النتائج والنجاعة الفردية لا تفي بالغرض.

 

فإلى جانب التحفيز المادي على المؤسسة أن تجد حلولا مناسبة للتحفيز المعنوي من أجل إقناع العمال ودمجهم أكثر في العملية الإنتاجية كنمط القيادة وأسلوب الاتصال وتدعيم دور العمال في اتخاذ القرار
في العملية الإنتاجية... إلخ.

 

3- مجال التكوين و الترقية المهنية و الاجتماعية:

 

        إن الانطلاقة المؤسسة تبنى في الحقيقة على مدى حسن تسييرها لهذا المجال مهم سواء في:

 

1-   اختيار العمالة الداخلية المناسبة لهذه المرحلة أو المناسبة كذلك للنشاط الجديد

 

2-   في طبيعة التكوين ومضامينه بما يتناسب و المنتوج الجديد

 

3-   في وضع مسارات مهنية محفزة لفتح أفاق مستقبلية للعمالة الأساسية والاستراتيجية للمؤسسة من أجل دمجها وتثبيتها.

 

الجدول الموالي يعطي لنا نظرة شاملة عن علاقة استراتيجية المؤسسة وسياسة الموارد البشرية التي تناسبها.

 

 

جدول يوضح استراتيجيات المؤسسة

 

في علاقتها بالموارد البشرية

 


 

طبيعة الاستراتيجية

سياسة الموارد البشرية

الممارسات التسييرية فيما يخص تسيير الموارد البشرية

استقطاب العمالة

الأجور والمرتبات

الأفاق المهنية

الانطلاق

تقوم على أساس الاهتمام والانفتاح على العنصر البشري كمورد

-تتميز بالقدرة على التأقلم

-أن تكون لها قدرة تأهيلية كامنة

-مقاومة وقادرة على التحمل

-تكون مرنة

-محفزة

-تقيم على أساس الأداء الشخصي والفردي

-تكون كبيرة

-مفتوحة على فرص التكوين والترقية

النمو

تهدف إلى تحقيق الانسجام والمواءمة

-العمالة ذات كفاءة عالية من الناحية النظرية والعملية

-تقوم على أساس نظام أجري متكامل متنوع من أجل تحقيق التحفيز الفردي، الجماعي و الوفاء

-يهدف إلى تطوير الكفاءات وتنميتها عن طريق التكوين وأفاق الترقية مفتوحة

الربحية

يقوم على أساس تنمية آليات الرقابة الادارية والتنظيم

-استقطاب العمالة يكون محدود جدا إلا في احتياجات طارئة و ظرفية

-المقابل الأجري يكون على أساس تحقيق النتائج على المدى القصير

-آليات التكوين والترقية محدودة ومضبوطة بآليات الميزانية ومخططات الاستخلاف

التصفية

سياسة الانغلاق والتردد

-غياب كلي للتوظيف

-تسريح العمال وظهور المخططات الاجتماعية

-غياب كلي لآليات التحفيز الأجري

-معدومة داخل المؤسسة وممكنة خارج المؤسسة عن طريق المخططات الاجتماعية

العودة أو إعادة الانطلاق

تقوم على أساس إعادة تقييم العمالة المتوفرة وتصفيتها

-استقطاب العمالة في التخصصات الجديدة لها قدرة على التأقلم والتحمل

-غياب نظام أجري متكامل، الأجور تقوم على أساس سياسة العلاوات الجماعية

-أفاق مهنية مفتوحة بالنسبة للكفاءات الاستراتيجية

 

 

نلاحظ في هذه المرحلة الخامسة ، أن نظرة المؤسسة للعنصر البشري تغيرت بحيث أصبح ينظر له على أنه مورد، كما أن العملية التسييرية لهذا المورد أصبحت تتم بواسطة سياسة ديناميكية متغيرة بتغير استراتيجية المؤسسة. انتقلت العملية التسييرية كذلك من دور تلبية حاجات المؤسسة من ناحية الكمية والنوعية إلى مستوى خدمة استراتيجية المؤسسة إلا أن هذه السياسة لم ترق إلى مستوى الاستراتيجية القائمة بذاتها والمورد البشري كذلك إلى المستوى الاستراتيجي يحقق الميزة الثقافية للمؤسسة، ولكن يمكن أن نطلق
على هذه المرحلة مرحلة التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية.

 

 

4-. من التخطيط الاستراتيجي إلى تسيير كفاءة الاستراتيجية:

 

        إن الخلاصة التي نستطيع أن نستخلصها من كل ما سبق هي أنه رغم التطور والنقلة النوعية التي عرفتها عملية تسيير الموارد البشرية إلا أنها بقيت سياسة تابعة وفي خدمة استراتيجية للمؤسسة وليست سياسة فاعلة تجعل من العنصر البشري هو المحدد للمكانة التنافسية ويشكل بذلك العمق الاستراتيجي لها لأن المؤسسة بقيت عاجزة إلى غاية بداية التسعينات عن إيجاد الإجابة لكيفية الربط عمليا بين الاستراتيجية من جهة وتسيير الموارد البشرية من جهة ثانية كما يقول كل من Ferrary  Michel & George Trepo كيف نستطيع أن نجعل

 

 

 

من تسيير المورد البشري يتدخل فعليا وقبليا في القرار الاستراتيجي؟ وليس بعديا كما كان في السابق أي يتدخل بعد أخذ القرار الاستراتيجي. فالإجابة على هذه الإشكالية لم تكن ممكنة قبل أن تغير المؤسسة من الدعائم الأساسية التي كانت تبني عليها تصورها الاستراتيجي والانتقال إلى تصور استراتيجي آخر يقوم على أساس نوعية الكفاءات التي تتوفر عليها المؤسسة هي التي تحقق الميزة التنافسية وليس شيء موجود
في محيطها، وبذلك أصبحت استراتيجية المؤسسة لا تقوم على تتبع الفرص الموجودة في المحيط وإنما تطوير وتنمية الكفاءات الموجودة بها أو العمل على استقطابها إن لم تكن موجودة لديها، لأن الكفاءة الاستراتيجية ليس لها وجود أو معنى في حد ذاتها إلا من خلال الأفراد الذين يمتلكونها وانطلاقا من هذا التصور النوعي عرف العنصر البشري، عرفت الإستراتيجية و التدبيرmanagement  وبصفة عامة قفزة نوعية وعملاقة.

 

 

أ)- أما بالنسبة للعنصر البشري لم تعد الاستراتيجية بمفهومها السابق هي التي تحدد سياسة الموارد البشرية فيه بل أصبح مدى اهتمام المؤسسة لكفاءاتها الاستراتيجية هي التي تحدد سياسة الاستقطاب، الترقية والتكوين ،الأجور والمرتبات وتسيير المسار المهني وهذا كله من أجل المحافظة أولا على هذه الكفاءات الموجودة

 

وثانيا من أجل تطويرها وتنميتها عموديا وأفقيا .

 

 

ب)- الاستراتيجية: بالنسبة للاستراتيجية لم يعد قطاع النشاط الحافظة التكنولوجية إلى غير ذلك من المفاهيم السابقة هي التي تتحكم فيها بل أصبحت هناك حافظة للكفاءات.

 

 

ج)- أما فيما يخص التدبير و التسيير داخل المؤسسة لم يعد عملية ضيقة ومحصورة في مستوى هرمي معين بل أصبحت عملية شاملة ومنتشرة انتشار العنصر البشري داخل المؤسسة و لهذا أصبحت جودة المنتوج الذي يحقق المكانة التنافسية تتحكم فيها نوعية التسيير و هذه الأخيرة يتحكم فيها مستوى الكفاءات  الموجودة في المؤسسة .

 

وبذلك أنتقل مفهوم الكفاءة من مفهوم بسيط يـدل فقط على قـدرة العمالة على التأقلم والاستجـابة السريعة و الشرطية لمؤثرات المحيط و المتمثلة في التحولات التكنولوجية و المهنية المتولدة عنها إلى مفهوم أعمق يعنى جملة المعارف العلمية و المهارات العملية ذات التوليفة النوعية التي لا يمكن تقليدها من طرف الآخرين، وبذلك ربطت الكفاءات الأساسية كما أشرنا أعلاه بين العنصر البشري و الاستراتيجية وكذا التسيير النوعي داخل المؤسسة وأصبح للعنصر البشري مكانة ودور يختلف على ما كانت عليه في السابق إذا أن الكفاءة أصبحت تشكل أحد الموارد الأساسية والاستراتيجية للمؤسسة كما يراه (1991) "BARNEY"
من ضمن الموارد التالية هي الرأسمال  المادي و الرأسمال البشري و الرأسمال التنظيمي .

 

        فالإستراتيجية الجديدة كما يراها "G.MILAN "( تتمثل في مجمل الكفاءات المهنية والقدرات التنظيمية كذلك، فإيجاد التوليفة المناسبة بينهما تمنح للمؤسسة المكانة التنافسية ... كما أن هذه النظرة الاستراتيجية تقوم على إعطاء الأسبقـية للمورد البشري من عمليات التكوين وتنمـية الكفاءات و المعارف و تسييرها). فحـافظة الكفاءات الاستراتيجية أصبحت هي التي تحـدد وتتحكم في كل العمليـات اليسييرية و التنظيمية ولذا نجد أن عدد كبير من المؤسسات الغربية في منتصف التسعينيات انتقلت من البنية التنظيمية التي تخدم الاستراتيجية السـابقة و المتمثلة في البنيـة التنظيمية التقسيمية على أسـاس المنتوج أو السوق أو المناطق الجغرافية إلى بنية التنظيمية تقسيمية على أساس التخصصات المهنية أو القطاعات المهنية للمؤسسة.

 

        فمفهوم الكفاءة كما أشرنا سابقا تغير مضمونه ومحتواه فلم يعد يعني فقط القدرة على التطبيق بمهارة المعارف المرتبطة بالنشاط الأساسي للمؤسسة بل أصبحت الكفاءة تعني القدرة على المواجهة بنجاح الوضعيات الجديدة و المتطورة وغير المألوفة، فالخبرة لم يعد لها دور في رفع أو خفض مستوى الكفاءة
في هذه الحالة فما كان على المؤسسة إلا أن تجد الميكانيزمات التسيرية المتناسبة مع هذا المحتوى الجديد لمفهوم

 

 

 

الكفاءة حتى تضمن المرونة اللازمة ومن هذه الآليات :

 

- اللامركزية القرار التسييري حتى يكون بمقدور كل عامل في المؤسسة له السلطة الكافية من أجل أخذ القرار الذي يتماشى مع الوضعية الجديدة  الموجودة أمامه وهذا يتطلب مستوى تأهيلي معين لابد على العامل و المؤسسة أن تأخذه بعين الاعتبار.

 

- في الانتقال من التخصص البسيط و المقسم إلى التخصص المتعددLAPOLYVALENCE  المفهوم الجديد للكفاءة فرض على العامل أن يكون متعدد التخصصات حتى يكون بمقدوره أن يواجه الوضعيات غير المتوقعة دون انتظار مساعدة أو تدخل طرف آخر لمواجهة المشكلة الطارئة كما أن هذا التخصص المتعدد يمنحه المرونة الكافية بأن ينتقل من نشاط مهني إلى نشاط مهني آخر دون مساعدة.

 

- توسيع المسؤولية فالآليات الجديدة تفرض على المؤسسة أن تغير من طرق تسييرية السابقة التي تجعل المسؤولية محدودة و مقتصرة على مستويات هرمية العليا لسلطة بل أصبحت من مسؤولية كل عامل مهما كان دوره و مكانته أن يجد بنفسه الحلول و الإجابات للقضايا الجديدة و الطارئة التي تطرح عليه،و إن لم يفعل ذلك يعتبر غير كفأ من المنظور الجديد للكفاءة.

 

 ومن هذا المنطلق نجد كثير من المؤسسات الغربية غيرت عملياتها التسييرية بما يتوافق مع هذا المنظور الجديدة للاستراتيجية وتسيير الموارد البشرية فعلى مستوى تسيير الموارد البشرية قامت مثلا بإجراء جرد شامل لجميع الكفاءات الضرورية لنشاطات المتواجدة فيها، و وضع قائمة بذلك ثم غيرت من طرق تقييم الكفاءات و التكوين وسياسة الأجور حتى تتمكن من تنمية الكفاءات فيها .فنجد مثلا شركة "M 3 "الفرنسية من أجل الرفع مستوى الكفاءة لعمالها عن طريق التخصص المتعدد، قامت بإجراء تحديد دقيق للتخصصات و الكفاءات الضرورية لنشاطاتها والتي من المفروض أن يكون كل عمالها متمكنين منها فقامت بالخطوات التالية :

 

أ)- دراسة وتحديد التخصصات و القدرات المهنية التي من المفروض أن يكون عمالها متمكنين منها حتى يستطيعوا أن يواجهوا كل الحالات الطارئة وغير المتوقعة و المرتبطة بنشاطها .

 

ب)- وضعت قائمة بهذه التخصصات التي تشمل على مايلي:

 

         - القدرة على تقييم المخاطر من طرف العمال من أجل وقايتهم

 

         - القدرة على تشغيل وتسيير التجهيزات الإنتاج وليس العمل عليها فقط

 

         - القدرة على صيانة الآلات و التجهيزات من طرف كل عامل

 

         - الرقابة الذاتية للجودة

 

         - القدرة على تغيير بعض المركبات التجهيزات حسب تغير نوعية المنتوج

 

ج)-  قامت بتشكيل فريق عمل من أجل تحديد نقائص المؤسسة في هذه المجالات

 

د)- أقامت بعد ذلك فترات تربصية وتكوينية للعمال من أجل رفع مستوى تأهيلهم وفق منظور التخصص المتعدد، وهيأت لهم كل الظروف التنظيمية المناسبة

 

 ه)- قامت بمنح شهادات الكفاءات للعمال من طرف لجنة الخبراء التي تعطي لهم الحق الحصول على أجرة مناسبة.

 

انطلاقا من هذه الخطوات تمكنت هذه المؤسسة من الحصول على النتائج التالية:

 

        - %90   من العاملات أصبح لهم قدرات على العمل في خطين إنتاجيين مختلفين  بنفس الكفاءة 

 

        والفعالية.

 

 - 20  % من العمال أصبحت لهم القدرة على تشغيل و العمل على خمس تجهيزات إنتاج مختلفة بنفس الفعالية والكفاءة كذلك.

 

 

الكفاءة كمنظومة تسييرية :

 

 

 

        لم يعد مظمون الكفاءة بمنظورها الجديد ذات مدلول بسيط يعني فقط قدرة الفرد أو الجماعة على الاستجابة الفعالة و الناجعة لمتطلبات منصب العمل أو المهنة التي يقوم بها بل أصبحت  ذات مفهوم شامل ومركب تتوقف على قدرة الفرد و المجموعات والبيئة التنظيمية كلها مع بعضها البعض في التزامن Synchronisation وانسجام وبذلك أصبحت لها مكانة محورية في عالم التسيير و المنظمة لكونها تربط بين ثلاث مفاهيم أساسية وهي:

 

- الاستراتيجية

 

- تسيير الموارد البشرية

 

- التدبير بصفة عامة le management

 

فالفهم العميق و الدقيق لهذه العلاقة بين الكفاءة من جهة وهذه المفاهيم الثلاثة من جهة ثانية ننتقل من تسيير الحافظة التكنولوجية إلى تسيير حافظة الكفاءات،و الذي يقوم على ثلاث مقاربات وهي:

 

              1-المقاربة التسيرية        approche gestionnaire

 

              2-المقاربة العملية      approche opérationnelle

 

              3-المقاربة الاستراتيجية    approche stratégique

 

 

1)-المقاربة التسييرية للكفاءات:approche gestionnaire

 

        تنظر المقاربة التسييرية للكفاءة على أنها تتكون من شقين الشق الأول يشتمل على مجمل المعارف والخبرات الفردية والجماعية المتراكمة عبر الزمن والشق الثاني يشتمل كذلك على قدرة الاستغلال هذه المعارف و الخبرات في وضعيات مهنية مختلفة فمن هذا المنطلق تصبح الكفاءة لها ثلاث مكونات أساسية وهي :

 

              1- رأسمال من المعارف والخبرات

 

              2- ملكة الفعل le savoir faire

 

              3- حسب التعامل والتصرف

 

        كل هذه المكونات الثلاث للكفاءة من منظور هذه المقاربة لابد أن تكون جاهزة للتعبئة و الاستغلال أمام أي وضعية مهنية أو وضعية عمل فنلاحظ من هذا التصور للكفاءة أنها ليست نظرية فقط بل عملية وكذلك متطورة بتطور الوضعيات المهنية التي يواجهها العامل أثناء أدائه لمهامه ورغم هذين العاملين تبقى الكفاءة غائبة أو ناقصة إذا لم تكن مقرونة:

 

        - بالقدرة على الفعل le pouvoir d'agir  الذي يعني توفيرالبيئة التنظيمية المناسبة والتي تمكن الكفاءات أن تعمل و تبرز دون عوائق تنظيمية أو بيروقراطية.

 

- الرغبة على الفعل vouloir d’agir التي تكون وليدة قدرة التحفيزية للمؤسسة إذن فالكفاءة هنا كما نلاحظ هي منظومة متكاملة ومسؤولية طرفين  أساسين وهما العمال ومجموعات العمل بما يمتلكونه من معارف و خبرات كما أشرنا و الإدارة التي يقع عليها مسؤولية القدرة التسييرية بتوفيرها للبنية التنظيمية المناسبة و المنظومة التحفيزية اللازمة فبدون هذين الطرفين أو عاملين لا تكون هناك كفاءة من وجهة نظر هذه المقاربة

 

 

2)-المقاربة العملية approche opérationnelle 

 

        من منظور المقاربة العملية أن الكفاءة تكون وليدة تفاعل دائم ومستمر بين ثلاث مكونات أساسية وهي1-التكنولوجيا ,  2- التمهين الجماعي المسمى  apprentissage collectif ,3-السيرورة التنظيمية فالكفاءة بهذا المنظور لا يمكن شراؤها  أو الحصول عليها أو تقليدها لأنها وليدة التفاعل المتزامن بين هذه العناصر الثلاث وليس ظرفي أو مؤقت ووليدة كذلك قدرة المؤسسة على تعظيم التفاعل الإيجابي لهذه

 

 

المكونات بما يمنح لها ميزة تنافسية فنلاحظ أن الميزة التنافسية فيما يتعلق بالكفاءة لا يمكن أن تتحقق إلا بتفاعل دائم ومستمر بين هذه المتغيرات الثلاثة وأن الاستطاعة أو القدرة حسب هذه المقاربة ليست فردية بل جماعية وليست مطلقة بل نسبية ومتغيرة حسب قدرة هذه الجماعة على السيطرة و التحكم في التكنولوجيا المستعملة من طرف المؤسسة و التي هي بدورها في تغير وتطور دائم وكذا قدرة هذه الجماعة على التأقلم
و التفاعل مع السيرورات التنظيمية  التي تطبقها المؤسسة في كل مرة من أجل رفع من فعاليتها ومن مسايرة التغيرات المحيطية و الداخيلية ومن هنا تكون الكفاءة شيء عملي ووليدة الممارسة الميدانية و الناجحة للمكونات الثلاث .

 

 

3)-المقاربة الاستراتيجية:

 

        أن مفهوم الكفـاءة بالمنظور المقـاربة الإستراتيجية تتضمن الكفاءات التي تعطي للمؤسسة الميـزة و المكانة التنافسية من جهة , وتكون باستطاعتها أن تنجز لها المشاريع الإستراتيجية بالنسبة للمؤسسة فالكفاءات بهذا المعنى تكون تلك القدرات المعرفية و العملية و التنظيمية التي :

 

       - يصعب تقليدها من طرف المنافسين

 

       - يصعب أو يستحيل تعويضها بواسطة آلية تكنولوجية جديدة 

 

       -  يصعب أو يستحيل تعويضها بواسطة ابتكار طرق تنظيمية حديثة أو كفاءات أخرى مشابهة.

 

        هذه العوامل تكسب الكفاءة صبغة الإستراتيجية. كما نلاحظ من هذه المقاربات أو الأبعاد الثلاثة للكفاءة أنه يوجد بها تدرج وتكامل بحيث لا يمكن أن تكون هناك كفاءة إستراتيجية دون البعد الأول و الثاني لها وكذلك بالنسبة للكفاءة العملية لا يمكن أن تكون بدون البعد الأول فتسيير الكفاءة ومتابعتها يتطلب قدرة متعددة ومتكاملة .

 

أ)-طرق تشخيص الكفاءة انطلاقا من مفهوم الثلاثي للأبعاد للكفاءة :

 

        بعدما تعرفنا على مضمون الكفاءة داخل المنظمة انطلاقا من الأبعاد الثلاث التي ذكرناها سنقوم بتحديد طرق تشخيص و البحث على الكفاءات داخل المؤسسة سواء كانت فردية أو جماعية معتمدين
على الأبعاد الثلاثة للكفاءة المذكورة سابقا ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بواسطة وصف وتحديد وترتيب دقيق لمكونات الأساسية للكفاءة .

 

حددت الكفاءة بمفهومها الحديث ورتبت على ثمانية مجالات أساسية وهي1:

 

1-الخبرة التقنية                                   L’expertise Technique  

 

2- القدرة على العمل                               Compétence d’action              

 

3- القدرة على الإبداع والخلق                           Capacité créative              

 

4- القدرة التدبيرية                                   Capacité managerial

 

5- القدرة على تحقيق الفاعلية الشخصية Capacité affecté personnelle  

 

6- القدرة الإتصالية أو العلاقاتية                    Capacité relationnelle

 

7- القدرة على تجسيد  ثقافة وقيم المؤسسة        Capacité à la contribution aux valeurs      

 

8-المساهمة في تجسيد أهداف المؤسسة        Capacité à lacontribution aux objectifs 

 

        انطلاقا من هذه القائمة المحددة لمجالات الكفاءة هناك ثلاثة مناهج أو طرق من أجل التشخيصها داخل المؤسسة :

 

 

I-منهجية تشخيص الكفاءات الفردية:

 

        كما هو واضح من عنوانها أن هذه المنهجية تقوم على أساس بحث الكفاءات الفردية وحتى الجماعية الموجودة داخل المؤسسة أي البحث عن الكفاءات المتجدرة في ثقافة المؤسسة المرتبطة هيكليا بالتكنولوجيتها النوعية و التي تشكل رأسمال بشري إستراتيجي لكونها:

 

 

 

-            تعمل على تحسين نجاعة المؤسسة 

 

-             تساهم في إنجاز أهدافها

 

-             تعمل جاهدة من أجل وضع تصورات وخطط لنشاطات أو منتوجات و أساليب تنظيمية جديدة.

 

وعليه فهذه الطريقة القائمة على التشخيص و البحث على الكفاءات فردية كما ذكرنا تتم في الاتجاهات التالية:

 

1)-البحث و تقيم الكفاءات الفردية:

 

إن عملية البحث و تقييم الكفاءات الفردية داخل المؤسسة تشمل العمليات التالية:

 

1-  التقييم الدائم و المستمر للكفاءات يشمل جميع عمال المؤسسة فالهيئة المكلفة بتسيير الموارد البشرية تقوم بهذه العملية بصورة دائمة و مستمرة وفي كل المناسبات التسييرية المتاحة منها عند عمليات التوظيف ، الترقية ، و إعادة ترتيب وتصنيف العمال أو عن طريق عملية التكوين التي تقوم بها المؤسسة لصالحهم و هذه العملية تتم باستعمال الأدوات اتسييري و التقنية المعروفة منها:

 

-الاختبارات المتعددة: les testes d’évaluation التي تقيس الملكات الذهنية  و النفسية وحتى المعرفية، بطاقات التقييم  grille d’évaluation  هذه العمليات التقويمية المهيكلة و المنظمة لابد أن تتم في مستويات عديدة و من طرف مهنيين متخصصين، لقياس كما قلنا سابقا المؤهلات و الكفاءات الفردية في المجلات الثمانية التي ذكرناها سابقا.

 

1.1 الكشف و تعيين الكفاءات النادرة

 

العملية الاولى هذه تعمل على البحث و تحديد الأفراد اللذين يمتلكون قدرات و إمكانيات عالية و نادرة
و كذا الخبراء و المتخصصين في مجالات دقيقة و إستراتيجية بالنسبة للمؤسسة من أجل العمل
على المحافظة على هذه الكفاءات و الخبرات سواء كأشخاص أو كراس مال معرفي، في حالة ذهاب هؤلاء الأفراد و الخبراء بشكل أو بآخر فهذه العملية تشمل مرحلتين في الحقيقة الأولى تعمل على تحديد مكانهم و مجلات تخصصهم و خبرتهم و دورهم الإنتاجي أو الاستراتيجي و المرحلة الثانية تعمل
على تحديد طريق تسيير هذه المعارف و كيفية المحافظة عليها و نشرها  أو نقلها لأشخاص آخرين مؤهلين لذلك من داخل المؤسسة

 

 1.2الكشف و التنقيب على الكفاءات غير معروفة

 

أن العملية الثانية هذه تهدف إلى البحث على الكفاءات غير المعروفة بالنسبة للهيئات التسييرية للمؤسسة و ذلك لسبب أو لآخر منها

 

1-  أن البيئة التنظيمية القائمة  لم تسمح لهم أن يبرزوا مواهبهم و إمكانيتهم و قدراتهم الأكيدة
و في المجلات الثمانية المحددة .

 

2-   أو إن هؤلاء يشغلون وظائف تتطلب قدرات و كفاءات كبيرة  لكن في نشاطات تعتبر حاليا ثانوية بالنسبة للمؤسسة.

 

فهذه الكفاءة الخفية وغير المرئية للهيئات التسييرية تشكل في الحقيقة حقل كبير يجب على  المؤسسة أن تنقب عنه وتستغله أحسن استغلال سواء من أجل تحقيق النجاعة الداخلية وتحسينها أو من أجل الحصول
على الميزة تنافسية ,و المحافظة عليها لأنه يمكن أن تشكل لها كفاءة جماعية تستطيع أن تؤسس لمنتوج
أو نشاط جديد .

 

2)-البحث وتقييم الكفاءات الجماعية :

 

        تنطلق المؤسسة في عملية البحث عن الكفاءات الجماعية من فرضية أن الكفاءات ليست فردية
أو مشخصة في أفراد فقط بل أن فرق ومجموعات العمل داخل المؤسسة يمكن أن تكون لديها كفاءة نوعية وخاصة موزعة على الأفراد المنتمين إليها و التي تشكلت بفعل تفاعل بين العوامل الثلاثة التي ذكرناها سابقا وهي، تكنولوجيا, البيئة التنظيمية, وخبرة الأفراد فيما بينهم عبر مجال زمني معين تعطي لهم كفاءات نوعية وخاصة كفريق عمل و ليسوا كأفراد من حيث :

 

 

        - روح التعاون و التساند لديهم

 

        - التكامل المهني بينهم

 

        - القدرة على التنظيم و الابتكار لديهم

 

  - العلاقات الاتصالية العالية في كل الاتجاهات بمختلف الأشكال التي تساهم في تنقل المعلومة

 

   بالرغبة المطلوبة

 

        - القدرة على التغير والتطور الموجودة لديهم

 

هذه المجالات الخمسة تعطي للفريق العمل القدرة و الكفاءة العالية التي يجب على المؤسسة أن تبحث عنها،  تحافظ عليها وتستغلها في مشاريعها, ففرقة العمل التي تتجسد فيها هذه الكفاءات الخاصة و النوعية يمكن أن تكون فرقة لصيانة العتاد تتكون من عدد متنوع من التخصصات أو فريق مهني يمثل تخصص مهني معين كالميكانيكيين أو الكهربائيين أو المكلفين بالتسويق ,مهندسين ....الخ.

 

بعدما تقوم المؤسسة بتحديد هذه الكفاءة الجماعية نضع بذلك خريطة تبيانية une cartographie   نبين فيها

 

 - موطن هذه الفرقة داخل المؤسسة (من حيث المكان و النشاط التابعة له )

 

 - نوعية التخصص ومجالاته

 

 - مؤشرات النجاعة التي حصلت عليها هذه الفرقة في فترات عدة

 

 - التسلسل التاريخي لنجاحاتها

 

 - إلى آخره من المؤشرات الأخرى التي تراها المؤسسة مهمة لإعطاء صورة كافية على هذه الفرقة ,طبعا أن هذه الخريطة التبيانية تختلف من مؤسسة إلى أخرى على حساب حجمها وطبيعة نشاطها .

 

 

 

II - منهجية تشخيص الكفاءات المتوفرة في نشاطات محدد:

 

         منهجية تشخيص الكفاءات في نشاطات محددة تختلف عن التشخيص السابق المتعلق بتحديد الكفاءات الجماعية لأنه كما ذكرنا أن الكفاءة الجماعية تخص مهنة جماعية أو فرقة لها تخصصات متنوعة أما تشخيص الحالي يهتم بتحديد الكفاءة التي تتوفر عليها المؤسسة في نشاط صناعي أو إنتاجي معين ضمن سلسلة السيرورة الإنتاجية للمؤسسة، فهذا النشاط  قد يكون عملية تعليب و حفظ المنتوج لمؤسسة مواد غذائية أو تكون عملية تسيير تقني للممتلكات و التجهيزات شركة ....الخ أي أن هذه العملية تهدف إلى تحديد الكفاءات المتوفرة التي تسمح للمؤسسة بإنجاز نشاط رئيسي ضمن سيرورة نشاطاتها الإنتاجية بنجاعة وفعالية كبيرة و تحديد القيم المضافة التي يمكن أن تحصل عليها من حسن استغلال هذه الكفاءة.

 

إن عملية تشخيص هذه تتطلب أن نأخذ في الحسابان العوامل التالية:

 

  - المستوى التكنولوجي من حيث درجة تعقيده

 

  - موقع نشاط ضمن سيرورة الإنتاجية في علاقاته بنشاطات قبلية وبعدية

 

  - ندرة الكفاءات في هذا النشاط لدى المؤسسات المنافسة أو غيرها

 

  - أثر هذه الكفاءة على جودة السعر والمنتوج .

 

أن التشخيصات التي نقوم بها في هذا المجال تمكننا من تحديد مايلي:

 

  - الطابع الإستراتيجي لهذه الكفاءات الرئيسة من حيث ندرتها, صعوبة تقليدها و الحصول عليها
أو تعويضها.

 

       - تحديد كيفية نشرها وتوزيعها عن طريق قياس المدة الزمنية اللازمة للحصول عليها سواء
عن طريق التكوين أوالخبرة .

 

  - تحديد مدى تجدر كفاءة هذا النشاط في ثقافة المؤسسة وفي طبيعة تكنولوجيتها, أي انه نشاط عابر، مستحدث أو ذو تقاليد تكنولوجية عريقة.

 

 - تحديد الطور الحياتي le cycle de vie الذي وصلت إليه هذه الكفاءة، هل هي في مرحلة الشباب، الشيخوخة، التقادم أو الانقراض.

 

 

 

  -IIIمنهجية التشخيص القائمة على أساس المشاريع الإستراتيجية :  

 

        إن منهجية تشخيص الكفاءات على أساس المشاريع الإستراتيجية تهدف إلى تحديد الكفاءات التي تمكن المؤسسة من إنجاز وتحقيق الأهداف الإستراتيجية ونستطيع أن نصل إلى ذلك من خلال مايلي:

 

    1- أنه أثنـاء التحـليل الإستراتيجي الـذي تقوم بـه المؤسسة من أجل وضع المخطط الإستراتيجي
و الإعداد لتنفيذه نصل إلى إعداد برنامج عمل خاص يتعلق بتسيير التشغيل وتنمية الكفاءات فعن طريق  عمليات تسيير الموارد البشرية كالتكوين و التسيير المسار المهني ...الخ  يسمح للمؤسسة أن يكون لديها فكرة دقيقة على كفاءات الموجودة لديها و الكفاءات التي هي بصدد تكوينها وتحضيرها وفق الأهداف الإستراتيجية التي حددتها مسبقا.

 

   2- تتمكن المؤسسة في تحديد الكفاءات الإستراتيجية لديها من خلال عمليات التسيير الإستراتيجي للكفاءات الأساسية التي تكلمنا عنها في السابق.

 

   3- عند تحليل أو تصميم الداخلي التي يقوم به المؤسسة من أجل تحديد نقاط القوة ونقاط الضعف لديها يمكنها من الوقوف كذلك على الكفاءات الموجودة لديها و التي باستطاعتها أن تقوم بنجاح المشاريع الإستراتيجية التي هي بصدد الإعداد لها.

 

  4- عند تحديد الكفـاءات الأسـاسية في كل قطـاع نشـاط يمكنها من الوقوف بالضبط
على المعارف و الإمكانيات الضرورية من أجل الوصول إلى مستوى الامتياز.

 

 أما فيما يخص كيفية تحديد هذه الكفاءات الإستراتيجية يتم ذلك من خلال المؤشرات أو العوامل التالية:

 

 1-الكفاءات التي لها القدرة على المساهمة بصورة فعلية في إنجاز المشاريع الإستراتيجية للمؤسسة كالانتقال إلى قطاع نشاط آخر أو الانطلاق في منتوج.

 

 2-الكفاءات التي غيابها يؤثر على إنجاز المشاريع الإستراتيجية لأن دورها يكمن مثلا في تسهيل عمليات الاتصال و التحفيز وخلق الديناميكية اللازمة لدى فريق العمل .

 

 3-الكفاءات النادرة التي أعطت للمؤسسة ميزة تنافسية بواسطة قدرتها المعرفية، التقنية والتنظيمية التي حصلت عليها من خلال خبرتها داخل المؤسسة سمحت لها أن تكون على دراية كبيرة بكل آليات التأطير، التنظيم و التكنولوجيا  النوعية التي تتوفر عليها المؤسسة .

 

 4-الكفاءات النادرة التي يصعب الحصول عليها وتشكل بـذلك حاجز إستـراتيجي لا يمكن تجـاوزه
أو اخترقه من طرف المنافسين

 

    بعدما نقوم بتحديد الكفاءات الإستراتيجية و التعرف عليها يجب على الهيئة المكلفة بتسيير الموارد البشرية أن تقوم بدورها التسييري وذلك بوضع السياسات اللازمة التي لا بد أن تهدف إلى:

 

     - العمل على إبرازها وحمايتها، إيجاد الحلول المناسبة من أجل الاستفادة التامة و الكلية
من إمكانيتها، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بواسطة سياسة فعالة للأجور و المرتبات وسياسة تكوينية واتصالية وتسيير فعال كذلك للمسارات المهنية .

 

    نلاحظ فيما سبق أن تسيير الموارد البشرية و إستراتيجية المؤسسة القائمة على الكفاءات تختلف تماما  عن التسيير السابق الذي كان ينظر للعنصر البشري عبارة عن حاجز أو عائق لا بد من تطويعه للعملية الإنتاجية كما رأينا في البداية أو عبارة عن عنصر ثانوي هامش لا بد من ربطه وجره بواسطة الأهداف الإستراتيجية للمؤسسة التي كانت قائمة على العلاقة بين المنتوج و السوق أما التسيير بالمفهوم الحالي ينظر للمورد البشري ليس عنصر أو مورد إنتاجي فقط بل مورد إستراتيجي يحقق الامتياز و الميزة التنافسية للمؤسسة بواسطة تنمية الكفاءة وتطويرها وبذلك انتقلنا من المنطق الاستغلال الأمثل للفرد
إلى منطق التنمية والترقية العظمى له .

 

 من خلال دراستنا لواقع المؤسسة الاقتصادية في الجزائر نلاحظ أن نظرتها للكفاءة لازالت في طورها البدائي و التقليدي القائم على مبدأ الثقة و الولاء الشخصي، الامتثال للقانون و الإجراءات التنظيمية
و البيروقراطية، تقوم كذلك على مبدأ التخصص المفرط و تقسيم العمل و ليس على التخصص المتعدد كما رأينا بالإضافة إلى هذا كله سياسة أجرية تثمن الأقدمية و لا تثمن القدرة على مواجهة الواقع المتغير أي القدرة على الخلق و الإبداع.

 

 

5.العنصر البشري من منطق المورد إلى منطق الرأسمالي الإستراتيجي :

 

عرفت المؤسسة الاقتصادية المتطورة في الفترة الراهنة قفزة نوعية جديدة في علاقتها بتسيير لعنصرها البشري بصفة خاصة والتسيير فيها بصفة عامة هذه القفزة النوعية تقوم على أساس اعتبار العنصر البشري  ليس مورد يجب تنميـته فحسب بل هو رأسمال غير مـادي يجب الاستثمار فيه أو استثماره في أجـل تنميته و تنمية المؤسسة بما يحقق الميزة  التنافسية لها، فهذا الرأسمال الإستراتيجي لا يتمثل في الفرد كقيمة مطلقة بل يتمثل في المنتـوج الـذهني من معارف و خبرات المترتبة عن عـلاقة الفـرد بالبـيئة الطبيعية و التنظيمية التي يعيش فيها، فالانتقال النوعي من الاهتمام بالفرد كمورد إستراتيجي عن طريق تسيير الكفاءة كما رأينا
في المحور السابق إلى الاهتمام بالمعرفة ينتج أساسا  من فكرة أساسية مفادها أن الخبرة والمعرفة التي اكتسابها الأفراد داخل المؤسسة في علاقتهم ببيئتها التنظيمية والتكنولوجية والتسييرية أن كانوا هم  حاملون لها فإنها
في الحقيقة ليست ملك لهم بل هي ملك للمؤسسة وعليه لا بد أن توظفها لمصلحتها الاقتصادية والإستراتيجية، وانطلاقا من هذا تزايد الاهتمام بتسيير المعرفة لدى المؤسسات المتطورة لكنه ترتبت عن هذه الفكرة الرئيسية أسباب أخرى فرعية نجيزها فيما يلي :

 

1-   بتسيير المعرفة تريد المؤسسة أن تنقلها من ذاتية الأفراد إلى موضوعية النظم والحوامل Les Supports التقنية، التكنولوجية حتى لا تتبدد هذه بحركة الأفراد من داخل إلى خارج المؤسسة .

 

2-   إن التحاليل والدراسات بينت بأن تسيير العنصر البشري القائم على سير الكفاءات داخل المؤسسة يجعل من المعارف الإستراتيجية حكرا على الأفراد الذين يحملونها، ولا يتم توزيع ونشر ولا استغلال منها إلا نسبة قليلة نقدره بحولي 20 % والباقية تبقى مظمورة وغير ظاهرة وتضيع بسبب دواران العمالة .

 

3-   تبين لهذه المؤسسات الكبيرة النجاعة المطلوبة في علاقتها بالمحيط لا يتوقف على كفاءات الأفراد فيها بالقدر ما يتوقف على تثمين و تجميع أولا و نشر هذه المعارف المتحصل عليها على جميع أفرادها ثانيا.

 

4-   انتقال المؤسسات الغربية من الاهتمام بتسيير الكفاءات في حد ذاتها إلى تسيير المعارف التي تحملها هذه الكفاءات يرجع في الأساس إلى اقتناع هذه المؤسسات أن الكفاءة بطبيعتها تبقى دائما مرتبطة ومتجسدة في الأشخاص الذين يمتلكونها من جهة وتتطور وتنمو بفعل العامل الزمني وهذا ما يجعلها عوض أن تكون عامل تغيير وتجديد  تصبح عامل جمود ومقاومة لهذا التغيير بحيث كلما زادت كفاءة شخص
في مجال معين أو المؤسسة في قطاع نشاط معين كلما نقصت فرص التغيير والتجديد نظرا لارتفاع شدة المقاومة لهذا التغيير وهنا اتجهت هذه المؤسسات إلى الاهتمام بتسيير المعرفة في حد ذاتها و نقلتها عن الذوات الفردية وأصبح العنصر البشري بالنسبة للمعرفة كالحقل بالنسبة لمنتجاته أو كالشجرة بالنسبة ثمارها.

 

تحديد مفهوم تسيير المعرفة :

 

        لا يزال في الحقيقة مفهوم تسيير المعرفة يكتنفه كثير من الغموض حتى بعض المؤلفين يعتبرونه أنه مفهوم ضبابي وغير واضح والبعض الآخر ذهب إلى ابعد من ذلك إذ يرى بأنه إيديولوجية تظليلية من صنع مكاتب الاستشارات الخدماتية المتنامية في جميع  أنحاء العالم تريد أن تعطى للنشاط الذي تقوم به صفة المنتوج عوض صفة الخدمة، و بالتالي تصبح أكثر تموقعا في السوق و أحد الأطراف الفاعلة والأساسية فيه
وعلي العموم نستطيع أن نعرف تسير المعرفة كما يلي «هي مجموعة الأساليب التنظيمية والتكنولوجية تهدف إلى خلق ، جمع تنظيم وتخزين نشر واستعمال المعرفة في المؤسسة <<

 

        فنلاحظ من التعريف السابق أن تسيير المعرفة له شقين الشق الأول يتمثل في التنظيم أو خلق الشروط التنظيمية الملائمة لإنتاج المعرفة و يتمثل بما يسمى بالبيئة التنظيمية وهذه البيئة لا تتوقف فقط عند خلق المعرفة وإنتاجها بل العمل كذلك على إعادة إنتاجها وهذا يتطلب نشر واستعمال فعال وناجع و لا يمكن

 

 

أن يتحقق ذلك إلا باستعمال الوسائل اللازمة والمتمثلة في الشق الثاني من التعريف السابق وهي التكنولوجيا ذلك من أجل جمع وتخزين ونشر المعرفة .كما أنه يمكن أن نعرف تسير المعرفة على أنها نشاط دائم ومستمر يقوم على أساس تثمين المعلومات و الخبرات التي تتوفر عليها المؤسسة في مجال نشاطها بهدف إلى تحسين و إعادة استعمال وتوظيف رأسمالها المعرفي من أجل تحقيق الخلق و الإبداع داخل وعلى العموم نستنتج من هذين التعريفيين وغيرهما أن المعرفة أصبحت:

 

-            أداة للتغيير و التجديد داخل المنظمة

 

-            أداة  لتكوين الدائم و المستمر

 

-            وسيلة للتحفيز وخلق روح المبادرة و المنافسة بين أفراد المنظمة

 

 وبالتالي أن تسيير المعرفة لم يعد نشاط جزئي من ضمن الأنشطة الأخرى بل أصبحت تمثل نسق تسييريsystème managérial بكامله بحيث كلما كان هذا النسق قوي وفعال كلما حققت المؤسسة السيطرة
و الريادة في مجال نشاطها .

 

 

مصادر المعرفة داخل المؤسسة :إن مصادر المعرفة داخل المؤسسة عديدة ومتنوعة ومنها :

 

1-المعطيات الخام les données brutes:هي مادة وعناصر كمية أو كيفية موضوعية تعتمد كقاعدة أساسية للوصول لاستنتاجات العملية و الاستدلالات الفكرية .

 

2-المعلومة l’information  :هي مجموعة من المعطيات غير مهيكلة في نسق فكري لكنها منظمة بالشكل الذي يريده أو يقصده المرسل من هذه المعلومة فالمعلومة عكس المعطيات كونها تتصف بطبيعة الذاتية، فالمعلومة تصبح معرفة عندما تتبنى من طرف الأشخاص داخل المنظمة وتصبح تشكل قيمة معنوية أو حتى مادية لديهم وهنا يتضح أن المعلومة أقل درجة في المستوى من المعرفة .

 

3-الكفاءة :هي مجموعة من المهارات و القدرات و الخبرات المتحصل عليها الشخص في علاقته بمجال محدد وفي ممارسته لنشاط محدد قد تكون الكفاءة صفة فردية أو جماعية وشكل من أشكال المعرفة لكونها تراكمية .

 

4-المعرفة:هي مجموعة من المعلومات الجديدة المتحصل عليها عن طريق العمليات الذهنية والعقلية سواء عن طريق البحث والدراسة أو عن طريق الممارسة العملية، فسيرورة إنتاج المعرفة تتمثل في الحصول على المعلومة، معالجتها بواسطة العمليات الذهنية ثم إنتاج معلومات جديدة مهيكلة ومنظمة بحيث يكون العقل هو مصدر إنتاج وتحليل المعلومة وليست الغريزة, فالمعرفة تنقسم بدورها إلى قسمين:

 

1.4-معرفة ظاهرة :هي المعرفة الموضوعية التي يمكن تحويلها إلى كلمات ورموز وعبرات أي إلى لغة ويمكن كذلك تخزينها ونقلها من شخص إلى آخر من أجل استغلالها واستعمالها في إنتاج وتنمية معارف أخرى.

 

2.4 -معرفة خفية : هي معرفة غير مستغلة التي تبقى مجرد خبرة أو كفاءة أو قدرة ذاتية و شخصية .

 

5-الملكة المعرفية le savoir  :الملكة المعرفية أو التحكم المعرفي هو مستوى أعمق من المعرفة لأنه يتصف بالمصداقية أكبر و الديمومة وعليه فهي مجمل المعارف المؤكدة و المحصل عليها بواسطة البحث
و الخبرة .

 

هذا عن مكونات المعرفة أما عن مكونات سيرورة تسيير المعرفة فإن هذه الأخيرة تتكون بصفة عامة من أربع ركائز أو مكونات أساسية .

 

سيرورة تسيير المعرفة :

 

        إن سيرورة تسيير المعرفة داخل المنظمة تتكون من أربع آليات أو سيرورات فرعية وهي :

 

1-جمع وتحصيل المعرفة :

 

إن عملية جمع وتحصيل المعرفة تتم بواسطة استقطاب المعارف الموجودة خارج المؤسسة سواء عند العملاء أو الزبائن أو الحلفاء في شكل علاقات إستراتيجية بين المؤسسة وحلفائها وبواسطة آليات

 

 

Benchmarking  أو سواء عن طريق إنتاج و ابتكار لمعرفة جديدة وهنا يتطلب من المؤسسة أن تقوم بعمليات استثمارية في مجال الرأسمال غير مادي وذلك عن طريق :

 

     أ) –تنمية الكفاءات الداخلية التي تكون قادرة على إنتاج المعارف ذلك بواسطة تحسين البيئة التنظيمية التي تساعد على تحقيق ذلك أو القيام باستقطاب كفاءات تحقق هذا الغرض .

 

    ب)-إيجاد الطرق التحفيزية للمحافظة على الكفاءات الإستراتيجية أو لاستقطابها .

 

    ج)-تنمية وتشجيع النشاطات التكوينية و التأهيلية عن طريق نشر المعارف بهدف تنميتها كمادة وليس بهدف تنمية المهارات و القدرات الإنتاجية للعامل فقط .

 

فالحصول على المعارف يتوقف وقبل كل شيء على قدرة المؤسسة على التعرف عليها وتحديد مكانها وتوثيقها و تصنيفها.

 

 

2 -تخزين المعرفة :بعد الحصول على المعرفة يتطلب من المؤسسة أن تكون لها قدرة توثيقها وتخزينها بطريقة منظمة ومهيكلة وبوسائل حديثة سهلة الاستعمال والاستغلال .

 

 

3-الاستغلال والتثمين المعرفة : إن عملية الاستغلال تتوقف على مدى  قدرة الدخول إليها من طرف المستغلين المستهدفين من طرف المؤسسة أي قدرة المؤسسة على نشرها على الفئة المستهدفة من أجل استغلالها لإعادة إنتاج وإبداع معارف أخرى جديدة ومتطورة .

 

 

4-المراجعة والتقييم :المرحلة الأخيرة من هذه السيرورة تتمثـل في المراجعة الدائمة للمعلومات المخزونة
أو المستعملة من أجل تدعيمها بمعلومات جديدة أو إثرائها في كل مرة .

 

 نلاحظ أن عملية تسيير المعرفة أصبحت مركبة ومعقدة تتدخل فيها عدة وسائل مثل التكنولوجيا وعدة موارد مثل الموارد البشرية المتمثلة في العنصر البشري ومركبة كذلك من عدة نشاطات أساسية داخل المؤسسة كانت في السابق تشكل كل واحدة منها نشاط مستقل بذاته عن الآخر فأصبحت عملية تسيير المعرفة مرتبطة بنشاط تسيير الموارد البشرية تتمثل بكل أبعاده من استقطاب للعمالة وتكوين للكفاءات وتحفيزها وتسيير إستراتيجي بما تحققه من ميزة تنافسية ونشاط البحث و التطور D) &R) بحيث أصبح البحث و التطور سيرورة فرعية من عملية تسيير المعرفة وليس نشاط مستقل بذاته وكذلك نظام المعلومات وتسييره أو ما يسمىinformation ’ système dفأصبحت عملية تسيير المعرفة نظام تسييري شامل وكامل كما قلنا سابقا.

 

أنظر الأشكال التوضيحية:أ، ب، ج

 

هوامش و مراجع

 

 

 

 

  1. PatrickILBERT  ( la gestion prévisionnelle des ressources humaines histoire et perspectif ) in revue française de gestion juin, juillet, Août 1999 P.66

 

    2. Pierre.JARDILIER .gestion prévisionnelle du personnel  ed .p.u.f  paris 1972

 

   3. Jean.Marie .PERETTI gestion des ressource ed.vuibert .Paris 1987

 

   4 . Jean.Marie .PERETTI gestion des ressource et du personnel  ed.vuibert .Paris 1994 p.120

 

   5. Charles-.Henri BESSYRE DES HORTS vers une gestion stratégique des ressources humaines
     ed. organisation 1988 P 74.75    

 

   6. BARNEY, J.,(1991),<< Firm resources and sustained competitive advantage>> Journal of Management, 17 (1), P.99-120

 

   7.MICHEL FERRARY et GEORGES TREPO<< définir et gérer les compétences stratégiques>> in Audit social et compétitivité de l'entreprise HAMMAMET ,TUNISIE 13,14,et 15 mai 1999 P.11

 

   8. LOIC CORDIN..… gestion des ressources humaines ed. Dunod Paris 1997

 

 

   9  .DIDIER PAURQUERY  << connaissance ce capitale vivant>>in cahier du management expansion n 655 du 25oct au 07 nov   2001.                                                                                                                                   

 

   10.RAFFI DUYMEDIAN  <<les ègles d’or  du knowledge manager>> in cahier du management expansion n 655 du 25oct au 07 nov   2001.                                                                                                                                   

 

http:/ www.cigref.fr KM2000 PDF le 2/12/2003

 

 

 

Télécharger l'article