تجربة الإصلاح المحاسبي في الصين

                                      إعداد: د.رضا جاوحدو / أ.أحمودة وفاء

 

ملخص

من بين الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الصين من أجل إدراج اقتصادها في تيار التبادلات الدولية ، احتلت تلك المتعلقة بالمحاسبة لعدة سنوات مكانا كبيرا. شهدت البلاد العديد من التأثيرات في ظل الجمهورية وبعدها الثورة الصينية قبل انتهاج اتجاه حديث بقبول المبادئ المحاسبية الدولية، وتنظيم المعلومات المنشورة من قبل الشركات وهيكلة مهنة المحاسبة. ارتأينا في هذا البحث عرض و تحليل تجربة الصين في الإصلاح المحاسبي و تبني المعايير المحاسبي إذ تعد مثالا مفيدا للبلدان الأخرى الناشئة كالجزائر. وذلك من خلال المحاور الرئيسية التالية:

     بوادر الإصلاح المحاسبي في الصين

  جهود التوافق المحاسبي و أهم الاختلافات المتبقية بين النظام المحاسبي الصيني و الدولي

   معوقات و صعوبات تبني المعايير المحاسبية الدولية في الصين

    مستقبل التوافق بين المعايير المحاسبية الصينية و المعايير المحاسبية الدولية

Résumé :

parmi les réformes économiques que conduit la Chine pour insérer son économie dans les courants d'échanges internationaux, celles qui touchent à la comptabilité occupent depuis quelques années une large place. le pays a subi de nombreuses influences notamment sous la république puis sous la révolution chinoise avant de s'engager résolument dans une voie moderne acceptant les principes internationaux, organisant l'information publiée par les entreprises et structurant la profession comptable.   Dans cette recherche, nous avons décidé  d'analyser l'expérience de la Chine dans la réforme de la comptabilité et l'adoption de normes comptables internationales, étant un exemple utile pour d'autres pays émergents comme l'Algérie. à travers les principaux axes suivants ::

les  signes de réforme comptable en Chine

  les efforts de convergence comptable et les principales différences qui subsistent entre le système comptable de la Chine et le système comptable international.

   les obstacles et les difficultés d’adoption les normes comptables internationales en Chine

 le futur de la convergence des normes comptables chinoises aux normes comptables internationales

  1. 1.   بوادر الإصلاح المحاسبي في الصين

عرف الإصلاح المحاسبي في الصين بدايته سنة 1993، و ذلك في غضون إصلاحات الاقتصاد التي قامت بها الدولة تدريجيا اعتبارا من سنة 1978 تحت تأثير Deng xioping  الذي في إعادة توجيه دور الدولة في الاقتصاد بالانتقال التدريجي لاقتصاد السوق.

و تباعا لذلك، فقد كان لانفتاح الدولة، زيادة الاستثمار الخارجي و تأسيس العديد من الشركات المختلطة بالإضافة إلى تزايد عدد الشركات الخاصة و المشاريع المشتركة إلى جانب مؤسسات الدولة، دورا هاما في محو النظام الاقتصادي الصيني السابق.

لقد مس الإصلاح المحاسبي في الصين العديد من الميادين التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

  • إعداد معايير محاسبية عامة ( قرار 30 نوفمبر1992، القانون المحاسبي لسنة 1985 المعدل في 29 ديسمبر 1993).
  • تنظيم مهنة خبراء المحاسبة ( مرسوم تنفيذي 3 جويلية 1996 و قانون 31 أكتوبر 1993)
  • تأسيس قانون الشركات ( قانون 29 ديسمبر1993)
  • الإصلاح الجبائي ( مرسوم تنفيذي 13 ديسمبر 1993)
  • تشريع أنظمة البورصة.

رغم إسهام عملية الإصلاح المحاسبي في إرساء قاعدة قانونية للمحاسبة الصينية، إلا أنها تمت بحذر شديد فقد كانت جد محتشمة بتقرير وزير المالية فقط لـ7 معايير من بين 30 معيار مقترح منذ سنة 1994.

انتهت آخر مرحلة لتوفيق معايير المحاسبة الصينية مع معايير المحاسبة الدولية سنة 2006، حيث تبنت الصين مبادئ محاسبية أساسية و 38 معيار توصي بممارسات معينة في 14 فيفري 2006 ، نشرت بعدها عدة تفسيرات لهذه المعايير سنة 2007 و 2008 على التوالي.

يتضح مما سبق أنه مهما تعددت أهداف الإصلاح المحاسبي في الصين وكثرت تفسيراتها، فإن الغاية الأساسية وراء هذا الإصلاح تكمن في تحقيق توافق تدريجي مع معايير المحاسبة الدولية.1

تزامنا مع تقارب القواعد المحاسبية الصينية من معايير المحاسبة الدولية IAS/IFRS ، كان أثر التغيير في المعايير المحاسبية على القوائم المالية محل نقاش الباحثين نظرا لسوء عملية تنفيذها.2

  1. 2.   جهود التوافق المحاسبي و أهم الاختلافات المتبقية بين النظام المحاسبي الصيني و الدولي

من أجل تفادي الأسئلة الحتمية لبعض الدول حول مدى توافق و تناسق معايير المحاسبة الصينية الجديدة مع معايير المحاسبة الدولية، قامت وزارة المالية و بالتحديد الهيئة الحكومية المسؤولة عن تنظيم المحاسبة بتأسيس فريق عمل كلف بإقناع مجلس معايير المحاسبة الدولية IASB  بتوقيع مذكرة تصادق على انخراط الصين في تبني معايير المحاسبة الدولية. و قد تم توقيع هذه المذكرة بتاريخ 8 نوفمبر 2006 بين الصين و مجلس معايير المحاسبة الدولية، الذي جزم بأن القواعد المحاسبية الصينية تتوافق مع معايير المحاسبة الدولية مع وجود ثلاثة نقاط اختلاف تتمثل في ما يلي: المعاملات بين الشركات المرتبطة و المعلومات المقدمة، إسترجاعات مؤونات الأصول الخاضعة لانخفاض القيمة و الإعانات الحكومية. لكن سرعان ما تم محو هذه الاختلافات من الوجود بإصدار معيار جديد يتوافق و متطلبات معايير المحاسبة الدولية، لتبقى المهمة الأساسية لهيئة التوحيد المحاسبي في الصين مستقبلا هي جعل الدول الأخرى تتقبل فكرة أن المعايير المحاسبية الصينية لها نفس جودة معايير المحاسبة الدولية. وذلك لكون الاعتراف بهذه الجودة يجعل القوائم المالية المنشورة وفقا لمعايير المحاسبة الصينية مقبولة مباشرة دون إجراء أية مقاربات في الدول المتبنية للمعايير المحاسبية الدولية.

يعد معهد خبراء المحاسبة بهونغ كونغ أول منظمة مهنية تعترف كليا بالتوافق بين المعايير المحاسبية الصينية و الدولية، وهناك احتمال كبير لتقبل هذا التوافق من قبل الاتحاد الأوروبي3  كما أجريت بهذا الشأن العديد من المفاوضات مع كل من أستراليا، اليابان، كوريا الجنوبية، روسيا و غيرها من الدول.

رغم توافق مضمون المعايير المحاسبية الصينية الجديدة مع تلك الدولية بشكل واضح، إلا أن كيفية تطبيق هذه المعايير تبقى مختلفة بشكل كبير. في حقيقة الأمر فإن القواعد المحاسبية الصينية تبقى مختلفة عن المعايير المحاسبية الدولية في نقطتين أساسيتين؛ أولهما: تعريف المؤسسات المرتبطة يستبعد أغلب مؤسسات الدولة و هو ما يختلف عن المعايير الدولية، إذ تمثل مؤسسات الدولة في الصين أشكالا قانونية مستقلة كما تتماثل نشاطاتها التجارية تماما مع بقية الشركات لذا فاعتبارها مؤسسات مرتبطة من شأنه تعقيد محاسبتها دون جدوى.

أما الاختلاف الثاني، فيكمن في استرجاع مؤونات الأصول المعرضة لانخفاض القيمة، إذ يعتبر واضعي المعايير الصينية أن انخفاض قيمة الأصول الملموسة طويلة الأجل يكون عادة دائم و بالتالي فإن استرجاعها يمثل حالة خاصة و ليس قاعدة. ولعله يسهل فهم حظر استرجاع المؤونات في الصين نظرا لضعف ممارسات حوكمة الشركات و التلاعب التلقائي بالنتائج.

فيما يخص باقي الاختلافات بين النظام المحاسبي الصيني و الدولي فهي لا تعتبر فروقات بل مجرد تكملة لبعض المواضيع في المحاسبة الصينية  و التي لا وجود لها عادة في الدول النامية. على سبيل المثال فإن تجميع المؤسسات تحت رقابة مشتركة يعتبر من المواضيع المحاسبية التي تختص بها الصين و بعض البلدان الأخرى القليلة. وفقا للنظام المحاسبي الصيني، فإن تجميع مؤسستين مراقبتين من طرف نفس المساهم يجب أن يسجل بالتكلفة التاريخية لأن المعاملة قد لا تتم بالقيمة السوقية ( طريقة تجميع المصالح la mise en commun des intérêts ).

ففي حين تطالب المعايير المحاسبية الدولية بتطبيق القيمة العادلة، يبقى واضعي المعايير الصينية معرضين عن ذلك. و بهذا الصدد فإن المعايير المحاسبية الصينية المتبناة سنة 2006 تصر على ضرورة إدخال القيمة العادلة بحذر و بصفة تدريجية في النظام المحاسبي الصيني و ذلك لأن الأسعار المتوفرة في الأسواق الغير متطورة قد لا تشكل قاعدة جيدة لتحديد القيمة العادلة، و على هذا النحو تمنع المعايير المتعلقة بالاستثمارات الغير منقولة، النواتج البيوكيميائية و إعادة هيكلة الديون، تطبيق القيمة العادلة إلا في حالة وجود أسواق نشطة تسمح بتقييمها بشكل موثوق به.

و قد أقر مجلس معايير المحاسبة الدولية بهذا الشأن، أن توخي الحذر من قبل الصين عند تبني القيمة العادلة يعتبر مثال جيد يمكن أن تقتضي به الأسواق الأخرى الناشئة.

  1. 3.   معوقات و صعوبات تبني المعايير المحاسبية الدولية في الصين

إن سعي الصين لتبني المعايير المحاسبية الدولية يفسر باختيار توجيه النمو الاقتصادي للبلد إلى نظام اقتصاد السوق، الارتباطات المتزايدة بالمؤسسات المتعددة الجنسيات و الصعوبات التي لم تعرف حلولا باستعمال الإطار المفاهيمي السابق.

وقد واجه هذا الاتجاه الجديد كغيره من الإصلاحات الأخرى بالصين العديد من المعوقات و الاعتراضات  حيث أثارت كثرة التلاعب بالنتائج الملاحظ في العديد من الشركات بالإضافة إلى وجود عدد كبير من المحاسبين الغير مكونين في مجال المحاسبة المتقدمة و التدقيق، تساؤل واضعي المعايير الصينية حول إمكانية تبني المعايير المحاسبية الدولية.

تم إنشاء بورصتي الصين سنة 1990 بهدف زيادة رأسمال مؤسسات الدولة التي كانت تعاني من سوء التسيير مما هدّد استمرارها أمام الشركات الخاصة المحلية و الشركات الأجنبية المنافسة. وقد حفزت الأسواق المالية التي تم إنشاؤها على التلاعب بالأرباح و ذلك لاعتبار النتائج المنشورة المحدد الأساسي لقبول اندماج الشركات في البورصة و إصدار أموال خاصة جديدة.

لقد تعلقت معظم هذه التلاعبات بالمعاملات بين المؤسسات المرتبطة، الاستعمال المفرط لحسابات التسوية و كذلك الملفات المحاسبية الغير قانونية كتسجيل نواتج ناشئة عن معاملات غير فعلية. و من أجل الحد من هذا التلاعب المفرط، تم مراجعة القواعد المحاسبية من 2001 إلى 2006. و عليه، كانت النتائج المنشورة في الصين خلال هذه الفترة أكثر تحفظا منه في ظل المعايير المحاسبية الدولية.

في هذا السياق، بينت دراسة أجريت سنة 2003 على 122 شركة تستعمل في نفس الوقت المعايير المحاسبية الصينية و الدولية أن متوسط أرباح الشركات التي تستعمل القواعد المحاسبية الصينية قد بلغ 38 مليون رانمينبي و هي أقل من تلك المحققة باستعمال المعايير المحاسبية الدولية.4 مع العلم أنه في السنوات القليلة السابقة كانت الأرباح المنشورة وفقا للمعايير المحاسبية الصينية متفوقة بشكل كبير عن تلك المنشورة تبعا للمعايير المحاسبية الدولية5، حيث كان هذا التحول جد مفاجئ.

لعله من المعوقات الأخرى التي واجهت تبني المعايير المحاسبية الدولية في الصين هي ضعف تكوين و تأهيل المحاسبين لتمكينهم من ممارسة الحكم المهني بصورة أخلاقية و قابلة للتحقق منها.

لم يشكل هذا الوضع مشكلة جدية قبل إصلاحات 1992 حيث لم يكن المحاسبين ملزمين بممارسة حكمهم المهني إلا في حالات نادرة، حيث كان النظام المحاسبي مقنن ومدون بصفة لم يكن فيها أي حكم مهني ضروري. استبدلت هذه القيود الكمية تدريجيا بمعايير محاسبية تسمح بممارسة الحكم المهني في العديد من الحالات و هذا لكثرة الخيارات المحاسبية، التي اعتبرتها العديد من الشركات وسيلة سهلة لبلوغ هدفهم في تحقيق الربح.

نجحت التنظيمات المحاسبية الصادرة بعد سنة 1993 في تضييق مجال التلاعبات في النتائج  لكن كان لذلك تكلفة لا يستهان بها. من أجل تفادي تصنيف بعض معاملات الشركات كمعاملات بين أطراف مرتبطة، فإن الشركات الصينية تلجأ على سبيل المثال إلى طرف ثالث دون وجود علاقة واضحة بينهم من أجل عرض المعاملة كتبادل تجاري بين أطراف لها قدرة تنافسية في السوق، إذ تتمكن الشركة في هذه الحالة من الاعتراف بالأرباح المتحصل عليها من هذا التبادل التجاري لكن ذلك يخلف تسجيل مصاريف غير ضرورية. فلا يوجد بذلك مستفيد من هذه اللعبة المحاسبية حيث تقوم الشركة بزيادة مصاريف معاملاتها، في حين يضلل مستخدمي القوائم المالية بأرباح مضخمة كما ينجم عن ذلك عدم قدرة واضعي المعايير على التفريق بين الشركات التي حققت أهدافها الربحية بزيادة نشاطتها وتلك التي حققتها عن طريق التلاعب بالنتائج.

لقد انتقلت القواعد المحاسبية الصينية من تنظيم محاسبي صارم أدى إلى الإخلال بالقوائم المالية إلى إطار مفاهيمي مرن يسمح بجزء من الحكم الذاتي. لكن اكتشاف التلاعبات قد أدى بالمحاسبة الصينية  إلى تطبيق قواعد محاسبية صارمة مجددا.

مما لاشك فيه أن التوافق مع المعايير المحاسبية الدولية قد وسع مجال الحكم المهني، الأمر الذي أثار مشكل جودة الإبلاغ المالي. من أجل تفادي إعادة نفس الحلقة، قررت السلطات الصينية أن تتوخى الحذر من أجل ضمان تطبيق المعايير الجديدة بشكل موثوق به.

من أجل الانتفاع من تبني المعايير الجديدة، يجدر الاهتمام بكيفية تطبيق هذه المعايير أكثر من سن القواعد التنظيمية، كما تلعب حوكمة الشركات دورا هاما في ذلك. في حقيقة الأمر، يشكل ضعف حوكمة الشركات الصينية عائقا كبيرا5 أمام قدرة السلطات الصينية على إقناع شركائها الأجانب بأن القوائم المالية الصينية موافقة للمعايير المحاسبية الدولية شكلا و مضمونا.

يعتبر غموض الدور الذي تلعبه الدولة في مجال التنظيم و الممارسة المحاسبية من العراقيل التي وقفت أمام تبني الصين للمعايير المحاسبية الدولية. كما رأينا سابقا، فإن الدولة تتولى كليا تنظيم المحاسبة و تطبيقها فبعد أكثر من 30 سنة من الاصلاحات الاقتصادية لا تزال الدولة الصينية سيدة لعبة الاقتصاد الصيني، فقد يكون دور الدولة منبع لتضارب المصالح إذا وجدت الشركات أن المعايير الجديدة لا تناسبها.

من حسن الحظ أن الصين من بين بعض الدول التي استفادت من الخبرة في تسوية و توفيق المعايير المحاسبية الوطنية مع المعايير المحاسبية الدولية. منذ سنة 1993، حوالي 125 شركة صينية قامت بإصدار أسهم لصالح مستثمرين أجانب مما ألزمهم بإعداد قوائمهم المالية باستعمال المعايير الصينية و الدولية في نفس الوقت، و استمر ذلك إلى غاية سنة 2007 حيث رأى واضعي المعايير توافق النظام المحاسبي و الصيني و عدم جدوى ازدواجية الإبلاغ المالي. في الفترة ما بين 1993 و 2007، تولت الشركات المدرجة في البورصة و المصدرة لأسهم لصالح الأجانب، مهمة تحديد و تفسيير جميع الاختلافات بين النظامين المحاسبيين. في سنة 2001،  قررت لجنة عمليات البورصة وجوب استعمال نفس التقييمات (بمعنى آخر نسبة مؤونات الزبائن المشكوك فيهم و مدة حياة الموجودات) في كلتا النظامين. حيث مكن هذا الإلزام مستخدمي القوائم المالية من استيعاب سبب اختلاف النتائج و ما إذا كانت المعايير المحاسبية الدولية توفر أفضل قوائم مالية لمتطلبات اتخاذ القرار. نظرا للخبرة التي اكتسبتها الصين بمراقبتها للشركات المصدرة للأسهم، يبدو من المنطقي أن تقوم بانتقال تدريجي من مهنة محاسبية تتكلم الصينية إلى أخرى تلفظ باللغة العالمية.

  1. 4.   مستقبل التوافق بين المعايير المحاسبية الصينية و المعايير المحاسبية الدولية

لا يمكن التقليل من شأن الإنجازات الهائلة التي عرفتها مهنة المحاسبة في الصين بتبنيها لمعايير محاسبية تعادل تلك الدولية، لكن يجدر بنا التساؤل حول ما قد يخبئه المستقبل للمهنة و المعايير المحاسبية في الصين.

كما سبق ذكره فإن المعايير المحاسبية الصينية تعتبر حاليا متوافقة مع المعايير المحاسبية الدولية IAS/IFRS، فبعد تضييق نطاق الاختلاف بين النظامين المحاسبيين قام مجلس معايير المحاسبة الدولية بتحديد عددا من المشاكل المحاسبية في الصين، التي تتميز بظروف وبيئة فريدة، إذ يمكن أن تكون مفيدة بصفة خاصة لمجلس معايير المحاسبة في إيجاد حلول عالية  الجودة لمعايير الإبلاغ المالي الدولية. و تشمل هذه القضايا محاسبة القيمة العادلة و تجميع الشركات الخاضعة لرقابة مشتركة.

هل أن التبني الكامل للمعايير المحاسبية الدولية مطلوب في المستقبل أم أن التوافق معها كاف؟   يعتقد البعض أنه من أجل الحفاظ على السيادة الصينية بخصوص معايير المحاسبة ، فإن اعتماد المعايير الدولية كلمة بكلمة من غير المرجح أن يحدث وبدلا من ذلك سوف تستمر الصين في اعتماد مبادئ المعايير المحاسبية الدولية ولكن بتطبيقها بطريقة مناسبة للاقتصاد وبيئة الأعمال الصينية.

نحن نعتقد أنه ينبغي على الصين رصد ما إذا كان سيتم الحصول على الفوائد الكاملة من المعايير الدولية إذا لم تعتمد كامل هذه المعايير.و قد أثير التساؤل حول ما إذا كانت المعايير الصينية ليست سوى "متقاربة"  مع المعايير الدولية و إن كان كذلك، فهذا سيكون كافيا لمواصلة تشجيع ثقة المستثمرين في التقارير المالية في الصين وبالتالي تحفيز الاستثمار الداخلي.

من الواضح أن مجلس معايير المحاسبة الدولية بحاجة إلى فهم أفضل لمختلف ثقافات واقتصاديات الدول مثل الصين و غيرها من البلدان النامية عند صياغة وتعديل المعايير المحاسبية الدولية. إذ أن المعايير المعقدة تنتج عادة من مشاكل في الفهم، ونتيجة لذلك، أصدرت وزارة المالية الصينية توجيهات إضافية للمساعدة على تطبيق المعايير الجديدة. تباينت الآراء حول ما إذا كان مقدار هذه التوجيهات من شأنه أن ينخفض بمرور الوقت.

إن استخدام المعايير المحاسبية الدولية من قبل غير الناطقين باللغة الإنجليزية فهي تتطلب الترجمة ، و اللغة هنا تتحول إلى قضية رئيسية. علينا أن نتساءل عما إذا كانت ترجمة بعض المعايير الأكثر تعقيدا تتم على نحو يحافظ على الهدف الأصلي منها. فمن الملاحظ عدم وجود وقت كاف بين إصدار المعايير المحاسبية الدولية و وضعها حيز التنفيذ للسماح لترجمة كاملة ودقيقة إلى لغات أخرى

كما أثارت الصعوبات المتعلقة بتحديد بالقيمة العادلة كمفهوم جديد في الصين حيث لا توجد أسواق متقدمة بالكامل أو نشطة، قلق  الكثيرلا سيما في ضوء الأزمة المالية الراهنة.

إن المعايير المحاسبية الدولية بحاجة إلى أن تكون متاحة تماما لجميع الدول،كما ينبغي على مجلس معايير المحاسبة الدولية إظهار وعي البلدان من ذوي الخلفيات الاقتصادية المختلفة ومراحل التنمية والنظر في ما إذا كانت المعايير المحاسبية الدولية قابلة للتطبيق في الاقتصاديات الناشئة والنامية. إذ تعتبر مسألة مهمة لتمكين التوافق الدولي لإعداد التقارير المالية و الذي نعتقد أنه لا يمكن أن يتحقق دون تبسيط المعايير المحاسبية الدولية من حيث الطول، واستخدام اللغات وعدد أقل من القواعد.  بمعنى آخر، ينبغي أن تكون معايير المحاسبة الدولية أكثر اختصارا وأبسط وأكثر سهولة للترجمة لتشجيع التوافق الدولي لإعداد التقارير المالية.

تعمل كل من الصين وهونغ كونغ حاليا على نهج "بلد واحد - ونظامان" ، حيث يعتبر معهد هونغ كونغ للمحاسبين القانونيين (HKICPA) الهيئة المهنية المكلفة بوضع معايير التقارير المالية لهونغ كونغ (HKFRS) والتي تتوافق تماما مع المعايير المحاسبية الدولية، مع ترجمة المعايير كلمة بكلمة. ومع ذلك ، فقد عقد كل من لجنة معايير المحاسبة الصينية معهد هونغ كونغ للمحاسبين القانونيين  (HKICPA) اتفاق دائم للحفاظ على التزامهم بتوافق معايير المحاسبة الصينية وHKFRS بشكل مستمر.

بالإضافة إلى ذلك ، أصدرت هيئة هونج كونج للأوراق المالية ورقة استشارية في أوت 2009 حول مدى إمكانية  قبول معايير المحاسبة والمراجعة الصينية في البورصة و ذلك بالنسبة للشركات الصينية المدرجة و ما مدى السماح لشركات المراجعة المحلية بخدمة هذه الشركات.

  كما تم تسليط الضوء عليه سابقا، فإن معايير المحاسبة الصينية قد تغيرت بشكل كبير خلال فترة قصيرة نسبيا من الزمن. إذ حققت الصين انجازات كبرى في تنفيذ هذا النظام المحاسبي الجديد، إلا أن هذه العملية قد تستغرق وقتا حتى يتمكن المحاسبين والمنظمين والمستخدمين من تطوير الخبرة والمهارات اللازمة لذلك.

  1. 5.   التوصيات

       حاليا ينبغي أن يتخذ مجلس معايير المحاسبة الدولية الخطوات اللازمة للانتقال إلى نظام قائم بصفة أكبرعلى أساس المبادئ. وعلى وجه الخصوص :

  • تأسيس مجلس معايير المحاسبة الدولية لتسلسل هرمي أوضح للمفاهيم العامة والمبادئ التي تعبر عن المفاهيم السائدة، و كذلك وضع الحد الأدنى من التوجيهات الإضافية اللازمة لجعل المعايير المحاسبية الدولية تشغيلية.
  • إدراج مفهوم توفق الجوهر الاقتصادي على الشكل في الإطار المفاهيمي لمجلس معايير المحاسبة الدولية على مستوى بارز وموثوق.
  • مجلس معايير المحاسبة الدولية يحتاج إلى تبسيط المعايير جذريا من حيث طولها، واستخدام اللغة وهيكل من أجل توفير أساس للتقارب، والتكافؤ أو التبني.
  •    وينبغي النظر في ما إذا كانت الصين قد تحصلت على فوائد الامتثال لمجموعة من معايير الإبلاغ المالي الدولية كنتيجة لعدم القدرة على المطالبة باعتماد كامل المعايير الدولية.

الخاتمة

إن الجهد و الوقت الذي استغرق لتنفيذ المعايير المحاسبية الصينية الجديدة كان مثيرا للإعجاب، حيث كان التنظيم من قبل الهيئات التنظيمية الوطنية وحافز وحرص الأفراد ملهما. يبدو أنه قد تم اعتماد مبدأ "ما يمكن عمله" بكثرة «  can to do attitude » ، على الرغم من أنه لا تزال هناك مجالات للتحسين و اكتساب المحاسبين الخبرة في العمل مع المعايير المحاسبية الجديدة.

إن حجم البرنامج التدريبي التي وضعه عدد من الهيئات الحكومية في الصين كان  مثير للدهشة، وقد ساهم الإصرار الظاهر على "التغيير" في نجاح التنفيذ. تبعا لذلك فإن تجربة الصين لاعتماد نظام جديد للمحاسبة المستند إلى المعايير المحاسبية الدولية تعد مثالا مفيدا للبلدان الأخرى الناشئة كالجزائر، على الرغم من أنه من المسلم به أن نقطة الانطلاق بالنسبة لكل بلد من المرجح أن تكون مختلفة.

تكمن العوامل الرئيسية التي ساهمت في نجاح تطبيق المعايير الصينية الجديدة فيما يلي:

  • التزام وحماس وزارة المالية والجهات التنظيمية والمهنية؛
  • الجهود المشتركة لجميع أصحاب المصلحة في إعداد التقارير المالية لجعل مهمة تطبيق المعايير تتم على أحسن ما يرام؛
  • كثرة البرامج التعليمية و التدريبية ؛
  •  إصدار توجيهات شاملة للمساعدة في تطبيق المبادئ المحاسبية ؛
  • تطبيق المعايير بصفة معقولة ومتناسبة من قبل المنظمين؛
  • تطوير ثقافة للأخلاقيات لتعزيز المحاسبة الأحكام ؛
  • زيادة تراكم المعرفة الفنية والخبرة العملية، و
  • المساعدة التي تلقتها الشركات من مدققي حساباتها.

المراجع و الإحالات:

 

  1. 1.    CHEN J.P., CHEN S. et SU X., «  profitability regulation, earnings management and modified audit opinions: evidence from China”, Journal of practice and auditing theory,20 (2),2001,p,9-30,
  2. 2.      CHEN J ,P, GUL F, et SU X, 1 « A comparison of reported earnings under Chinese GAAP versus IAS: Evidence from Shanghai Stock Exchange”, Accounting Horizons, vol. 13, n°2 (38), 1999, p, 1-111.
  3. 3.      CHEN J. P., Su X et Zhao R., « An emerging  market’s reaction to initial modified audit opinions: evidence from the Shanghai Stock Exchange”, Contemporary Accounting Research, 17 (3), 2000, p, 429-455.
  4. 4.      CHEN S., SUN Z. et Wang Y., «  Evidence from China on whether harmonized accounting stan-dards harmonize accounting practices”, Accounting Horizons, 16 (3), 2002, p, 183-197.
  5. 5.      CLARKE D., « Corporate governance  in China: an overview”, China Economic Review, 14 (4), 2003, p,  497-507.
  6. 6.      FIRTH M., FUNG P., RUI O.,  « Corporate performance and CEO compensation in CHINA”, Journal of Corporate Finance, 12, 2006,p. 693-714.
  7. 7.      GERVAIS M. et WANG H.T., « Les principes de la comptabilité chinoise », Revue Française de Comptabilité, n°240, décembre 1992, p, 89-103.
  8. 8.      GUO D.Y., Histoire de la comptabilité chinoise, Tome 1,éditions des finances et de l’économie de Chine (en chinois), Pékin, 1982.
  9. 9.      GUO D.Y., Histoire de la comptabilité chinoise, Tome 2, éditions des finances et de l’économie de Chine (en chinois), Pékin, 1988.
  10. 10.  LI B.Z., (éd.) Encyclopédie de la comptabilité, éditions du peuple de Tianjin (en chinois), Tianjin 1991.
  11. 11.  LI P.H «  Conservatism and the development of accounting standards “ , Finances & Accounting Communications, 2007.
  12. 12.  TANG Y.W., “Bumpy road leading to internationalization: A review of accounting development in china”, accounting Horizons, 14-1, 2000,p;93-102.
  13. 13.  WANG J,X., “ Research on international Convergence of chinese Accounting Standards” ; china financial & economics publishing house, Beijing, china,2007.

 

Télécharger l'article