واقع إصلاح المحاسبة العمومية في الجزائر

 خلال الفترة 2003 – 2008.

 

من اعداد : د. عبد السميع روينة

ملخص :

هذه المداخلة هي دراسة تحليلية للمخطّط المحاسبي للدّولة، هذا المخطط مستمد من المعايير المحاسبية في المحاسبة العمومية (IPSAS) والّذي شرع في العمل به منذ سنة 2003 على مستوى كل الخزائن العموميّة المنتشرة عبر الوطن بهدف الإنتقال من محاسبة الصندوق إلى محاسبة الذمة المالية للدّولة بدلا عن مدوّنة حسابات الخزينة (NCT)الحاليّة  تقوم على فكرة محاسبة الصّندوق، مقتصرة فقط على التّقييد المحاسبي لمستحقّات الدّولة المحصّلة.

من جهة أخرى، وفي خضم الحديث عن التسيير العمومي والتسيير العمومي الجديد، توضح المداخلة مدى علاقة مبادئ التسيير العمومي لا سيما مؤشر الشرعية بكل الإصلاحات المتخذة في هذا القطاع أو ذاك وهذا تزامنا مع تطبيق المخطط المحاسبي الجديد.  

Résumé :

Cette étude met l’accent sur l'analyse d’un programme qui a mis à l’exécution depuis l’an 2003 afin de réformer la comptabilité en Algérie. Il s’agit du plan comptable de l’état (PCE). Ce plan est inspiré des normes comptables internationales dans la comptabilité publique ( IPSAS ). Le projet est mis en action depuis le 01/01/2003 dans toutes les directions du trésor public des 48 "wilaya". Il est appliqué simultanément avec l'ancienne nomenclature, à savoir la  nomenclature des comptes du trésor (NCT).

         Cette communication nous présente une analyse du plan comptable de l’état, notamment le passage d'une comptabilité de caisse à une comptabilité patrimoniale.

De l’autre côté, cette communication met en exergue la relation entre les principes du management public notamment la légitimité avec toutes entreprises par l’état dont laréforme de la comptabilité publique fait partie.

 

مقدمة :

تهدف الماليّة العامّة إلى دراسة كل ما يتعلّق بموارد الدّولة أو فروعها ونفقاتها، هاته العمليّة لا يمكن تصوّرها إلاّ في إطار مجتمع منظّم. إنّ النّفقات والإيرادات هما الشّقّان الأساسيان في الموازنة الّتي تترجم السّياسة الماليّة للدّولة، وضبط هذين العنصرين من شأنه المساهمة في متابعة تسيير المال العام. و تأتي المحاسبة العموميّة كآلية للتكفّل بحماية المال العام من خلال "تطبيق مجموعة من القواعد القانونيّة والتّقنيّة المطبّقة على تنفيذ الموازنات العموميّة وبيان عمليّاتها الماليّة وعرض حساباتها ومراقبتها والمحدّدة لإلتزامات ومسؤوليات الآمرين بالصّرف والمحاسبين العموميّين."[1] 

تعد "مدوّنة حسابات الخزينة" والمعروفة في الخزينة العموميّة ب Nomenclature des comptes du trésor (NCT) المتضمّنة في التّعليمة العامّة لوزارة المالية الصّادرة سنة 1967 -المعدلة والمتممة- المرجع الأساسي للتّقييد المحاسبي للعمليات المالية الخاصة بالأموال العمومية في الجزائر. وبهدف الإستفادة من التّقنيات المستخدمة في مجال المحاسبة، جاءت أوّل مبادرة لإصلاح المحاسبة العمومية سنة 1991[2] من خلال الإنتقال من المحاسبة العموميّة ذات القيد البسيط إلى المحاسبة ذات القيد المزدوج مما يسمح بقراءة أفضل للأرقام والمبالغ الّتي تقدّمها مختلف الجداول المحاسبيّة من خلال الحسابات المخصّصة لهذا الغرض، و يتعلّق الأمر بأربع أنواع من الحسابات هي: الحسابات المالية، حسابات التّقييد المؤقتة، الحسابات الوسيطة، حسابات التّقييد النّهائية.

ومع ظهور المعايير الدّولية في مجال المحاسبة العموميّة، بدء الحديث عن ضرورة توحيد لغة التّخاطب المحاسبي بين الدول. وفي هذا الإطار، أعد مكتب المعايير المحاسبة الدولية في المحاسبة العمومية(IPSASB) 25 معيارا مستمدا من معايير المحاسبة التجارية (IAS/IFRS) وهذا مع نهاية سنة 2007 .

I-     الإطار المنهجي للبحث:

إنّ كل بحث يرتكز على نظرة ما للظّاهرة محل الدّراسة، فيستخدم منهجيّة محدّدة ويقدم نتائجا من شأنها تفسير أو فهم أو بناء حقيقة ما. لذا فالإطار الإبستيمولوجي لأي بحث غاية في الأهمّية لجعل النّتائج المتوصّل إليها ذات مصداقية. وإنطلاقا من قاعدة أنّ هدف كل بحث هو الوصول إلى الحقيقة إمّا بشرحها أو فهمها أو بنائها -وهو المتناسب على التّرتيب مع المداخل الإبستيمولوجيّة الثّلاثة: المدخل التجريبي أو المدخل التّفسيري أو المدخل البنائي، يتم التّمحيص في طبيعة المعرفة المراد إنتاجها وفهم العلاقة الموجودة بين موضوع البحث (objet) والباحث (sujet). إنّ المدخل التّفسيري يقوم على وجود علاقة ترابطيّة بين هذين العنصرين على إعتبار أنّه لا يمكن للحقيقة أن تستقلّ عن ذهن وروح من يبحث عنها. فكان هذا المدخل هو منطلق هذا البحث بهدف الإستكشاف ومعتمدا على الإستقراء للإنتقال من النّتائج إلى الأسباب. وهو في النهاية بحث حول المحتوى بهدف الوصف.

أمّا عن مقاربة البحث المعتمدة من أجل جمع البيانات الثانوية و تحليلها ضمن المقاربة الكيفيّة، بإعتبارها المقاربة الأكثر تناسبا مع طريقة البحث الإستكشافيّة الّتي لا تعتمد كثيرا على البيانات المقدّمة في شكل أرقام، فهي أكثر مرونة مقارنة بالمقاربة الكميّة.

أمّا جمع البيانات الأوّليّة فتمّ أساسا على الملاحظة وتحديدا الملاحظة بالمشاركة بصفة المشارك الكامل والتّام، وبدرجة أقل اعتمدت على المقابلة الفرديّة بأسئلة نصف موجّهة. أمّا البيانات الثّانويّة فقد تم الإعتماد على :

- البيانات الدّاخليّة: مجسّدة في القوانين والتعليمات، القواعد والإجراءات المكتوبة  المتعلقة بالخزينة العمومية وكذا أرشيف المديريّة الولائيّة لأملاك الدّولة.

- البيانات الخارجيّة : مختلف المراجع باللغات العربية، الفرنسيّة والإنجليزيّة، مذكّرات ومنشورات. 

كما أنّ البحث حول المحتوى بهدف الوصف.

II-  دواعي إصلاح محاسبة الدّولة.

II-1  محدودية الإطار المحاسبي الحالي – مدونة حسابات الخزينة – [3] :             

بقي الإطار المحاسبي للدّولة مجسدا في "مدوّنة حسابات الخزينة عاجزا عن تأدية الدور المنوط به رغم التعديلات التي مسته نظرا لعدة نقائص منها أساسا :[4]                                       

أ‌-      المدونة لا تعطي نظرة شاملة حول ذمّة الدّولة : حيث تقتصر عملية التّقييد المحاسبي في إطار المحاسبة الحاليّة للدّولة على تسجيل عمليات الصّندوق أي العمليات الخاصة بتحصيل الإيرادات ودفع النّفقات المدرجة ضمن تنفيذ قانون الماليّة، فمدوّنة حسابات الخزينة تخدم فكرة محاسبة الصّندوق أي ماتمّ تحصيله و ماتمّ إنفاقه لاغير، مهملة بذلك أهم عناصر الذّمة الماليّة للدّولة من أملاك عقارية ومنقولة، مستحقّات الدّولة وديونها، والّتي تتم متابعتها خارج الإطار المحاسبي         ( extra-comptable ) من طرف مختلف المصالح المعنيّة، الأمر الّذي يترتّب عنه سوء التّسيير هذه العناصر من ذمة الدّولة نظرا لصعوبة التّحكم في المعطيات الخاصّة بالقيمة الحقيقية لها وكذا تطورها.

ب‌- جمود ترقيم حسابات المدونة : إنّ ترقيم حسابات المدوّنة غير مرن نظرا للإعتماد على التّرقيم الخطّي ممّا أثّر سلبا على تجانس ووحدة المدوّنة وصعّب من عملية التكيّف مع التعديلات المتكرّرة التي تفرضها العمليات الجديدة أو التّغيّر في نشاطات الدّولة.

ج - صعوبة تجميع المعلومات المحاسبيّة : فمدونة الحسابات هذا الأخير لا يتماشى مع التّقنيات المحاسبيّة الجديدة لمعالجة المعلومات، الّتي تتطلّب وجود نظام للإعلام الآلي يسهر على تجميع مختلف المعطيات المحاسبيّة المتواجدة عبر كل مراكز التسجيل المحاسبي. بل إنّ عملية التجميع - في غالب الأحيان- لا تتمّ في الآجال المحددة، ممّا يسبّب تأخّرا في الحصول على كل المعلومات وبالتّالي إتّخاذ القرارات الملائمة، وهو ما يقف حاجزا أمام تجسيد سياسة عقلنة وترشيد النفقات العموميّة وكذا التّسيير الفعال للمالية العمومية.

II-2  حتمية الاستجابة للمعايير الدّولية المحاسبية:[5]

يتضمن الإطار المحاسبي الحالي للمحاسبة العمومية نقائصا عديدة لا تتماشى و شروط دخول الجزائر في اتّفاقيات وعلاقات مع عدة دول ومنظمّات دوليّة. فهي مجبرة على الاستجابة إلى المعايير الدّولية في مجال المحاسبة العموميّة، هاته المعايير من شأنها توحيد لغة التّخاطب وبالتالي تسمح بإجراء مقارنات بين مختلف الدّول وهو ما لا يسمح به الإطار المحاسبي الحالي نظرا لصعوبة إدماج محاسبة الدولة ضمن المحاسبة الوطنية التي تعدّ أحد أهم وسائل المقارنة الدّوليّة.

إن الإستجابة للمعايير الدولية المحاسبية في المحاسبة العمومية لم يعد خيارا أمام الدول، الشيئ الذي يسمح للحكومة وكذا ممثلي الشعب من القراءة الواضحة والشفافة لإيرادات ونفقات الدولة بعيدا عن فزاعة التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

وفعلا جنّدت المديرية العامة للمحاسبة منذ سبتمبر 1995 فوج عمل مكون من إطارات المديرية، حيث إعتمد أعضاء هذا الفوج بالخبرة الفرنسية من خلال زيارته لمديرية المحاسبة العمومية الفرنسية ، وكذا خبراء من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي للسهر على الإنتقال من محاسبة الصندوق إلى محاسبة الذمة من خلال وضع بديل للإطار المحاسبي الحالي . وانتهى عمل الفوج بتقديم مشروع المخطط المحاسبي للدولة[6]، والذي شرع في اختباره منذ سنة 2003.

II-3 ضرورة إحترام المبادئ الأساسية للتسيير العمومي :

يتميز التسيير العمومي بتعدد المصادر، فعند البحث عن أهم امتدادات أو جذور التسيير العمومي يمكن ذكر[7]: القانون العام، الاقتصاد العمومي، علم اجتماع المنظمات والعلوم السياسية. وهنا تبرز إحدى أهم مقومات التسيير العمومي ألا وهي الشرعية. " فالدّولة التي يتمتع قضاؤها بالاستقلالية في قراراته عن السلطة تجعل قرارات القاضي عادلة حسب ما تنصّه القوانين، وعليه فالشّرعية مرتبطة بالعدل. كما أنه أيضا في الدّولة التي يعرف مواطنوها القانون جيدا بإمكانهم توقّع قرارات القاضي قبل النطق بها، فإذا ما كثرت الشكاوي المرفوعة أمام القاضي معناه أن الحقوق في هاته الدّولة مهضومة وأنّ الشّرعية فيها  مهزوزة وضعيفة. أما في بلد لا يتمتع جهازه القضائي بالاستقلالية فإنه لا مجال للحديث البتّة لا عن الشّرعية و لا عن العدالة."[8]

"ومن جهة أخرى أصبح الآن غير كافيا أن تكون عموميا حتى تكون شرعيّا، بل هل أنت فعّال أم لا ؟ هل تهتم وتستمع للمواطن بتوفير حاجياته وضرورياته أم لا؟ هل يتم إشراكه في القرارات الّتي تحدّد مستقبله، مع التّأكيد أنّه ليس بسبب وجود عدم رضا فان هناك أزمة،  وإنما العكس."[9]

فالمواطنة ليست مجرّد تسمية عابرة تعطى للسّكّان الّذين تجمعهم نفس المساحة الجغرافية ونفس الحدود ويخضعون أيضا لنفس النّظام السّياسي إنّما هي مشتقّة من كلمة الوطن الّذي يعني الشعور بالإنتماء إلى ثقافة وحضارة متجذّرة في هؤلاء السّكّان، شعورهم بالأمن والإستقرار يدفعهم لحبّ وطنهم والتّفاعل مع حكّامهم المتمتّعين بالشّرعية ومن ثمّ المشاركة في السّياسة العمومية تشريعا وتنفيذا. وفي هذا الشّأن يضيف" Mansbridge أن الرّوح العمومية "public spirit" المجسّدة في الجمع بين الحبّ والواجب من شأنها التّأثير إيجابيا في تسيير الإدارات العموميّة، ذلك أن المواطن لا يكترث لإهتماماته الشّخصية في المجتمع بالقدر الذي ينشغل فيه بإهتمامات و مصالح غيره من المواطنين، الشّيء الذي يزيد في تماسك النّظام السياسي."[10]

إنّ هذا التّماسك من شأنه أيضا تسهيل إنسياب القرارات والأوامر من السّلطة التّشريعية إلى السّلطة التّنفيذية، فإذا ما علمنا أنّ قطاع الوظيفة العمومية يتميّز بقدر كبير من التّعليمات والمناشير الّتي تشكّل إطاره القانوني فإنّ أيّ تصدّع في العلاقة بين السّلطة التّشريعية والسّلطة التّنفيذية سيحوّل أي برنامج إصلاح في الوظيفة العمومية بإعتبارها أحد الأجهزة التّنفيذية إلى مجرّد عناوين بارزة على صفحات الجرائد تستخدم لمجرّد المزايدة السّياسية.

III-   الإطار التصوري للمعايير الدولية في المحاسبة العمومية ([11]IPSAS).[12]

من بين 213 دولة، باشرت 40 دولة انتقالها من محاسبة الصندوق إلى محاسبة الذمة المالية أو الحقوق المثبتة من خلال التقييد المحاسبي للإستثمارات، الإهتلاكات، المخزونات وحسابات الموردين. ويمكن تصنيف مدى تقدم الدول في تطبيق هذه المعايير إلى أربعة مستويات هي :

  • المستوى الأول : يضم الدول الأكثر تقدما في تطبيق المعايير الدولية في المحاسبة العمومية، مثل : كندا، نيوزلندا، استراليا، بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية.
  • المستوى الثاني : ويضم الدول التي أعدت مخططا محاسبيا وفقا للمعايير الدولية وهذا منذ سنة 2006، وباشرت العمل به على مستوى محاسبتها العمومية. من هذه الدول فرنسا، اليابان، ايطاليا والكيان الصهيوني.
  • المستوى الثالث: يتضمن الدول التي شرعت في إعداد مشروع مخطط محاسبي وفقا للمعايير الدولية المحاسبية في المحاسبة العمومية، كما قاموا بتعديلات على مستوى تشريعاتهم القانونية. من هذه الدول: باكستان، أفغانستان، أذربيجان، أندونيسيا، لبنان، منغوليا، هولندا والنرويج.
  • المستوى الرابع : يتضمن الدول التي قررت إما تحت ضغط أو بتشجيع من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الإنتقال للمعايير الدولية الجديدة، وبالتالي ضمان مراقبة شفافة للأموال المقدمة لهاته الدول. من بين هاته الدول الجزائر، كينيا، ألبانيا والهند.

من الواضح أن الجزائر لازالت في المستوى الأخير لاعتماد هاته المعايير في محاسبتها العمومية، فهي لم تختر المرور إلى محاسبة الذمة المالية، وإنما أجبرت أو دفعت إلى تبنيها. في أغلب الدول كما في الجزائر، تختزل المحاسبة العمومية في النفقات والإيرادات، فتقدم الحكومات أرقاما مطلقة، غير معبرة عن حقيقة ميزانية الدولة. أقول ميزانية وليس موازنة، لأنني لاحظت أن العديد من المهنيين وحتى الأكاديميين في المحاسبة العمومية لا يفرقون بين الكلمتين. من المتعارف عليه أن الموازنة تقابل كلمة (Budget) بالفرنسية، والميزانية هي المقابلة لكلمة (Bilan). فالموازنة تقوم أساسا على الإيرادات والنفقات، في حين أن الميزانية ترتكز على الأصول والخصوم، وفي هذا الإطار جاءت المعايير الدولية في المحاسبة العمومية للإنتقال من موازنة الدولة إلى ميزانية الدولة، هذا الإنتقال تجسده أساسا فكرة الحقوق المثبتة. تقوم هذه الفكرة على ضرورة التقييد المحاسبي لكل ما للدولة أو ما عليها وعرض هذه المبالغ في جداول مالية لتعكس الصورة الحقيقية للوضعية المالية للدولة.

III- 1 الجداول المالية :

 هاته الوضعية تبرزها خمس جداول مالية جديدة كما هو الشأن في المحاسبة التجارية هي :

1-  جدول الوضعية المالية : أو الميزانية والتي تضم في جانبيها الأصول والخصوم لا الإيرادات والنفقات.

2-  جدول الآداء المالي : وهو يقابل تماما جدول حسابات النتائج في المحاسبة التجارية

3-  جدول تدفقات الخزينة : يهتم بحركة الأموال في الخزينة.

4-  جدول التغيرات : يسمح بالمقارنة بين الميزانية وجدول حسابات النتائج.

5-  تعليمات حول الجداول المالية : يسمح بتوضيح وتفسير البيانات الواردة في الجداول السابقة.

تسمح هذه المعايير بالقراءة الصحيحة لمالية الدولة، وتساهم في التقليل من غموض الأرقام التي تقدمها الحكومات في معرض حديثها عن ميزانية الدولة. كما تساهم في تحديد مواطن تبديد المال العام، سواء من حيث التهاون في تحصيل مستحقات الدولة أو الغلو في النفقات العمومية.

III-2  خصائص المعايير الدولية في المحاسبة العمومية:

من بين مرتكزات هاته المعايير التقريب بين المحاسبة التجارية والمحاسبة العمومية، فهذه الأخيرة تعتمد على تسجيل النفقات والإيرادات لاغير، في حين أن المعايير الدولية تفرض على الدولة الأخذ بعين الإعتبار لكل إلتزاماتها تجاه الغير. من أبرز خصائصها :

أ‌-     منطق الآداء : فعلى الدولة تجاوز تسجيل أملاكها المنقولة وغير المنقولة وكل إستثماراتها كنفقات، وإنما تقييدها في جانب الأصول تهتلك بمرور الزمن. وفي المقابل تسجيل مصاريف الموظفين والموردين في جانب الخصوم، عملا بمبدأ القيد المزدوج.

ب‌-الإنتقال إلى محاسبة الحقوق المثبتة : إن محاسبة الصندوق تجاوزتها الأحداث وأصبحت أشبه بمحاسبة لما قبل التاريخ، فهي لا تعبر إلا عن ما تم تحصيله أو ما تم إنفاقه بعيدا عن ما يجب تحصيله أو ما يجب إنفاقه. إن محاسبة الحقوق المثبتة أو محاسبة الذمة المالية للدولة تعطي قراءة أوضح لموازنة الدولة. ولا أدل على هذا ما حدث في نيوزلندا التي كانت تعتبر فائض الموازنة – والذي بلغ في احدى السنوات 1 مليار $ - معيارا لقياس الآداء. بعد المرور إلى معايير IPSAS  اتضح أن الفائض يقدر فقط ب 100.000 أي بعشر مرات أقل من الرقم المعلن سابقا فما هو السبب ياترى ؟ السبب ببساطة أن معايير IPSAS تأخذ بعين الإعتبار كل المصاريف المتعلقة بالسنة المحاسبية وليس فقط النفقات لا سيما القروض التي تسجل كخصوم لا كأصول.

ج- الشفافية والدقة في المعلومات المحاسبية : من خلال حسابات تتيح تحديد الإيرادات بالضبط وكذا مجال صرف أموال الدولة بدقة. هذه الحسابات تضمن شفافية أكبر للأرقام التي تقدمها الحكومة.  هذه المعلومات تتميز بالوضوح، الدقة، الحياد، الصدق، الشمولية، يمكن الحصول عليها في أي لحظة و تعكس الصورة الحقيقية للهيأة العمومية.

شكل رقم (01) : موقع المخطط المحاسبي للدولة بالنسبة للمعايير المحاسبية الدولية.

المصدر : من إعداد الباحث.

IV- محتوى المخطط المحاسبي للدولة.

شكّلت المديرية العامة للمحاسبة في الجزائر بداية من شهر سبتمبر 1995 فوج عمل مكوّن من إطارات المديرية، أجرى هذا الفوج زيارات متكرّرة لمديرية المحاسبة العمومية الفرنسية، وكذا لخبراء من البنك العالمي وصندوق النّقد الدولي لإعداد مشروع محاسبي يسمح بالإنتقال من نظام محاسبة الصّندوق -الّذي يعتمد فقط على التّسجيل المحاسبي لما تمّ إنفاقه- إلى محاسبة الذّمة والّتي تهتم أيضا بالتّقييد المحاسبي لموارد الدّولة العقّاريّة والمنقولة، وهذا من خلال إعداد إطار محاسبي يسمح بهذا التّقييد المزدوج يعدّ على مرحلتين هي :

أ - التّفكير أو تصوّر مشروع الإصلاح.

ب - الصّياغة التّقنية لقواعد مشروع المخطّط المحاسبي.

     وتمّ فعلا جمع وإحصاء كل النّصوص القانونيّة والوثائق التّقنية المتعلّقة بالمحاسبة العموميّة بهدف الدّراسة والاستشارة والتّحليل، وأعدّت تقارير تشخيصيّة للأنظمة المحاسبيّة المعمول بها حاليّا من طرف مختلف المصالح الخاضعة لقواعد المحاسبة العموميّة في الجزائر. وبناءا على هذه التّقارير تمّ إعداد وثيقة ملخّصة لنظام المحاسبة العموميّة حسب القطاعات، وتمّ أيضا في هذه المرحلة الاتّصال بالمديريّة العامّة للمحاسبة العموميّة (DGCP) التابعة لوزارة الميزانية الفرنسية منذ 1995 من أجل الإستفادة من التّجربة الفرنسية في هذا المجال، حيث عقد فوج العمل التّقني عدّة ورشات عمل مع الخبراء الفرنسيّين سمحت له بجمع مختلف الوثائق المتعلّقة بإصلاح المحاسبة العموميّة الفرنسيّة، خاصّة إصلاحات سنتي 1970و1995 بهدف تحديد محاور مشروع الإصلاح. وإعتمادا على الوثائق والتّقارير التّشخيصيّة، لاسيما الدّراسة المقارنة لمدوّنة حسابات الخزينة الحاليّة مع المخطط المحاسبي الوطني (PCN) الجزائري، وكذا مع المخطّط المحاسبي للدّولة الفرنسيّة (PCE) ، تمّ من خلالها تحديد الخطوط الكبرى لإصلاح محاسبة الدّولة الّتي كانت موضوع تقرير رفع لمجلس الحكومة من أجل المناقشة و الإثراء.

وبعد وضع الإطار العام لمشروع الإصلاح شرع فوج العمل في نوفمبر 1996 في تحضير ملف كامل حول مشروع الإطار المحاسبي الجديد من خلال المبادئ المحاسبيّة والإختيارات التّقنية المتعلّقة به، تمّ تحويل هذا الملف مؤسّسا على التّوصيات المعدّة من طرف الخبراء الفرنسيين لمجلس الحكومة الجزائريّة، الّتي أرسلت هذا الملف إلى مختلف مصالح و هياكل وزارة الماليّة لإبداء الرّأي و الملاحظات، والّتي على أساسها تمّ إعداد التّقرير النّهائي الّذي قدّم لمجلس الحكومة. هذا الأخير صادق على محتوى المشروع في 23 أفريل 1997 وأوصى بالشّروع في إنجازه ضمن مداولات تجمع مختلف الأطراف المعنيّة على المستوى الوطني. فهو ضمنيا مصادقة على توصيّات الخبراء الفرنسيين وإضفاء شرعية على مقترحاتهم.

وما جرى بعدها هو إسترسال في تنفيذ مراحل هذا المشروع من خلال عقد مداولات موسّعة و مفتوحة على مختلف الوزارات والهيآت المعنيّة، شملت هذه اللّقاءات دراسة مشروع المخطّط المحاسبي للدّولة من خلال الجوانب التالية :

- التّقييد المحاسبي للإستثمارات، الإهتلاكات، المخزونات، حقوق الدّولة وديونها.

- العلاقات المحاسبيّة الدّاخلية الخاصة بالدّولة.

أسفر توجه السّلطات المختصّة إلى تغيير الوضعية الحالية للتعامل مع الإيرادات والنفقات في للمحاسبة العمومية إلى وضع مشروع لإطار محاسبي جديد للدولة، تدور فكرته الأساسيّة حول الإنتقال من محاسبة الصّندوق إلى محاسبة الذّمة. وقد تجسّد هذا المخطط في هيكلة تضمّنت مجموعة من الحسابات الجديدة المكرّسة لهذه الفكرة.

IV-1 الإنتقال من محاسبة الصندوق إلى محاسبة الذّمة.

"ففي الجزائر، تحكم المحاسبة العمومية نصوص تشريعية وتنظيمية تضمّ هذه القواعد، بداية بالقانون 84/17 المؤرّخ في 07 جويلية 1984 والمتعلق بقوانين المالية وكذا القانون 90/21 المؤرّخ في 15 أوت 1990 والمتعلّق بالمحاسبة العموميّة اللّذان يشكّلان المصدر الأساسيّ للقواعد التي تسيّر الأموال العموميّة، إذ حدّدت مبادئ الموازنة ومواردها وتخصيصاتها وكذا المتدخّلين في إعدادها، تنفيذها ومراقبتها. وفي المقابل تستمد القواعد التّقنية من التعليمة العامة لسنة 1967 الصادرة عن وزارة المالية والمتعلقة بمحاسبة الدولة، حيث حدّدت مدوّنة حسابات الخزينة الحالية المستوحاة من المدوّنة الفرنسية لسنة 1934، إذ تعتمد هذه الأخيرة على فكرة محاسبة الصّندوق لتقتصر بذلك على التّقييد المحاسبي للعمليّات الماليّة للدّولة (عمليات الموازنة، عمليات الخزينة)، حقوق الدولة و ديونها و كذا حركات الأموال وعمليات التّسوية الّتي تجري بين المحاسبين العموميّين.

إنّ إعتماد المدوّنة على هذا الأساس جعلها قاصرة على تقديم نظرة شاملة على نشاط الدّولة لاسيما من ناحية ذمّتها الماليّة، إلى جانب عدم مسايرتها للمعايير الدّولية المعمول بها حاليا، الأمر الذي استلزم إيجاد بديل للإطار المحاسبي الحالي ممثّلا في مشروع المخطط المحاسبي للدولة بهدف اعتماده كمرجع للحسابات التي يستعملها المحاسبون العموميّون لمسك حساباتهم.

IV-2 الحقوق المثبتة للدولة .

وهو أبرز ما جاء به المخطّط المحاسبي للدّولة على الإطلاق، فتبنّي مبدأ الحقوق المثبتة كان نتيجة حتميّة للإتجاه نحو المعايير الدولية المحاسبية بهدف التحديد الدقيق لمستحقّات الدّولة المحصّلة وغير المحصّلة. ويقصد بالحقوق المثبتة كل النّواتج أو الإيرادات المثبتة منذ ظهور الحق، أي مجموع الحقوق المستحقّة الّتي تكون محلا لأمر بالتّحصيل يكرّس حق الدّائن العمومي. وتخضع هذه الحقوق إلى تقييد محاسبي مزدوج :

- تقييد عملية الإثبات : وتكون باستعمال الحسابات الفرعيّة للحسابين الرّئيسيين :

         * ح "38" : مستحقّات للتّحصيل، والّذي يظهر دائنا بالمبالغ المثبتة فيه.

         * ح "40 " : المكلّفون بالضّريبة والّذي يظهر مدينا بالمبالغ المثبتة فيه.

- تقييد عملية التّحصيل : وذلك ضمن الحسابات الفرعية للحسابين:

        * الحساب الرّئيسي "90":  إيرادات الميزانية وهو حساب نهائي يقيّد بالتّقابل مع الحسابات المالية المستعملة في عملية التّسوية.

            * الحساب المالي الموافق للصّنف "5".

IV-3 نتيجة ذمّة الدولة.[13]

من أجل تحديد هذه النّتيجة في نهاية السّنة، هناك حسابات خاصّة بهذا الغرض تضمن للعون المحاسبي المركزي للخزينة الإنتقال من النّتيجة الماليّة إلى نتيجة الذّمة. هذه الحسابات هي :

      * الصّنف السّادس " التّكاليف " :  والّتي تسجّل نوعين من العمليّات :

      - عمليّات الإنتقال من حسابات النّفقات المسجّلة في : حسابات تنفيذ قانون الماليّة لحساب نفقات التسيير،  حسابات الميزانيّة : الإستثمارات، السّلفات، التّسبيقات والمساهمات.

      - عمليّات خارج الميزانيّة  والمسجّلة مباشرة في هذا الصّنف .

      * الصّنف السّابع (النّواتج) : الّتي تستعمل للإنتقال من حسابات الإيرادات المسجّلة:

      - ح "90" : إيرادات الميزانية، بالنّسبة للإيرادات المحصّلة.

      - ح "38" : مستحقّات للتّحصيل، بالنسبة للإيرادات غير المحصّلة . 

      * الصّنف التّاسع ( تنفيذ قانون المالية ): والمتمثّلة في :

      - ح "98": نتيجة تنفيذ قانون الماليّة.

      - ح "99": تصوّر نتيجة تنفيذ قانون الماليّة.

  V- الخطوات العمليّة لتجسيد المخطّط المحاسبيللدّولة.

شرعت السّلطات المختصّة في التّحضير لمشروع الإطار المحاسبي الجديد الّذي وضع تحت الإختبار من أجل تحديد نقائصه. فجنّدت المديرية العامة للمحاسبة منذ سبتمبر 1995 فوج عمل مكوّن من إطارات المديرية، قام بعدها بالاتّصال بالمديريّة العامّة للمحاسبة العموميّة (DGCP) التابعة لوزارة الميزانية للإستفادة من التجربة الفرنسية، حيث شارك فوج العمل التّقني في عدّة ورشات عمل مع الخبراء الفرنسيّين من خلال جمع مختلف الوثائق المتعلّقة بالمحاسبة العموميّة الفرنسيّة، ثم عرض التّقارير التّشخيصيّة على الطّرف الفرنسي من أجل مناقشتها وإبداء الرأي حول مشروع مخطط حسابات الدّولة. بعدها قدم مشروع الإطار المحاسبي الجديد إلى مختلف مصالح و هياكل وزارة الماليّة لإبداء الرّأي و الملاحظات، والّتي على أساسها تمّ إعداد التّقرير النّهائي الّذي قدّم لمجلس الحكومة. هذا الأخير صادق على محتوى المشروع في 23 أفريل 1997 وأوصى بالشّروع في إنجازه ضمن مداولات تجمع مختلف الأطراف المعنيّة على المستوى الوطني.

أما الصّياغة التّقنية لقواعد مشروع المخطّط المحاسبي للدّولة فانطلقت بإعداد جداول الموافقة (Tableaux de correspondance). في هذا المجال تمّ إعداد جدولين :

   -  الجدول الموافق لحسابات (PCE) مع حسابات مدوّنة حسابات الخزينة ( NCT).

   - الجدول الموافق لحسابات مدوّنة حسابات الخزينة (NCT) مع حسابات المخطّط المحاسبي للدّولة.

بعدها وضع مشروع المخطّط وكذا الجداول الموافقة حيّز الاختبار من أجل التّأكّد من صلاحيّة المشروع للتّطبيق على أرض الواقع عبر مرحلتين :

- إختبار المخطّط على مستوى ستّ ولايات هي بومرداس ، تيبازة ، تيزي وزو ، بجاية ، غرداية ، ميلة، وهذا بداية من التاسع جويلية 2000. من أهم نتائجه إعداد وثيقة (TR6)[14]  وكذا ميزان المراجعة الشّهري على مستوى هذه الولايات، ليتم التّأكّد من صحّتها عن طريق إختبار عمليّة التّجميع على مستوى العون المحاسبي المركزي للخزينة (ACCT).

- تعميم الاختبار على كامل التراب الوطني: و كان هذا بداية من سنة 2003 لإختبار مشروع المخطّط في مجال عمليّات التّحصيل والدّفع وكذا الحقوق المثبتة للدّولة على مستوى الخزينة الولائيّة، الوكالات الماليّة وكذا العون المحاسبي المركزي للخزينة. إلى جانب إدراج أنظمة الإعلام الآلي المكيّفة مع قواعد (PCE). ومن جهة أخرى تكييف المعلومات المحاسبيّة للوثائق المحاسبية ( TR6) وكذا ميزان المراجعة الشّهري مع جديد المخطّط المحاسبي للدّولة.

VI-تحليل البيانات:

بعد جمع كل البيانات الثانوية من مختلف المصادر وكذا وثائق الخزينة العموميّة، تم تحليلها بهدف الوقوف على وقع إصلاح المحاسبة العمومية في الجزائر، فكانت النتائج التالية :

1- إنّ المخطّط المحاسبي للدّولة الّذي تم إعتماده، مستمد مباشرة من المخطط المحاسبي العام الفرنسي (PCG)، فتتبّع كل مراحل التحضير للمخطط يؤكّد فقدان المخطّط المحاسبي للدّولة لخصوصيّته الجزائريّة، من خلال عرض التّقارير التّشخيصيّة المعدّة من طرف اللّجنة المختصّة على الطّرف الفرنسي من أجل مناقشتها وإبداء الرأي حول مشروع مخطط حسابات الدّولة. فإذا كانت الإستفادة من تجارب الغير أمر وارد ومن الحكمة القيام، لكن أن تعرض التّقارير والنّتائج المستخلصة على الجانب الفرنسي لإبداء آرائه وملاحظاته فهذا يفقد هذا المخطّط خصوصيّته ويحصر عمل الفوج في جمع المعطيات والوثائق من مصادرها ويضع الخبراء الفرنسيين في موقف إملاء تفاصيل المخطط المحاسبي الواجب إعتمادها.

2- إنّ هذا التّقييد المحاسبي للحقوق المثبتة مهمّة مشتركة بين الآمرين بالصرف والمحاسبين الثّانويّين الخاضعين لهم وظيفيّا، فالإطار المحاسبي الجديد غيّر تماما طريقة التّقييد المحاسبي لنفقات الدّولة، بالإضافة إلى منح إمكانية تقييد إيرادات الدّولة محاسبيّا. ويتجسّد هذا من خلال التّركيز على تقييد الحقوق المثبتة للدّولة، الشّيئ الّذي يسمح للمحاسب المركزي للخزينة العموميّة من التّعرف في أي لحظة أرادها هو على قيمة ممتلكات وإيرادات الدّولة محاسبيا، بعدما كان جمع هذه الأرقام في السّابق يمرّ عبر سلسلة مراسلات تنطلق من كل وزارة باتجاه مديرياتها العامّة والّتي بدورها تراسل كتابيا دائما مديرياتها الولائيّة، فيستغرق هذا وقتا ليس بقليل، لتتضاعف هذه المدّة ريثما تنتقل المعلومات من الأسفل إلى الأعلى، وهي معلومات وأرقام كثيرا ما كانت غير حقيقية.  

3- من أبرز الإضافات الّتي قدّمها المخطّط أيضا نجد التّقييد المحاسبي للإهتلاكات، على إعتبار وجود الصّنف رقم "2" والمخصّص لتقييد إستثمارات الدّولة. إلاّ أن هذه الأرقام والحسابات المخصّصة لهذا الغرض ظلّت جامدة بسبب عدم الإنتهاء من إعداد المرحلة الأساسية الّتي تسبقه، والمتعلّقة بالجرد العام للممتلكات العامّة التّابعة للدّولة. هذه العمليّة الّتي انطلقت منذ سنة 1992، وخصّص لها مكتب منفرد على مستوى كل المديريّات الولائيّة لأملاك الدّولة لم تعرف نهاية إلى الآن لأسباب عدّة أهمّها :

أ- عدم إهتمام مسؤولي المصالح العموميّة بعمليّة الجرد بإعتبارها عمليّة لا تدخل ضمن مجال إختصاصاتهم، فهم عادة لا يقومون بملئ الإستمارات الّتي ترسلها إليهم مديرية أملاك الدّولة والمتضمّنة التّعيين الدّقيق للعقّار( موقعه، حدوده، مساحته، قيمته،...)، ويكون مصيرها الإهمال. وحتّى وإن أعيدت فهي لا تعبّر عن حقيقة العقّار.

ب- عدم تمكّن مصالح مسح الأراضي من تحديد هويّة الأراضي، فلا زلنا حتّى اليوم نعتمد على مخطّطات "السيناتيس كونسيلت" الّتي أعدها آنذاك المحتلّ الفرنسيّ، والّتي تجاوزها الزّمن ولم تعد تعبّر عن الوضعيّة الحقيقيّة للعقّار، لأن عديد الصّفقات العقّاريّة تمّت ولم يقابلها تحيين على مستوى هذه المصلحة.

ج- عدم إهتمام مصالح المديريّة العامّة ذاتها بهذا الملف وإنّما تكتفي من حين لآخر بحملات غير دقيقة ومركّزة، تنتهي عموما بإلقاء اللّوم والمسؤوليّة وفشل عمليّة الجرد على المصالح العموميّة بوصفها غير متعاونة في إنهاء عمليّة الجرد.   

د- تعمّد بعض الأطراف لتعطيل عمليّة الجرد، لأن ّ هذا من شأنه أن يفضح تلاعبات كبيرة بالعقّار استفاد منها بعض الأشخاص سمحت بإنتقالهم من الرّفش إلى العرش، ولا أدلّ على ذلك ما شهدته الأملاك الوقفية من إستنزاف جرّاء تغيير وجهتها القانونيّة، لأنّ الإدارة الفرنسيّة عمدت إلى تسجيل الأملاك الوقفيّة ضمن سجلاّت أملاك الدّولة الخاصّة ممّا أتاح إمكانية التصرّف فيها.

4- إن القانون العام هو أحد مصادر التسيير العمومي على أساس أن الدولة تظهر بصفتها صاحبة سيادة أثناء تعاملها مع المواطنين. كما أنّ الشّرعية هي أساس عملية الإصلاح في شتى المجالات، والإصلاح مرتبط أساسا بالعدل. فجهاز العدالة في أي دولة يعدّ مؤشّرا حقيقيّا لمدى تطبيق العدالة الإجتماعيّة، فوضعيّة الشّرعية في دولة ما تنقل المواطن من التفكير بمنطق ما إلى التفكير بالنقيض تماما حسب حالة الشّرعية في هاته الدّولة، فالأمر متعلق بمدى تفاعل المواطن مع مسؤوليه، أي حديث عن الديمقراطيّة. فلو تتبّعنا بعض مؤشرات الشّرعيّة في بلادنا، من خلال تحليل بعض الوثائق كالتقرير الذي نشره"مخبر 'The Economist Intelligence Unit' في سبتمبر 2008 عن مؤشر الديمقراطيّة في عدّة دول في العالم، لوجدنا أن الجزائر تأتي في المركز 133 من مجموع 167 دولة. وهو تقرير أعدّ على أساس معايير محدّدة مثل "التعايش"[15]، التّصويت الحر، حق المواطنين في المتابعة القضائيّة لمسؤولين حكوميّين أو لعناصر شرطة. وقسّم هذا التقرير الدّول إلى أربع قوائم :

الدّول الدّيمقراطيّة  حقّا، وعددها 30 دولة.

الدّول الّتي يتضمّن نظامها الّديمقراطي نقائصا، وعددها 50 دولة.   

الدّول ذات النّظام المختلط (ديمقراطي ومستبد ) ، وعددها 36 دولة.

الدّول ذات النّظام المستبدّ وعددها 51 ، والّتي من ضمنها الجزائر."[16]

"كما احتلّت الجزائر المركز الأخير في شفافيّة تسيير صندوق ضبط الإيرادات للثّلاثي الأخير من سنة 2009 حي لا يتمّ الكشف عن حجم أموالها أو نشاطاتها أو عوائد إستثماراتها وإعادة توزيعها."[17] حيث تكتفي المحاسبة العموميّة في الجزائر بالكشف عن النّفقات فقط دون الإيرادات وفق أرقام مطلقة تصعب التحديد الدقيق لإيرادات الجزائر. ومرد هذا أن الجزائر لا تطبق ولا معيار واحد من المعايير المحاسبية الدولية في محاسبتها العمومية (IPSAS)والتي بلغ عددها 25 معيارا.

" كما أدى الفساد المنظّم الّذي يهدّد الدّولة الجزائريّة، حيث تراجعت الجزائر على سلّم الحكم الرّاشد من المرتبة 80 إلى المرتبة 111 عالميّا لعام 2009 ، وطالت الصّفقات المشبوهة قطاعا يفترض أنّه القطاع الأكثر إلتزاما بمبادئ المحاسبة والنّزاهة وهو قطاع الأمن، وبلغ حجم نهب المال العام في حالة واحدة هي حالة البنك الوطني الجزائري 287 مليون دولار. وبالتالي خطت الجزائر خطوات متقدّمة في مجال الفساد المنظّم في غفلة من أجهزة المحاسبة أو بتواطؤ من أشخاص نافذين في الحكم أو بعمل خفي لا أحد يعرف من يقف وراءه".

ليكرّس بعد ذلك هذه الوضعيّة المتأزّمة قضاة مجلس المحاسبة، "الّذين دقّوا ناقوس الخطر وأكّدوا أنّ الوضعيّة الّتي آلت إليها مؤسّستهم كارثيّة، جرّاء التّقزيم الّذي شهده المجلس منذ سنة 1995 واستمرّ لمدّة 15 عاما."[18]

التوصيات:

1-رغم أنه مستمد بدرجة كبيرة من المخطط المحاسبي للدولة الفرنسي إلا أنه أفضل بكثير من مدونة حسابات الخزينة، لذا من الضروري إعادة بعث المخطط المحاسبي للدولة من جديد بعد تجميده سنة 2007 دون أسباب تذكر، والعمل على تحيينه دوريا. ومن جهة أخرى، توعية الآمرين بالصّرف في المديريّات العموميّة المعنيّة بإصدار بيانات التّحصيل المتضمّنة المبالغ المستحقّة للدّولة.

2-التّخلّي تماما عن سياسة إستنساخ البرامج من تجارب الغير، وأقصد بالإستنساخ النّقل الكامل والشّامل للبرامج المطبّقة في دول أخرى ومحاولة جزأرتها. إنّما الأصحّ هو الإستفادة من أفكار غيرنا النّاجحة، ثمّ إعداد برامج متوافقة ومتجانسة مع ظروفنا السّياسية، الإقتصاديّة، الإجتماعيّة والثّقافيّة.   

3- تفعيل التّقييد المحاسبي للحقوق المثبتة من خلال تحميل الآمرين بالصّرف في المديريّات العموميّة المعنيّة مسؤوليّة إصدار بيانات التّحصيل المتضمّنة لكل المبالغ المستحقّة للدّولة، ومعاقبة من يقصّر عمدا أو تهاونا في إصدار البيانات، مع مراقبة أيضا مدى إلتزام المحاسب الثّانوي بالتّكفّل بهاته الحقوق.

4-الإنتهاء من الجرد العام للممتلكات العامّة التّابعة للدّولة من خلال إنهاء هاته العملية التي مضت  ثلاثون سنة عن إنطلاقها، ثمّ بتكثيف الجهود والتّنسيق بين مصالح أملاك الدّولة، الحفظ العقاري ومسح الأراضي من جهة والمؤسّسات العموميّة الخاضعة للمحاسبة العمومية من جهة أخرى،. كلّ هذا مرحلة تحضيريّة للحديث لاحقا عن الإهتلاكات في المحاسبة العمومية.

 5- هناك مشكل شرعية في بلادنا أثر سلبا على عمليّة إنسياب ومرور الرّسائل والقرارات من أعلى إلى أسفل. كما أنّ نظام المحاسبة العموميّة يكتفي فقط بالكشف عن النّفقات فقط دون الإيرادات الإجماليّة، فهو يعتمد على مدونة حسابات الخزينة (NCT) التي تكتفي بتسجيل ما تم تحصيله و انفاقه بعيدا عن مفهوم الذمة المالية للدولة. هذا المفهوم الذي بدأت بوادره الأولى تطفو من خلال المخطط المحاسبي للدولة، غير أن تعليمة صادرة سنة 2007 عن المديرية العامة للخزينة جمدت تطبيقه دون ذكر الأسباب. معالجة مشكلة الشّرعية لتدعيم موقف الدولة بصفتها صاحبة سيادة في تعاملها مع المواطنين، ضمن نظام ديمقراطي يستمد قوته من صوت الشعب وهذا من خلال نشر ثقافة الحرية في التفكير والتعبير لكل الجزائيين بأفكار بناءة تبعث على الحياة ضمن إطار الأخلاق العامة كوننا دولة دينها الإسلام كما ينص عليه الدستور الجزائري. 



[1]  محمد مسعي، المحاسبة العموميّة، شركة دار الهدى للطّباعة والنّشر والتّوزيع، عين مليلة الجزائر، 2003، ص 8.

[2] Ministère délégué au trésor, Direction centrale du trésor, Direction de la gestion comptable des opérations du trésor public.Instruction N° 078 du 17 Août 1991 portant réformes de la comptabilité des receveurs des régies financières et mise en oeuvre de la méthode à partie double.

[3] DGC, Communication portant sur la réforme de la comptabilité de l’Etat , Décembre 2000, P2.

[4]  حاج جاب الله آمال، إصلاح محاسبة الدّولة، دراسة مشروع المخطّط المحاسبي للدّولة PCE، المدرسة الوطنيّة للإدارة، الجزائر، 2004، ص-ص 6-7.

[5] Idem, p 8.

[6]  وهي نفس التسمية بالضبط للمخطط المحاسبي للدولة في فرنسا.

[7] David Huron et Jacques spindler, op. cit., p74.

[8]  David Huron et Jacques spindler, op. cit., p  48.

[9] David Huron et Jacques spindler, op. cit., p52.

[10] Idem, p 30.

[11] IPSAS : International Public Sector Accounting Standars (Normes comptables internationales du secteur public).

[12] Jean François des Robert et Jacques Colibert, Les normes IPSAS et le secteur public, Dunod, Paris, 2008.

[13] Idem, p38.

[14] TR6 : Relevé des opérations journalières, c'est le récapitulatif des recettes et dépenses.

[15] Traduction du terme pluralisme qui est un cadre d'interaction dans lequel différents groupes montrent suffisamment de respect et de tolérance pour coexister et interagir dans un climat plus harmonieux que conflictuel et sans volonté d'assimilation.

[16] Rapport de "The Economist Intelligence Unit's index of democracy 2008", p7.

[17]  جريدة الخبر اليومي الصّادرة بتاريخ 03/03/2010، ص9.

[18]  من حديث للدكتور بشير مصيطفي لجريدة الخبر اليومي الصّادرة بتاريخ 12/05/2010، ص5.

 

Télécharger l'article