أهمية المعلومات المالية و المحاسبية و أثرها على كفاءة بورصة الجزائر في ظل

الإصلاح المحاسبي

 

أ- عبد القادر دبون- جامعة ورقلة

 

أ- محمد الهاشمي حجاج - جامعة ورقلة

 

 

 

ملخص

 

لقد فرضت التغيرات الدولية المتسارعة في ظل العولمة الاقتصادية؛ و العولمة المالية؛ و التحرير المالي؛ و ترابط الأنظمة المالية و الاقتصادية؛ و تعدد التجارة و اتساع رقعتها؛ و انتشار الشركات المتعددة الجنسيات و امتداد نشاطها عبر مختلف دول العالم، على ضرورة تقريب و توحيد اللغة المحاسبية، وجعلها تتوافق مع معايير المحاسبة الدولية، و إعطاء قراءة موحدة للقوائم المالية، و تحقيق التجانس بين مختلف الأنظمة المحاسبية الدولية، لتعزيز الثقة و الشفافية في المعلومات المقدمة و إعطاء مصداقية أكبر للأسواق المالية الدولية.

 

 قامت الجزائر باعتماد نظام محاسبي مالي جديد يتوافق مع معايير المحاسبة الدولية في إطار الإصلاحات الاقتصادية التي انتهجتها الجزائر لمزيد من التوجه نحو اقتصاد السوق، حيث تسعى الجزائر من خلال تبنيها لهذا النظام إلى تطوير السوق المالي و تدعيم كفاءته، و تقديم معلومات صادقة و ذات جودة عالية من قبل المؤسسات الجزائرية، تساهم في تعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين و الأجانب، و تلبية احتياجاتهم من المعلومات و ترشيد قراراتهم الاستثمارية، و بالتالي تفعيل السوق المالي، و تدعيم التوجه نحو الأسواق المالية.

 

الكلمات الدالة: المعايير المحاسبية، العولمة المالية، النظام المحاسبي المالي، المعلومات المالية، كفاءة السوق المالي، التوافق المحاسبي.

 

 

مقدمة

 

     نتيجة للتطورات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم في ظل ما يعرف بالعولمة الاقتصادية و انفتاح الأسواق العالمية على بعضها البعض و ظهورها كسوق واحدة، و تنامي دور الشركات المتعددة الجنسيات، ظهرت الحاجة إلى ضرورة توحيد الممارسات المحاسبية، و الحد من الاختلاف في الأنظمة المحاسبية الدولية في ظل الترابط و التشابك بين الأسواق المالية الدولية و الأنظمة المالية و انكشافها على بعضها البعض، بما يضمن قراءة موحدة للمعلومات المالية و المحاسبية المقدمة للأطراف المستخدمة إليها.

 

     تزايد الاهتمام في السنوات القليلة الماضية بموضوع التوحيد و التوافق المحاسبي الدوليين على الصعيد العالمي و الأوروبي على وجه الخصوص، و أدى ذلك تشكيل لجنة المعايير الدولية التي تعمل على وضع معايير محاسبية تحضي بالقبول العام لأغلبية الدول، و تعمل بشكل مستمر على التوفيق بقدر الإمكان بين مختلف المعايير المحاسبية المتبناة في مختلف الأنظمة المالية في كل دولة، و ينصب الاهتمام أكثر على عملية الإفصاح عن المعلومات و إصدار القوائم المالية.

 

     لقد كان لاعتماد دول الاتحاد الأوروبي المعايير المحاسبية الدولية وقبول هيئة سوق المال الأمريكية بهذه المعايير أساسا للقياس والاتصال المحاسبي دورا حاسما في تعميم استعمال هذه المعايير على المستوى الدولي. وهذا من خلال عمليات الإصلاح المحاسبي التي باشرتها الكثير من الدول والتي تراوحت بين التبني الكلي والتكييف الجزئي، ما جعل من المعايير المحاسبية الدولية بمثابة هيكل الممارسة المحاسبية1.

 

     يفرض هذا الواقع الجديد على معظم الدول بما فيها الدول العربية التي يوجد فيها شركات عالمية متعددة الجنسيات أن تكيف أنظمتها المحاسبية مع معايير المحاسبة الدولية من أجل توفير البيئة الملائمة لمزيد من التوسع  و استقطاب الشركات المتعددة الجنسيات، كما يدعم هذا التوجه المنظمات الدولية التي تفرض شروط على الدول التي ترغب في الانضمام إليها تتعلق في الأغلب ببعض الإصلاحات و التي يعتبر أهمها إصلاح أنظمتها المحاسبية.

 

     تحاول الجزائر منذ توجهها نحو اقتصاد السوق إلى القيام بالعديد من الإصلاحات الاقتصادية كان آخرها إصلاح نظامها المحاسبي الذي لم يعد يساير هذا التوجه الجديد للجزائر في ظل اندماجها في الاقتصاد العالمي    و اتفاقيتها مع المنظمة العالمية للتجارة، لذلك تبنت الجزائر نظام محاسبي جديد يتوافق مع معايير المحاسبة الدولية، حيث صدر القانون رقم 07-11 بتاريخ 25 نوفمبر 2007 و المتضمن النظام المحاسبي المالي الجديد.

 

 

     النظام المحاسبي المالي الجديد هو نظام لتنظيم المعلومة المالية، و تعتبر المعلومات المالية من أهم المجالات التي تقوم بدور مهم و فاعل في ترشيد قرارات الاستثمار في أسواق الأوراق المالية، و حتى تتمكن بورصة الجزائر بالقيام بدورها يجب أن تكون على درجة عالية من الكفاءة و الفعالية. و هذا ما يقودنا إلى طرح التساؤل التالي:

 

      إلى أي مدى يمكن أن تساهم المعلومات المالية و المحاسبية في ظل الإصلاح المحاسبي و التوافق مع معايير المحاسبة الدولية في تدعيم كفاءة و فعالية بورصة الجزائر ؟    

 

يقودنا هذا التساؤل إلى طرح التساؤلات الفرعية التالية:

 

-       ما هي متطلبات نجاح تطبيق النظام المحاسبي المالي الجديد في الجزائر ؟

 

-       هل البيئة المحاسبية في الجزائر مهيأة بشكل جيد لتطبيق هذا النظام ؟

 

-       ما هي طبيعة النظام المحاسبي الجديد للمؤسسات ؟

 

-       ما هي أهم الاختلافات بين المخطط المحاسبي الوطني و النظام المحاسبي والمالي ؟

 

-       ما هو دور المعلومات المالية و المحاسبية في تدعيم كفاءة سوق الأوراق المالية ؟

 

 

أهمية البحث:

 

     تكمن أهمية البحث في كونه يأتي في ظل التغير الحاصل في النظام المحاسبي الجزائري و هذا في ظل تبني نظام الجزائر نظام محاسبي جديد يتوافق مع المعاير المحاسبية الدولية يسمح بتسهيل قراءة القوائم المالية من طرف مستخدمي المعلومات المالية و المحاسبية و يساعد على تعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين و الأجانب من خلال معلومات مالية ذات جودة عالية بشكل ينعكس على فعالية و كفاءة السوق المالي.

 

 

أهداف الدراسة:

 

إضافة إلى محاولة الإجابة على التساؤل الرئيسي و التساؤلات الفرعية، فإن هذه الدراسة تهدف إلى:

 

-       محاولة التعرف على طبيعة النظام المحاسبي الجديد؛

 

-       محاولة التعرف على أهداف عملية التوحيد المحاسبي الدولي؛

 

-       محاولة التعرف على متطلبات نجاح المخطط المحاسبي الجديد؛

 

-       محاولة تحديد موقع سوق الأوراق المالية ضمن تركيبة السوق المالي؛

 

-       محاولة التعرف على أهمية المعلومات المالية و أثرها على كفاءة بورصة الجزائر.

 

 

هيكل البحث:

 

تشمل الدراسة على المحاور الأساسية التالية:

 

المحور الأول: الإصلاح المحاسبي في الجزائر

 

1-  البيئة المحاسبية في الجزائر

 

2-  حتمية الإصلاح المحاسبي في الجزائر

 

3-  التوحيد و التوافق المحاسبي الدوليين

 

4-  متطلبات نجاح تطبيق النظام المحاسبي المالي الجديد

 

المحور الثاني: المعلومات المالية و المحاسبية و أثرها في كفاءة سوق الأوراق المالية

 

1-  عولمة أسواق الأوراق المالية و انعكاساتها

 

2-  كفاءة سوق الأوراق المالية

 

3-  المعلومات المالية و أهميتها في سوق الأوراق المالية

 

4-  تأثير المعلومات المالية على كفاءة بورصة الجزائر في ظل الإصلاح المحاسبي

 

 

المحور الأول: الإصلاح المحاسبي في الجزائر

 

     يشكل النظام المحاسبي المالي الجديد خطوة هامة لتطبيق معايير المحاسبة الدولية في ظل متطلبات اقتصاد السوق و انفتاح الاقتصاد الجزائري على العولمة، حيث تم تغيير المخطط المحاسبي الوطني الذي أصبح لا يتلائم مع الوضع الاقتصادي الجديد لجعله متلائما مع احتياجات مستعملي المعلومة المالية و المحاسبية على المستوى الوطني و الدولي.   

 

1- البيئة المحاسبية في الجزائر

 

     يمكن القول أن المحاسبة هي نظام للمعلومات تقوم بترجمة الأحداث الاقتصادية إلى معلومات ذات أهمية تساعد جهات عدة في عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية، فالمحاسبة كنظام للمعلومات تقوم على مجموعة من المبادئ و الافتراضات التي تحكم عملية تحويل الأحداث الاقتصادية إلى معلومات مالية و محاسبية تخدم مجموعة كبيرة من المحتاجين إليها، حيث تتم هذه العملية من خلال تسجيل و تبويب و تلخيص للأحداث الاقتصادية وفقا لقواعد و إجراءات و أساليب مستمدة من المبادئ و الافتراضات المحاسبية.

 

الشكل (1): دور المحاسبة في النظام الاقتصاديالمصدر: من إعداد الباحثين

 

   لقد أصبح تبني المعايير الدولية للمحاسبة إلزاميا بالنسبة للتقرير المالي للمؤسسات المتعاملة مع دول الاتحاد الأوروبي، كما سمحت لوائح هذا الاتحاد بالنسبة لبعض الدول الأعضاء به تبني تطبيق المعايير الدولية للمحاسبة لهذه المؤسسات سنة 2007 كأقصى مدة،و لكن بشروط معينة و في حالات محدودة. و مع هذا الاتجاه المتنامي لعولمة أو تبني معايير المحاسبة الدولية بشكل متزايد على مستوى العديد  من دول العالم و الالتزام بتطبيق هذه المعايير، تتفاعل البيئة الجزائرية بشكل عام تفاعلا إيجابيا و مضطردا مع البيئة الدولية في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و غيرها، و قد حقق هذا التفاعل نتائج إيجابية2.

 

     إن المحاسبة في الجزائر ارتبطت بقياس الربحية التي تعتبر أساسا للاقتطاع الضريبي. بالإضافة لتحديد بعض المؤشرات التي تدخل مباشرة في الحسابات الوطنية المجمعة (مثل القيمة المضافة، الاستهلاك، الإنتاج...) وبالتالي فإن الإفصاح عن المعلومات المحاسبية كان يجيب في الواقع عن الاحتياجات التي تعبر عنها لدولة، نظرا لملكيتها المطلقة للمؤسسات. وعليه فإن حجم المعلومات المحاسبية والمالية الواقع على عاتق المؤسسات الوطنية نشره، يعد محدودا نظرا لارتباطه بطبيعة القوائم المالية الختامية التي يتم إعدادها في نهاية السنة (الميزانية وجدول حسابات النتائج) وأن جودة هذه المعلومات وإمكانية الوصول إليها، ارتبطت بمبدأ الحيطة والحذر والسرية التي ميزت سلوك الشركات الوطنية3.

 

لم يكن ارتباط أعمال هذه الفئة من المؤسسات بالمحاسبة إلا على أساس الاعتبارات الجبائية التي أجبرت بموجبها على مسك محاسبة منتظمة حسب قواعد المخطط المحاسبي الوطني، بهدف تحديد نتيجة النشاط وبالتالي حساب الضريبة التي تكون في غالب الأحيان، إن لم نقل كله، غير معبرة عن الواقع نتيجة لتفشي ظاهرة الغش والتهرب الضريبي الذي طبع سلوك المكلفين بالضريبة. وبتراجع دور الشركات الوطنية، مقابل تنامي مؤسسات القطاع الخاص، الذي تزامن مع فترة الانفتاح الاقتصادي وضغط متطلبات الإصلاحات الاقتصادية التي طبقتها الجزائر4.

 

تعاني البيئة المحاسبية في الجزائر العديد من المشاكل في ظل ضعف منظومة التعليم و التكوين المحاسبي،  و يقتصر التعليم استنادا لقواعد المخطط المحاسبي الوطني، حيث الاهتمام بالمحاسبة كتقنية لمعالجة و تسجيل العمليات الحسابية في المؤسسات، غير أن مفاهيم المحاسبة تغيرت في ظل النظام المحاسبي المالي الجديد و أصبحت لها أهمية كبيرة في اتخاذ القرارات و بعد تصوري يستجيب لأهداف اقتصادية، و لمسايرة هذا الواقع الجديد يستوجب على تأهيل المؤسسات الجزائرية و أنظمة التسيير للتوافق مع متطلبات هذا النظام، و كذا تأهيل و إعداد الإطارات اللازمة من أساتذة و مهنيين التي شأنها تسيير النظام المحاسبي المالي الجديد  

 

2- حتمية الإصلاح المحاسبي في الجزائر

 

     منذ أن اعتمدت الجزائر على النصوص القانونية المتعلقة بالمخطط المحاسبي الوطني الصادر سنة 1975 بناء على الأمر 35/75،لم تقم بأي تعديلات من شأنها أن تسد بعض العقبات و النقائص مثل التسجيل المحاسبي المتعلق بالقرض الإيجاري، و العمليات على العملة الأجنبية، كما أن القوائم المالية التي يعرضها لا تتوافق مع المعايير و المقاييس العالمية و لا تسمح لمختلف المستعملين و خاصة الأجانب، من الحصول على معلومات مالية صادقة تستغل مباشرة في اتخاذ مختلق القرارات الصائبة.

 

     من خلال الممارسة المحاسبية للشركات متعددة الجنسيات العاملة في الجزائر و مع ظهور جملة من النقائص في المخطط المحاسبي الوطني، كان من الضروري القيام بتعديلات جوهرية عليه، و محاولة تكييفه مع المعايير المحاسبية الدولية، و ذلك من خلال إعداد إطار تصوري يتضمن الحسابات، و قواعد عملها، و الطرائق المحاسبية المعتمدة في التقييم و إعادة التقييم، و إضافة القوائم المالية غي الموجودة فيه و تعديل الموجودة منها5.

 

     و يأتي إصلاح النظام المحاسبي الوطني الجزائري في ظل التغيرات و الإصلاحات التي باشرتها الجزائر منذ التوجه نحو اقتصاد السوق، و كذلك الشراكة مع الإتحاد الأوروبي، و التغيرات التي قد تحدث مع انضمام إلى منظمة التجارة العالمية، و بالتالي فإن المعطيات الجديدة تفرض على الجزائر جملة من التغييرات الحتمية في ظل الظروف الحالية و إفرازات العولمة.

 

     بدأت عملية إصلاح المخطط المحاسبي الوطني في أفريل من سنة 2001، و ذلك من طرف عدة خبراء فرنسيين و بالتعاون مع المجلس الوطني للمحاسبة، و قد صدر القانون بموجب القانون رقم 07-11 المؤرخ في 25 نوفمبر 2007، و بحسب هذا القانون فإن "المحاسبة المالية نظام لتنظيم المعلومة المالية يسمح بتخزين معطيات قاعدية عددية، يتم تصنيفها و تقييمها و تسجيلها، و عرض كشوف تعكس صورة صادقة عن الوضعية المالية و ممتلكات الكيان ( شخص طبيعي أو معنوي) و نجاعته و وضعية خزينته في نهاية السنة المالية".

 

     و يمكن حصر أسباب توجه الجزائر إلى هذا النظام الجديد و التي تساعد في بناء سوق مالي كفء و فعال فيما يلي6:

 

-       يقرب الاختيار الدولي الممارسة المحاسبية بالممارسة العالمية و الذي يسمح بأن نعمل على ركيزة مرجعية و مبادئ أكثر ملائمة مع الاقتصاد المعاصر.

 

-       التمكين من إعداد معلومات دقيقة تعكس صورة صادقة عن الوضعية المالية للمؤسسات الاقتصادية الجزائرية.

 

-       محاولة تطوير بورصة الجزائر و ذات كفاءة عالية من خلال توفير معلومات ذات مصداقية و قوائم مالية تمتاز بالشفافية و الوضوح.

 

-       إمكانية الحصول على معلومات مالية محاسبية و مالية تعكس صورة صادقة عن الوضع المالي للمؤسسة الجزائرية بما يحقق الشفافية في تقديم المعلومات التي تعتبر الأساس الذي يعتمد عليه المستثمرين في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية الصائبة.

 

-       الإعلان يكون أكثر وضوحا عن المبادئ و القواعد التي توجه التسجيل المحاسبي للمعاملات تقييمها و إعداد القوائم المالية، الأمر الذي سيسمح بالتقليل من أخطار التلاعب الإداري و غير الإداري بالقواعد و تسهيل مراجعة الحسابات. كما أخذ النظام المحاسبي الجديد على عاتقه احتياجات المستثمرين الحالية و المستقبلية الأمر الذي يسمح لهم بالحصول على معلومات مالية منسجمة و مقروءة تخص المؤسسات و تمكنهم من إجراء المقارنات و اتخاذ القرارات.

 

-       إمكانية تطبيق نظام معلومات يتعلق بالمؤسسات الصغيرة مبني على محاسبة مبسطة.

 

-       تلافي بعض النقائص و الثغرات التي خلفها النظام الحالي الذي يتلاءم و النظام الاقتصادي الاشتراكي

 

-       محاولة جلب المستثمر الأجنبي من خلال تدويل الإجراءات و المعاملات المالية و المحاسبية لوقايته من مشاكل اختلاف النظم المحاسبية سواء من حيث الإجراءات أو من حيث إعداد القوائم المالية.

 

3- التوحيد و التوافق المحاسبي الدوليين

 

     تهدف عمليات التوحيد المحاسبي على المستوى الدولي إلى مواءمة النظم المحاسبية مع المستجدات التي تحدث في الاقتصاد العالمي، أي مسايرة التغيرات الاقتصادية، و ترجمة هذه التغيرات محاسبيا، إجابة على تساؤلات أصحاب المهنة حيال هذه التغيرات التي قد تقضي بتطبيقات محاسبية جديدة، أو تطبيقات قديمة و لكن بطرح جديد. بغية ضمان احتواء القوائم المالية لكل العمليات التي من الممكن أن تحدث في مجال ملاحظة المحاسبة، و بالتالي ضمان مصداقية و الملائمة لهذه القوائم و المعلومات التي تتضمنها, خدمة لمختلف الأطراف التي تهمها هذه المعلومات. و بالتالي فإن عملية التوحيد المحاسبي تهدف إلى7:

 

-       توحيد السياق المحاسبي الذي يمثل سلسلة الإنتاج التي تبدأ من مستندات و وثائق الإثبات و تنتهي إلى القوائم الختامية و يهدف التوحيد في هذه المرحلة إلى الرفع من إنتاجية المصالح المحاسبية من خلال إتباع معايير تتحرى الدقة؛

 

-       توحيد المنتج المحاسبي الذي يمثل أساسا القوائم المالية الختامية التي تحمل الإجابة عن احتياجات مختلف الأطراف الطالبة للمعلومات المحاسبية، إن عدم تجانس هذه الفئة و إمكانية تضارب مصالحها هو الداعي لتوحيد هذه القوائم، حتى تتم الإجابة على أكبر قدر من احتياجاتهم، لهذا ينبغي على المعايير التي تحكم توحيد هذا الجانب أن لا تكون صلبة بل ينبغي أن تكون مرنة و قابلة للتفسير من عدة جوانب.

 

     يعد التوافق المحاسبي الدولي من الأمور التي تساعد في ظل تعدد الارتباطات بين الأسواق المالية والأنشطة التجارية والمالية للمؤسسات، على ضمان قابلية المقارنة الدولية للقوائم المالية للمؤسسات، للإجابة على احتياجات المستثمرين من المعلومات. خاصة في ظل التباين بين الأنظمة المحاسبية الوطنية التي أصبحت تشكل عائقا أمام الاستثمار الدولي ومصدر اضطراب لحركة الأسواق المالية العالمية. كما يساعد التوافق المحاسبي الدولي على ضمان مصداقية وملائمة المعلومات المحاسبية من خلال تحقيق شكل موحد للقوائم المالية يضفي عليها صفة القبول8.

 

4- متطلبات نجاح تطبيق النظام المحاسبي المالي الجديد

 

سيواجه تطبيق النظام المحاسبي المالي العديد من العوائق نظرا لعدم توفر البيئة المواتية و عدم نضج الاقتصاد الوطني، و من التحديات التي ستواجه تطبيق هدا النظام نجد على العموم9:

 

-       إن النظام القديم تأصل و تجـدر في المؤسسـات الاقتصـادية و لـدى المحـاسبين و الـخبراء و الأكاديميين لأكثر من ثلاث عقود من الزمن، و بالتالي من الصعب التخلي عنه؛

 

-       تدرب المحاسبون و الخبراء على النظام المحاسبي الحالي لسنوات عديدة و أتقنوه، و هناك من عمل به لمدة أكثر من  جيل كامل (مند 1976) فمن الصعب جدا التحول إلى نظام جديد و خاصة أنه من المفترض أن يتم تطبيق نظام المحاسبة المالية ابتدءا من الفاتح من جانفي 2010 و يتم إلغاء أحكام القانون 75-35، كما أن الأهداف المحاسبية للنظام الحالي راسخة في دهنيات و عادات المحاسبين مما يحتاج إلى وقت كبير من أجل تغييرها؛

 

-       العديد من الخبراء و المحاسبين و الطلاب و الأكاديميين لا يعرفون عن هدا النظام الجديد الشيء الضروري للتكيف معه؛

 

-       لم يتم اعتماد هدا النظام في المراكز التدريبية لحد الآن مما يخلق العديد من المشاكل في تطبيق هدا النظام؛

 

-       إن أنظمة التسيير في المؤسسات الاقتصادية الجزائرية ضعيفة جدا و غير متنوعة، و العمود الفقري للتسيير في هده المؤسسات هو نظام المحاسبة العامة؛

 

-       النظام المحاسبي الجديد هو نظام يهدف كما سبق الإشارة إليه إلى تحقيق المصداقية و الشفافية في مختلف الكشوف و القوائم المالية و هو تطبيق من تطبيقات الحكم الراشد أو ما يصطلح علية بحكومة الشركات، و هدا صعب تطبيقه في البيئة الاقتصادية و المؤسساتية الجزائرية بسبب عـدة اعتـبارات و سلوكيات متراكمة؛

 

-       عدم قدرة المؤسسات الجزائرية على تحمل نفقات التحول و الانتقال إلى النظام المحاسبي الجديد؛

 

-       غياب الرابط بين المحاسبة و الجباية، فهدا الاتصال يبرر بالرغبة في مراقبة المؤسسة و تفادي التهرب الجبائي و أهمية الجباية كمصدر للتمويل، كما أن القوانين التكميلية الداعمة لتطبيق هدا النظام مثل القوانين الجبائية غائبة؛

 

-       غياب الرؤية الإستراتيجية و التخطيط السليم للدخول في تطبيق النظام المحاسبي المالي الجديد الذي سوف ينجم عنه مشاكل كبيرة و التسيير.

 

    و من أجل تأهيل المؤسسات الاقتصادية لتبني هدا النظام، يجب على الدولة القيام بمجموعة من الإصلاحات و الإجراءات و التي نراها في نظرنا ضرورية لنجاح اعتماد المخطط المحاسبي الجديد، و التي نلخصها في النقاط التالية10:

 

-       المرور بمرحلة انتقالية تسمح بالسحب الجزئي للنظام الحالي و الإدخال التدريجي للنظام الجديد، هده الراحل تقوم بتحديدها الجهات المعني؛

 

-       توضيح معالم هدا النظام من كل جوانبه من خلال العديد من المنتديات و الملتقيات؛

 

-       تحديد مختلف التشريعات و التنظيمات التي تتعلق بهذا القانون و إصلاح تنظيمات مختلف الهيئات المتعاملة معه لا سيما مصلحة الضرائب؛

 

-       تكوين و رسكلة الإطارات و المختصين و الأكاديميين لهدا النظام المحاســبي الجديد و الانطلاق في تكوين و تأطير الطلبة و المتربصين حول المعايير الجديدة و حث السلطات العمومية على تنظيم دوري لامتحانات مهنية؛

 

-       مد جسر التعاون بين المؤسسة و الجامعة لأنه من شأن الجامعيين و المتربصين أن يساهموا بشكل كبير في إثراء البحث العلمي و المساهمة في بناء المؤسسات و عـدم استخـدام سيـاسة الانطـواء و الانعزال على المحيط الخارجي و اعتبار المتربصين على أنهم دخلاء على المؤسسة؛

 

-       يجب على الدولة دعم عمليات البحث و التطوير و تحفيز المؤسسات على تبني مثل هده المشاريع لأن معظم المؤسسات الجزائرية تركز في عمليات بحثها على جانب المنتج و تهمل البحوث المتعلقة بأنظمة التسيير و تكنولوجيا المعلومات.

 

المحور الثاني:  المعلومات المالية و المحاسبية و أثرها في كفاءة سوق الأوراق المالية

 

     تفيد المعلومات المتوفرة في سوق الأوراق المالية في توقع العائد و تمكن المستثمر من تحديد القيمة المحورية التي تعتبر أساس القرار الاستثماري، كما أن كفاءة الأسواق تعتمد بشكل أساسي على مقدار الثقة التي يضعها المستثمرين بالمعلومات المتاحة و المنشورة و تلك التي تتدفق من قنوات متعددة و خاصة، و بذلك فإن كفاءة السوق تمثل قدرة السوق على استيعاب المعلومات المتاحة أساسا لتقييم و اتخاذ القرارات الاستثمارية.

 

1- عولمة أسواق الأوراق المالية و انعكاساتها

 

     تحتل الأسواق المالية مركزا حيويا في النظم الاقتصادية المعاصرة، خاصة النظم الرأسمالية، حيث يتم من خلالها تجميع مدخرات بعض الوحدات الاقتصادية التي تحقق فوائض مالية قد لا تحتاج إليها في زمن معين و ترغب في استثمار هذا الفائض بدلا من الاحتفاظ به في صورة سيولة نقدية تمثل رأس مال عاطل، و توجيه تلك المدخرات إلى وحدات اقتصادية أخرى تعاني عجزا في مواردها المالية و تسعى لطلب هذه الفوائض لمواصلة نشاطها الاقتصادي مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج و تطوير سوق السلع و الخدمات في الدول، كذلك الأنظمة التي تعتمد على نشاط القطاع العام و الخاص قد تلجأ لتجميع رؤوس الأموال من الأسواق المالية من أجل التنمية الاقتصادية.

 

     الأسواق المالية شأنها شأن الأسواق الأخرى التي توفر نظاما لتبادل الخدمات أو المنتجات أو كليهما معا عن طريق الجمع بين طرفين أحدهما محتاج للخدمة و الآخر منح هذه الخدمة. فالأسواق المالية بوجه عام هي الوسيط الذي يعرض المدخرون الراغبون في الاستثمار من خلال مدخراتهم إما بشكل مباشر أو من خلال وسطاء على مؤسسات الأعمال و أصحاب المشروعات و الأشخاص الذين يحتاجون هذه الأموال. و تحقق مزايا لكل من وحدات الفائض و وحدات العجز، و هذا ما يوضحه الشكل التالي:

 

الشكل(2) : سوق المال و المؤسسات العاملة به 

المصدر: إعداد الباحثين

 

      يحتل سوق الأوراق المالية موقعا مهما على خريطة السوق المالية لما له من أهمية بالغة في التطور الاقتصادي و الصناعي الذي مرت به معظم دول العالم خاصة الرأسمالية منها. و سوق الأوراق المالية عبارة عن نظام يتم بموجبه الجمع بين البائعين و المشترين لنوع معين من الأوراق أو لأصل معين. و يعرف سوق الأوراق المالية بأنه "السوق لتي تتم فيها عمليات تبادل القيم المنقولة من أسهم و سندات و الأوراق المالية الأخرى (شهادات الاستثمار، أوراق مساهمة)، و تجرى هذه العمليات في مكان محدد و معروف، و ذلك تحت إشراف هيئة تحكمها لوائح و قوانين و أعراف وتقاليد يتقيد بها المتعاملون بالأسهم و السندات للمقبلين على الاستثمار و المضاربين على تقلبات الأسعار"11. و يوضح الشكل الموالي موقع سوق الأوراق المالية ضمن تركيبة السوق المالي:

 

الشكل (3): موقع سوق الأوراق المالية ضمن تركيبة السوق المالي

 

المصدر: إعداد الباحثين

 

     لقد ساهمت التطورات الحاصلة في تكنولوجيات المعلومات مساهمة فعالة في دمج و تكامل الأسواق المالية الدولية و ولدت توجه عالمي نجو الأسواق المالية، و التي أصبحت مرتبطة فيما بينها بوسائل جد متطورة مما أدى إلى زيادة رسملة البورصات العالمية و زيادة حجم التعامل في أسهمها، و تم التغلب على الحواجز المكانية و الزمنية بين الأسواق العالمية، و انخفضت تكلفة الاتصالات المختلفة بدرجة كبيرة و أصبح تجميع المعلومات و تصنيفها يتم بسرعة فائقة، و هو الأمر الذي كان له الأثر البالغ في زيادة سرعة حركة رؤوس الأموال من سوق لآخر.

 

     هناك جدل كبير بين الأكاديميين و التطبيقيين حول تكاليف العولمة المالية و منافعها إذ يعتبر بعض الاقتصاديين بأن تدفقات رأس المال مدمرة للاستقرار المالي العالمي، مما يؤدي إلى الدعوة لفرض ضوابط على رأس المال و قيود أخرى على التجارة في الأصول المالية في الأصول الدولية، و يرى آخرون أن الانفتاح المتزايد أمام تدفقات رأس المال، أثبتت عموما أنه ضروري بالنسبة للبلدان التي تسعى للارتقاء من مستوى البلدان ذات الدخل الأدنى إلى مستوى البلدان ذات الدخل المتوسط و أنه دعم الاستقرار بين البلدان الصناعية و لهذا الجدل أهمية كبيرة بالنسبة للسياسة الاقتصادية، خاصة و أن اقتصاديات كبيرة مثل الصين و الهند اتخذت أخيرا خطوات لفتح حسابات رأس المال بها12.

 

     و يبين عدد متزايد من الدراسات أن الانفتاح المالي يمكن أن ينهض بتنمية القطاع المالي المحلي، و يفرض الانضباط على السياسات الاقتصادية الكلية، و يولد مكاسب في الكفاءة بين الشركات المحلية بتعريضها للمنافسة من قبل الوافدين الأجانب، و ينطلق العنان للقوى التي تؤدي إلى حوكمة أفضل للحكومات و الشركات، و يمكن لهذه المنافع الإضافية أن تعزز الكفاءة، و من ثم، نمو إجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج13. و يمكن توضيح ذلك من خلال الشكل التالي:

 

الشكل (4): منافع العولمة المالية

 

وجهة النظر التقليدية

 

 

المصدر: ايهان كوزي، إسوار براساد، كنيث روجوف، وشانج جن وى، ، مجلة التمويل و التنمية، صندوق النقد الدولي، مارس 2007، ص 12

 

 

     رغم منافع العولمة المالية التي تعود على الاقتصاد العالمي، إلا أنه تحمل في طياتها العديد من المخاطر، فمدى العولمة المالية (l’ampleur de la globalisation financière) قد لا يتناسب مع تطور العالم، و بشكل أعم في الاقتصاد العالمي، فعلى سبيل المثال، عندما ترتفع أسعار الأسهم لا يعكس نشاط الشركات المدرجة بل عبارة عن فقاعة الأسعار14. و تؤثر العولمة المالية على الأنظمة النقدية و المالية من خلال عدم الاستقرار الناتج عن التذبذب المتزايد في مصادر التمويل و فقدان الدول لسيطرتها على سياستها النقدية و المالية15، كما يؤدي زيادة ارتباط الاقتصاديات ببعضها البعض إلى إمكانية انتقال عدوى الأزمات المالية بين الدول، إضافة إلى مخاطر المضاربة و مخاطر التقلبات المفاجئة لرأس المال.

 

2- كفاءة سوق الأوراق المالية

 

    لقد أثارت إشكالية كفاءة سوق الأوراق المالية اهتمام الكثير من الباحثين، حيث أن المعلومات تأتي إلى السوق في أي وقت و مستقلة، فيتقرر سعر الورقة المالية بناءا على المعلومات الواردة. و تدور نظرية كفاءة حسب مؤسسها فاما حول مدى انعكاس المعلومات بالأسعار السوقية للورقة المالية بشكل كامل و سريع. فوفقا لمفهوم الكفاءة فإن أسعار الأوراق المالية تعكس جميع المعلومات المتاحة عنها16، سواء تمثلت تلك المعلومات في القوائم المالية أو المعلومات المنشورة بوسائل الإعلام، أو في السجل التاريخي لسعر السهم، أو في التحليلات أو تقارير حول الحالة الاقتصادية العامة عن أداء الشركات.

 

     يمكن تعريف السوق الكفؤ بأنه ذلك السوق الذي يحقق تخصيصا كفئا للموارد المتاحة، أي توجيه تلك الموارد إلى المجالات الأكثر ربحا17. و يعتبر السوق كفؤ عندما تكون أسعار الأسهم قريبة أو تساوي القيمة الحقيقية، بهذا يضمن تحقيق السعر العادل للسهم، و يحسب هذا السعر بناء على العوائد التي يحققها السهم، أي أن السهم يولد عوائد تعوض المستثمر عن المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها نتيجة استثماره في هذا السهم حيث:

 

 

 

حيث أن:

 

       P: السعر العادل للسهم

 

       D: التدفقات النقدية للسهم (خلال الفترات من 1 إلى N)

 

        t: معدل الخصم لهذه التدفقات النقدية

 

     يتضح من خلال التعريف السابق لنظرية الكفاءة أنه في ظل السوق الكفء لا يوجد فاصل زمني بين تحليل المعلومات الواردة إلى السوق و بين الوصول إلى نتائج محددة بشأن القيمة العادلة للورقة المالية، و هو ما يضمن تغييرا فوريا في السعر. و بالتالي لن تتاح لأي مستثمر معلومات خاصة من شأنها أن تمنحه فرصة لتحقيق أرباح غير اعتيادية على حساب المستثمرين الآخرين. و عليه، فمضمون كفاءة السوق تؤكد مفهوم الكفاءة الكاملة، حيث تثير فرضية السوق الكفء الكثير من الجدل، إذ يرى البعض بأنه لكي يكون السوق كفئا لا بد أن يوجد عدد لا بأس به من المستثمرين الذين يعتقدون في أن السوق الكفء18. و لكي تتحقق الكفاءة الكاملة ينبغي توافر الشروط التالية:

 

-       المعلومات متوفرة لجميع المتعاملين و بدون أي تكلفة، مما يؤدي إلى تماثل توقعات المستثمرين نتيجة تماثل معلوماتهم؛

 

-       أن لا تكون هناك أي قيود على التعامل مثل تكاليف المعاملات، ضرائب و غيرها؛

 

-       ينبغي تواجد عدد كبير من المستثمرين، و بالتالي فإن قرارات أو تصرفات أي واحد منهم لا تؤثر على الأسعار؛

 

-        المتعاملين يتصفون بالرشد حيث يسعون إلى تعظيم المنفعة من مواردهم المتاحة.

 

 

     بالنظر إلى هذه الشروط يتضح أنه من الصعب أن تتوافر في أسواق الأوراق المالية الكفاءة الكاملة لصعوبة تحقق هذه الشروط دفعة واحدة . ففي الواقع العملي تتواجد تكاليف المعاملات كما توجد ضرائب تؤثر على تعاملات السوق، إضافة إلى اختلاف الإمكانات المادية و الأهداف الخاصة بالمتعاملين و المستثمرين وقدرتهم على سرعة تفسير المعلومات الواردة، و بالتالي فإن الكفاءة التامة لا تتحقق، و عندها يمكن قبول الكفاءة الاقتصادية، حيث يتوقع أن يمضي بعض الوقت بين وصول المعلومات الجديدة إلى السوق و ممارسة تلك المعلومات لتأثيرها على أسعار الأوراق المالية، و هذا ما يعني أن القيمة السوقية للسهم قد تكون أعلى أو أقل من قيمته السوقية لبعض الوقت. و الشكل التالي يعكس مفهوم الكفاءة الكاملة و الاقتصادية و يصور حركة الأسعار و استجابتها للمعلومات

 

 

الشكل (5) : التغير في ظل الكفاءة الاقتصادية و الكفاءة الكاملة

 

 

المصدر: أرشد فؤاد التميمي، أسامة عزمي سلام، الاستثمار بالأوراق المالية تحليل و إدارة، دار المسيرة للنشر و التوزيع، عمان 2004. ص 137

 

3- المعلومات المالية و أهميتها في سوق الأوراق المالية

 

     تعد المعلومات من أهم المقومات السائدة لنجاح و تطور أسواق الأوراق المالية، فهي تمثل المحرك الأساسي لتوجيه المدخرات نحو الفرص الاستثمارية و تحقيق التخصيص الكفء للموارد، كما تستخدم من قبل المستثمرين في اتخاذ قرارات شراء و بيع الأوراق المالية، درجة هذه الثقة تتحدد بنوعية و كمية المعلومات المتاحة لعموم المستثمرين بكلفة أرخص و منفعة أعلى بشرط أن تعكس هذه المعلومات مؤشرات حقيقية عن واقع الجهات المصدرة للورقة المالية و ظروف سوق تداولها إضافة إلى الوضع الاقتصادي العام في البلد المعني.

 

     كما توفر المعلومات القدرة في توقع العائد المبني على أساس مستوى مخاطر معينة لورقة أو محفظة استثمارية، و تمكن المستثمر بالنتيجة من تحديد القيمة المحورية أساس القرار الاستثماري، لكن كون المعلومات متاحة للجميع لا يعني أنهم يصلون إلى توقعات متشابهة في الوقت نفسه، إذ أن قرارات بعضهم تكون أدق بسبب الخبرة مقارنة بآخرين. و لكن في الأمد الطويل لا بد أن تعكس أسعار الأوراق المالية مضمون المعلومات و تقترب توقعات المستثمرين من القيمة الحقيقية19. و يوضح الشكل الموالي أهمية المعلومات و مدى انعكاسها في سلوك المستثمرين و حملة الأوراق المالية عند تسعير الورقة المالية:

 

 

شكل (6) : المعلومات و آلية تسعير الورقة المالية  

 

المصدر: فؤاد التميمي، عزمي سلام، مرجع سابق، ص 133.

 

يتضح مما سبق أن الكفاءة في سوق الأوراق المالية سوف تتوقف على كفاءة نظام المعلومات المالية السائد حيث أن نجاح سوق الأوراق المالية يتوقف على الآتي:

 

-       إظهار أهمية الإفصاح المالي و دوره في ضبط حركة سوق الأوراق المالية و ذلك بتوفير القدر كافي من المعلومات الملائمة التي تتصف بالدقة و الموضوعية و التي يمكن استخدامها في المفاضلة بين فرص الاستثمار المختلفة.

 

-       ينبغي توفر المعلومات المالية التي تعكس المركز المالي للشركات التي تتداول أسهمها في سوق الأوراق المالية بحيث يتم تقدير القيمة الحقيقية لأسهم الشركات و تقييم الوضع المالي للشركات ذاتها.

 

-         يجب أن تتواجد أنواع مختلفة من الأوراق المالية القابلة للتداول بحيث يكون لكل منها خصائصه و درجة الخطر المرتبطة به بما يلبي احتياجات المستثمرين.

 

 

4- تأثير المعلومات المالية على كفاءة بورصة الجزائر في ظل الإصلاح المحاسبي

 

     لقد استلزم تحول الاقتصاد الجزائري نحو اقتصاد السوق ضرورة إنشاء سوق رؤوس الأموال، و إحداث تعديلات عميقة على نظام التمويل الذي كان يعتمد على سوق الإقراض، و كانت هذه التعديلات تهدف إلى تحقيق الانتقال من نظام تمويلي يرتكز على الإصدار النقدي و الجباية البترولية إلى نظام تمويلي يعتمد على تأسيس سوق الأوراق المالية، و من أهم الدوافع التي كانت وراء إنشاء بورصة الأوراق المالية في الجزائر هي تجسيد عملية خوصصة المؤسسات العمومية، باعتبار البورصة إطارا مناسبا لفتح رأسمال المؤسسات العمومية للمساهمين الخواص، و ضمان تحويل دائم للاستثمار بشكل غير تضخمي و السماح للاقتصاد الوطني بالاندماج في الاقتصاد العالمي الذي يتجه شيئا فشيئا نحو العولمة الاقتصادية20.

 

     لقد واجهت بورصة الجزائر العديد من العراقيل منذ نشأتها كعدم وجود قواعد و ثقافة بورصية في الجزائر، و غياب الشفافية و الإفصاح، و عدم توفير معلومات مالية كافية تعزز ثقة المستثمرين بالبورصة، و ضعف الكفاءة المعلوماتية، إضافة إلى العديد من الأسباب التي أدت إلى عرقلة السير الحسن لبورصة الجزائر (عراقيل سياسية، اجتماعية، ثقافية، و اقتصادية) و حالت دون إعطائها مكانتها في النظام المالي، و القيام بالدور المنوط بها في الاقتصاد الوطني.

 

     إن المتعاملين في بورصة الجزائر سواء المستثمرين الجزائريين أو الأجانب بحاجة إلى بعض المعلومات المالية التي  لا يتيحها المخطط المحاسبي السابق (PCN)، حيث أن المعلومات المالية المقدمة في ظل (PCN) غير كافية و لا تلبي احتياجات المستثمرين من المعلومات، و قد عملت الجزائر جاهدة لتحقيق مزيد من الانفتاح و تقديم تسهيلات مغرية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، و عملت على إيجاد توافق بين المعايير المعمول بها محليا و المعايير المحاسبية الدولية.

 

     يعتبر الإفصاح المحاسبي روح أي سوق مالية وأساس نجاحه ، فالإفصاح المحاسبي يحقق في حال توفره جواً من الثقة بين المتعاملين من خلال قيام الجهات المعنية بمراقبة ميزانيات الشركات المتعاملة في السوق والإشراف على وسائل الإعلام المختلفة التي تشكلها هذه الشركات ، والتدخل لإزالة الغش ومنع إعطاء معلومات غير صحيحة للمساهمين، واعترافاً بأهمية الإفصاح المحاسبي في صنع قرار الاستثمار في سوق الأوراق المالية فقد اهتمت المعاهد والجمعيات العلمية بمعايير الإفصاح والتأكيد على كمية ونوعية المعلومات التي لا بدَّ من توافرها ، فقد حدد مجلس معايير المحاسبة المالية الأمريكي أهداف التقارير المالية كالتالي21:

 

-   تقديم معلومات للمستثمرين الحاليين والمرتقبين وكذلك الدائنين ومستخدمي البيانات في تحديـد وتوقيت درجة عدم التأكد للتدفقات النقدية المتوقعة من التوزيعات أو الفوائد ، والتدفقات الناتجة عن بيع أو استيراد أو استحقاق الاستثمارات المالية والقروض ، وهذه التدفقات المتوقعة تتأثر بقدرة الشركة على خلق نقدية كافية لمواجهة الالتزامات في التوزيعات والفوائد وأقساط القروض وسدادها عند استحقاقها كما تتأثر أيضاً بتوقعات المستثمرين والدائنين بالمقدرة الكسبية للمنشأة مما ينعكس على أسعار الأسهم.

 

-   تقديم معلومات عن الأداء المالي للشركة، ورغم أن قرارات الاستثمار والتمويل تعكس توقعات المسـتثمرين بالأداء المستقبلي للمنشأة، إلا أن هذه التوقعات تبنى في الغالب على تقييم الأداء السابق.

 

هذا بالإضافة إلى أن نظام التقارير الجيد سوف يؤدي إلى تخفيض تكلفة رأس المال بالنسبة للمنشأة وذلك نتيجة انخفاض درجة عدم التأكد لدى المستثمرين حول أحوالها المالية أي أنه عن طريق إتباع سياسة محاسبية سليمة وبالتالي العناية بنظام التقارير المالية يمكن تخفيض درجة المخاطرة التي يتعرض لها رأس المال المستثمر لدى المنشأة وبالتالي تخفيض المعدل الذي يمكن أن يقبله المستثمرون كعائد على استثماراتهم أضف إلى ذلك أن التنافس حول مصادر التمويل في سوق رأس المال سوف يمثل ضغطاً على كافة المنشآت لإتباع سياسات محاسبية ملائمة وتوفير نظام تقارير وافٍ حتى في حالة عدم كفاية الأداء ذلك لأن عدم الإفصاح في مثل هذه الحالات سوف يفسر من قبل المتعاملين على أنه تغطية للمشاكل التي تتعرض لها المنشأة الأمر الذي يعجل بفشلها وقد يؤدي إلى خروجها من سوق الصناعة الذي تعمل فيه .

 

     إن النظام المحاسبي المالي الجديد يتوافق مع المعايير المحاسبية الدولية و يسمح بتطوير بورصة الجزائر، و يجعل المعلومات المالية المقدمة من طرف المؤسسات ذات جودة عالية و قابلة للقراءة، ما يمنح المؤسسات الجزائرية مزيدا من الفرص في مجالات الاستثمار و التمويل، و تنعكس شفافية المعلومات المالية و المحاسبية المتعلقة بالمؤسسات المقيدة في بورصة الجزائر و مصداقية هذه المعلومات على كفاء البورصة و تعتبر شرطا لازما لحسن سيرها بطريقة ناجعة وفعالة.

 

 

الخلاصة

 

تحاول الجزائر جاهدة مسايرة الواقع الاقتصادي الجديد بالقيام ببعض الإصلاحات الاقتصادية من بينها تبني نظام محاسبي و مالي جديد يتوافق مع معايير المحاسبة الدولية و التي لها دور مهم في ظل انفتاح الأسواق المالية على المستوى العالمي و تسهل عملية الاتصال بين مختلف المتعاملين الاقتصاديين، كما تدعم التوجه إلى الأسواق ، لذلك فاعتماد الجزائر على هذا النظام بشكل رسمي يساعد على تأهيل المؤسسات و ترقية نظام التسيير بشكل جيد.

 

ينتظر أن يساهم النظام المحاسبي الجديد في تطوير بورصة الجزائر و تعزيز كفاءته، حيث أن إعداد التقارير و القوائم المالية وفق معايير المحاسبة الدولية يساهم في جلب رؤوس الأموال الأجنبية،  كما أن  النظام المحاسبي الجديد هو نظام لتنظيم المعلومة المالية، و تعتبر المعلومات المالية أساس كفاءة السوق و ترشيد القرار الاستثماري. غير أن من أكبر العوائق التي تواجهها الجزائر هي ظاهرة الفساد المالي و الاقتصادي و البيروقراطية. و يبقى التساؤل مطروح: هل أن تطبيق النظام المحاسبي المالي الجديد سيقضي على هذه المشاكل ؟  

 

 

الهوامش

 

1 مداني بن بلغيث، النظام المحاسبي المالي الجيد و بيئة المحاسبة في الجزائر، بحث مقدم إلى الملتقى الدولي حول الإطار المفاهيمي للنظام المحاسبي المالي الجديد و آليات تطبيقه في ظل المعايير المحاسبية الدولية IAS-IFRS، جامعة سعد دحلب، البليدة،  13/14/15 أكتوبر 2009. ص2.

 

2 شعيب شنوف، محاسبة المؤسسة طبقا للمعايير المحاسبية الدولية، مكتبة الشركة الجزائرية بوداود، الجزائر 2008، ص 12.

 

3 مداني بن بلغيت، النظام المحاسبي المالي الجيد و بيئة المحاسبة في الجزائر، مرجع سابق، ص 4.

 

4 مداني بن بلغيث، نفس المرجع السابق، ص 5.

 

5 شعيب شنوف، مرجع سابق، ص 18.

 

6 كنوش عاشور، متطلبات تطبيق النظام المحاسبي الموحد (IAS/IFRS) في الجزائر، مجلة اقتصاديات شمال إفريقيا، جامعة الشلف، الجزائر، العدد 06/2009، ص ص 295-296.

 

7 مداني بن بلغيث، التوحيد المحاسبي "تجربة الجزائر"، مجلة الباحث جامعو ورقلة، العدد 1/2002، ص 54.

 

8 مداني بن بلغيث، أهمية إصلاح النظام المحاسبي للمؤسسات في ظل أعمال التوحيد الدولية، أطروحة دكتوراه، غير منشورة، جامعة الجزائر، 2004/2005، ص 104.

 

9 آيت محمد مراد، أبحري سفيان، النظام المحاسبي المالي الجديد، تحديات و أفاق، بحث مقدم إلى الملتقى الدولي حول الإطار المفاهيمي للنظام المحاسبي المالي الجديد و آليات تطبيقه في ظل المعايير المحاسبية الدولية IAS-IFRS، جامعة سعد دحلب، البليدة،  13/14/15 أكتوبر 2009، ص 8.

 

10 آيت محمد مراد، أبحري سفيان، نفس المرجع، ص 9.

 

11 الياس بن ساسي، يوسف قريش، التسيير المالي (الادارة المالية)، دار وائل للنشر و التوزيع، عمان 2006، ص 433.

 

12 إيهان كوزى، إسوار براساد، كنيث روجوف، وشانج جن وى،  مجلة التمويل و التنمية، صندوق النقد الدولي، مارس 2007، ص 9.

 

13 إيهان كوزى، إسوار براساد، كنيث روجوف، وشانج جن وى،  نفس المرجع السابق، ص 11.

 

14 Serge d’agostino, Marc montoussé, Alain chaffel, Jean-Marc huart, 100 fiches pour comprendre la mondialisation, Bréal, paris 2006; p 176.

 

15 أسماء دردور، نسرين بن زواي، الأزمة المالية الحالية و مستقبل العولمة المالية، الملتقى العلمي حول الأزمة المالية و الاقتصادية الدولية و الحوكمة العالمية، جامعة فرحات عباس، سطيف، يومي 20 و 21 أكتوبر 2009، ص 5.

 

 

 

16 Jean-Laurent Viviani, Gestion de Portefeuille, DUNOD, Paris, 1997, p 230.

 

17 ضياء مجيد الموسوي، البورصات (أسواق رأس المال و أدواتها الأسهم و السندات)، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 2003، ص 8.

 

18 محمود محمد الداغر، الأسواق المالية مؤسسات أوراق بورصات، دار الشروق للنشر و التوزيع، عمان، 2005، ص 281. 

 

19 محمود الداغر، مرجع سابق، ص 277.

 

20 الجودي صاطوري، أثر كفاءة سوق رأس المال على الاستثمار في الأوراق المالية مع دراسة حالة الجزائر، أطروحة دكتوراه دولة، المدرسة العليا للتجارة، الجزائر، 2005/2006، ص 298.

 

21 لطيف زيود، حسان قيطيم، أحمد فؤاد مكية، دور الافصاح المحاسبي في سوق الأوراق المالية في ترشيد قرار الاستثمار، مجلة جامعة تشرين للدراسات و البحوث العلمية، سلسلة العلوم الاقتصادية و القانونية، المجلد 29 العدد 1/ 2007، ص 178.

 

 

Télécharger l'article