الإصلاح المحاسبي في الجزائر

 

دراسة تحليلية تقيمية

 

 

 

 

إعداد :  

 

د/ مداني بن بلغيث – جامعة ورقلة

 

أ/ فريد عوينات – جامعة ورقلة

 

 

الملخص :

 

 

    يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على عملية الإصلاح المحاسبي في الجزائر وتحليلها في ظل معطيات البيئة، ذلك أن نجاح تطبيق النظام المحاسبي المالي الجديد يرتبط بالشروط والإجراءات الكفيلة بضمان عملية الانتقال من المخطط إلى النظام بشكل جيد، خاصة وأن عملية الإصلاح المحاسبي جاءت في ظروف غير طبيعية نتيجة المشاكل العديدة التي تعرفها بيئة المحاسبة في الجزائر، ومن ثم محاولة تقييم تجربة التطبيق الأولية للنظام المحاسبي المالي بعد سنتين تقريبا من سريان العمل به. وسنحاول إتمام عملية التقييم بالاستناد للتحولات التي تجري في بيئة المحاسبة على المستوى الدولي وخاصة التحديثات التي تصدر عن هيئة المعايير المحاسبية الدولية للوقوف على مدى مسايرة هيئة التوحيد الوطنية لهذه التحولات ومدى تكفلها بالتحديثات.

 

 

الكلمات المفتاحية:

 

 

الإصلاح المحاسبي، بيئة المحاسبة، النظام المحاسبي المالي، المعايير المحاسبية الدولية، المعايير الدولية للمعلومات المالية،

 

 

مقدمة  البحث :

 

يمثل الإصلاح عملية متشابكة ومتداخلة في العديد من الجوانب، فهو عملية متكاملة لا تتجزأ ولا وبالتأكيد هذه العملية لها مقتضياتها وبيئتها وشروطها. لقد تم خيار الإصلاح المحاسبي الجزائري بتغيير المخطط المحاسبي الوطني الذي قيل عنه أنه أصبح لا يساير المرحلة الاقتصادية الحالية بنظام محاسبي مالي مبني على أساس المعايير المحاسبية الدولية التي من شأنها تقديم معلومات تخدم المستعملين الداخليين والأجانب على حد سواء، ولقد مس هذا القرار المحاسبي الجديد العديد من الجوانب الرئيسية في البيئة المحاسبية الجزائرية فكان لابد من مرافقة التغيير الحاصل بتغييرات مماثلة على مستويات أخرى لضمان نجاح العملية. وهذا لأجل تقديم إجابة مسبقة عن التساؤل الأساسي المتمثل في مدى جدية وفاعلية الإصلاح الذي تم في تحقيق الأهداف التي جاء من أجلها.

 

   مضى على تطبيق النظام المحاسبي المالي في الجزائر حوالي سنتين تقريباً لذلك من المفترض أن تكون صورة الإصلاح المحاسبي الجزائري أكثر وضوحاً وأيضاً من المفترض أن تكون مجمل القرارات والتدابير الضرورية اللازمة للنجاح قد تم تجسيدها في الميدان، وبالتالي سنحاول من خلال هذه المداخلة محاولة التعرض لعملية الإصلاح الذي تم من خلال محورين :

 

-        المحور الأول : تحليل أهم عناصر البيئة المحاسبية الجزائرية في ظل الإصلاح المحاسبي ؛

 

-        المحور الثاني : تقييم عملية الإصلاح المحاسبي في الجزائر.

 

 

1 - تحليل أهم عناصر البيئة المحاسبية الجزائرية في ظل الإصلاح المحاسبي :

 

أولا : النظام الجبائي الجزائري في ظل الإصلاح المحاسبي :

 

    تعتبر الضرائب من أهم مصادر تمويل الخزينة العمومية، لذلك يعكف المكلفون بصنع السياسات الاقتصادية على جعل النظام الجبائي فعالاً وكفء قدر المستطاع لما ذلك من آثار ايجابية على الاقتصاد الوطني ككل، في الجزائر و  لفترة طويلة وخلال تطبيق المخطط المحاسبي الوطني كان ينتظر من المحاسبة المساهمة في تحقيق أهداف جبائية، لكن في الوقت الحالي مع بداية تطبيق النظام المحاسبي المالي تبدو العلاقة بين الجانبين (نظريا) أقل ارتباطاً على الأقل مقارنة بالوضع السابق، ويرجع ذلك في الأساس إلى أن النظام  أعد للاستخدام من قبل  شرائح واسعة من المستخدمين.

 

     عند تحليل واقع الممارسات الجبائية الجزائرية نجد أنها تعاني من اختلال ومشاكل رغم الإصلاحات والامتيازات المقدمة بين فترة وأخرى، ولعل أبرز أشكال هذا الاختلال، ظاهرة التهرب الضريبي بأشكال متعددة من التعامل بدون فاتورة في المعاملات التجارية وعدم استعمال الوسائل الحديثة في المعاملات المالية كالصك إلى ظاهرة تأجير السجلات التجارية وانتشار الأسواق الموازية بشكل ملفت، هذا بالإضافة إلى سوق العقارات غير الشفافة والتي تطبعها المضاربة. لذلك دفع اعتماد النظام المحاسبي المالي نحو القيام ببعض الإجراءات التوافقية مع المعطيات الجديدة وقد تم جزء منها في :

 

    1- قانون المالية التكميلي لسنة 2009، بما تضمنته المواد (5 - 6 - 8 – 10) ؛

 

2- قانون المالية 2010 بما تضمنته المواد ( 8 – 9 - 10).

 

 

ثانيا: البنوك والمؤسسات المالية الجزائرية في ظل الإصلاح المحاسبي :

 

    تعتبر البنوك والمؤسسات المالية عصب الاقتصاد في كل الدول ذلك أن مجمل المعاملات الاقتصادية لابد أن تتم من خلالها، فسلامة وقوة المنظومة البنكية والمالية دليل على قوة ومتانة الاقتصاد، لكن المتتبع  لواقع الممارسات المالية الجزائرية وكذلك إلى ما ينشر في التقارير السنوية المعروضة في المنظمات العالمية والتي تساهم في إعدادها هيئات وجامعات متخصصة في العديد من الدول تشير إلى أن المنظومة المالية والمصرفية الجزائرية لزالت متأخرة جداً وتعاني من مشاكل عديدة متمثلة أساساً في :

 

-                    تأخر كبير في مجال القروض البنكية والتدابير المرتبطة بالقطاع المصرفي والمالي ؛

 

-                    تأخر كبير في مدى فعالية البنوك وصحة تسييرها ؛

 

-                    تأخر كبير في تغطية وانتشار وتوزيع شبكة البنوك لكل التراب الوطني,

 

    هذا التأخر الكبير الذي يعرفه النظام البنكي والمالي الجزائري في ظل الإصلاح المحاسبي لم يمنع من القيام ببعض التغييرات على آلية عمل وتسجيل الممارسات المحاسبية البنكية والمالية للتوافق مع الإجراءات الجديدة وقد تم  ذلك بإصدار :

 

 

1- النص التنظيمي (البنك المركزي الجزائري) رقم 09-04 المؤرخ في 23 جويلية سنة2009، يتضمن مخطط الحسابات البنكية والقواعد المحاسبية المطبقة على البنوك والمؤسسات المالية، وتضمن هذا النظام تسعة مواد. تهدف إلى تحديد مخطط الحسابات البنكية والقواعد المحاسبية المطبقة على البنوك والمؤسسات المالية ويقصد بالقواعد المحاسبية في مفهوم هذا النظام، بالمبادئ المحاسبية وقواعد التقييم والتسجيل المحاسبي.

 

 

2- النص التنظيمي (البنك المركزي الجزائري) رقم 09-05 المؤرخ في 18 أكتوبر سنة 2009 يتضمن إعداد الكشوف المالية للبنوك والمؤسسات المالية ونشرها وتضمن 11 مادة .

 

 تهدف هذه النصوص التنظيمية إلى تحديد شروط إعداد ونشر الكشوف المالية للبنوك والمؤسسات المالية وتتكون الكشوف المالية القابلة للنشر للمؤسسات الخاضعة من الميزانية وخارج الميزانية وحسابات النتائج وجدول تدفقات الخزينة وجدول تغير الأموال الخاصة والملحق .

 

 

ثالثاً:  مهنة المحاسبة الجزائرية في ظل الإصلاح المحاسبي :

 

    مهنة المحاسبة كغيرها من المهن لها دورها ومكانتها وأهميتها في المجتمعات منذ القدم، وازداد الاهتمام بها مع التطور الاقتصادي الذي يعرفه العالم وانفتاح الاقتصاديات على بعضها البعض فأصبح ضرورة أن تكون المعلومات المحاسبية المنشورة على درجة عالية من الدقة والموثوقية لذلك يجب أن يقوم بها أشخاص تتوفر فيهم الخبرة والدراية والتكوين الكافي لإعدادها على أحسن صورة، لكنماتعيشه المهنة المحاسبية الجزائرية منذ فترة  طويلة يعتبر ظرفاً مقلق جداً  بالنسبة للمهتمين بالشأن المحاسبي الجزائري، فقد عرفت اختلال وانتكاسات عديدة ويرجع ذلك إلى جملة من الأسباب لعل أهمها :

 

-        غياب سياسة تكوين حقيقية تعد المحاسب الجزائري للعمل وفق قواعد المهنة بشكل جيد وكذلك تعده للعمل وفقا للتطبيقات الدولية المتمثلة في المعايير المحاسبية الدولية ومعايير المراجعة الدولية.

 

-        أيضاً المسابقة الوطنية للدخول للمهنة لم تنظم منذ أكثر من 10 سنوات  مما يطرح العديد من التساؤلات حول النية المبيتة من وراء ذلك، خاصة وأن عدد الخبراء المحاسبين ومحافظي الحاسبات الحقيقيين الذين يتوفرون على كفاءات بمقاييس دولية محدود جداً على المستوى الوطني.

 

-        أيضا تعاني المهنة المحاسبية الجزائرية من محاولات دخول خبرات محاسبية أجنبية للسوق الجزائرية عن طريق مكاتب خبرة محاسبية عالمية لا يمكن للمحاسبين والخبراء المحاسبين الجزائريين ومحافظي الحسابات الجزائريين منافستهم بإمكانياتهم المتواضعة.

 

 

-        غياب المهنة عن المساهمة  الجادة في عملية الإصلاح، نتيجة لضعفها وعدم تأثيرها في  بيئة المحاسبة  الجزائرية وهذا ناتج من عدة أسباب لعل أهمها سوء العلاقة بينها وبين المجلس الوطني للمحاسبة، وغياب شبه كلي عن  المنظمات والهيئات الدولية التي تجمع أصحاب المهنة عبر العالم مثل IFAC و IASB .

 

 

 

في ظل هذا الوضع المتردي الذي تعيشه المهنة المحاسبية الجزائرية تقرر إصلاحها وذلك بصدور كل من:

 

- القانون رقم 10-01، يتعلق بمهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات والمحاسب المعتمد :

 

قررت الحكومة بموجب هذا القانون إعادة هيكلة تنظيم مهنة المحاسبة، وقررت تفكيك المنظمة الوحيدة التي كانت تمثل الناشطين في القطاع ويتضمن هذا القانون الجديد 84 مادة في 12 فصلاً.

 

وبموجب التعديلات الجديدة فقد تم إنشاء ثلاثة منظمات مهنية :

 

في المادة 14 منه (ينشأ مصف وطني للخبراء المحاسبين وغرفة وطنية لمحافظي الحسابات  ومنظمة وطنية للمحاسبين المعتمدين ، يتمتع كل منها بالشخصية المعنوية ويجمع الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين المعتمدين والمؤهلين لممارسة مهنة الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات ومهنة المحاسب المعتمد حسب الشروط التي يحددها هذا القانون ).

 

مكَّن هذا القانون من إعادة تنظيم مهنة المحاسبة في الجزائر، في محاولة من وزارة المالية لاسترجاع الكثير من الصلاحيات التي تخلت عنها بموجب القانون رقم 91/08 المنظم لمهنة المحاسبة.

 

بموجب هذا القانون :

 

-        أصبح منح الاعتماد لممارسة المهنة من صلاحيات وزير المالية ؛

 

-   مراقبة النوعية المهنية و التقنية لأعمال الخبراء المحاسبين و محافظي الحسابات و المحاسبين المعتمدين تحول إلى وزير المالية ؛

 

-   التكفل بتكوين الخبراء المحاسبين و محافظي الحسابات من طرف مؤسسة تعليم مختصة تابعة لوزارة المالية والتكفل بتكوين المحاسبين المعتمدين من طرف المؤسسات التابعة لوزارة التكوين المهني.

 

كما توالت في هذا الإطار عملية الإصدار للنصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بمهنة المحاسبة وهي :

 

 

-   مرسوم تنفيذي رقم11-25 مؤرخ في 27-01-2011 يحدد تشكيلة المجلس الوطني للخبراء المحاسبين وصلاحياتهوقواعد سيره وتضمن المرسوم 23 مادة بينت كل الجوانب المتعلقة بالموضوع.

 

-   مرسوم تنفيذي رقم11-26 مؤرخ في 27-01-2011 يحدد تشكيلة المجلس الوطني للغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات وصلاحياته وقواعد سيره وتضمن23 مادة متعلقة بهذا الموضوع.

 

-   مرسوم تنفيذي رقم 11-27 مؤرخ في 27-01-2011  يحدد تشكيلة المجلس الوطني للمنظمة الوطنية للمحاسبين المعتمدين وصلاحياته وقواعد سيره  وتضمن المرسوم 23 مادة متعلقة بالموضوع.

 

-   مرسوم تنفيذي رقم 11-28 مؤرخ في 27-01-2011  يهدف إلى تحدد تشكيلة اللجنة الخاصة المكلفة بتنظيم انتخابات المجالس الوطنية للمصف الوطني  للخبراء المحاسبين والغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات والمنظمة الوطنية للمحاسبين المعتمدين وصلاحياتها، وتضمن المرسوم 23 مادة تطرقت إلى الجوانب التفصيلية المتعلقة بالموضوع.

 

-   مرسوم تنفيذي رقم 11-29 مؤرخ في 27-01-2011 يهدف إلىتحدد رتبة ممثلي الوزير المكلف بالمالية لدى المجالس الوطنية للمصف الوطني للخبراء المحاسبين والغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات والمنظمة الوطنية للمحاسبين المعتمدين وصلاحياتهم، تضمن المرسوم 05 مواد متعلقة بالموضوع.

 

-   مرسوم تنفيذي رقم 11-30 مؤرخ في 27-01-2011 يهدفإلى تحديد شروط وكيفيات الاعتماد لممارسة مهنة الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات والمحاسب المعتمد، وتم تبيان ذلك خلال07 مواد من المرسوم.

 

-   مرسوم تنفيذي رقم 11-31 مؤرخ في27 -01-2011 يتعلق بالشروط والمعايير الخاصة بمكاتب الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات المحاسب المعتمد، وتم توضيح الجوانب المتعلقة بالموضوع في 07 مواد .

 

-   مرسوم تنفيذي رقم 11-32 مؤرخ في 27-01-2011  بحيث يهدف هذا المرسوم إلى تحديد كيفيات تعيين محافظي  الحسابات على أساس دفتر الشروط، تضمن المرسوم 16 مادة تشرح الجوانب التفصيلية للموضوع.

 

رابعاً: المؤسسات الجزائرية في ظل الإصلاح المحاسبي :

 

    تركز الاقتصاديات العالمية في الوقت الحالي على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لما أثبته هذا النوع من المؤسسات من قدرات فائقة على دفع قاطرة النمو وتوفير بيئة أعمال لتنمية مستدامة وذلك على حد سواء في كل من الدول المتقدمة أو الدول النامية، لكن من أبرز ما يعاب عليها أنها تتطلب إجراءات دعم ملائمة للحفاظ عليها بسبب هشاشتها أمام تقلبات الأسواق. يغلب على النسيج الصناعي الجزائري هذا النوع من المؤسسات التي تشكل نحو 99 بالمائة من عدد الكلي للمؤسسات وذلك نتيجة لبرامج التنمية التي تهدف على الدوام دعمها وتوفير لها بيئة أعمال اقتصادية صحية.

 

العديد من المشاكل التنظيمية والإدارية لا زالت تعيق عمل المؤسسات الجزائرية بصفة عامة و المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بصفة خاصة، من تعدد مراكز القرار، والآجال الطويلة التي تستغرقها معالجة الملفات وتفشي ظاهرة الرشوة والمحسوبية والفساد الذي لم تسلم منه حتى كبريات الشركات وعلى رأسها سوناطراك، كل هذه العوامل تحد من قدرات هذه المؤسسات على العمل والانطلاق لمواكبة التغيرات الحاصلة، بالإضافة إلى عدم الاستقرار والتغيير المستمر للقوانين التي تمتاز بأنها ظرفية، والتي أثرت بشكل كبير على الاستثمارات التي تحتاج إلى مناخ أعمال مستقر، ففي كل مناسبة قانون مالية نجد قوانين استثمارات جديدة قد تكون ملغية للسابقة. وتماشيا مع الإجراءات الجديدة المتمثلة في النظام المحاسبي المالي ولتسهيل عمل المؤسسات فقد تم صدور مايلي :

 

- القرار المؤرخ في 26 جويلية 2008 الذي حدد أسقف رقم الأعمال وعدد المستخدمين والأنشطة المطبقة على الكيانات الصغيرة بغرض مسك محاسبة مالية مبسطة، ويمكن بموجب هذا القرار للكيانات الصغيرة التي لا يتعدى رقم أعمالها وعدد مستخدميها ونشاطها أحد الأسقف الواردة في القرار، خلال سنتين متتاليتين، مسك محاسبة مالية مبسطة.

 

- المرسوم التنفيذي رقم 09-110 المؤرخ في 7 أفريل 2009، يهدف إلى تحديد شروط وكيفيات مسك محاسبة بواسطة أنظمة الإعلام الآلي، تضمن القرار26 مادة تطرقت بشكل تفصيلي بكل ما يخص المحاسبة بواسطة أنظمة الإعلام الآلي.

 

- التعليمة الوزارية رقم 02 مؤرخة في 29 أكتوبر 2009 تتضمن أول تطبيق للنظام المحاسبي المالي مع سنة 2010، وتضمنت هذه التعليمة، الإجراءات العامة والأحكام الواجب إتباعها لعملية تطبيق النظام المحاسبي المالي.

 

2- تقييم عملية الإصلاح المحاسبي في الجزائر:

 

أولاً :  من خلال الفترة التي استغرقت في عملية الإصلاح المحاسبي :

 

يفترض عادة ضرورة خضوع عمليات الإصلاح لبرنامج زمني محدد وأن تكون إجراءات الإصلاح متواصلة، فيجب أن تكون العملية وفق خطة مدروسة بكامل الخطوات اللازمة محددة بوضوح وبدقة وأيضاً يجب توفر المرونة اللازمة لسياسات الإصلاحات للاستجابة للمتغيرات والمستجدات.

 

المتتبع لعملية الإصلاح المحاسبي في الجزائر يجد أنها استغرقت فترة طويلة فعملية انطلاق برنامج الإصلاح تم في سنة 1999 من خلال القيام بتقييم المخطط المحاسبي الوطني أما التجسيد الفعلي للإصلاح في الميدان فقد تم في سنة 2010 أي بعد أكثر من 10 سنوات وصاحبت العملية تأجيل بحيث كان من المفترض التطبيق سنة 2009 بحجة إعطاء وقت أكثر للتحضير لعملية الانتقال.

 

أيضاً عند مقارنة الإصلاح المحاسبي في الجزائر بالإصلاح المحاسبي في تونس من حيث تاريخ بداية الإصلاح، نجد أن الإصلاح المحاسبي التونسي والذي تبنى النموذج الدولي المتمثل في المعايير المحاسبية الدولية بدأ في سنة 1997 رغم الإمكانيات الاقتصادية التونسية الضعيفة مقارنة بكثير من الدول، بذلك فالإصلاح المحاسبي في الجزائر متأخر عن نظيره التونسي بفترة 13 سنة على الأقل في مجال الخبرة والممارسات المحاسبية الدولية.  

 

 

ثانياً:  من خلال مدى ملاءمة و استعداد البيئة المحاسبية الجزائرية للإصلاح :

 

     تم الإصلاح المحاسبي الجزائري بشكل مفاجئ وسريع أي بأسلوب الصدمة بإحلال نظام محل نظام آخر على العكس ما كان متوقع أي أن يتم بشكل تدريجي، ذلك أن عملية التغيير تحتاج وضع المؤسسات والترتيبات التشريعية الجديدة والضرورية قبل القيام بالتغيير، فقد تم إلغاء المخطط المحاسبي الوطني وحل محله النظام المحاسبي المالي والبيئة المحاسبية لزالت تعاني من مشاكل عديدة معروفة للجميع خاصة في ما يتعلق منها بالجباية وعمل البنوك والسوق المالية  هذه الأخيرة التي لزالت غير نشطة وغير فعالة فعدد المؤسسات المسجلة فيها لا تتعدى مؤسستين. وخلال هذا قد صاحبت عملية الإصلاح مشاكل عديدة لعل أهمها ما يتعلق بالتكوين والتعليم وفقاً للنظام المحاسبي المالي :

 

-    نقص فادح في أعداد المكونين وفقاً للإجراءات الجديدة، وكذلك صاحبت العملية عدم كفاءة البرامج المعلوماتية الموجودة في السوق في تسيير عملية الانتقال محاسبياً فأضطر بعض المحاسبين في بعض المؤسسات بالقيام بالعمليات يدويا.

 

-     انطلاق عملية الانتقال في ظل عدم وجود برنامج وزاري واضح لكيفية تدريس الإجراءات الجديدة في الجامعات والمعاهد المختصة بتدريس المحاسبة، فاختلفت بذلك التفسيرات والاجتهادات للعمليات المحاسبية وفق النظام الجديد.

 

-    أدى القانون الجديد المنظم للمهنة المحاسبية الجزائرية إلى تجميد الاعتماد وتوقيف التربصات التطبيقية للمهنيين وبالتالي خلق فراغ دون إيجاد الآلية المناسبة لملأه ومعالجته وفق أسس قانونية تكفل التراضي للجميع.

 

 

ثالثاً:  من خلال الهيئات التي أوكلت إليها عملية  الإصلاح :

 

   أهم الانتقادات التي وجهت لعملية الإصلاح المحاسبي في الجزائر أنه تم دون مشاركة الفاعلين في البيئة المحاسبية على رأسهم إدارة الضرائب ومهنة المحاسبة فكان من الأفضل حسب رأي المختصين في الشأن المحاسبي أن تتم المشاركة الجماعية لجميع الفاعلين في البيئة في عملية الإصلاح وأخذ آراءهم واقتراحاتهم بما يساعد على نجاح العملية.

 

     وأيضا كان يفترض توفر في المؤسسات التي يوكل لها الإشراف على الإصلاح وتنفيذ إجراءاته الفاعلية والديناميكية، وأن تعتمد الشفافية والوضوح في مختلف القرارات التي تتخذها، فقد كانت تتم القرارات الإصلاحية في الجزائر متأخرة بعض الشيء وأهم ما حدث:

 

-  مذكرة منهجية للتطبيق الأول للنظام المحاسبي المالي: التي جاءت تبعاً للتعليمة رقم 02 الصادرة عن وزارة المالية، تهدف إلى  تحقيق للكيانات ومستخدمي القوائم المالية عناصر التوجيه وتمكينهم من إلقاء الضوء على الصعوبات التي سيتلقونها، وأيضاً إلى تحقيق الانتقال مع احترام المبادئ والقواعد التي وضعتها مختلف نصوص النظام المحاسبي المالي، والتي مؤرخة في 19-10-2010 أي بعد أكثر من عشر أشهر من تطبيق النظام.

 

-   أيضاً مذكرات منهجية التطبيق الأولي للنظام المحاسبي المالي والتي تهدف إلى توضح آلية الانتقال وتسجيل العمليات المحاسبية من المخطط القديم إلى النظام الجديد والتي جاءت بتاريخ 28-12-2010 أي تقريباً بعد حوالي سنة من تطبيق النظام.

 

-   مرسوم تنفيذي رقم 11-24 المؤرخ في 27-01-2011: الذي يهدف إلى تحديد تشكيلة المجلس الوطني للمحاسبة وتنظيمه وقواعد سيره، وتضمن هذا المرسوم 26 مادة، والذي صدر في02-02-2011 أي بعد أكثر من سنة من تطبيق النظام.

 

 

رابعاً:  من خلال مدى مسايرة الإصلاح المحاسبي في الجزائر لعملية الإصلاح المستمرة في المعايير المحاسبية الدولية:

 

   تمتاز المعايير المحاسبية الدولية بخاصية التغيير والتحديث، فمنذ صدور المعايير المحاسبية الدولية سنة 1973 هناك العديد من المعايير التي تم إلغاءها أو استبدلها بمعايير أخرى، هذا فضلاً عن التفسيرات التي تصدر مرافقة للمعايير التي هي أيضاً دائمة التغيير، عندمقارنة هذه الوضع مع وضع الإصلاح المحاسبي الجزائري نجد أنه  لا توجد هناك آلية تضمن التحديث والإصلاح المستمر، على سبيل المثال النموذج الدولي للمعايير المحاسبية الدولية مبني على أساس المعايير أي أن كل عملية يخصص لها معيار خاص وبالتالي  يمكن التعديل أو الإلغاء بكل سهولة ويحل محل المعيار المستبدل معيار آخر هذا على عكس النموذج المبني على شكل نظام يصعب التحديث أو الإصلاح فيه بنفس السرعة التي  تحدث في النموذج الدولي،  أيضاً في سنة 2009 تقرر في مجلس المعايير المحاسبية الدولية إصدار معايير خاصة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بهدف تقديم الاستفادة لهذه المؤسسات والجهات التي تستخدم بياناتها المالية من مجموعة موحدة من المعايير المحاسبية الدولية،  لكن المتتبع لعملية الإصلاح المحاسبي في الجزائر يلاحظ غياب إطار واضح خاص بها وإطار واضح خاص يكفل متابعة التحديثات والتغيرات التي تحدث فيها وخاصة أن هذه المؤسسات تشكل الأغلبية الساحقة من النسيج المؤسساتي الجزائري.

 

 

خامساً:  من خلال ارتباط الإصلاح المحاسبي الجزائري بالمقاربة الفرنسية :

 

     ما يلاحظ على عملية الإصلاح المحاسبي الجزائري أنها تأثرت بشكل كبير  بالمقاربة الفرنسيةويظهر ذلك بشكل جلي من خلال المقارنة بين مدونة حسابات النظام المحاسبي المالي الجزائري ومدونة حسابات النظام المحاسبي الفرنسي فنجد  تشابه كبير مما يوحي على أن القائمين على عملية الإصلاح المحاسبي الجزائري قاموا باستنساخ مدونة حسابات النظام المحاسبي الفرنسي وإسقاطها على الحالة الجزائرية، ما نود قوله في هذا الشأن أنه لا يوجد مانع من الاستفادة والاقتباس من التجارب الدولية خاصة إذا كانت ناجحة وخاصة إذا كان أصحابها أكثر خبرة ودراية في هذا المجال، لكن السؤال المهم في كل هذا هل تمت عملية الاقتباس بشكل مدروس ومحكم أما أن الأمر لا يعدو على شكل اجتهاد تم بشكل عشوائي.

 

 

الخاتمة :

 

     لقد حقق الإصلاح المحاسبي في الجزائر مزايا كبيرة للممارسات المحاسبية الجزائرية، فالإصلاح المحاسبي لم ينقل الممارسات المحاسبية من مرحلة  المخطط إلى مرحلة النظام فقط بل نقلها من حالة الجمود إلى حالة الحراك، فكثير من الحوارات ونقاشات الفكرية التي دارت والتي لا زالت تعقد كل حديثها عن الإصلاح المحاسبي والسبل الكفيلة بنجاحه في الميدان، أيضاً حقق الإصلاح المحاسبي في الجزائر نقلة نوعية في  الثقافة المحاسبية من ممارسات محصورة في الجانب التقني إلى ممارسات مهتمة أكثر بالجانب النظري، فضلاً عن كل ذلك الإصلاح نقل الممارسات المحاسبية الجزائرية من ممارسات معدة في الأساس للعمل وفق البيئة الوطنية إلى ممارسات يمكنها العمل وفق المعطيات الدولية وذلك من خلال تبني النموذج الدولي المتمثل في المعايير المحاسبية الدولية.

 

   مما لاشك فيه هو أن الإصلاح ضرورة تفرضها مقتضيات تطور الوضع الاقتصادي ومحاولة الانتقال به من حال إلى حال أفضل فيعتقد البعض أن طريق الإصلاح سهلة ، لكن الواقع أن هذه العملية معقدة وشاقة وقد تواجه مجموعة من المعيقات إذا لم تكن مدروسة بشكل دقيق ومحكم وأيضاً إذا لم توجد السبل الكفيلة لضمان استمرارها، لذلك حسب اعتادنا الإصلاح المحاسبي الجزائري لازال يحتاج إلى مكملات أهمها :

 

-        إجراء تقييم واسع للعمل المحاسبي الجزائري وفق النظام المحاسبي المالي وفي ظل المشاكل التي تعاني منها البيئة المحاسبية وتحديد أهم احتياجات ممارسي المحاسبة ومعالجتها بصورة عاجلة.

 

-        وضع آلية تضمن الإصلاح والتحديث المستمر للنظام المحاسبي المالي وفق تطور الوضع الاقتصادي الوطني ووفق تطور الممارسات المحاسبية الدولية.

 

المراجع:

 

  1. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، قرار يحدد أسقف رقم الأعمال وعدد المستخدمين والنشاط، المطبقة على الكيانات الصغيرة بغرض مسك محاسبة مالية مبسطة،العدد19، مؤرخ في 26/07/2008.
  2. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، مرسوم تنفيذي رقم 09-110  يحدد شروط مسك المحاسبة بواسطة أنظمة الإعلام الآلي، العدد 21، المؤرخ في 7/04/ 2009. 
  3. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، قانون رقم 10-01 يتعلق بمهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات والمحاسب المعتمد ، العدد 42 ، مؤرخ في 29 /06/2010.
  4. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية،  قانون رقم 09-019  يتضمن قانون المالية التكميلي لسنة2009، العدد 78 ، مؤرخ في 22 /07/ 2009.
  5. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، نظام رقم 09-04 يتضمن مخطط الحسابات البنكية والقواعد المحاسبية المطبقة على البنوك والمؤسسات المالية، العدد 76، مؤرخ في 23 /07/2009.
  6. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، نظام رقم 09-05 يتضمن إعداد الكشوف المالية للبنوك والمؤسسات المالية ونشرها، العدد 76، مؤرخ في 23 /07/2009. 
  7. المجلس الوطني للمحاسبة، مذكرة منهجية  للتطبيق الأول للنظام المحاسبي المالي، مؤرخة في 19/10/2010.
  8. وزارة المالية، تعليمة رقم 02 تتضمن أول تطبيق للنظام المحاسبي المالي 2010، مؤرخة في 29 /10/ 2009.
  9. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، قانون رقم 09-09 يتضمن قانون المالية لسنة 2010، العدد 78، مؤرخ في 31 /12 2009. 

 

10.الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، مرسوم تنفيذي رقم11-24 يحدد تشكيلة المجلس الوطني للمحاسبة وتنظيمه وقواعد سيره، العدد07، مؤرخ في 27/01/2011.

 

 

نقاط يمكن إضافتها:

 

  1. 1.   خلال السنة الأولى للتطبيق حدث استثناء في فترة تقديم القوائم المالية الختامية للمؤسسات -خاصة المكلفين الخاضعين للنظام الحقيقي - إلى إدارة الضرائب والتي عادة تقدم في نهاية شهر مارس فتم تمديدها إلى نهاية شهر جوان.

 

 

  1. 2.   أن السلطة التي أوكل لها عملية الإصلاح لازالت تفكر بمنطق النماذج الجاهزة –من خلال مخطط الحسابات الفرنسي-وليس هناك تصور حقيقي ورؤيا شاملة للمشاكل التي تعاني منها الممارسات المحاسبية الجزائرية.

 

 

Télécharger l'article