إصلاحات النظام المصرفي الجزائري و انعكاساتها على فعالية السياسة النقدية

 

 

 

من إعداد و تقديم الأستاذة بقبق ليلى أسمهان

 

 

 

مقدمة عامة

 

 ان المرحلة الانتقالية من الاقتصاد الاستعماري إلى الاقتصاد الوطني تطلبت إعادة تنظيم النظام المالي و البنكي على وجه الخصوص . فالبنوك التي تواجدت في الجزائر منذ العهد الاستعماري لم تمثل الا فروعا للبنوك الفرنسية ومن ثم كان لزاما على الدولة الجزائرية المستقلة أن تحول هذا النظام البنكي لخدمة متطلبات التنمية الاقتصادية التي تفرض التحكم الكامل في النظام المالي و البنكي للحصول على الدعم البنكي الكافي لتشجيع الاستثمار الصناعي و التخصيص الامثل للموارد المتاحة . 

 

 ولكن تدخل الدولة في التسيير الإداري الممركز للعمليات الاقتصادية و المالية خصوصا أدى إلى عجز المؤسسات البنكية عن تمويل الاقتصاد الوطني حيث كانت تعتبر فقط كوسيلة لوضع سياسة حكومية طبقا لما هو محدد في إطار المخطط الوطني للقرض من جهة و المخططات التنموية من جهة اخرى.

 

 

     هذا الوضع ادى الى تفاقم و تازم الاختلالات داخليا و خارجيا مما دفع بالسلطات الجزائرية الى وضع برامج اصلاحية  تلت تلك الاجراءات التي اتخذتها الدولة بهدف خلق استراتيجية نمو جديدة تمثلت في تاميم البنوك الاجنبية وبعدها خلق مؤسسات بنكية جديدة كان وجودها حتميا لدعم النمو الاقتصادي للبلد. ولكن هذه البنوك سرعان ما ابدت عجزها وعدم فعاليتها في مواجهة الاختلالات خصوصا بعد العجز الذي شهده الاقتصاد الوطني سنة 1986 تبعا للانهيار في اسعار البترول مما استوجب اعادة النظر في التشريعات المتعلقة باصلاح النظام المصرفي الجزائري خلال الثمانينات .

 

 

     بعد استمرار العجز و الاختلالات الداخلية و الخارجية للاقتصاد الجزائري وبعد فشل الاصلاحات التي تبنتها الدولة خلال الثمانينات كان لزاما تغيير المنهج كله و تبني إصلاحات جديدة تعتمد على ميكانيزمات الاقتصاد الحر الذي تطلب اعادة النظر في دواليب السياسة الاقتصادية عموما و الجهاز المصرفي خصوصا ولذلك انتهجت الدولة بداية من التسعينيات سياسة مراجعة شروط البنوك بتحريرها من وصاية الدولة واخضاعها لمنطق الكفاءة الذي يمكنها من لعب دورها الفعال في جذب الاستثمارات الانتاجية و تشجيع الادخار و العمل على تنظيم عمل النقود في الاقتصاد ، فيصبح الجهاز المصرفي في اطار اقتصاد السوق شريكا ديناميكيا موثوقا فيه.

 

 

      يبدو جليا ان مهمة النظام البنكي ترتبط بوثوق بدور النقود من خلال السياسة النقدية التي يشرف عليها البنك المركزي باعتباره قمة الجهاز المصرفي من جهة و السلطة النقدية المخول لها تحقيق الاستقرار النقدي من جهة اخرى. ومن ثم يبدو منطقيا ان تنعكس التغيرات التي عرفها النظام البنكي الجزائري سابقا و التحديات التي ما زال يواجهها خلال المرحلة الحالية للانتقال نحو اقتصاد السوق على دور و صلاحيات البنك المركزي ومن ثم على دور و فعالية السياسة النقدية التي يمارسها هذا الاخير بهدف اولي و اساسي الا وهو مكافحة التضخم ومن ثم تحقيق الاستقرار النقدي في الاقتصاد.

 

 

     في هذا الاطار ينصب انشغالنا الاساسي في هذه المداخلة حول دراسة اهم التغيرات و التطورات التي طرات على صلاحيات البنك المركزي الجزائري باعتباره السلطة النقدية الاولى في البلاد خلال المرحلة السابقة من عمر الاقتصاد الجزائري الموجه و المخطط  وخصوصا خلال المرحلة الانتقالية الحالية نحو اقتصاد السوق وذلك بهدف اساسي هو التعرف مدى مساهمة هذه الاصلاحات البنكية في تفعيل السياسة النقدية الجزائرية نحو تحقيق الاستقرار النقدي. ومن ثم يمكننا صياغة اشكالية هذه المداخلة في السؤال التالي:

 

ما هي انعكاسات الإصلاحات المصرفية على دور و فعالية السياسة النقدية في تحقيق الاستقرار النقدي في الجزائر؟ .

 

المحور الأول : وضعية الجهاز المصرفي ( البنك المركزي) في مرحلة الاقتصاد المخطط و الموجه .

 

     عرفت الجزائر خلال العهد الاستعماري نظاما ماليا وبنكيا ذو نمط لبرالي فرنسي موجها الى خدمة الاقلية الاستعمارية ، حيث كانت الخزينة العمومية انذاك هيئة مكلفة بجمع الايرادات الضريبية من الشعب الاعزل لانفاقها من جديد لفائدة المعمرين ، كما ان شبكة المصارف و المنشات المالية الواسعة قبيل الاستقلال كانت عبارة عن مؤسسات لفائدة العمليات المنجزة من قبيل المستعمرين .

 

      اهم هذه المؤسسات المالية (1) بنك الجزائر وهو اول مؤسسة مالية أنشئت وفق قانون 19/07/1843 لتكون مجرد فرع لبنك فرنسا له امتيازات اصدار الاوراق النقدية في الجزائر الى جانب مراقبة الودائع وكذا فروع البنوك الاستعمارية و البنوك المحلية ابتداءا من 1848. غير ان هذا المصرف لم يعمر طويلا ليعاد تاسيسه في 4/08/1851 حيث اختص بتمويل القطاع الزراعي الموجه لخدمة المعمر. وقع هذا البنك في ازمة خانقة خلال الفترة 1880-1900 نتيجة افراطه فسي منح القروض مما استدعى نقل مقره الى باريس وسمي بنك الجزائر و تونس ولكن بعد استقلال تونس في 1958 استرجع تسميته الاولى .

 

      وفور حصولها على الاستقلال شعرت الجزائر بالحاجة الى تنظيم و اصلاح قطاعها المالي و البنكي ذلك ان نجاح التنمية الاقتصادية للبلاد يتوقف على مدى صحة و فعالية الجهاز المصرفي و قدرته على توفير السيولة الكافية لاحتياجات التنمية . لقد عرف النظام المصرفي الجزائري خلال هذه المرحلة عدة تطورات و اصلاحات يمكن تمييزها في ثلاث مراحل اساسية   .

 

 

I– مرحلة الستينيات ( 1962 – 1970 )  .  

 

      فور حصولها على الاستقلال سعت السلطات الجزائرية الى استرجاع السيادة الوطنية باتخاذها لإجراءات استعجالية تضمن لها انشاء نظام مالي و بنكي وطني مستقل فسعت الى انشاء عدة مؤسسات اهمها تاسيس الخزينة العمومية (2) في 29/08/1962 و التي تكفلت بمنح قروض استثمارية للقطاع الاقتصادي ، وقروض تجهيزية للقطاع الفلاحي المسير ذاتيا . كما تم انشاء البنك المركزي الجزائري BCA بموجب القانون رقم 62/144 المؤرخ في 13/12/1962 كمؤسسة عمومية مكلفة باصدار النقود ومراقبتها و الاشراف على البنوك و المؤسسات المالية الاخرى لدعم النمو الاقتصادي (3) . كما ان هذا البنك كان ملزما بتمويل الخزينة العمومية لإنجاز المشاريع الاستثمارية الضخمة و الضرورية لتحقيق التنمية.   

 

     ومن اجل تمويل النشاطات الاقتصادية الاخرى تم انشاء (4)الصندوق الجزائري للتنمية CAD وفقا للقانون رقم 63/165 الصادر في 07/05/1963 للمساعدة في تمويل الاستثمارات الانتاجية و الذي تحول فيما بعد الى بنك بموجب المرسوم رقم71/47 يلعب دوره كوسيط فعلي بين الخزينة العمومية و المؤسسات العمومية . كما أنشئ كذلك الصندوق الوطني للتوفير و الاحتياط ( CNEP ) و ذلك بعد عجز المؤسسات السابقة عن دعم النمو الاقتصادي الذي تطلب موارد مالية ضخمة ، كمؤسسة ادخارية بموجب المرسوم رقم 64/227 المؤرخ في 10/08/1964 . وكان دوره الاساسي يكمن في ضمان تحويل الودائع الادخارية الى توظيفات مالية للخزينة العمومية.

 

     بعد الاجراءات المتخذة سابقا أصبح النظام البنكي الجزائري يتميز بالازدواجية وذلك لوجود من جهة بنوك أجنبية تبحث أساسا عن الربح و المر دودية ، و بنوك وطنية تعمل من اجل تدعيم التنمية الاقتصادية . و لمحاولة السلطات الجزائرية الحد من تعسفات البنوك الاجنبية المتواجدة و محاولة منها الى انشاء المزيد من البنوك الوطنية القادرة على تمويل الاقتصاد قامت بتأميم هذه البنوك الاجنبية التي مازالت قائمة في الجزائر لغاية هذه الفترة (5)  . وعليه أسفرت عملية التأميم عن ظهور البنك الوطني الجزائري BNA بموجب الأمر رقم 66/178 الصادر في 13/06/1966 و الذي تكفل بمنح الاعتمادات للقطاع الزراعي وللمدى القصير، كما تم انشاء القرض الشعبي الجزائري CPAوفقا للامر رقم 66/366 المؤرخ في 29/12/1966 و الامر المؤرخ في 11/05/1967 و الذي تكفل بدروه بترقية نشاط المؤسسات الصغيرة و المتوسطة وكذا مختلف الصناعات التقليدية . اما البنك الخارجي الجزائري BEAتم تاسيسه بموجب الامر رقم 67/204 المؤرخ في 01/10/1967 بعد دخول الجزائر في علاقات متشابكة مع الخارج ، ولهذا السبب اختص هذا البنك في تسهيل و تنمية العلاقات الاقتصادية الجزائرية مع بقية العالم.

 

    واضافة الى هذه البنوك الناشئة اتخذت الجزائر في هذه الفترة اجراءا هاما تمثل في تطبيق نظام الصرف المركزي بمعدل واحد un système centralisé des changes à taux unique  (6) .  هذا النظام منح عدة امتيازات للبنك المركزي الجزائري.

 

     إذن فخلال هذه المرحلة من الستينيات يبدو أكثر وضوحا ذلك الاختلال الذي ميز النظام البنكي الجزائري وذلك بوجود البنك المركزي كهيئة مستوحاة لبراليا ووزارة المالية و التخطيط ذات الطابع الاشتراكي بعد تبني الجزائر للتخطيط الاقتصادي منذ سنة 1967 . اما على مستوى البنوك الاولية فان أسلوب التخصص البنكي الذي عملت السلطات العمومية على ارساءه لم يشهد تطبيقا عمليا لان البنوك الوطنية استسلمت الى المنافسة الحادة في تعاملاتها المختلفة مع القطاع الخاص و العام بحثا عن المردودية و الملاءة التي تورثتها من البنوك الاجنبية المؤممة .     اما من حيث تمويلها للاقتصاد الوطني فان البنوك الناشئة خلال هذه المرحلة اكدت عجزها عن تمويل الاستثمارات المخططة للمؤسسات الاشتراكية المسيرة ذاتيا و التي شهدت ارتفاعا قويا حيث بلغ حجم هذه الاستثمارات سنة 1969 حوالي 1313 مليون دج لترتفع الى 4256 مليون دج سنة 1970. ومن ثم تثاقل عبئ تمويلها على الخزينة العمومية مما كان يضطرها الى التدين لان ميزانية الدولة تحملت كل القيود المالية للنمو المتسارع للبلاد منذ الاستقلال (7) .

 

II– مرحلة السبعينيات ( 1970 – 1980 )  . 

 

     فمن اجل تخطيط مالي صارم للاقتصاد ومن اجل مراقبة صارمة للتدفقات النقدية عمدت السلطات العمومية انطلاقا من 1970 الى منح الثقة للبنوك في تسيير و مراقبة عمليات المؤسسات العمومية مما استلزم اعادة تنظيم كل الهياكل المالية للبلد بإدخال اصلاح جذري على البنوك  عموما وإصلاح صلاحيات البنك المركزي وإعادة النظر في طبيعة علاقته بالخزينة العمومية  باعتباره مؤسسة الإصدار النقدي و بنك البنوك على وجه الخصوص (8) .ولقد اتخذت في اطار الإصلاح المالي للاقتصاد ( 1970-1971 ) عدة إجراءات يمكن حصرها فيمايلي:

 

  • اعادة تنظيم الهياكل المالية من خلال توزيع المهام و المسؤوليات من جهة بين البنوك في تمويلها للاستثمارات المخططة الانتاجية للقطاع العمومي ، ومن جهة اخرى بين سكرتارية الدولة للتخطيط المكلفة بانتقاء الاستثمارات ووزارة المالية المسئولة عن وضع اعتمادات الدفع.

 

 

  • تشجيع تعبئة الادخار الوطني من طرف المؤسسات المالية و البنكية حيث ينص هذا الاصلاح على وجوب ايداع كل الاموال المكونة من مخصصات الاهتلاكات و احتياطات الشركات الوطنية و المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي و التجاري في حساب في الخزينة العمومية مقابل سندات التجهيزالتي يتم اصدارها بمعدل فائدة 5 % لمدة خمس سنوات او 6% لمدة ست سنوات وتدفع هذه الفوائد سنويا بعد القسط .

 

 

  • اعادة تعريف اسلوب تمويل استثمارات المؤسسات العمومية (9) و المسيرة ذاتيا . فتمويل الاستثمارات الانتاجية يكون مضمونا عن طريق الاعتمادات الممنوحة اما من طرف المؤسسات المالية الوطنية ( البنوك) او عن طريق الاعتمادات الخارجية . فهذا الاجراء حاول وضع نهاية لتمويل الاستثمارات عن طريق المنح التي كانت تقدمها الخزينة العمومية . اما بشان التمويل الخارجي يجب ان يكون هذا التمويل خاضعا لتصريح مسبق من وزارة المالية و التخطيط. كما فصل هذا الاصلاح بين الاستثمارات المخططة التي تمولها المؤسسات المالية و الاستثمارات الميزانية التي تمولها الخزينة العامة عن طريق ميزانية الدولة.

 

  • ارساء التوطين البنكي(10) la domiciliation bancaire الذي يجبر المؤسسات العمومية و المنشات العمومية ذات الطابع الصناعي و التجاري على تركيز حساباتها و عملياتها البنكية على مستوى بنك واحد . وبهدف دعم مراقبة البنوك للمؤسسات العمومية (11) منع هذا الاصلاح التمويل الذاتي للاستثمارات ومنع القرض داخل او بين المؤسسات وهذا بهدف مركزة الموارد من طرف البنوك و اجبار المؤسسات العمومية على دفع او تسديد نفقاتها من خلال التحويلات البنكية او الشيكات البنكية .فهذا الاجراء من شانه رفع مستوى سيولة و ملاءة البنوك بتشجيع استعمال النقود الكتابية و التقليص من حركة النقود الائتمانية المتسربة خارج الجهاز المصرفي. وكنتيجة حتمية للتوطين البنكي ظهر التخصص البنكي ابتداءا من 1971 .

 

  • تثبيت معدلات الفائدة عند مستوى مركزي . فبالنسبة لمعدل الخصم ثبت عند مستوى 2.75% منذ 1972 الى غاية 1986 اين شهد ارتفاعا محسوسا حيث وصل الى 5% ثم الى 7% في سنة 1989 ولكنه كان دائما اقل من سعر الفائدة الدائن وهو ما لا يشجع الادخار . وكان هذا المعدل يطبق على الانجازات الخاصة و العمومية على حد السواء .كما ان بقية المعدلات الاخرى تم تثبيتها بعد اشعار من مجلس القرض سنة 1971.

 

  • تاسيس مجلس القرض و اللجنة التقنية للمؤسسات المصرفية كهيئات مراقبة للبنوك بعد ادماجها في التنمية الاقتصادية (12).

 

    ان الاجراءات السابق ذكرها استحال تطبيقها فعلا في الواقع وذلك نتيجة لظهور عدة تناقضات (13) متعلقة خصوصا بالمؤسسات العمومية التي كانت تعاني من العجز في تسديد اقساطها السنوية مما جعل اعادة هيكلتها او تطهيرها ماليا امرا صعبا و مكلفا تحملته الخزينة العامة بعد ان تكفلت بالاقساط الخاصة بهذه المؤسسات عن طريق حساباتها الخاصة ابتداءا من 1978. كما تحملت الخزينة كذلك تصفية ديون و ذمم القطاع العمومي منذ نهاية  1971 .ا ذن ابتداءا من 1978 تخلى النظام البنكي عن المبادرة للخزينة العمومية من اجل التكفل بتمويل الاستثمارات المخططة و الغير انتاجية في حين بقي النظام البنكي يحمل على عاتقه تمويل الاستثمارات الانتاجية فقط (14) .

 

III– مرحلة الثمانينات ( 1982 – 1990 )

 

       بعد التناقضات و الاختلالات التي عرفتها فترة السبعينيات لجات السلطات الجزائرية الى معاودة الكرة باسم الاصلاح  فشهدت السنوات الاولى من هذه العشرية اعادة هيكلة النظام البنكي من خلال اعادة التركيبة الهيكلية لكل من البنك الوطني الجزائري و القرض الشعبي الجزائري (15)  و اللذان انجر عنهما انشاء بنك الفلاحة و التنمية الريفية BADRو بنك التنمية المحلية BDL

 

       بالاضافة الى اجراء اعادة هيكلة النظام المصرفي لجات السلطات العمومية الى اتخاذ اجراءين جديدين يتعلق الاجراء الاول باعادة تهيئة و تنظيم شروط البنوك من اجل تحفيز جمع الموارد وذلك باعادة النظر في المعدلات التعويضية les taux de rémunération  للتوظيفات الاجلة مع ضرورة وجود فارق بين معدلات الفائدة الدائنة و معدلات الفائدة المدينة الذي يسمح بتحقيق الفائض (16). اظف الى ذلكالتحديد الاداري عند مستوى معين لمعدلات الفائدة المدينة لتفادي ثقل الديون على المؤسسات العمومية . اما الاجراء الثاني يتعلق بمنح القروض للقطاعات التي لها القدرة على تحقيق فائض فقط مع متابعة استعمال هذه القروض من طرف البنوك لضمان استرجاعها .   

 

      لغاية السنوات الاولى من هذه العشرية ما زال النظام المصرفي الجزائري يتميز بالتسيير الاداري و المركزي المرتبط بالسياسة الاقتصادية و المالية للدولة . فمهمة البنوك اقتصرت فقط على تمويل المشاريع الاستثمارية المخططة مركزيا متنحية بذلك عن مهمتها الاساسية الكامنة في جمع الموارد المالية و منح القروض وفق منطق الوساطة المالية لان القروض كانت توزع بصفة آلية وفق المراسيم الإدارية (17) وبغض النظر عن مردودية المؤسسات العمومية .كما ان انشغال البنوك بالمؤسسات العمومية كان على حساب الخواص و العائلات مما جعل هؤلاء يشكلون شبكات مستقلة لخلق النقود ومن ثم اتساع نطاق السوق النقدية الموازية . ونتيجة للوضعية السابقة تبنت الجزائر سياسة اقتصادية جديدة هدفها اقامة اقتصاد الانتاج و السوق الحر (18). ومن جملة الاصلاحات التي شملت مختلف القطاعات الاقتصادية (19) نخص بالذكر الاصلاحات التي عرفها النظام المصرفي الجزائري بهدف معالجة ذلك الاختلال الوظيفي الذي كان يعاني منه النظام من خلال اعادة الاعتبار لدور الوساطة المالية و تفعيلها ويتعلق الامر بقانونين اساسيين :

 

  • Ø القانون رقم 86-12 المؤرخ في 19 اوت 1986

 

     يعتبر قانون 1986 اول قانون بنكي كان الهدف منه وضع اطار قانوني مشترك وموحد لكل مؤسسات القرض بغض النظر عن طابعها القانوني ويمكن حصر اجراءاته فيمايلي(20):

 

  • اعادة تعريف حقل نشاط المؤسسات القرضية التي تعتبر بنوكا كونها تستقبل الودائع بكل الاشكال و لكل الاجال و تقبل بعمليات القرض دون شروط او قيود .اما المؤسسات القرضية المتخصصة تجمع انواع محددة من الموارد و تمنح اصنافا محددة من القروض . اما عن عمليات هذه المؤسسات فانها تشمل  جمع الودائع، منح القروض، ممارسة عمليات الصرف و التجارة الخارجية ، تسيير وسائل الدفع، توظيف القيم المنقولة و تقديم الخدمات المختلفة لتسهيل نشاط زبائنها .
  • التاكيد على دور البنك المركزي كمؤسسة اصدار مفوضة من طرف الدولة وتتمثل المهام

 

الاساسية لهذا البنك في تسيير ادوات السياسة النقدية ، تحديد معدلات اعادة الخصم، مراقبة و توزيع القروض المقدمة للاقتصاد ، مراقبة الصرف و العلاقات الخارجية ومنح تسبيقات للخزينة العمومية وفقا لما يحدده المخطط الوطني للقرض(21).

 

  • ادخال مفاهيم و شروط جديدة على نظام الاعتماد من خلال توسيع مفهوم القروض و موضوعها وطبيعتها .كما اكد القانون على دور البنوك في متابعة و استرجاع القروض .

 

 

  • اقامة اطار تاسيسي جديد للادارة و المراقبة بتاسيس اعضاء استشارية جديدة تتمثل في المخطط الوطني للقرض الذي يحدد الاهداف المرجوة من جمع الموارد النقدية و قواعد توزيع القروض وطبيعة كل منها . كما يحدد هذا المخطط مستوى تدخل البنك المركزي في تمويل الاقتصاد .

 

  • Ø القانون رقم 86-06 المؤرخ في 12 جانفي 1988

 

    يعتبر هذا القانون تكميليا للقانون السابق و الذي كان الهدف منه هو اصلاح الهياكل المالية للمؤسسات البنكية لجعلها اكثر فعالية و ديناميكية من خلال تنظيمه للعلاقات التالية (22) :

 

  • العلاقة التمويلية بين البنوك و المؤسسات العمومية : سعى هذا القانون الى تنظيم العلاقة

 

التمويلية بين البنوك الاولية و المؤسسات العمومية وذلك من خلال توسيع مهام البنوك فلم يعد البنك ملزما بتمويل هذه المؤسسات كما في السابق بل اصبح بامكانه تقييم المخاطرة ووضع حدود للقروض التي يمنحها للحد من تصاعد ديون المؤسسات العمومية اتجاه النظام البنكي. كما اصبح للبنك الحرية في اختياره لتمويل المشاريعه الاستثمارية ذات المردودية العالية .

 

في هذا الاطار ظهر كذلك مفهوم الرشادة البنكية l’orthodoxie bancaire وذلك لصعوبة التحكم في التوطين و التخصص البنكي ومن ثم اصبحت للمؤسسات العمومية الحرية في اختيار البنك الذي يحقق لها منافع اكبر خصوصا بعد استقلاليتها . كما ان البنك من جهته اصبح بامكانه ،من جهة،  تحديد معدلات الفائدة باستثناء المعدلات المدارة  les taux directeurs  التي يحددها البنك المركزي و التي تتمثل في تحديده للحدود القصوى و الدنيا لمعدلات الفائدة و التي حولها تحدد كل المعدلات الاخرى وهذا ما يوحي بالتحرير التدريجي لمعدلات الفائدة.

 

  • العلاقة بين البنك المركزي و البنوك الاولية  : منح هذا القانون للبنك المركزي الجزائري دور

 

 المنظم و المراقب للنظام المالي ، فهو يحتل المكانة الاولى باعتباره عونا استشاريا و تنفيذيا للمخطط الوطني للقرض ، كما ان لهذا البنك سلطة اتخاذ الاجراءات المناسبة لتحقيق الاستقرار النقدي. فهو المسؤول الاول و الاخير عن تسيير ادوات السياسة النقدية ، تحديد اسقف معدلات اعادة الخصم للمؤسسات القرضية و تحديد معدلات الفائدة المدارة . كما يسند هذا القانون خلق النقود الى معايير مظبوطة حتي لا تؤدي القروض الممنوحة للاقتصاد من طرف البنوك مستقبلا الى تضخم السيولة دون مقابل مادي ومن ثم ظهور الاختلال النقدي ( التضخم النقدي ) .

 

  • العلاقة بين البنك المركزي و الخزينة العممومية : اعتنى هذا القانون بتنظيم هذه العلاقة بين

 

الطرفين وذلك بتنظيمه لتغطية الذمم الغير مدفوعة ، الحد من تسبيقات البنك المركزي للخزينة العمومية خصوصا بعد رفع العبئ عنها تدريجيا فيما يتعلق بتمويل الاقتصاد.و يخول هذا القانون للخزينة العمومية امكانية الحصول على الموارد المالية التي تحتاجها بالتصرف عن طريق اصدارها لاذونات الخزينة او سندات التجهيز مع امكانية مشاركتها في السوق النقدي . 

 

     من خلال ما سبق يظهر جليا رغبة السلطات الجزائرية في تفعيل الوساطة المالية وكذا منح الاستقلالية للبنك المركزي الجزائري باعتباره منظما نقديا و ماليا و منفذا للمخطط الوطني للقرض . ولكن هذه المحاولة للاصلاح و كسابقاتها ظلت حبرا على ورق اكثر منها تطبيقا فعليا في الواقع وذلك بسبب التطبيق السيء لهذه الاصلاحات و ما انجر عنها من فوضى عارمة في الاقتصاد الزمت اعادة النظر من جديد في الميكانيزمات المالية للاقتصاد الجزائري خلال مرحلة التسعينيات كما سنراه لاحقا .

 

     وعلى العموم و تلخيصا لما سبق طرحه لحد الان وبعد اطلاعنا على المراحل التطورية المختلفة من عمر النظام المصرفي الجزائري خلال هذه الفترة ما قبل التسعينيات اتضح لنا جليا ان البنك المركزي الجزائري  لم تعط له الاستقلالية في الواقع  التي تمكنه من تحديد السياسة النقدية بالرغم من ان ذلك كان واردا في النصوص التشريعية . فهذا البنك لم يلعب دروه الا كقاعدة خلفية لتمويل الخزينة العمومية المسيطرة على النظام المالي و النقدي الجزائري منذ الاستقلال . ومن ثم غابت ملامح التفرقة بين السياسة النقدية و السياسة المالية للدولة .

 

في هذا الصدد يثار الى ذهننا التساؤل حول مدى انعكاس او تاثير هذه الوضعية التي عاشها النظام المصرفي الجزائري عموما و البنك المركزي على وجه الخصوص على دور و مميزات و من ثم على فعالية السياسة النقدية في تحقيق الاستقرار النقدي في هذه المرحلة 

 

المحور الثاني : : دور و مميزات السياسة النقدية في الجزائر خلال مرحلة الاقتصاد المخططو الموجه .

 

     تبعا للوضعية السابقة للنظام المصرفي الجزائري فان السياسة النقدية لم تظهر بمعناها الحقيقي و المستقل. فهي لم تكن واضحة المعالم ، بسبب خضوعها بصفة كلية للخطة المادية. ومن ثم تميز التنظيم النقدي بتسيير اداري خاضع للسلطة الحكومية و اجهزتها و الذي يتجلى من خلال التدخل الاداري في تثبيت معدلات الفائدة عند مستويات منخفظة، اصدار مكثف للنقود دون مقابل بهدف تغطية احتياجات المؤسسات العمومية التي كانت تعاني من اختلالات داخلية ناتجة عن المشاكل المالية المختلفة التي كانت تتخبط فيها بسبب القيود التاسيسية  و الهيكلية التي فرضت عليها. و من ثم انفصل عرض النقود عن النشاط الاقتصادي تماما. في هذه الظروف تم توجيه السياسة النقدية من طرف البنك المركزي عن طريق اسلوب مباشر تمثل في تاطير القروض كحل افضل لتحقيق الاستقرار النقدي و الاقتصادي. ويمكن توضيح ذلك بدراسة تطور الحالة النقدية في الجزائر التي ستسمح لنا بالوقوف على مميزات و طبيعة السياسة النقدية خلال هذه المرحلة .

 

I – تطور الحالة النقدية من 1962 الى 1990

 

   يمكننا دراسة الحالة النقدية للجزائر خلال هذه المرحلة بتحليل تطور المتغيرات التالية :

 

  • §        تطور المؤشر العام لاسعار الاستهلاك      

 

   ان من اهم مميزات هيكل النقود في الجزائر في هذه الفترة المعنية، غياب سياسة اسعار بمعنى الكلمة و التي تاخذ في اعتبارها الاجور ، تكاليف الانتاج و شروط توازن الهيكل المالي للمؤسسات. فاسعار سلسلة كبيرة من المنتجات الضرورية كانت تحدد من طرف الدولة و في نفس الوقت كانت تدعم من قبلها، و ذلك سعيا منها للدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين.فالاسعاراذن لا تعكس حقيقة القيم فهي اسعار وهمية ) pseudo-prix  (تظاف الى حالة الندرة في السلع و الخدمات. هذه الحالة الت الى ظهور نظام موازيun système parallèle    و الذي وجد كل مدعماته في الاختلالات التي نتجت عن التغيرات الهيكلية الكبيرة سواءا الاقتصادية منها او الاجتماعية و الذي كان ينشط خارج اطار مراقبة الدولة. هذا النظام الغير رسمي مارس تاثيراته على مختلف المتغيرات النقدية و نخص بالذكر الاسعار، حيث خلق هذا النظام ضغطا كبيرا على تطورها، مس قيمة المنتجات المختلفة وهو ما يظهر جليا من خلال الاحصائيات التي تظهر ارتفاعا محسوسا في المؤشر العام لاسعار الاستهلاك من 16.6في 1969 الى85.7 في سنة 1989  أي بمعدل نمو متوسط يعادل 8.1 %. اما بشان التغير في هذا المؤشر العام والذي يعبر عن التضخم فانه شهد اعلى مستوياته خلال هذه المرحلة حيث بلغ  معدل التضخم في السبعينيات مثلا  8.1 %سنة 1975 ليرتفع الى 11.3% سنة 1979 . الا ان هذا المعدل عرف بعض الانخفاض خلال الثمانينيات حيث قدر ب 15.1% سنة 1981 لينخفض بعد 1986 خصوصا بعد الانهيار في اسعار البترول الى 9.3 % سنة 1989 . 

 

  • §        تطور الكتلة النقدية

 

     ان استراتيجية الجزائر المتميزة بسياسة استثمارية توسعية هامة تطلبت عرض معتبر للنقود ،

 

      وعليه شهد الاصدار النقدي منذ الاستقلال ارتفاعا متصاعدا بانتقاله  من 4.10 مليار دج سنة 1962، الى  308.1 مليار دج سنة 1989.  و التعمق اكثر في طبيعة الاصدار النقدي في الجزائر سمح لنا بتحديد الفترات التطورية التالية:

 

الفترة من 1962 الى 1970 شهدت تضاعف الكتلة النقدية فقط ب 3 مليار دج في حين تسارع تضاعف هذا الحجم الى اكثر من 10 مليار دج طيلة الفترة 1970-1982 و هذا راجع للتخطيط المالي للاقتصاد الذي لعب دوره في تحفيز الاستثمارات عن طريق التوسع النقدي .

 

تظهر الاحصائيات استمرار تزايد الكتلة النقدية بمرورها من 227.02 مليار دج سنة 1986 الى 308.1 مليار دج سنة 1989 أي تضاعف حجمها بمقدار 1.3 مليار دج طيلة فترة الاصلاحات الاقتصادية 86 – 89  ، الا ان هذه الزيادة في الكتلة النقدية لم تكن مفرطة مقارنة بالفترة السابقة و هو ما تشير اليه معدلات النمو  التي اظهرت انخفاض في مستواها . فالفترة السابقة 62-85  عرفت معدلات تغير مرتفعة تراوحت بين 6.49 %  و 35.28 % في حين تراوحت هذه المعدلات طيلة الفترة الاخيرة بين1.4  %  و 13.6 % .هذا الانخفاض في الواقع هو نتيجة لانخفاض اسعار البترول الذي انعكس على تطور الموجودات الخارجية ( العملات الصعبة ) .

 

      مما سبق نستنتج ان سياسة الاصدار النقدي في الجزائر كانت خاضعة خلال هذه الفترة للسياسة التنموية التي انتهجتها البلاد ، و التمويل الراسمالي لاستثمارات القطاع العمومي. وعليه كان اصدار النقود مكثفا و بدون مقابل. 

 

      اما بشان مكونات الكتلة النقدية فقد احتلت النقود الائتمانية الحصة الاكبر من الكتلة النقدية خلال السنوات الاولى من الاستقلال بحصة 55 % . الا انه ابتداءا من 1966 اصبحت للنقود الكتابية الحصة الاكبر بنسبة 51 % لترتفع هذه النسبة طيلة السبعينيات أي بعد الاصلاح المالي  الذي اقر كما ذكرنا سابقا دعم تمويل البنوك للمؤسسات العمومية بعد اجبار هذه الاخيرة تسديد نفقاتها و تحويل عملياتها عن طريق البنوك و هذا بهدف اساسي هو رفع مستوى خزينة البنوك و تشجيع استعمال النقود الكتابية على حساب النقود الائتمانية. وعلى مستوى النقود الكتابية تجدر الاشارة ان الودائع تحت الطلب هي التي كانت شائعة على حساب الودائع لاجل .

 

      ان تحليل المسار التطوري للكتلة النقدية لا يمكنه ان يكتمل الا بعد ربط هذا التطور بمستوى الانتاج في الاقتصاد . فحتى يحقق الاصدار النقدي نتائجه الايجابية لابد من ان يساير الاصدار النقدي الاصدار العيني – الانتاج-  في الاقتصاد.

 

ففي هذه المرحلة تشير الاحصائيات ان التزايد في الكتلة النقدية اكبر من التزايد في الناتج الداخلي الخام . فعندما تضاعف مقدار الاصدار النقدي بحوالي 77 مليار دج ما بين 1963 و 1989،او ما يعادل معدل نمو متوسط 18 %،لم يتضاعف الناتج الداخلي الخام الا بحوالي 30 مليار دج خلال نفس الفترة و بمعدل نمو متوسط لا يتعدى 14 % . هذا الفارق يؤكد حقيقة هامة وهي ان الزيادة في الكتلة النقدية لا تجد مقابلها في سوق الانتاج و من ثم وجود اصدار نقدي وفير و لكنه غير فعال لانه لم يوجه لرفع مستوى الانتاج و انما كان سببا مباشرا في ظهور الضغوطات التضخمية. فالنقود اذن هي غير انتاجية في هذه الفترة و من ثم هناك اختلال نقدي. هذه الحالة من الاختلال في التسيير النقدي يؤكدها ارتفاع السيولة في الاقتصاد من 0.30  سنة 1963 الى0.78  سنة  1989و لو انها تبقى اقل مقارنة مع سنة 1988. في هذا الاطار نشير ان سنة 1989 شهدت تحسنا في التسيير النقدي للاقتصاد حيث ابتداءا من هذه السنة و خصوصا بعد عقد الاتفاق مع الصندوق النقدي الدولي الذي حصر الازمة في المجال النقدي، بدا الاقتصاد الوطني يعرف تدريجيا طابعا نقوديا و بدات السلطات تسعى لتحقيق الاستقرار النقدي. اما عن سرعة تداول النقود عرفت تراجعا محسوسا يكشف عن ظاهرة الاكتناز التي بدات تدب في الاقتصاد الوطني و هذا بسبب ميل الناس الىاكتناز اموالهم ) نقود و ذهب ( بدل توظيفها لعدة اسباب اهمها، التمسك بعقيدتهم الدينية و هو ما يوحي به تباطؤ الادخار كذلك كما سبق رؤيته.

 

وتجدر الاشارة ان هذا الافراط في الاصدار النقدي يرجع خصوصا الى الارتفاع الكبير في القروض المقدمة للاقتصاد و التي شكلت الحصة الاكبر من الكتلة النقدية مقارنة المقابلات الاخرى لها و المتمثلة في الاصول الخارجية و القروض المقدمة للخزينة العامة .

 

فنسبة الموجودات الخارجية بالنسبة للكتلة النقدية لم تمثل سنة 1964 الا نسبة 16.9%  لتنخفض هذه المساهمة تدريجيا الى،5.5%  سنة 1985، 3.2 %  سنة 1986 ، لتصل في سنة 1989 الى  1.7 % . وهي مساهمة ضعيفة .اما بالنسبة لمساهمة القروض المقدمة للخزينة في تغطية الكتلة النقديةمثلت نسبة 35.1 % سنة ،1964 لترتفع مساهمتها نوعا ما سنة 1989 الى 42.13% . ومن ثم فان هذا المقابل تبقى مساهمته كذلك قليلة في تغطية الكتلة النقدية مقارنة مع القروض المقدمة للاقتصاد .

 

و عن مساهمة القروض للاقتصاد في تغطية الكتلة النقدية فانها تظهر اكبر مقارنة مع الاجزاء الاخرى حيث مثلت نسبة هذه القروض من مجموع الكتلة النقدية حوالي 47.89 % سنة 1964 لترتفع الى56.1 % سنة 1989 . وتجدر الاشارة الى ان الحصة الاكبر من هذه القروض كانت موجهة للمؤسسات العمومية التي كانت تلجا لطلب متزايد للقروض من اجل تمويل استثماراتها.

 

  • §    تطورمعدلات الفائدة :  

 

معدلات الفائدة بلغت 3.75 % من 1963 الى 1971 لتنخفض بعدها الى 2.75 % من 1972 الى 1986 وهو ما يوحي بوضوح التحديد الاداري لهذه المعدلات من قبل الدولة . الا انه خلال اصلاحات الثمانينات وبتبني النظام الجديد للانتقال نحو اقتصاد السوق سارعت الدولة الى تحرير الاسعار تدريجيا بما فيها اسعار الفائدة لترتفع تبعا لذلك الى 5% خلال سنتي 1987 و 1988 و 7 % سنة 1989 .

 

و  ما يلاحظ على هذه المعدلات هو ان تحديدها الاداري جعلها عاجزة عن لعب دورها في تحفيز الادخارات، و توجيه القروض وفق معايير التكلفة و المردودية . فهذه المعدلات لم يكن بامكانها حتى تغطية معدل التضخم الرسمي لان مستوياتها تظهر منخفضة مقارنة مع معدلات التضخم المسجلة خلال نفس الفترة محل الدراسة .كما  تجدر الاشارة الى ان معدل اعادة الخصم تم تثبيته اداريا كذلك حيث بقي هذا الاخير ثابتا في الفترة الممتدة من 1972 الى 1986 بمعدل 2.75 %  في حين لم يتعد قبل ذلك 2.5 % .

 

II – مميزات السياسة النقدية خلال هذه المرحلة

 

ان الوضعية النقدية التي عرفها الاقتصاد الوطني خلال هذه المرحلة من الاقتصاد المخطط و الموجه توحي بوضوح الى ان السياسة النقدية خلال هذه المرحلة وضعت كلية في خدمة اهداف الخطة المادية في اطار استراتيجية التنمية المتبعة. فالسلطة النقدية لم تكن تتمتع بصلاحياتها لانها كانت خاضعة لسلطة الحكومة التي تدخلت في فرض رقابتها على المتغيرات النقدية المختلفة و توجيهها وفق ما يضمن تلبية حاجات الاقتصاد من السيولة دون أي اعتبار للاستقرار النقدي . كما ان توجيه السياسة النقدية كان وفق اساليب مباشرة لا دور لقوى العرض و الطلب فيها خصوصا بعد التحديد الاداري لمعدلات الفائدة بما فيها معدلات اعادة الخصم للبنك المركزي.   

 

      هذا الوضع دفع بعض الاقتصاديين الجزائريين امثال )( A.Henni (23)  الى اعتبار النقود حيادية بما انها لم تلعب دورها في تحقيق الاستقرار النقدي وهو ما يثبته توهج معدلات التضخم خلال هذه الفترة اظف الى ذلك انها لم تعتبر  كوسيلة لخلق راس المال و لكن فقط كوسيط يسمح بحساب كميات رؤوس الاموال المحصل عليها بفضل التحويل النقدي للبترول.

 

ومن ثم فان السياسة النقدية في الجزائر خلال هذه الفترة تغلب عليها مميزات التنظيم النقدي في اقتصاد المديونية(24) اين التنظيم النقدي يفضي وبكل بساطة الى تحديد كمي للقرض لضمان تمويل المؤسسات . فالوسيلة المفضلة لمراقبة الكلتلة النقدية هي تاطير القروض . وعليه فانه يمكننا ايجاز مميزات السياسة النقدية في هذه الفترة كمايلي:

 

  • التثبيت الاداري لمعدلات الفائدة عند مستويات دنيا
  • تسيير نقدي اداري لين يوحي بالخضوع التام للسلطة النقدية الى السلطة السياسية و اجهزتها
  • عرض نقدي خارجي غير مرتبط بالنشاط الاقتصادي وتابع كلية لرغبات القطاع العمومي
  • طلب القروض غير مرن لمعدلات الفائدة
  • الدور المهم للبنك المركزي في تمويل الخزينة العمومية و اعادة تمويل البنوك وهذا في ظل غياب السوق النقدي
  • تاطير القروض هو الاسلوب المفضل لتنظيم النشاط النقدي للبنوك .

 

المحور الثالث : وضعية الجهاز المصرفي ( البنك المركزي) خلال المرحلة الانتقالية نحو اقتصادالسو

 

     ان التوجه الجديد للاقتصاد الجزائري تدعم باعادة النظر من جديد في اصلاح النظام المصرفي بصدور قانون النقد و القرض في 14 افريل 1990 الذي جسد تلك الارادة الملحة للخروج من الازمة التي حصرتها السلطات المعنية في المجال النقدي. ومن ثم كان الهدف الاساسي من هذا القانون الجديد تسطير الاساليب و الاجراءات الواجب اتباعها في اطار السياسة النقدية لاعادة الاستقرار للاقتصاد الوطني و الذي لايتحقق الا بالانتقال من التمويل عن طريق المديونية و التضخم الى التمويل عن طريق الادخار و السوق من خلال ابراز مكانة و دور بنك الجزائر بعد اعادة الاعتبار له كسلطة نقدية . فهذا التنظيم الجديد اسس الاعضاء و الادوات و الميكانيزمات الضرورية لارساء قواعد تنظيم نقدي و بنكي جديد يتوافق مع مقومات الاقتصاد الحر(25) .

 

 

  I - اعضاء التنظيم النقدي les organes de la régulation monétaire :

 

 

    لقد تمكن الاصلاح التسعيني الجديد من التسوية النهائية لمشكل السلطة النقدية، ووحدتها و استقلاليتها النسبية، كما وضع نهاية للاشفافية التي ميزت الفترة السابقة، حيث ان مسؤولية الدفاع عن قيمة النقود الوطنية سواءا علي المستوى الداخلي او الخارجي انيطت الي السلطة الوحيدة التي تجسدت في بنك الجزائرباعتباره  مؤسسة وطنية تتمتع بالشخصية المدنية و الاستقلال المالي. و هو عضو تنفيذي مكلف بالمهمة العامة للسهر علي النقود ، القرض و الصرف و لذلك فهو يعتبر قمة الجهاز المصرفي باعتباره المقرض الاخير و بنك الاصدار الوحيد علي المستوى الوطني و من ثم فهو المشرف الاول و الاخير علي تسيير السياسة النقدية في الجزائر.  و لذلك فان قانون النقد و القرض يكلف البنك بتنظيم التداول النقدي، توجيه و مراقبة توزيع القرض ، السهر علي التسيير الافضل للتعهدات الخارجية و تنظيم مختلف الاسواق بما فيها السوق النقدي، سوق القرض، و سوق الصرف.

 

 

    اما عن ادارة و مراقبة بنك الجزائر و بموجب قانون النقد و القرض ، هي مضمونة علي الترتيب من طرف المحافظ و نوابه الثلاث، مجلس النقد و القرض و مراقبان .

 

 

ولعل ما يثير الانتباه هو مجلس النقد و القرض فهو يعتبر مظهرا بارزا من مظاهر الاصلاح التسعيني للجهاز المصرفي و ذلك باحداثه تغيرا جذريا علي مستوى هيكل ادارة البنك المركزي و ذلك نظرا للمهام و السلطات التي انيطت به فبالاضافة الي كونه مجلس ادارة البنك فهو يعتبر كذلك بمثابة السلطة النقدية في البلاد.(26).

 

 

  • §    مساهمة مجلس النقد و القرض كمجلس لادارة البنك المركزي

 

 

ان مجلس النقد و القرض بصفته مجلسا لادارة البنك يتمتع بصلاحيات كثيرة و سلطات متنوعة يمارسها علي نقس هذا البنك تتجلي باحداثه لبعض الهياكل الاستشارية و سلطة التنظيم العام و سلطة الموافقة و الاصدار للانظمة ، سلطة مباشرة بعض التصرفات و سلطة الترخيص في المصالحات و المعاملات ، سلطة التحديد لبعض الامور كتحديده كل سنة لميزانية البنك المركزي و ادخال تعديلات كثيرة عليها يعتبرها ضرورية. للمجلس الحق في ابداء رايه بالموافقة او الرفض بشان التقرير السنوي المقدم من طرف محافظ البنك الي رئيس الجمهورية . هذا المحافظ الذي يلزمه القانون باطلاع المجلس علي كل الامور الخاصة بالبنك ، و بما ان البنك كما نعلم مؤسسة كغيرها من المؤسسات الاخرى ، قد تحقق ارباحا و قد تحقق خسائر فان المجلس يلعب دوره في توزيع هذه الارباح .

 

 

  • §      مساهمة مجلس النقد و القرض كسلطة نقدية

 

 

في هذا الصدد يعمل المجلس علي تحقيق المهام الخاصة بالبنك المركزي(27) و اصدار انظمة مصرفية تخص:اصدار النقود ،مقاييس و شروط عمليات البنك المركزي خصوصا التي تشمل الخصم ، المنحة

 

 la pension   و رهن السندات ) les effets  ( العمومية و الخاصة و العمليات علي المعادن النفيسة و العملات الصعبة ،اهداف تطوير مختلف مكونات الكتلة النقدية و حجم القرض،اصدار انظمة مرتبطة بغرفة المقاصة،شروط فتح البنوك و المؤسسات المالية و شروط اقامة شبكاتها و فروعها،شروط الفتح بالجزائر لمكاتب تمثيلية للبنوك و المؤسسات المالية بالجزائر،النظم و القواعد المحاسبية التي تطبق علي البنوك و المؤسسات المالية خصوصا المتمثلة في تغطية و توزيع المخاطر و السيولة،حماية زبائن البنوك و المؤسسات المالية خصوصا في الجانب المتعلق بالعمليات مع الزبائن،واخيرا مراقبة و تنظيم سوق الصرف.

 

 

كما ان المجلس بامكانه اتخاذ قرارات فردية  تخص الترخيص بانشاء البنوك و المؤسسات المالية الجزائرية و تعديل هذه الترخيصات و الرجوع عنها،الترخيص بفتح مكاتب تمثيلية للبنوك و المؤسسات المالية الاجنبية،تفويض الصلاحيات بشان تطبيق نظام الصرف،

 

 

كما سعى قانون النقد و القرض الى دعم الرقابة على عمليات البنوك المختلفة بالنص على تاسيس لجنة الرقابة المصرفية (28)..  حيث  كلفت اللجنة المصرفية بعد تاسيسها بمراقبة حسن تطبيق القوانين و الانظمة التي تخضع لها البنوك و المؤسسات المالية و بالمعاقبة علي المخالافات التي يتم اقترافها . تفحص احكام هذا القانون يوحي بالدور الكبير المخول للجنة فيما يخص مراقبة شروط

 

الاستغلال للبنوك و السهر علي حفظ نوعية او جودة حالاتها المالية و كذا احترام قواعد التوجه

 

و التسيير الصحيح لمهمتها.   اما بشان العلاقة بين اللجنة و بنك الجزائر فان هذه الاخيرة تلعب دورها في مراقبة و فرض احترام القواعد الاحترازية les règles prudentielles(29).المحددة من طرف بنك الجزائر على البنوك . كما ان البنك المركزي من جهته هو مكلف و لحساب اللجنة البنكية بتنظيم المراقبة و تطبيقها على البنوك فورا من خلال وساطة متعامليه .

 

 

II- اجراءات و ادوات التنظيم النقدي

 

 

    ان التنظيم النقدي وفق قانون النقد و القرض ، لم يات الا من اجل المحافظة على الصحة الجيدة للقطاع البنكي و الحد من الضغوطات التضخمية التي اجتاحت الاقتصاد الوطني لغاية السنوات التسعينية . و   تظهر ادوات و ميكانيزمات التنظييم النقدي جليا من خلال الصلاحيات التي يخولها القانون لبنك الجزائر و ذلك للتدخل في تنظيم كافة الجوانب النقدية خصوصا بعد استرجاعه لمفهومه كبنك للبنوك و كمقرض اخير و كمشرف اول على السياسة النقدية .

 

و يمكننا حصرهذه الاجراءات و الادوات النقدية الجديدة  في المحاور الاساسية التالية :

 

 

1-اصدار النقود :

 

 ان البنك المركزي يتكفل بالاصدار المجاني للنقود الائتمانية كما انه يشرف على مراقبة و تنظيم  النقود الكتابية.اصدار هذه النقود لا يمكن ان يتم الا في اطار شروط التغطية المحددة وفق قانون 90/10 و المتضمنة : السبائك و النقود الذهبية lingots et monnaies d'or  ، العملات الاجنبية devises étrangères ،اذونات الخزينة الجزائرية bons du tresor algerien  ، السندات القابلة لاعادة الخصم effets en reescompte  .  ان هذه الشروط توحي بانقضاء عهد خلق النقود دون مقابل بل ان مقابل الكتلة النقدية اصبح حقيقيا و ليس وهميا .

 

 

2- العمليات على الذهب و العملات الصعبة:

 

ان البنك المركزي بامكانه انجاز كل العمليات على الذهب و الذي  في الحقيقة يبقى ملكا للدولة ، و لذلك فكل هذه العمليات ستكون لحساب الخزينة التي تاخذ الارباح و تتحمل الخسائر المحتملة . كما يخول نفس القانون  للبنك المركزي حق ممارسة كل العمليات على العملات الصعبة .

 

 

3- اعادة تمويل البنوك و المؤسسات المالية عن طريق اعادة الخصم

 

ان البنك المركزي يمكنه ان يعيد الخصم للبنوك و للمؤسسات المالية لفترات لا تتجاوز 6 اشهر على الاكثر او الاخذ لاجلprendre en pension  الاوراق التجارية ) السندات les effets   (  التي تم خلقها لتمثيل الاعتمادات للمدى المتوسط. عمليات اعادة الخصم ، يمكن اعادة تجديدها و لكن لفترة لا تتعدى 3 سنوات . كما ان الترخيص بممارسة عملية اعادة الخصم لا يمكنه ان يكتمل الا في اطار الشروط المنصوص عليها و تبعا للاهداف المحددة من طرف مجلس النقد و القرض  .

 

 

اما فيما يتعلق بمنح القرض و في اطار هذا التنظيم التسعيني اصبح بامكان البنك المركزي منح تسبيقات لا تتعدى السنة على النقود و السبائك الذهبية    و كذا التسبيقات على العملات الاجنبية حسب الاساليب و الانماط المحددة من طرف مجلس النقد و القرض . و بما ان البنوك تكفلت من الان فصاعدا بتكوين محافظ مالية )  éligibles (  فانه في حالة عدم كفايتها يمكن لبنك الجزائر ان يمنح لها قروض في حساب  جاري لمدة لا تتعدى سنة . هذه القروض يجب ان تكون مضمونة من خلال اخذ رهون ) des gages  (  على اذونات الخزينة الجزائرية ،على الذهب و العملات الاجنبية او على سندات قابلة للخصم .

 

 

4- تنظيم السوق النقدي(30). : )  la reglementation du marche monetaire  (

 

تم انشاء السوق النقدية في الجزائر سنة 1989 حيث كان مفتوحا فقط للبنوك التجارية في حين كان البنك المركزي مجرد وسيط بسيط في هذا السوق ليس له الحق في فرض أي معدلات على البنوك و المؤسسات المالية الاخرى  ، غير ان قانون 90/10 يتيح للبنك المركزي فرصة التدخل في هذا السوق . و بالخصوص عن طريق شراء و بيع السندات العمومية  )  des effets publics   (  التي لديها اقل من 6 اشهر ، و السندات الخاصة القابلة لاعادة الخصم بشرط ان لا يتجاوز المقدار الاجمالي الحالي للعمليات المختلفة على السندات العمومية من قبل البنك المركزي 20 % من قيمة الايرادات العادية )   des recettes ordinaires (  للدولة المسجلة خلال السنة الميزانية المنصرمة . ان الهدف من هذا التنظيم هو منح للسوق النقدي دورا مركزيا في اعادة صياغة سيولة البنوك و خصوصا بهدف تحفيز مؤسسات القرض على الاحاطة بتنبؤات خزينتها.

 

 

ثم توسع السوق النقدي تدريجيا بعد سنة 1990 نحو المؤسسات المالية ، و بعدها  نحو المستثمرين التاسيسيين )  les investisseurs institutionnels  (  بالنسبة لصناديق التقاعد و الضمان الاجتماعي بشركات التامين و التعاونيات )  les mutuelles  (  فانه لا يمكنها ان تتمثل في هذا السوق الا في وضعية مقرضة و هذا بهدف تلبية احتياجات البنوك من السيولة و التي هي في وضعية مستمرة كطالبة . و في مرحلة موالية شهد السوق النقدي انفتاحا نحو بعض المؤسسات الصناعية

 

و التجارية . و بموجب التعليمة  )  instruction  ( الصادرة من طرف بنك الجزائر في 22 افريل 1995 فانه يستخدم عدة اجراءات لتنظيم السوق النقدي تتجلي في: الاخذ لاجل بالنسبة للسندات العمومية او الخاصة  la prise en pension d'effets publics ou privés     ، مزايدة القرض من خلال المناداة للعرض Appels d’offres  ، عمليات السوق المفتوحة و التدخل اليومي بهدف الاشراف على تنظيم السوق .  و الي جانب البنك المركزي تنص التعليمة علي ان الخزينة العمومية يمكنها التدخل في السوق النقدي بالاصدار عن طريق المناقصة لاذونات الخزينة ) ( les bons de trésor  في الحساب الجاري .

 

 

5- التسبيقات الممنوحة للدولة من طرف بنك الجزائر:

 

  بموجب المادة 78 من قانون النقد و القرض فانه علي اساس تعاقدي و في اطار الحد الاقصي للايرادات العادية للدولة المسجلة خلال السنة الميزانية السابقة و المقدر ب 10 % فان البنك المركزي يمكنه ان يمنح للخزينة مكشوفات )  des découverts  ( في الحساب الجاري اين المدة الاجمالية لا يمكنها ان تتعدي 240 يوما متتابعة او غير ذلك خلال السنة المرجعية . ان المكشوفات المرخصة تعطي مجالا لتحصيل عمولة تسيير حيث ان المعدل و الاساليب محددة من طرف مجلس النقد و القرض و باتفاق مع الوزير المكلف بالمالية . ان هذه التسبيقات يجب ان تسدد قبل نهاية كل سنة . عموما فان البنك المركزي هو العون المالي للدولة من اجل كل العمليات الخاصة بالصندوق ، بالبنك و القرض .

 

 

6- البنوك و المؤسسات المالية

 

لقد سعى قانون النقد و القرض في هذا الاطار الى تحديد طبيعة العلاقة بين بنك الجزائر و البنوك و المؤسسات المالية كما عمل على تنظيم هذه المؤسسات فيما بينها.فوفقا لهذا  القانون فان بنك الجزائر يمكنه انجاز كل العمليات البنكية مع البنوك و المؤسسات المالية العاملة في الجزائر و كذا مع كل بنك مركزي خارجي . كما له الحق في تحديد المقاييس و الاجراءات المطبقة علي البنوك و المؤسسات المالية .في هذا الاطار فان قانون النقد و القرض يرخص لبنك الجزائر التدخل في حماية المودعين و ذلك عن طريق تنظيم عرض القرض و عقلنة شروط و اجراءات تخصيص الموارد.

 

 

بموجب المادة 92 فان البنك المركزي يعمل علي تحديد كل المعايير الواجب احترامها باستمرار من طرف كل بنك و بالخصوص تلك المتعلقة ب : النسب بين الاموال الخاصة و الالتزامات ،نسب السيولة ،النسب بين الاموال الخاصة و التسبيقات لكل مدين،النسب بين الودائع و التوظيفات ،استعمال الاموال الخاصة ،توظيفات الخزينة، الاخطار بشكل عام .  ان هذه المعايير تندرج في مجملها في اطار التنظيم الحذر  la règlementation prudentielle  الذي يسمح بضمان حراسة و متابعة تكوين الاصول البنكية بالعلاقة مع هيكل خصومها الي جانب ذلك هذه النسب الحذرة les ratios prudentiels     تسمح بتوقع مخاطرعجز و انحطاط البنوك و ضمان الاستمرارية و الصحة الافضل للبنوك بفضل المساهمات في الاموال الخاصة و المخصصات في المؤونات و بذلك فانها تسمح بتنظيم القرض.

 

 

 اما المادة 93 من نفس القانون فانها تتمحور حول تنظيم حجم القرض ، حيث ان البنك المركزي يمكنه ان يطالب البنوك بان توظف من قبله في حساب مجمد بفائدة او بدونها احتياط محسوب سواءا علي مجمل ودائعها او علي صنف من هذه الاخيرة او علي مجمل توظيفاتها او علي صنف من هذه الاخيرة بصفتها نقود وطنية او نقود اجنبية . ان هذه الاحتياطات اطلق عليها بالاحتياطات الاجبارية و التي تعتبر كاداة تدخل جديدة و معدل هذه الاحتياطات لا يمكنه ان يتجاوز مبدئيا 28 % من المجاميع المعتبرة كاساس للحساب . كذلك بامكان البنك المركزي تحديد معدل اعلي لهذه الاحتياطات في حالة الضرورة التي تكون قانونيا مبررة. ان هذه الاداة الجديدة للتنظيم النقدي تلعب دورها في المحافظة علي صحة البنوك حيث ان كل نقص في مستوى هذه الاحتياطات الاجبارية يعرض البنك الي الزام يومي يعادل 1 % من هذا النقص يتابع من طرف البنك المركزي .  في هذا الاطار و حسب ما تقره المادة 94 فان البنك المركزي يمكنه اجبار البنوك التي يمولها ، و بالاضافة الي الحسابات السنوية، تقديم : تقارير عن الحالات الشهرية المفصلة و التي توضح اصول و خصوم الميزانية ، الاعمال خارج الميزانية الي جانب مصاريف و منتجات الاستغلال ،نتائج و حسابات الاستغلال السداسية ،كل المعلومات الاحصائية . و انطلاقا من هذه الوثائق يعمل بنك الجزائر علي تفحص حالة البنوك و من ثم يصبح بامكانه تحديد الشروط الواجب توفرها للمسيرين و المشرفين علي تاطير البنوك و المؤسسات المالية .

 

 

كما يشرف بنك الجزائر ووفقا للمادة  89 من قانون النقد و القرض بتنظيم و تمويل و غلق غرف المقاصة لكل وسائل الدفع الكتابية او الالكترونية و هو يضمن تسييرها . في حين ان مصاريف هذه الغرف تتحملها البنوك و المؤسسات المالية .ولا يقتصر دور بنك الجزائر علي تنظيم العلاقات بينه و بين البنوك و المؤسسات المالية  فحسب بل يمتد دوره وفق قانون النقد و القرض الي تنظيم العمليات بين هذه البنوك و المؤسسات المالية مع زبائنها . فبموجب المادة 96 من نفس هذا القانون فان البنك المركزي يمكنه تنظيم هذه العلاقة و بالخصوص فيما يتعلق بفتح الحسابات الدائنة l’ouverture des comptes créditeurs   و الضمانات المقبولة بالنسبة للتسبيقات و القروض.

 

 

اما عن تنظيم هذه المؤسسات(31). فبموجب المادة 110 من نفس القانون من قانون النقد و القرض فان البنوك تعتبر اشخاصا معنوية تشمل عملياتها استقبال اموال الجمهور وعمليات القرض الي جانب تقديم وسائل الدفع للزبائن و تسييرها.اما المؤسسات المالية تعرفها المادة 115 بانها اشخاصا معنوية تكمن مهمتها العادية و الرئيسية في القيام بالاعمال المصرفية ما عدا تلقي الاموال من الجمهور، أي ان هذه المؤسسات تقوم بمهام الاقراض علي غرار البنوك و مصدر هذا راسمالها و مدخرات الجمهور في الصندوق الوطني للتوفير و الاحتياط و الموصوفة بالودائع لاجل فهذه المؤسسات ليس بامكانها خلق نقود الودائع و ذلك بسبب طول اجال الادخارات المقدمة .

 

 

  و فيما يتعلق بعملية القرض في حد ذاتها فان المادة 112 تعرف عملية القرض علي انها كل عمل لقاء عوض يضع بموجبه شخص ما او يعد بوضع اموال تحت تصرف شخص اخر او ياخذ بموجبه و لمصلحة الشخص الاخر التزاما بالتوقيع كالضمان الاحتياطي ، الكفالة او الضمان .  اما وسائل الدفع فهي كل الادوات التي تسمح لكل شخص بتحويل الاموال باي اسلوب تقني مستعمل ) المادة 113  ( .

 

 

اضافة الي ذلك فانه بامكان البنوك و المؤسسات المالية انجاز عمليات اخرى تابعة لنشاطها و ذلك حسب المادة 116 من القانون قيد الدراسة ، حيث تتلخص هذه العمليات في : عمليات الصرف، العمليات علي الذهب و المعادن النفيسة ، توظيف ، اكتتاب ، شراء، تسيير و بيع القيم المنقولة و كل منتوج مالي و ذلك تشجيعا منه لتنويع مصادر تمويل المتعاملين الاقتصاديين خصوصا المؤسسات من خلال خلق السوق المالي. 

 

و في اطار هذا التنظيم التسعيني تجدر الاشارة الي ظهور مفهوم التاطير البنكي    l’encadrement bancaire    حيث يلعب بنك الجزائر دوره في هذا الاطار من خلال تنظيم التعاون بين البنوك الهادف اساسا الي حماية الزبائن و القائم علي اجراءات تساعد في ضمان اليسر المالي للبنوك . وكذا تنظيم التنافس البنكي  من خلال وضع البنوك في شروط تنافس السوق من اجل السماح بظهور خدمة بنكية ذات نوعية جيدة. يظهر محور التنافس جليا من خلال الاطلاع علي احكام قانون النقد و القرض التي تستبعد كل احتكار في النشاط البنكي من خلال عدم جعل أي مفارقة بين البنوك العمومية و البنوك الخاصة و كذا بين البنوك الوطنية و البنوك الاجنبية . وفي هذا الصدد اتاح هذا القانونإنشاء فروع لبنوك و مؤسسات مالية أجنبية ويعود منح التراخيص لمجلس النقد والقرض.

 

 

7- حماية المودعين و المقرضين :

 

سعيا منه لحماية المودعين و المقرضين و المحافظة علي سيولة و ملاءة البنوك و المؤسسات المالية ، ينص قانون 90/10 عن طريق المادة 159 علي ضرورة تقيد البنوك و المؤسسات المالية باحترام معايير التسيير الرامية الي ضمان سيولتها و ملاءتها اتجاه الغير و خصوصا اتجاه المودعين الي جانب تحقيق توازن هيكلها المالي . فهي ملزمة علي وجه الخصوص باحترام نسب تغطية و توزيع المخاطر)  les ratios de couverture et de division des risques    ( . عدم احترام هذه النسب يخضع البنك لعقوبات اللجنة البنكية.

 

 

في نفس هذا الاطار و بموجب المادة 160 يتكفل البنك المركزي بنفسه بتنظيم و تسيير مصلحة لمركزة المخاطر يطلق عليها بمركز المخاطر  )   centrale des risques ( الذي يشرف علي جمع اسماء المستفيدين من القروض ، طبيعة و سقف القروض الممنوحة ، المبالغ المحسومة و الضمانات المعطاة لكل قرض من جميع البنوك و المؤسسات المالية . ان مهمة هذا المركز هي تقدير الخطر بالنسبة للقروض الممنوحة داخليا و ليس له علاقة بالاخطار التي تتبع عمليات الصرف مع الخارج كما له دور في توفير المعلومات التي تساعد علي وضع سياسة نقدية موجهة  . اما مجلس النقد و القرض فانه يلعب دوره في اعداد التنظيمات التي توجه عمل مركز المخاطر و تمويله من طرف البنوك و المؤسسات المالية. و بعد قانون النقد و القرض اهتمت السلطات بتنظيم هذا الميكانيزم المتعلق بالتنبؤ بالمخاطر الناتجة عن التخصيص السيئ للقروض البنكية من خلال التنظيم )  le réglement  (  الصادر في مارس 1992 بهدف الحفاظ علي ضمان التوازن المالي للبنوك .

 

الي جانب مركز المخاطر  تجدر الاشارة الي ظهور ميكانيزم اخر عرف بمركزة الميزانيات   centrale des bilans    حيث يتمثل هذا الميكانيزم في جمع المعلومات حول الحسابات المختلفة للمؤسسات بهدف تقييم مخاطرها. 

 

 

8- التنظيم الجديد لمعدلات الفائدة :

 

ان سياسة معدلات الفائدة في الجزائر كانت لغاية سنوات 90 ملائمة و مناسبة اكثر لمنطق الاقتصاد المركزي فهي كما سبق و ان ذكرنا كانت محددة اداريا عند مستويات منخفضة دون مرجعية للتكاليف و ذلك بهدف جعل القروض اقل تكلفة و من ثم تحفيز الاستثمار الراسمالي .

 

 

منذ بداية سنة 1991 فان هذه المعدلات تم ضبطها نحو الارتفاع لكي تلعب دورها كمنظم للاختلالات الاقتصادية الكلية في اطار برنامج الاستقرار الاقتصادي المتبني من طرف السلطات الوطنية . في اطار هذا التنظيم اتبع البنك المركزي اجرائين :

 

 

  • ·  المعدلات المديرة او القائدة :  les taux directeurs 

 

    من اجل تنظيم سيولة الاقتصاد تدخل بنك الجزائر بداية من 1991 عن طريق المعدلات القائدة. تثبيت او تحديد هذه المعدلات يهدف الي تنظيم المعدلات بين البنوك و الذي يتجلي في تحديد معدلين: معدل ادني un taux plancher   يسمي بمعدل مناداة العرض taux d'appel d'offre   و معدل اعلي taux maximum يسمي taux de mise en pension  . ان تحديد هذه المعدلات يكون يوميا و لذلك فهي تشكل اداة اساسية لتوجيه السياسة النقدية نحو السوق فيما بين البنوك marché interbancaire   و الذي تجدر الاشارة الي تاسيسه في نهاية سنة 1995 و ذلك بعد مرحلة مرور الجزائر في اكتوبر 1994 من معدل الصرف الثابت الي معدل الصرف المرن و توسيع مجال قابلية تحويل الدينار    la convertibilité du dinar   بالنسبة لواردات الخدمات بعد اقرارها بالنسبة لواردات السلع.

 

 

  • ·    ميكانيزم المناقصات  des adjudications  

 

 ابتداءا من 1995 اصبح بامكان البنك المركزي اعادة تمويل البنوك التجارية عن طريق المناقصات ليدعم بذلك توجيه السياسة النقدية في البلاد عن طريق الادوات الغير مباشرة.

 

ان هذه المناقصات تهدف الي منح وزن اكبر لمعدلات الفائدة و ذلك بالسماح بتدخل كبير لقوى السوق و شفافية اكبر في توزيع الاعتماد. في هذا الاطار اعلن بنك الجزائر عن معدل ادني قبل تقديم العروض المتضمنة لمعدلات و احجام المبادلات من طرف البنوك ، حيث منح بنك الجزائر في الوهلة الاولي اعادة التمويل بمناقصة بسيطة   adjudication simple   ليتوجه في نهاية 1995 نحو اسلوب المناقصة الهولندية   adjudication à la hollondaise    و المتمثلة في تحديد معدل حدي متناقص و منح السيولة بمعدلات مقترحة فعليا من طرف البنوك .في نهاية 1996 مثلت اسلوب الاخذ لاجل     prises en pension   و المناقصات adjudications    حوالي النصف من حجم اعادات التمويل في حين كانت تمثل العشر في نهاية 1994 .

 

 

اما بالنسبة لمعدلات الفائدة الدائنة فقد تقرر تثبيتها فقط بالنسبة لاصحاب الحسابات الادخارية الخاصة وذلك بالمرجعية لمعدل السوق النقدي في حين ان معدلات الفائدة المدينة المطبقة على القروض الممنوحة للزبائن فنها تحدد وفقا للتكلفة المتوسطة للموارد المجمعة و التي في كل الاحوال لا يجب ان تتعدى المعدلات المدينة للبنك الجزائر .اذن فلقد اصبحت معدلات الفائدة في الجزائر خلال هذه المرحلة من التسعينيات تتمتع بالتحرير التدريجي وذلك بهدف تشجيع تعبئة الادخار الوطني و توجيهه نحو تمويل الاستثمار.

 

 

    فمن خلال كل ما سبق عرضه بشان قانون النقد و القرض يظهر جليا ان الاصلاح البنكي 90/10 وعلى خلاف الاصلاحات التي عرفها القطاع المصرفي سابقا ساهم و بشكل كبير في تحرير النظام البنكي من القيود البيروقراطية التي كانت مفروضة عليه سابقا مما يجعله شريكا ديناميكيا موثوقا فيه لتمويل الاقتصاد الجزائري و السير به نحو اقتصاد السوق .

 

 

III – تعديلات قانون النقد و القرض (32)..

 

 

إثر صدور قانون النقد والقرض بدأ إنفتاح القطاع المصرفي تجاه القطاع الخاص الوطني والأجنبي يتسارع وخصوصا بعد 1998 سنة إنتهاء إنجاز برنامج التعديل الهيكلي وفي نهاية 2001 أصبح القطاع المصرفي الجزائري يتكون من 26 بنك ومؤسسة مالية عمومية وخاصة ومختلطة معتمدة من مجلس النقد والقرض , بالاضافة إلى بنك الجزائر والخزينة العمومية والمصالح المالية للبريد والموصلات .

 

ورغم أن البنوك العمومية الوطنية الستة بقيت تهيمن على القطاع حيث يتجمع لديها مايقارب 90% من الموارد وتمنح 95% من القروض الا ان البنوك الخاصة في الجزائر سرعان ما اثبتت وجودها و احتلت موقعها في تمويل الاقتصاد الوطني . الا ان التطور و التحسن الذي شهده النظام المصرفي الجزائري بعد صدور قانون النقد و القرض لم يمنع من تخبط هذا النظام في مشاكل و اختلالات نجمت عنها خسائر مالية فادحة اثقلت كاهل الخزينة العمومية و الناتجة بالخصوص عن الاختلاسات المالية المختلفة التي نتجت عن البنوك الخاصة ابتداءا من سنة 2003 و التي  قدرت باكثر من 3 ملايير دولار ابتداءا من 1995 . 

 

    فلقد عرف النظام المصرفي الجزائري بداية من سنة 2003 عدة هزات و أزمات و التي يرجعها الاقتصاديون الى عدم احترام هذه البنوك وخاصة البنوك الخاصة القواعد الاحترازية (33).التي اقرتها لجنة بال المصرفية و التي كان منصوص عليها في اطار قانون النقد و القرض و التي حددتها 
 التعليمة:74/94 الصادرة في 29 نوفمبر 1994.

 

   إن الأمر 03/11 الصادر في أوت 2003 والمتعلق بالنقد والقرض , يعتبر نصا تشريعيا يعكس بصدق أهمية المكانة التي يجب أن يكون عليها النظام المصرفي , إذ أنه جاء مدعما لأهم الافكار والمبادئ التي تجسدت في القانون 90/10 , مع التأكيد على بعض التعديلات الجزئية التي جاء بها الأمر 01/01 , والتي تتمثل اساسا في الفصل بين مجلس الادارة ومجلس النقد والقرض فيما يخص الهيكل التنظيمي , حيث انه في الفصل الثاني من الأمر الرئاسي 03/11 المتعلق بإدارة بنك الجزائر , أشارت المادة (18) بكيفية تشكيل مجلس إدارة بنك الجزائر .

 

    كما نصت المادة (19) على مهام ووظائف مجلس الادارة والذي يعتبر السلطة التشريعية القائمة على إصدار النصوص والقواعد التنظيمية المطبقة في بنك الجزائر , كما أنه المخول قانونا للبت في المنازعات والتأسيس كطرف مدني في الدعاوي القضائية .

 

 

   وتم كذلك توسيع مهام مجلس النقد والقرض كسلطة نقدية حيث نصت المادة (62) الفقرة "ج" بتحديده للسياسة النقدية والاشراف عليها , ومتابعتها وتقييمها , ولهذا يحدد المجلس الأهداف النقدية لاسيما فيما يتصل ببتطور المجاميع النقدية والقرضية , ويحدد استخدام النقد وكذا وضع قواعد الوقاية في السوق النقدية , ويتأكد من نشر معلومات في السوق ترمي الى مخاطر الاختلال .

 

    وهكذا أوكلت للمجلس مهمة حماية زبائن البنوك والمؤسسات المالية في مجال المعاملات المصرفية وتدعيم التشاور والتنسيق مابين بنك الجزائر والحكومة فيما يخص الجانب المالي , وذلك من خلال :

 

  • إثراء مضمون وشروط التقارير الاقتصادية والمالية .
  •  إنشاء لجنة مشتركة بين بنك الجزائر ووزارة المالية لتسيير الحقوق والدين الخارجي .
  • تمويل إعادة الناء الناجمة عن الكوارث الطبيعية التي تقع في البلد .
  •  العمل على انسياب أفضل للمعلومة المالية .

 

  وفي هذا الاطار نستطيع القول أن الأمر 03/11 قد حدد بوضوح علاقة بنك الجزائر مع الحكومة فمنح البنك الاستقلالية التي تمكنه من رسم السياسة النقدية المناسبة وتنفيذها في اطار الرقابة تمارسها وزارة المالية التابعة للحكومة ,  ومنح الحكومة بالمقابل السلطة المضادة التي تمكنها من أن تعدل مايخلص اليه بنك الجزائر فيما يتعلق بالسياسة النقدية .  

 

المحور الرابع : دور و مميزات السياسة النقدية خلال المرحلة الانتقالية نحو اقتصاد السوق( بعد قانون 90/10)                  

 

لاحظنا سابقا ان قانون 90/10 ساهم بشكل كبير في تحرير النظام البنكي و اعادة الاعتبار للبنك المركزي الجزائري كبنك للاصدار و بنك للبنوك و كسلطة نقدية للبلاد من خلال منحه للاستقلالية التي تؤهله للعب دوره في تحقيق الاستقرار النقدي بفعالية و كذا  بتحديد مسؤولياته اتجاه المؤسسات المالية و البنوك على وجه الخصوص باعتباره السلطة النقدية المخول لها فرض الاوامر و الاجراءات التنظيمية على نشاط هذه المؤسسات حماية لها و للمودعين و للمقترضين ومن ثم لضمان فعالية و نجاح السياسة النقدية في البلد . فالبنك المركزي الجزائري لم يكسب دوره كسلطة نقدية ومن ثم كمشرف على السياسة النقدية في البلاد الا في ظل هذا القانون الجديد الذي منحه ادوات نقدية جديدة  و اكمانية التدخل في السوق النقدي ليس كوسيط ولكن كسلطة نقدية مسؤولة عن تنظيم السيولة النقدية.

 

فتبعا لهذه المكانة الهامة التي اصبح يحتلها بنك الجزائر تغير مجرى السياسة النقدية من الرقابة المباشرة الى الرقابة الغير مباشرة عن طريق التدخل في السوق النقدي .

 

 

I – تطور الحالة النقدية من 1990 الى 2007

 

نقوم بتحليل تطور المتغيرات التالية:

 

  • §        تطور مستويات التضخم

 

      بعد ان كان يتم تحديد الاسعار اداريا من طرف السلطات العمومية ، اتخذت هذه الاخيرة اجراءا بتحريرها و تركها تتحدد حسب ظروف السوق ابتداءا من 1989 عن طريق القانون رقم  89 – 12 المؤرخ في 5 / 7 / 1989. فتحرير الاسعار ساهم في ارتفاع مستويات التضخم مقارنة مع الفترة السابقة مما جعل السلطة النقدية تتخذ من محاربته هدفا اساسيا للسياسة النقدية.

 

حيث تظهر قراءتنا للاحصائيات المراحل التالية : 

 

المرحلة الاولى : ما قبل سنة 1996 و التى تميزت بتغيرات قوية للاسعار نحو الارتفاع اوحت بتوهج التضخم الذي مر من 24.9 %  سنة 1991 الى 29.7 % سنة 1995 مع الاشارة الى ان سنة 1992 هي التي عرفت اعلى نسبة للتضخم و ذلك لان هذه السنة صادفت استقالة حكومة السيد حمروش مولود لتخلفها حكومة السيد احمد غزالي التي وجهت انتقادات كثيرة للحكومة السابقة مما دفعها الى مراجعة الاصلاحات التي اعتمدتها الحكومة السابقة بما فيها قانون النقد و القرض لمحاولة كسر استقلالية بنك الجزائر. فهذه المحاولة لتقليص دور السلطات النقدية انعكست على تفاقم الوضعية الاقتصادية السيئة. هذا الارتفاع في مستوى التضخم يرجع في الواقع كذلك الى التسويات التي طبقتها السلطات في جانب الاسعار خصوصا فيما يتعلق بتحريرها. هذا الارتفاع في التضخم جاء مخالفا لما هو متفق عليه في اطار في الاستعداد الائتماني الثاني . اكبر نسبة من هذا التضخم ، تجسدت اكثر في السلع و الخدمات الموجهة للاستهلاك العائلي.

 

المرحلة الثانية : بداية من 1996 تناقص معدل التضخم من 18.6%  سنة 1996 الى 0.3 %  سنة 2000 . ليشهد بذلك الاقتصاد الوطني و لاول مرة انخفاظا مستمرا لمعدل التضخم لمدة خمس سنوات ووصوله الى ادنى مستوى حيث كان اقل من 1 %. ولكن عرف التضخم عودة محسوسة نحو الارتفاع ابتداءا من 2001 و بالضبط بداية من الثلاثي الثاني لهذه السنة ،و هذا راجع الى سنة زراعية  متوسطة مع طلب كبير على المواد الزراعية .

 

اما في السنوات الاخيرة فان معدل التضخم يشهد انخفاضا محسوسا ب 2.5 % من 2003 الى 2006 .   على العموم  يظهر  تحكم كبير للسلطات في معدل التضخم عند مستويات منخفضة مقارنة مع السنوات السابقة . ومن ثم  استطاع بنك الجزائر تحقيق الاستقرار النقدي الداخلي خلال هذه المرحلة و الذي كان غائبا و متجاهلا خلال المرحلة السابقة . الا انه تجدر الاشارة الى عودة مستويات التضخم الى الارتفاع خلال السنة الاخيرة 2007 حيث ارتفع الى 3.8 % وذلك بسبب الارتفاع الكبير في اسعار المواد الغذائية وتفيد توقعات الديوان الوطني للاحصائيات استمرار هذا الارتفاع خلال سنة 2008 ليصل الى 8.3% .

 

  • §     الكتلة النقدية و الناتج الداخلي الخام  

 

     عرف تطور الكتلة النقدية تزايدا مستمرا منذ بداية الاصلاح النقدي الجديد و لغاية السنوات الاخيرة. فبالرغم من ان هذا الاصلاح الجديد كان يهدف الى التحكم في نمو كمية النقود الا ان الواقع حال دون ذلك . حيث يلاحظ  استمرار ارتفاع الكتلة النقدية حيث ارتفعت هذه الاخيرة من 343 مليار دج سنة 1990 الى 4857.8 مليار دج  سنة  2006. اما بالنسبة لمعدلات نموها فانها تتراوح بين الارتفاع و الانخفاض حيث عرفت اعلى مستوياتها سنة  1992 بمعدل نمو 24.23 % و ذلك بسبب تراجع الوضعية الاقتصادية بعد تاسيس الحكومة الجديدة لاحمد غزالي التي انشغلت اساسا بتنظيم انتخابات تشريعية دون الاهتمام بتطبيق ما هو متفق عليه في اطار الاستعداد الائتماني الثاني.

 

      ابتداءا من 1993 عرف هذا المستوى انخفاظا محسوسا بعد عودة الاتفاق مع الصندوق النقدي الدولي بعد انقطاعه عن طريق الاستعداد الائتماني الثالث و الذي اقر ضبط السياسة النقدية بصفة محكمة. و لكن سرعان ما عاد معدل النمو الى الارتفاع حيث وصل الى 47.24 %  سنة 1998 .

 

ليتراوح بين الارتفاع و الانخفاض حتى السنوات الاخيرة . ولكن مقارنة مع مرحلة التخطيط و الاقتصاد الموجه يظهر جليا ان متوسط نمو الكتلة النقدية خلال هذه المرحلة يبقى منخفضا عما كان عليه سابقا .

 

      ان الملاحظة العامة التي يمكننا الخروج بها من هذا التحليل و هي ان ادخال التطبيق الفعلي لقانون النقد و القرض باتباع اسلوب تثبيت معايير تطور الكتلة النقدية – Monetary Targeting- - لم تسمح للسلطات المعنية باحتواء تطور الكتلة النقدية كما تشير اليه الاحصائيات. فهذا الاسلوب يظهر اذن صعب التطبيق في المحيط الجزائري و خصوصا مع نشاط السوق الموازي.

 

 

     ملاحظة مكونات الكتلة النقدية تظهر بوضوح  الحصة التي تحتلها النقود الائتمانية او بعبارة اخرى العملة المتسربة خارج الجهاز المصرفي خلال هذه الفترة مقارنة مع النقود الكتابية .  الا انه و بالمقارنة مع المرحلة السابقة انخفضت نسبة هذه النقود المتسربة  بشكل محسوس ابتداءا من  1990 حيث قدرت نسبة النقود الائتمانية بالنسبة للكتلة النقدية ب 39.3% سنة 1990 لتنخفض تباعا الى ادنى مستوياتها حيث قدرت هذه النسبة ب 22.2 % سنة 2005 و 2006 . في حين بلغت ادنى نسبة في الفترة السابقة 34 %. هذه الحالة تدل بكل وضوح علي اصرار السلطات في ظل هذا الاصلاح النقدي الجديد وفق قانون النقد و القرض على التقليص من التسرب النقدي البنكي و تشجيع استعمال النقود الكتابية.اما على مستوى النقود الكتابية اصبحت للودائع لاجل اهمية كبيرة مقارنة مع الودائع تحت الطلب ، الامر الذي يفسر تغيرا نوعيا لذهنية المتعاملين الاقتصاديين و ميلهم لفتح حسابات لاجل في البنوك و من ثم ارتفاع نسبي للادخار مقارنة مع السنوات الماضية .

 

وبمقارنة الاصدار النقدي بالانتاج العيني يظهر ان في هذه الفترة التحولية نحو اقتصاد السوق تضاعفت الكتلة النقدية خلال المرحلة الممتدة من 1990 الى 2005  بمعدل نمو متوسط يعادل 17.8% ، في حين تضاعف الناتج الداخلي الخام ب بمعدل نمو متوسط يقدر ب 20.3%  خلال نفس الفترة .اذن فالاصدار النقدي خلال هذه المرحلة يجد مقابله في الانتاج المادي وهو ما ساهم في تحقق نوع من الاستقرار النقدي الداخلي . و ما يؤكد سعي السلطات النقدية الى تحقيق هذا الهدف هو الانخفاض الملحوظ في سيولة الاقتصاد الذي شهد مستويات مرتفعة جدا قبل صدور قانون 90/10 حيث بلغ متوسط السيولة في الاقتصاد من 1963 الى 1989 حوالي 0.6 لينخفض جليا الى  0.03  من 1990 الى 2005 .  و فيما يتعلق بسرعة تداول النقود ما تزال منخفضة خلال هذه الفترة وهذا بسبب ظاهرة الاكتناز و تسرب الاموال الى السوق الموازية مما اثر على تداول النقود في الاقتصاد الرسمي.

 

      ان التغيرات التي تعرفها الكتلة النقدية خلال هذه المرحلة الانتقالية تجد مصدرها دائما في التغيرات التي تطرا على الاجزاء المقابلة لها تبعا للظروف الاقتصادية .

 

بالنسبة لمساهمة الموجودات الخارجية: يظهر من خلال القراءة العامة للاحصائيات ان  مقدار تغطية الكتلة النقدية من الموجودات الخارجية كان ضعيفا مقارنة مع المقابلات الاخرى خلال السنوات الاولى من هذه المرحلة حيث بلغت نسبة هذا المقابل من الكلتلة النقدية سنة 1990 حوالي 1.55 مليار دج لترتفع نوعا ما الى 23.12 مليار دج سنة 1997 ولكنها سرعان ما عرفت تراجعا من جديد ابتداءا من 1998 بسبب الانهيار في اسعار البترول . ولكن يظهر بوضوح الارتفاع المتصاعد و المذهل لحجم هذه الاصول الخارجية و التي اصبحت تحتل الحصة الاكبر من تغطية الكتلة النقدية ابتداءا من سنة 2001 و لغاية السنوات الحالية وهذا ناتج اساسا عن الارتفاع في اسعار البترول حيث اصبحت تمثل حوالي 49 %  من مجموع الكلتلة النقدية سنة 2002 لترتفع النسبة تباعا الى غاية 2006 اين اصبحت الموجودات الخارجية تمثل 89 % من الكتلة النقدية الصادرة .

 

بالنسبة لمكانة القروض الموجهة للخزينة في تغطية الكتلة النقدية : يشهد هذا الجزء تطورا ملحوظا من 167 مليار دج سنة 1990 الى 423.4 مليار دج سنة 2003 .الا ان هذه القروض المقدمة للدولة تظهر بالسالب خلال السنوات الاخيرة من 2004 الى 2006 مما يوحي بتسديد الدولة لجزء من ديونها اتجاه بنك الجزائر وذلك بعد ارتفاع ايراداتها الناتجة عن الارتفاع في اسعار البترول  .

 

اما عن مساهمة هذا المقابل في تكوين الكلتلة النقدية يبقى ضعيفا مقارنة مع القروض المقدمة لللاقتصاد طيلة الفترة محل الدراسة باستثناء سنتيي 1993 و 1994  وذلك نتيجة التطهير المالي للمؤسسات العمومية.  حيث بلغت نسبة تغطيتها من الكتلة النقدية على التوالي 68.7 % و 56.1 % .

 

بالنسبة لمكانة القروض المقدمة للاقتصاد في تكوين الكتلة النقدية : يبقى هذا الجزء يشكل  اعلى المعدلات و اعلى الحصص في تكوين الكتلة النقدية لغاية سنة 1999 . و شهد هذا المقابل على العموم ارتفاعا ملحوظا طيلة الفترة محل الدراسة الا انه شهد انخفاضا ملحوظا خلال الفترة 2001-2006 حيث لم تتعدى نسبة تغطيتها 36% كحد اقصى وهذا بسبب مخلفات ازمة البنوك الخاصة التي ادت الى فقدان الثقة في النظام المصرفي و قلة الطلب على القروض.

 

  • §    معدلات الفائدة :

 

عرفت معدلات الفائدة خلال هذه المرحلة تحريرا تدريجيا يظهره الجدول التالي:  

 

                    الجدول رقم 10 : تطور معدلات الفائدة من 1990 الى 2006

 

 

السنوات

 

90-91

 

92-93

 

94-95

 

96

 

97

 

98-99

 

2000

 

2001

 

2002

 

2003

 

2004-2006

معدلات الفائدة

 

 

10.5

 

11.5

 

15

 

14

 

12.5

 

9.5

 

7.5

 

6

 

5.5

 

4.5

 

4

 

يظهر جليا المرونة النسبية التي اصبحت السمة الاساسية لمعدلات الفائدة في الجزائر بعد ان كان يتم تحديدها اداريا وهذا ما يوحي بدور هذه المعدلات كقناة لنقل اثر السياسة النقدية عن طريق الرقابة الغير مباشرة نحو محاربة التضخم . وما يدل على ذلك هو ارتفاع هذه المعدلات تبعا للارتفاع في مستويات التضخم من 1990 الى 1996 لتشهد انخفاضا تدريجيا تبعا للتحسن الملحوظ في مستويات التضخم من 1997 الى غاية 2006 . وتجدر الاشارة ان هذا التغير في معدلات الفائدة مس كذلك معدلات السوق النقدي بما فيها معدل اعادة الخصم ، معدل تدخل بنك الجزائر في السوق النقدية الذي ارتفع بدوره من 17 % سنة 1991 الى 20 %  في 1994 ،و لينخفض ابتداءا من 1995. يظهر هذا الانخفاض من خلال مثلا تراجع معدل مناقصة القرض – Taux d’adjudication de Crédit- من 13.3 %  سنة 1997 الى 8.2  % سنة 2002. كذلك انخفاض معدلات السوق البينية للبنوك من 11.8 % سنة 1997 الى 3.84 % سنة 2002 .

 

      من خلال ما سبق يمكننا القول ان التحسن الملاحظ في شروط تمويل البنوك المتجسد في الانخفاض  المحسوس في معدلات الفائدة انما يعبر عن تحسن هيكلي في سيولة الجهاز المصرفي مقارنة مع الفترات الماضية . كما ان تراجع مستويات التضخم يدل على الفعالية التي اصبحت تلعبها السياسة النقدية تدريجيا في تحقيق الهدف النهائي المتمثل في استقرار الاسعار. 

 

 II- مميزات السياسة النقدية خلال هذه المرحلة الانتقالية نحو اقتصاد السوق

 

خلال هذه المرحلة اصبحت السياسة النقدية في الجزائر تلعب دورها تدريجيا  في التحكم في الضغوطات التضخمية وتحقيق الاستقرار النقدي خصوصا بعد تحرير معدلات الفائدة و ضبط اصدار النقود بمقابل الى جانب تنمية الموارد الادخارية لتمويل الاستثمارات بالرغم من الارتفاع المتزايد للطلب الاستهلاكي. اصبحت السياسة النقدية اذن تحضى بالتحرير التدريجي نحو ميكانيزمات السوق واساليب التدخل الغير مباشر وفقا لقوى العرض و الطلب بعد ان كان توجيهها وفق اساليب مباشرة لا دور لقوى السوق في ادائها.  

 

      إن هذه المرحلة الانتقالية اذن  استلزمت التحرير التدريجي للسياسة النقدية التي أصبحت تتسم بمظاهر التنظيم النقدي في اقتصاديات الأسواق المالية و تنطلق شيئا فشيئا نحو أساليب الرقابة الغير مباشرة خصوصا بعد اتخاذ قرارات بشان مراقبة تطور الكتلة النقدية و القرض الداخلي و تحرير معدلات الفائدة و إقرار الاحتياطات الإجبارية Les Réserves Obligatoires  و القواعد الاحتراسية Les Règles Prudentielles    واعادة الخصم و السوق المفتوحة  كأساليب جديدة لمراقبة السيولة البنكية (34).     

 

تعتبر عملية إعادة الخصم الأسلوب الأكثر إستعمالا لإعادة تمويل البنوك والوسيلة الأكثر أهمية لتدخل البنك المركزي الجزائري لإدارة السياسة الائتمانية , خاصة أن ذلك يسمح بالسير في توافق مع أحد أهداف السلطة النقدية الذي يهدف إلى الحد من اللجوء إلى الاصدار النقدي . وتشرح النصوص القانونية المتعلقة بالنقد والقرض لعام 1990 المواضيع التي تتم عليها عملية إعادة الخصم كما ذكرناه سابقا . واذا أردنا أن نقييم سياسة معدل إعادة الخصم بعد صدور هذا القانون يمكننا التمييز بين مرحلتين :(35).من ( 1990- 1995 ) : وتتميز بإرتفاع مستمر للمعدل الذي إرتفع إلى 10.5%في نهاية ماي من سنة 1990 وتبعه قيام بنك الجزائر بتحديد معدلات الفائدة المدينة والدائنة المستهدفة مع  ترك هامش المبادرة للبنوك والمؤسسات المالية بتحديد معدلاتها الخاصة , واستمر الارتفاع إلى أن بلغ %15في نهاية سنة 1995 وقد جاء هذا التعديل بعد أن شعر بنك الجزائر بوجود توسعات تضخمية في الاقتصاد وكان من أسبابها الافراط في التسهيلات الائتمانية . لذلك جاء هذا الرفع كمحاولة من خلالها ينبه البنوك التجارية على ضرورة رفع معدلات الخصم بغرض الحد من الطلب على خصم الأوراق المالية ولكن باعتبار أن معدلات التضخم المرتفعة في هذه الفترة كان يفوق معدلات الفائدة الاسمية وهذا ما يجعل المعدلات الحقيقية سلبية وهذا مايحد من فعالية معدل الفائدة في قيادة السياسة النقدية . اما المرحلة الثانية ( 1995- 2003  ) : حيث عرف معدل إعادة الخصم إنخفاضا منظما وانتقل من  15% عام 1995 إلى 6% عام 2000 ثم إلى 5.5% عام 2002 وهذا يبين مدى التحكم في معدل التضخم عن طريق الحد والتضييق على حجم الائتمان. وكان عام 1997 التاريخ الذي تم فيه الانتقال إلى أسعار الفائدة الحقيقية الموجبة وقد تدعم ذلك خلال السنوات الأخيرة وخصوصا أثناء عامي 1998و1999 وترغب السلطة النقدية في عدم الضغط على البنوك في توفير السيولة للائتمان , وفعالية هذه السياسة تكمن بضعف ودائع البنـوك التجارية من جهة , وتوفـير التمويل اللازم لانجاز المشاريـع المسطرة من جهة ثانية , الأمر الذي يفرض اللجوء إلى سياسـة إعادة الخصـم لإعادة تمويل الجهاز المصـرفي . 

 

اما بشان سياسة السوق المفتوحة فقد تمت أول عملية للسوق المفتوحة خلال عام 1996 والمتمثلة في شراء البنك المركزي للسندات العمومية التي لاتتجاوز مدتها ستة أشهر .   ولكن نظرا لضيق السوق النقدية وغياب سوق مالية متطورة تجلب إليها الموارد من أصحاب الفائض فإنه من الصعب تصور قيام بنك الجزائر بعمليات السوق المفتوحة للتأثير في حجم الائتمان المصرفي . 

 

اما الاحتياطي القانوني على الودائع المصرفية  فقد حدد بنسبة لاتتعدى 28% من المبالغ المعتمدة كأساس لاحتسابه . وحسب التعليمة رقم 16-94 الصادرة بتاريخ 19 أفريل 1994 فان البنوك والمؤسسات المالية ملزمة على الاحتفاظ بمبالغ معينة من الاحتياطات لديها في شكل ودائع لدى بنك الجزائر في ظل الشروط المذكورة في التعليمة الصادرة عن بنك الجزائر تحت رقم 73-94 بتاريخ 28 ديسمبر 1994 وذلك بهدف تنظيم السيولة في الاقتصاد  الوطني . وحدد معـدل الاحتياطي الاجباري في هذه التعليمة بنسبة 2.5% على مجمـوع العناصر المذكورة في المادة الثانية في هذه التعليمة , وبعد ذلك رفعت نسبة الاحتياطي إلى 4% وفق التعليمة رقم 01-2001 الصادرة بتاريخ

 

11 فيفري 2001 عندما شعر البنك المركزي بتمادي المصارف التجارية في منح التسهيلات الائتمانية . وبعد تطبيق هذه التعليمة بحوالي عشرة أشهر فقط أصدر بنك الجزائر تعليمة أخرى تحت رقم 06-2001 برفع نسبة الاحتياطي ل4.25 % إنطلاقا من 25 ديسمبر 2001 وهذا يدل على رغبة البنك المركزي الجزائري بجعلها وسيلة هامة للتحكم في سيولة البنوك وإستخدامها للحد من التضخم أو لمكافحة الانكماش , ولازالت عند هذا المستوى حتى الوقت الحاضر لكي تتوافق مع حاجات التنميةالاقتصادية والسياسية العامة للدولة . 

 

الخلاة العامة للبحث

 

ان التحدي الذي تواجهه الجزائر في ظل هذه المرحلة الانتقالية يكمن في تفعيل نظامها البنكي و تطهيره من كل الاختلالات لجعله شريكا فعالا و ديناميكيا موثوقا فيه للسير بالاقتصاد و بامان نحو اقتصاد السوق . كما عليها منح كل المقومات و الصلاحيات التي من شانها اعانة السلطة النقدية في البلاد على مراقبة النظام البنكي من جهة و التحكم في ميكانيزمات النظام النقدي من جهة اخرى عن طريق سياسة نقدية غير مباشرة و فعالة في تحقيق الاستقرار النقدي الداخلي و الخارجي . ومن ثم تظهر مجموعة من التحديات التي لابد من مواجهتها للسير نحو اقتصاد السوق باقل التكاليف . هذه التحديات التي هي في ذات الوقت التوصيات التي خرجنا بها من هذا البحث و التي نوجزها فيمايلي:  

 

  • ضرورة تدعيم استقلالية بنك الجزائر باعتبارها شرطا ضروريا لفعالية سياسته النقدية
  • تطوير السوق النقدية مع التحرير الكلي لمعدلات الفائدة .
  • العمل و بجهد كبير للقضاء على السوق النقدية الموازية.
  •  ضرورة إدخال المنافسة الفعلية في السوق وبدون تمييز بين القطاع العام والقطاع خاص

 

         والواقع يثبت كيف ان الامتيازات التي منحت للبنوك الخاصة في الجزائر على حساب البنوك      

 

         العمومية كانت سببا في خسائر مالية الحقت الضرر كثيرا بالمنظومة المصرفية في الجزائر .   

 

  • منح صلاحيات اكبر لبنك الجزائر في الرقابة على البنوك العمومية و خصوصا على البنوكالخاصة .

 

  • الاهتمام اكثر بتسيير البنوك تسيير فعالا وتفعيل نظام الرقابة البنكية وفقا للمعايير الدولية المعمول بها

 

  • العمل و بجهد للقضاء على الفساد داخل البنوك الجزائرية العمومية منها والخاصة .
  • اللجوء السريع لإقامة سوق مالية حقيقية للمساهمة في استعمال السيولة النقدية الفائضة .
  • التحرك نحو اعتماد سياسة ادخارية ملائمة و ابتكار اوعية ادخارية جديدة
  • ضرورة العمل على نشر الوعي المصرفي عند الافراد من خلال ضمان توسيع حجم الخدمات المصرفية ومن ثم محاربة الاكتناز و تشجيع الادخار .

 

قائمة هوامش البحث :

 

 

(1)- Benmalek Riad, la réforme du système bancaire en Algérie, mémoire pour l’obtention de

 

       la maitrise en sciences écinimiques, université de toulouse1, France 98-99, page13-14.

 

(2)- A.Saker, le circuit de trésor, analyse industrielle et évolution, monnaie , crédit , et

 

       financement en Algerie, ( 62-87) , CREAD1987, page 87 .

 

(3)- د، شاكر القزويني ، محاظرات في اقتصاد البنوك، د.م.ج ، الجزائر 1996 ، ص 57-58 .

 

(4)- Ammour Benhalima, le système bancaire algerien, edition dahleb1996, page11

 

(5)- Yadel Farida, le marché monétaire en Algerie, thèse en vue d’obtention de doctorat en

 

       sciences economique, France 1992,

 

(6)- M.E.Benissaad, Algerie : restructuration et réformes économiques , ( 79-93) , OPU,

 

      1994, page 83 .

 

(7)-Ammour Benhalima, le système bancaire algerien, ref prec,  page15 .

 

(8)- Mourad goumiri, l’offre de monnaie en Algerie, edition ENAG , 1993, page 87..

 

 

(9)– د، احمد هني، العملة و النقود، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1999 ، ص 142.

 

(10)- Benmalek Riad, la réforme du système bancaire en Algérie,ref prec, page 18

 

(11)- Fouad Hakiki, la régulation monétaire en Algérie, revue du centre de recherches en

 

        économie appliquée pour le développement , N° 18 1989, page 76 .

 

(12) –  دحمان عبد الفتاح، تقييم السياسة النقدية في ظل برامج التكييف لل FMI مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر،

 

          1997  ، ص 153-155 .

 

(13)- Mourad goumiri, l’offre de monnaie en Algerie,ref prec,  page 101-105.

 

(14)- A.Bouyacoub, le cycle globale de l’investissement, cahiers de CREAD ,1987, page348.

 

(15)- Stitout Malika, les mécanismes bancaires, mémoire de magister, juin 2001, page57-60

 

(16)-Mohamed habib rahiel, Taux d’intéréts et régulation economique , cahiers de CREAD ,

 

       N° 18, 1989, pages 93-99.

 

(17)-Ahmes henni, Monnaie, Credit et Financement en Algerie ( 62-87) cahiers de CREAD,

 

      1987, pages 15-19 .

 

(18)  - د، لخضر عزي، التسويق المصرفي كرافد لتنشيط النظام المصرفي الجزائري، مجلة العلوم الانسانية ،

 

         العدد15، السنة الثانية، نوفمبر 2004 . 

 

(19)-Ahmes dahmani, l’Algerie à l’epreuve, edition casbah- Alger- 1999, p 95-110.

 

(20)-Amour bebhalima, , le système bancaire algerien, ref prec,  page70-75.

 

(21)-Baba Ahmed, Le Credit comme moyen de financement de l’investissement productif, Revue CENEA, N° 6, Mars 1986 .

 

(22)- Amour bebhalima, , le système bancaire algerien, ref prec,  p 80-85 . .

 

(23)- Ahmes henni, Monnaie, Credit et Financement en Algerie, ref prec, p 9-12 .

 

(24)-Dominique Pliphon, la Monnaie et ses Mecanismes, edition la decouverte, Paris, 2001, p

 

       112.

 

(25)-M.Benissad, L’ajustement Structurel, opu, 1999, p 59-65.

 

(26)– د، محمود حميدات، مدخل للتحليل النقدي، ديوان المطبوعات الجامعية، 2000، ص143.

 

(27)– د، لعشب محفوظ، سلسلة القانون الاقتصادي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1997، ص 45.

 

(28)- د، محمود حميدات، مدخل للتحليل النقدي، المرجع السابق، ص 146.

 

(29)- Media Banque, N° 19, Aout/sep, 1999.

 

 (30)- د، يعدل فريدة ، تقنيات و سياسات التسيير المصرفي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 2000، ص

 

            120-122

 

(31)د، بطاهر علي، اصلاحات النظام المصرفي الجزائري و اثارها على تعبئة المدخرات و تمويل التنمية، شهادة

 

       دكتوراه دولة، العلوم الاقتصادية، تخصص التحليل الاقتصادي، جامعة الجزائر، 2005-2006، ص 24-26.

 

(32)د، بطاهر علي، المرجع السابق ، ص 30-34.

 

(33)بقبق ليلى اسمهان، العمليات البنكية الغير مشروعة و اثرها على الاقتصاد، ( عمليات تبييض الاموال) ،

 

        مداخلة مقدمة في الملتقى الوطني حول الاقتصاد الغير رسمي ، ولاية سعيدة، نوفمبر 2007 .

 

(34)بقبق ليلى اسمهان ، ميكانيزم انتقال اثر السياة النقدية في الاقتصاديات الانتقالية، حالة الجزائر، مذكرة

 

        ماجستير ، جامعة تلمسان، 2002-2003 ، ص 211-217.

 

 

 

Télécharger l'article