التحرير المالي و المصرفي كآلية لزيادة القدرة التنافسية للبنوك التجارية في الجزائر.

بربري محمد أمين أستاذ مساعد بجامعة الشلف

طرشي محمد، أستاذ مساعد بجامعة الشلف.

المقـدمة:

     لقد اعتبر القطاع المالي و المصرفي في كثير من الدول النامية قطاعا استراتيجيا و قد تم إخضاعه في ظل التوجه الاشتراكي إلى مختلف أشكال الرقابة ، حيث كانت المهمة الأساسية للبنوك التجارية هي تقديم التمويل بصفة آلية إلى المؤسسات و الهيئات العمومية دون إخضاعها لشروط الملاءة المالية و القدرة على التسديد. و قد تم تطبيق مختلف أشكال سياسة الكبح المالي مثل تحديد أسقف لمعدلات الفائدة المدينة و المدينة الأمر الذي لم يمكن القطاع المصرفي من تجميع اكبر قدر ممكن من الموارد ، إضافة إتباع سياسة توجيه الائتمان إلى قطاعات معينة اعتبرت إستراتيجية دون غيرها الأمر الذي لم يمكن من التخصيص الأمثل للموارد ....الخ ، و قد كان لهذه السياسة أثارا سلبية على القطاع المصرفي الذي حرم من أداء وظائفه التقليدية الأمر الذي اثر بشكل كبير على قدرته التنافسية .

    و مع ما شهده العالم من تطورات سريعة و التي كان من أهمها انتشار ظاهرة العولمة الاقتصادية و المالية أدركت الكثير من الدول النامية أن سياسات الكبح المالي لم تعد تواكب التطورات العالمية كما أنها لم تحقق الأهداف التي خطط لها ،  لذلك فقد قامت بإعادة هيكلة قطاعها المالي و المصرفي ، وقد بدأت هذه الدول  باتخاذ سلسلة من الإجراءات المتعلقة بالتكيف مع المستجدات، وذلك بجعل القطاع المالي فيها أكثر مرونة وفعالية وأماناً وابتكاراً بما يكفل تحسين قدرته التنافسية بالاعتماد على مبادئ سياسة التحرير المالي .

     ويتطلب تحرير الخدمات المالية الحد من التدخلات الحكومية وفتح الأسواق أمام المؤسسات المالية الأجنبية وإطلاق قوى السوق على قاعدة المنافسة الحرة، ويتم ذلك على عدة مسارات في آن واحد، منها ما تفرضه مقتضيات الاندماج نفسه، ومنها ما تحدده سياسات وتوصيات المؤسسات الدولية المعنية، ومنها ما يتم فرضه من خلال اتفاقيات دولية كاتفاقية تحرير الخدمات –الجات- .

    ويمكن القول إن أبرز مكونات الوصفة الخاصة بالتحرير المالي هي خلق مؤسسات مالية ومصرفية ذات ملاءة عالية وقدرة تنافسية تؤهلها للبقاء دون أي شكل من أشكال الدعم والحماية.و تتمثل أهم مبادئ التحرير المالي في إعطاء البنوك و المؤسسات المالية الاستقلالية التامة في إدارة أنشطتها ، و تقوم سياسة التحرير المالي على الثقة الكاملة في الأسواق حيث يتم تحريرها من القيود الإدارية ، ويبدو واضحاً أن هذه العملية ستتم سواء بمبادرة حرة من المؤسسات والدول المعنية أو بشكل اضطراري تحت وطأة ضرورات الاندماج والضغوط التي قد تمارسها المؤسسات الدولية.

و تبعا لما سبق يمكن أن نطرح التساؤل التالي :

*ماهي انعكاسات سياسة التحرير المالي على القدرة التنافسية للبنوك التجارية في الدول النامية ؟

هدف البحث : يهدف هذا البحث إلى دراسة أهمية التحرير المالي باعتباره من ابرز إفرازات العولمة المالية التي أصبحت ضرورة ملحة للاندماج في الاقتصاد العالمي ، كما نهدف من خلال هذا البحث إلى إبراز بعض انعكاسات التحرير المالي على البنوك التجارية في الدول النامية و خاصة على القدرة التنافسية لهذه البنوك في ظل التغيرات الراهنة .

وقصد الالمام بكل جوانب الموضوع ارتأينا أن نقسم بحثنا إلى:

- المحور الأول : ماهية التحرير المالي والمصرفي.

- المحور الثاني : شروط نجاح سياسة التحرير المالي .

 - المحور الثالث : دوره في إصلاح المنظومة المصرفية مع دراسة العوامل التي تساعد على زيادة القدرة التنافسية للبنوك التجارية .

المحور الأول: ماهية التحرير المالي و المصرفي:

1-  مفهوم  التحرير المالي و المصرفي :

      يعتبر التحرير المالي احد مكونات وصفة التحرير الاقتصادي و التي تركز على تقليل و إزالة القيود على التجارة الداخلية و الخارجية و توسيع نشاط القطاع الخاص و إطلاق حرية قوى العرض و الطلب في التسعير و جعل السوق المحلية أكثر تنافسية و تبسيط إجراءات التجارة و الاستثمار و الدفع إلى تبني معايير الجودة طبقا للمواصفات العالمية. 

    و يتمثل التحرير المالي في إعطاء استقلالية تامة للمؤسسات المالية و البنوك و ذلك من خلال إلغاء كل القيود و الضوابط و اعتماد آليات السوق ( قانون العرض و الطلب ) في تحديد معدلات الفائدة الدائنة و المدينة، مع التخلي عن سياسة تاطير الائتمان و خفض الاحتياطي الإلزامي ،و إلغاء الرقابة الإدارية على تخصيص الائتمان لقطاعات معينه (القطاع الحكومي ) أو تقديم قروض لبعض القطاعات بأسعار فائدة تفاضلية مما يؤدي إلى التخصيص غير الكفء للموارد المالية و التأثير سلبي على النمو والاستثمار و الادخار  ، و فتح المجال المصرفي أمام القطاع الخاص الوطني و الأجنبي و يمثل هذا إجراءات التحرير الداخلي ، و إنشاء نظام إشرافي قوي، و خصخصة بنوك القطاع العام ، ويمكن القول إن أبرز مكونات "الوصفة" الخاصة بالتحرير المالي هي خلق مؤسسات مالية ومصرفية ذات ملاءة عالية وقدرة تنافسية تؤهلها للبقاء دون أي شكل من أشكال الدعم والحماية. ويبدو واضحاً أن هذه العملية ستتم سواء بمبادرة حرة من المؤسسات والدول المعنية أو بشكل اضطراري تحت وطأة ضرورات الاندماج والضغوط التي قد تمارسها المؤسسات الدولية.

    أما عن إجراءات التحرير المالي الخارجي فتتمثل في تحرير  المعاملات المتعلقة بحساب رأس المال . و يمكن تلخيص التحرير المالي في المعادلة التالية:

LF=1/3 LSFI +1/3 LMF + 1/3 LCC

 فالتحرير المالي يضم ثلاثة جوانب أساسية:

أ- تحرير القطاع المالي المحلي: يشمل تحرير ثلاث متغيرات أساسية هي تحرير أسعار الفائدة عن طريق الحد من الرقابة المتمثلة في تحديد سقوف عليا لأسعار الفائدة الدائنة و المدينة، و تركها تتحدد في السوق بالالتقاء بين عارضي الأموال و الطلب عليها للاستثمار، عن طريق الملاءمة بين الاستهلاك و الإنفاق الاستثماري، و بالتالي زيادة النمو الاقتصادي و لا يمكن أن يحدث هذا ما لم تثبت الأسعار عند حد معين، و تحرير الائتمان و هذا بالحد من الرقابة على توجيه الائتمان نحو قطاعات محددة، و كذا وضع سقوف ائتمانية عليا على القروض الممنوحة لباقي القطاعات الأخرى، و ثانيا إلغاء الاحتياطات الإجبارية المغالى فيها على البنوك، و تحرير المنافسة البنكية بإلغاء و إزالة القيود و العراقيل التي تعيق إنشاء البنوك المحلية و الأجنبية حيث تدعم بحوث استندت الى مجموعة مختلفة من الاساليب بما في ذلك الدراسات القطرية فكرة انه كلما اتسع نطاق وجود البنوك الاجنبية في بلد ما تحسنت نوعية الخدمات المالية وزادت كفاءة الوساطة المالية ، و كذلك إلغاء كافة القيود المرتبطة باختصاص البنوك و المؤسسات المالية، إعطاء فرصة للبنوك لتحسين أدائها وتسييرها، خاصة في ظل المنافسة الشديدة، حيث تصبح قادرة على مواجهة طلبات المستثمرين، والعمل على جلب أكبر عدد من المدخرين، عندما يتحكم في أسعار الفائدة والعمولات.

    ولا تقتصر عملية إعادة الهيكلة على القطاع المالي في الدول النامية كما قد يتبادر للذهن، فقد بدأت الدول الصناعية منذ أعوام عديدة اتخاذ سلسلة من الإجراءات المتعلقة بالتكيف مع المستجدات، وذلك بجعل القطاع المالي فيها أكثر مرونة وفعالية وأماناً وابتكاراً بما يكفل الحفاظ على تنافسيته.

ب- تحرير الأسواق المالية: يتم بواسطة إزالة القيود و العراقيل المفروضة ضد حيازة و امتلاك المستثمر الأجنبي للأوراق المالية للمنشآت و المؤسسات المحلية المسعرة في بورصة القيم المنقولة و الحد من إجبارية توطين رأس المال و أقساط الأرباح و الفوائد.

ج- يتضمن إزالة الحواجز و العقبات التي تمنع البنوك و المؤسسات المالية الأخرى من الاقتراض من الخارج، و العمل على الحد من الرقابة المفروضة على سعر الصرف المطبق على الصفقات المرتبطة بالحساب الجاري و حساب رأس المال، و تقليص الفجوة بين سعر الصرف الاسمي و الحقيقي و تحرير تدفقات رأس المال. و يشبر قدر كبير من البحوث ان التدفقات المالية الدولية تعمل كعامل حفاز مهم بالنسبة لتنمية السوق المالية المحلية مثلما ينعكس في كل المقاييس المباشرة لحجم القطاع المصرفي و اسواق اسهم راس المال في المفاهيم الاوسع لتنمية الاسواق المالية بما في ذلك الاشراف و التنظيم.

    و يشير خبراء صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص إلى قضيتين هامتين:

    - الأولى:

      انه من الأفضل البدء في تحرير التدفقات طويلة الأجل قبل التدفقات قصيرة الأجل، و تحرير الاستثمار الأجنبي المباشر، قبل تحرير استثمار المحافظ المالية أو الاستثمار غير المباشر.

    - الثانية:

      إن التحرير الشامل لمعاملات و تحويلات رأس المال لا يعني التخلي عن كل القواعد و النظم المطبقة على معاملات العملة الأجنبية، بل ربما احتاج الأمر إلى تقوية القواعد و النظم التحوطية المتعلقة بتحويلات العملة الأجنبية التي يجريها غير المقيمين.

     ونظرياً نستطيع القول ان مفهوم التحرير المالي بداْ يتبلور منذ بداية السبعينات و كان اول من اشار اليه كل من الاقتصاديين R.Mc-kinnon  (1973) و E.Shaw (1973) و الذان اعتبرا التحرير المالي وسيلة لتطوير القطاع المالي و لرفع وتيرة النمو خاصة في الدول السائرة في طريق النمو ، خاصة بعد سياسيات الكبح المالي التي كانت تطبقها هذه الاخيرة و المتمثلة في مجموع القوانين و الضوابط و القيود الكمية و النوعية المفروضة من طرف الحكومة و التي لا تسمح للوساطة المالية بتوظيف كامل قدراتها المتاحة، و قد اضرت هذه السياسة كثيرا وقد ترتب على سياسات الكبح المالي الآثار السلبية التالية:

-   تدني أسعار الفائدة الإسمية على الودائع والقروض إلى حد أضحت معه أسعار الفائدة الحقيقية في ظل تزايد معدلات التضخم السلبية الأمر الذي إنعكس بالسلب على كافة عوائد الأصول المالية الأخرى ومن ثم على أسعارها.

-   أدى الى سوء تخصيص الإئتمان الموجهة للقطاعات المفترض دعمها وتوجيه الإئتمان لها، وقد تزامن الإئتمان الموجه للقطاع العام وتلبية لإعتبارات سياسية، مع حدوث نسبة مرتفعة للقروض غير المستردة قد أدى ذلك إلى ممارسة ضغوط سلبية على كل من ربحية البنوك والقاعدة الرأسمالية لها.

-   أصبحت الأصول المالية المحلية أقل جاذبية من البدائل الأخرى من الأصول الأجنبية، و أدى ذلك إلى تقلص رقعة النظام المالي الرسمي مقاسا بنسبة الأصول المالية المحلية إلى الناتج المحلى الإجمالي، وذلك في مواجهة تزايد حجم القطاع المالي غير الرسمي الذي نشأ نتيجة لتلاقي رغبات الطلب المحيط غير الملبي على الأموال في السوق الرسمية مع رغبات عارضي الأموال في عوائد حقيقية ايجابية أعلى من العوائد السلبية في السوق الرسمية (بفعل التضخم ).

-       إفتقر القطاع المالي إلى التنويع حيث تميز بسيادة القطاع المصرفي و تراجع الأهمية النسبية لأسواق الأوراق المالية .

-  إنخفاض درجة العمق المالي التي تشير إلى الحجم النسبي للسيولة العامة وتقاس بنسبة 3M (العملة والنقود والودائع لأجل في البنوك والمؤسسات المالية الأخرى كصناديق التوفير والبريد ) إلى الناتج المحلي الإجمالي.  ويعني إنخفاض تلك النسبة إنخفاض الأرصدة القومية القابلة للإقراض، ومن ضعف قدرة الاقتصاد الوطني على تمويل الإستثمارات، بينما إرتفاع النسبة يبين أن ثمة تدفقات كبيرة في الأرصدة الوطنية القابلة للإقراض من أجل إستثمارات جديدة.

     وقد أدى ضعف القطاع المالي على النحو  المتقدم إلى سوء تخفيض في الموارد المالية وضعف القدرة على حشد الموارد اللازمة لتمويل الإستثمارات في الدول النامية، الأمر الذي دفعها إلى اللجوء إلى القروض الخارجية لتمويل خططها التنموية، وذلك خلال عقد السبعينات من القرن العشرين في جو يتسم بسيولة  مالية مفرطة ورخيصة، غير أن سوء إستخدام تلك القروض مع إرتفاع أسعار الفائدة العالية وإنخفاض الموارد الذاتية للصرف الأجنبي في الدول النامية، أسهم  في عدم قدرة تلك الدول على خدمة ديونها والوفاء بإلتزاماتها تجاه الإطراف الدائنة، الأمر الذي دفع البنوك العالمية إلى ترشيد الإقتراض لها وتبعا لذلك توقف أهم مصدر لتمويل التنمية في تلك الدول.

نتيجة لآثار سياسات الكبح المالي دفع بالعديد من الدول في أواخر السبعينيات بالشروع بإصلاحات جذرية على مستوى أنظمتها المالية والاقتصادية .وبإيعاز من البنك وصندوق النقد الدوليين، إتخذت  العديد من هده الدول إجراءات تهدف إلى إصلاح القطاع المالي وتحريره من كل أشكال الكبح المالي وذلك بالاعتماد على منهج R.Mc-kinnon   و E.Shaw.

2- اعمال R.Mc-kinnon  وE.Shaw:

     تعتبر اعمال ماكنون و شو الاعمال المؤسسة لنظرية التحرير المالي ان المساهمة الرئيسية لماكنون تكمن في اعادة صياغة دالة الطلب على النقود بحيث تتلائم مع وضعية اقتصاد الدول النامية الذي يتميز بضعف هياكله المالية و تخلف نظامه المصرفي و عدم تطور و تنوع الادوات المالية فيه ، و في ظل هذه الوضعية فان اهم مصدر لتمويل الاستثمار هي الودائع المتراكمة لدى الجهاز المصرفي و الادخار من الدخل الجاري ، و يرى ماكنون ان النقود باعتبارها وسيلة دفع فانها تعتبر الاصل المالي الاكثر اهمية في الدول النامية ، و بهذا تصبح النقود في هذه الدول قناة الزامية لتراكم راس المال او ما يطلق عليه ماكنون "تكلملية النقود و راس المال".

     ويرى شو ان الاثر الايجابي للتحرير المالي على النمو الاقتصادي يمر عبر تحرير معدلات الفائدة الحقيقية و التي يجب ان تتحدد في السوق حسب العرض و الطلب على الموارد المالية بشكل يعكس الندرة النسبية للادخار .

    ويشير كل من ماكنون و شو ان وجود معدلات فائدة حقيقية سالبة و متطلبات الاحتياطي الضخمة المفروضة على البنوك بالضافة الى اجبارية توجيه الائتمان تؤدي جميعا الى وجود قطاع مالي مقيد يتميز بـ:

* انخفاض الحافز على الادخار و تشجيع الاستهلاك.

* انخاض الاستثمار اقل من مستواه التوازني و توجيهه نحو مجالات غير منتجة.

* ضعف دور الوساطة المالية في تعبئة الادخار و التخصيص الامثل للموارد المالية المتاحة .

   وعلى العكس من ذلك فانه عند تحرير معدلات الفائدة يرتفع حجم الادخار المحلي و التخصيص الامثل للموارد المالية و توسع الاسواق المالية و تطوير النظام المالي و المصرفي مما ينعكس ايجابا على النمو الاقتصادي .

  تحديد سعر لفائدة في السوق بالإلتقاء بين عرض الأموال والطلب عليها للإستثمار، عن طريق الملاءمة بين الإستهلاك والإنفاق الإستثماري ، وعليه فزيادة الأموال الموجهة للقروض يؤدي إلى زيادة الإستثمار ، وبالتالي زيادة النمو الإقتصادي .

     وقد لقيت اعمال ماكنون وشو المتعلقة بالتحرير المالي تاييدا من طرف العديد من الاقتصاديين الذين اقتنعوا بتحليل ماكنون فنجد انMaxwell Fry  قام باستخدام بيانات عن قطاعات مختلفة في 22 دولة نامية و توصل الى ان هناك علاقة ايجابية بين معدلات النمو  الحقيقي في الانتاج و معدلات الفائدة الحقيقية على الودائع ، كما لاحظ الاثر الايجابي لارتفاع معدلات الفائدة و توصل الى ان كل زيادة في معدل الفائدة بـ 1% تؤدي الى زيادة النمو الاقتصادي بمعدل 0.5% .

     اما Gelb (1989) فقد قام بدراسة العلاقة بين متوسط اسعار الفائدة على الودائع و الناتج الداخلي الخام  لعينة تتكون من 34 دولة نامية في الفترة الممتدة من 1965 الى 1985 فتوصل الى ان معدلات النمو في الدول ذات معدلات الفائدة الحقيقية الموجبة كانت اعلى بكثير مقارنة بالدول الاخرى ، كما أن نمو الناتج المحلي الخام في هذه الدول زاد بثلاث مرات تقريبا مقارنة بالبلدان ذات معدلات الفائدة الحقيقية السالبة .

3-  أهداف التحرير المالي و المصرفي :

     وهي أهداف ساهمت في تطوير الظروف الملائمة لتحرير القطاع المصرفي ، وتوفير الأموال اللازمة والجو المناسب لزيادة الإستثمار ، وتتمثل في :

* تعبئة الإدخار المحلي والأجنبي لتمويل الإقتصاد عن طريق رفع معدلات الإستثمار .
* خلق علاقة بين أسواق المال المحلية والأجنبية من أجل جلب أموال لتمويل الإستثمار .
* إستعمال خدمات مالية مصرفية في المفاوضات التجارية بين عدة دول من أجل تحرير التجارة الخارجية خاصة مع الدخول لعدة دول نامية إلى المنظمة العالمية للتجارة .

*رفع فعالية الأسواق المالية لتكون قادرة على المنافسة الدولية ، وعليه تمكنها من فتح مصادر إقتراض وتمويل

أجنبية وخلق فرص إستثمار جديدة .

* تحرير التحولات الخارجية مثل تحرير تحويل العملات الأجنبية وحركة رؤوس الأموال، خاصة مع التغيرات الإقتصادية التي منها تغيرات أسعار الصرف وأسعار الفائدة .

المحور الثاني: شروط نجاح سياسة التحرير المالي .

1- العوامل التي يجب توفرها لنجاح التحرير المالي :

      يعد التحرير المالي ذو أهمية كبيرة و قد اعتبر من أهم السياسات التي من شانها أن تؤدي إلى تطوير و ترقية الخدمات المالية و المصرفية و تعبئة الموارد المالية و ترقية الاستثمار و التخصيص الأمثل لموارد المالية و تعزيز  القدرة التنافسية للبنوك التجارية المحلية .و من المنافع غير المباشرة لعولمة المالية نجد تنمية القطاع المالي، و نوعية المؤسسات و السياسات الاقتصادية الكلية.

     سادت الأزمات المصرفية فى الفترة 87 – 1997 ، وارتبط ذلك بسياسات التحرير المالى التى انتشرت خلال تلك الفترة  و قد قام كارلوس  - دياز  الياندرو أن ينشر مقالا هاما فى 1984 أطلق عليه عنوانا " وداعا للكبح المالى ، أهلا بالأزمات المالية      Financial Crash"Good – Bye Financial "Repression , Hello، وقد كان على بعض دول أمريكا اللاتينية ان تعيد هيكلة نظامها المصرفى فى الثمانينيات والتسعينيات ، وفى أواخر التسعينيات  تدهور أداء البنوك فى دول البلطيق لدرجة أدت إلى تدخل الحكومات لدعم البنوك الكبيرة  وفى معظم الدول التى تحولت إلى إقتصاد السوق فإن النظام المصرفى فيها شهد خسائر ضخمة ، وأخيرا فإن الأزمة المالية فى دول شرق آسيا أعادت إلى الأذهان مرة أخرى كيف يمكن لهذه الأزمات أن تتفجر مع صعوبة تقدير الآثار المتشعبة لها والتى تنتشر فى شكل عدوى وبائية ، حتى البنوك الأمريكية لم تسلم من الأزمات ففى أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات عانى أكثر من 79 بنكا من بين 509 بنك فى ولاية نيو إنجلاند من الفشل وانخفضت بشدة اسعار الأصول العقارية بحيث كان ذلك سببا فى فشل أكثر من 14 % من بنوك نيوإنجلاند.

     ولكي يتحقق نجاح التحرير المالي أو الإصلاح المالي يجب توفر مجموعة من المتطلبات يتعين توافرها قبل الشروع في إجراءات إزالة القيود و الإنفتاح المالي ولعل أهمها:

أ- الاستقرار الاقتصادي العام:

     من أهم ركائز الإستقرار الإقتصادي العام هو وجود معدل تضخم منخفض،لأن إرتفاعه
يؤدي إلى إنخفاض قيمة العملة و إرتفاع سعر الفائدة ، وبالتالي خسارة كبيرة في الإقتصاد ، مما يعرقل النمو الإقتصادي ، ويساهم في إضعاف النظام المصرفي،والتأثير على التحرير المصرفي.

    ومن أجل تحقيق الإستقرار الإقتصادي العام ،يجب إتخاذ عدة إجراءات وقائية وعلاجية ، التي تمكن من التنسيق بين السياسات الإقتصادية وسياسة التحرير المصرفي و المصرفي . فإرتفاع معدلات التضخم قد يفرض على التحرير رفع أسعار الفائدة الإسمية إلى مستويات مرتفعة جدا لتحقيق معدلات حقيقية موجبة، وقد يؤدي ذلك إلى أزمات مالية حيث  إن ارتفاع أسعار الفائدة بشكل كبير قد يؤدي إلى زيادة تدفقات رأس المال إلى الداخل، يؤثر إرتفاع أسعار الفائدة إلى مستويات عالية بالسلب على سوق الأوراق المالية، إذ يعني ذلك إرتفاع علاوة المخاطر الخاصة بأسعار الفائدة، قد تفسر أسعار الفائدة المرتفعة جدا فوق معدلات التضخم المعلنة على أنها إشارة إلى أن معظم العناصر الإقتصادية تتوقع إستمرار التضخم ومن ثم فشل برنامج الإصلاح المالي.

     فإن أمكن لعدد كاف من الشركات الاقتراض بمعدلات كبيرة و بأسعار فائدة إسمية مرتفعة جدا، فسوف يؤدي بمعدل التضخم للإرتفاع مستقبلا أمرا أكثر إحتمالا، ومن شأن ذلك أن يدعم التوقعات الخاصة بعدم هبوط التضخم. وأفضل ضمان لذلك يكون من خلال سياسة نقدية يمكن التنبؤ بها مع كونها موجهة نحو الثبات و الإستقرار.

ب- توافر قطاع مالي كفئ ومستقر: لتحقيق هذا البند لابد من وجود إصلاحات هيكلية تعمل على بناء قطاع مالي كفء ومستقر ويمكن أن نحددها في ثلاث مجالات مهمة:

- منع إستخدام أو إساءة إستخدام النظام المالي لتحقيق أهداف لا تتعلق بالسياسة الموضوعة،فإذا إعتمدت الحكومة على تدخلات مالية غير مناسبة فإن هذا سوف يثقل كاهل النظام المالي بتكاليف كان يجب أن تتحملها الميزانية العامة، ومن أمثلة السياسات التي تتبعها الحكومة هو توجيه الإئتمان وفقا لأولويات معينة سواء لأفراد أو مؤسسات أو جهات أخرى، وهذا يشمل على ما يسمى"الإقراض السياسي"للعامة أو المشروعات الخاصة أو الأفراد، وربما يتم إستمالة البنوك لتتظاهر بوضع معدلات فائدة منخفضة لمثل هذه الإئتمانات.

    وهناك نوع آخر من التدخل يهدف إلى خفض تكاليف خدمة الدين الحكومي وأشهر وسيلة لذلك هي الإخضاع المالي أو الكبح المالي وذلك حينما تضطر المؤسسات المالية إلى إبقاء على دين الحكومة بفائدة أقل من معدلات الفائدة السوقية.

   وكذلك توجد عدة سياسات مالية يمكنها زيادة أرباح البنك المركزي والتي يتم تحويلها إلى الميزانية العامة للمساعدة على خفض العجز، وبينت بعض التجارب كتجربة المكسيك التي إستخدمت متطلبات الإحتياطي القانوني (الزائد) لتمويل مقدار كبير من العجز المالي لديها في الثمانينات.إن مثل هذه التدخلات يمكن أن يكون لها آثار عكسية:

-         يمكن أن تؤدي إلى تشويه عملية تخصيص الإئتمان وبذلك تخفض من النمو والذي يمثل أهمية كبيرة للإقتصاد.

-     يمكن أن تؤدي إلى حالة عدم إستقرار النظام المالي.

    إن التخلص من هذه التدخلات يوجد مجال للحركة والمنافسة بين المؤسسات المالية المحلية والأجنبية، فإذا تم التحرير المالي وخاصة تحرير الخدمات المالية، وإستمرار مثل هذه التدخلات فإن العبء سوف يكون على المؤسسات المحلية فقط، لأن المؤسسات المالية الأجنبية قادرة على تجنب الضغوط الخاصة بالإقراض السياسي أفضل من المؤسسات المحلية المناظرة لها، وبالتالي تكون هذه الأخيرة أكثر عرضة للمشكلات واضعف في المنافسة حتى إذا كانت هناك إدارة جيدة تديرها.

- يمكن أن تلعب الحكومة دورا هاما لإعداد مؤسسات مالية تعمل في مناخ تنافسي متزايد في إيجاد مساحات من المناورة تتحرك فيها المؤسسات لخدمة الجمهور.

- يمكن أن تساهم الحكومة في توسيع وتعميق الأسواق المالية، ويمكن أن يلعب التحرير المالي دورا مساندا لهذه الإصلاحات الهيكلية من خلال الالتزام المسبق بالسوق المفتوح.

ج- توافر بنية مؤسسية وقانونية ملائمة: يفضل قبل الشروع في إزالة القيود و الإنفتاح المالي يجب توفر بنيةمؤسسية وقانونية ملائمة، إذ أن عدم مراعاة ذلك قد يؤدي إلى أزمات مالية خطيرة، الأمر الذي يؤدي إلى إنخفاض مستويات العمق المالي المفترض إرتفاعها في ظل التحرير المالي.

    حيث من الضروري توفر هيكل قانوني يحفظ حقوق الملكية، ونظام قضائي يتسم بالكفاءة يفصل بعدالة وسرعة في الدعاوي على أن يقترن ذلك بآلية فعالة لتنفيذ الأحكام، وهناك ضرورة أخرى لتوافر إطار تنظيمي ورقابي مناسب يكفل تحقيق الشفافية في المعاملات ويمنع التواطؤ ويقلص المخاطر اللاأخلاقية، فمثلا فما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه توفر نظام ضريبي فعال ومتطور بالنسبة للأطراف المتعاملة في الأسواق المالية، فإذا كانت السلطات الضريبية تراقب درجة الثقة في المعلومات الواردة في الميزانيات العمومية المقدمة من الشركات والأفراد لتجنب التهرب الضريبي وتحصيل الضرائب المستحقة وفقا للأسس والقواعد الضريبية المعمول بها، فإن تدقيق تلك المعلومات لن يوفر مصداقيتها فقط بالنسبة للحكومة بل أيضا بالنسبة للأطراف المتعاملة في أسواق رأس المال، وتزيد أهمية تلك المصداقية في أسواق الأوراق المالية (البورصة) عنها بالنسبة للجهاز المصرفي.

د- التنظيم والإشراف المناسب على المؤسسات المالية: لكي نقوي إستقرار القطاع المالي فإنه يجب أن نعمل جيدا أن كل مؤسسة مالية تقوم بالوساطة تمر بمخاطر تحتاج إلى تنظيم وإشراف جدي، وأن التنظيم والإشراف الجدي هام بالنسبة للبنوك لأن فشل أحد المؤسسات المالية أو أكثر يمكن أن يؤدي إلى أزمة في السوق كله نتيجة لفقدان الثقة في البنوك مما يؤدي إلى سحب ما فيها من أموال المودعين والمقترضين، إن هذا بدوره من الممكن أن يزعزع إستقرار الإقتصاديات الكلية والنشاط الإقتصادي.

     قد أصبح الإشراف والتنظيم الجدي ضروري في الأسواق المالية المفتوحة، وذلك لأن الإعتماد المشترك للإقتصاديات الكلية والإستقرار المالي يزداد في المناخ المتحرر، وفي نفس الوقت فإن المنافسة تستأصل الربوع التي ساعدت القطاع المالي على إمتصاص الأخطاء الإدارية أو السياسات في الماضي، ومع التحرير المالي وخاصة تحرير تجارة الخدمات المالية فإن الإشراف الفعال يساعد على تحسين توجيه المؤسسات المالية ويحدد المشكلات في مرحلة مبكرة، وهذا يسمح بالمزيد من الوقت لإتخاذ تدابير إصلاحية وبذلك يحد من إحتمال ودرجة الصعوبات التي تواجه القطاع المالي.

ه- توافر المعومات و التنسيق بينها :

     تختلف المعلومات عن السلع الإستهلاكية ، فالأولى لا تستهلك بالإستعمال عكس الثانية ، وكذلك الأولى لها فوائد عامة وللثانية فوائد خاصة .

تخص المعلومات تلك المتعلقة بسيولة المؤسسات المالية لصالح المودعين والمستثمرين ، ومعلومات عن إدارة المؤسسات المالية التي تساعد على تحديد مخاطر الإستثمار والعائد المتوقع.

    ينطوي التنسيق بين المعلومات على تحديد العلاقة بين معدل الفائدة ودرجة المخاطرة من جهة ، ومعدل الفائدة والأرباح المتوقعة من جهة أخرى ، حيث يرى مؤيدو التحرير المصرفي أن المشروعات الأكبر مخاطرة في حالة زيادة معدل الفائدة هو الأكثر عائدا ، والعكس صحيح ، لأنها تعوض معدل الفائدة .
     كما ينطوي على عدم التنسيق بين المعلومات ، صعوبة تمييز المقترضين بين المشـــروعات الفاشلة والمشروعات الناجحة ، ورفع تكلفة الحصول على المعـلومات ، ولهذا يرى منتقدو سياسة التحرير المصرفي ضرورة التدخل الحكومي ،لإلزام الجهات المعنية على توفير المعلومات ، بإصدار لوائح ، أو فرض ضرائب ، أو تقديم إعانات لتفادي إرتفاع تكلفة الحصول على المعلومات ،التي تجعل الأسواق المالية عرضة للإخفاق وبالتالي تحقيق المصلحة العامة.

6- إتباع التسلسل والترتيب في مراحل التحرير المصرفي :

     إن تطبيق سياسة التحرير المصرفي ، يجب أن تبدأ من المستوى المحلي بقطاعيه الحقيقي والمالي ، بحيث :

*  القطاع الحقيقي يتم فيه ترك الأسعار تتحرك وفق قوى السوق ، وفرض ضرائب مباشرة وغير مباشرة ، وبطريقة عقلانية على المؤسسات ، ورفع الدعم على الأسعار، وتطبيق سياسة الخوصصة .

*  القطاع المالي والمصرفي يتم فيه عدم وضع رقابة وقيود على تدفق وإنتقال رؤوس الأموال في التجارة الخارجية في المدى القصير .

ثم ينتقل إلى المستوى الخارجي بقطاعيه الحقيقي والمالي ، بحيث :

  • القطاع الحقيقي يتم فيه رفع القيود المفروضة على التجارة الخارجية والسماح للتحويلات المالية لخدمة أغراض التجارة الخارجية .
  •  القطاع المالي والمصرفي برفع الرقابة على تدفق وإنتقال رؤوس الأموال في التجارةالخارجية في المدى القصير .

    حيث أدى التطبيق الآني لكافة خطوات لتحرير المالي مع تجاهل إعتبارات التسلسل و التدرج إلى حدوث مشاكل مالية وإقتصادية في دول التي سلكت ذلك النهج، ونشير إلى تجارب كل من الأرجنتين ولأورجواي للتحرير الشامل، فإن كلتا الدولتين قامتا بتحرير قطاعيهما المالي الداخلي والخارجي في آن واحد، وأن جميع خطوات التحرير من إزالة القيود على سعر الفائدة وتخصيص الإئتمان، و على حرية الدخول إلى القطاع المالي والمصرفي، وعلى سوق رأس المال بالإضافة إلى قابلية العملة للتحويل الكامل قد تمت في آن واحد. وقد أدت تلك الخطوات إلى تزايد درجة العمق المالي، ومارست نوع من التساهل نتيجة الآثار الإيجابية على الإستثمار الكلي والأداء الإقتصادي في تلك الدول إلى الوقوع في دائرة من الأزمات المالية.

7- إجراءات التحرير المالي و المصرفي: تشتمل سياسات التحرر المالي على مجموعة من الإجراءات يتطلب المرور بها، وذلك من خلال تطبيق إجراءات التحرير على المستوى المحلي وإجراءات التحرير على مستوى الخارجي .

أ- إجراءات التحرير على مستوى المحلي: وهو يتضمن في تحريره ثلاثة متغيّرات أساسية وهي أسعار الفائدة، الإعتمادات والاحتياطيات الإلزامية والمنافسة المصرفية.

- تحرير أسعار الفائدة: يتضمّن تحرير أسعار الفائدة بإزالة الرقابة والتثبيت، و تحديد سقوف عليا لأسعار الفائدة الدائنة والمدينة،

- تحرير الإعتمادات والإحتياطيات الإلزامية: يتضمن الحد من الرقابة على التوجيه الائتمان نحو القطاعات محددة، والحد من الإعتماداتِ للقطاعات الأخرى والتخفيض أَو حذف الإحتياطيات الإلزامية المغالى فيها على البنوك، والاعتماد على الأدوات غير المباشرة للسياسة النقدية خاصة عمليات السوق المفتوحة للتأثير على العرض النقدي.

- تحرير المنافسة المصرفية: تتضمّن بإلغاء وحذف القيود والعراقيل التي تعيق إنشاء البنوك المحلية والبنوك الأجنبية، وكذلك إلغاء كافة القيود المرتبطة بتوجيه تخصص البنوك ومؤسسات.

- إجراءات التحرير المالي على المستوى الخارجي: تتضمن سياسات التحرير المالي على المستوى الدولي العديد من الإجراءات التي يمكن عرضها كالأتي :

* إلغاء ضوابط الصرف: وذلك بإعتماد سعر صرف متغير يتحدد وفق تغيرات قوى السوق، إذ أن سعر صرف العملة المحلية يعكس المستويات الحقيقية لأسعار مختلف الموجودات المحلية.

* فتح الحساب رأس المال: ويعني ذلك حرية إنتقال الأموال من وإلى الإقتصاد، وبالتحديد من وإلى الأسواق المالية. وهذه الحرية تزيد من إمكانية إمتلاك المحليين لأصول الحقيقية والمالية والنقدية الأجنبية، وتسمح لغير المقيمين بإمتلاك الأصول المحلية وتداولها.

*فتح أسواق الأوراق المالية: تخفيف القيود المفروضة على أسواق الأوراق المالية والتي من شأنها أن تعمل على زيادة كفاءة الأسواق المالية، وذلك من خلال إلغاء الحواجز أو تقليلها أمام إنضمام المستثمرين والشركات المساهمة في السوق أو الإنسحاب منها، وإعطائها حرية أوسع في تحديد كيفية إصدار الأوراق المالية،والعمل على تحسين البنية الأساسية لتطوير الأسواق المالية.

    ويتطلب تحرير الخدمات المالية الحد من التدخلات الحكومية وفتح الأسواق أمام المؤسســـات المالية الأجنبية وإطلاق قوى السوق على قاعدة المنافسة الحرة، ويتم ذلك على عدة مسارات في آن واحد، منها ما تفرضه مقتضيات الاندماج نفسه، ومنها ما تحدده سياسات وتوصيات المؤسسات الدولية المعنية، ومنها ما يتم فرضه من خلال اتفاقيات دولية كاتفاقية تحرير الخدمات (الجاتس). وقد أضحى التعاون في الخدمات المالية ضرورة ملحة فرضتها الظروف والمصالح الدولية المشتركة، خاصة وأن دراسات عدة أجريت في هذا المجال قد أظهرت أن تحرير التجارة في الخدمات المالية وإرساء نظام للتجارة متعددة الأطراف من شأنه -إلى جانب الإصلاحات الأخرى-أن يعزز من فرص زيادة الدخل والنمو، وقد اتخذ التحرير المالي والمصرفي إطارا رسميا وتنظيميا في إطار منظمة التجارة العالمية، حيث تعد الجاتس « GATS » Général Agreement on trade in services، أول تعاون دولي في المسائل المالية، حيث انتهت المفاوضات تحت مظلتها بتوقيع 70 دولة لاتفاقية تحرير التجارة في الخدمات المالية وذلك في 13ديسمبر 1997، وهو ما يعني تعميق الاتجاه نحو عولمة الخدمات المالية بما تحمله من مفهوم عدم التفرقة في المعاملة بين الموردين المحليين والموردين الأجانب للخدمات المالية، فضلا عن إعادة تنظيم الخدمات المالية المحلية بما يضمن رفع جودة المنتجات وتعزيز القدرة التنافسية للموردين المحليين، ويغطي الاتفاق الموقع أكثر من %95 من أنشطة قطاع الخدمات المالية التي تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات.

    ولا شك أن تحرير تجارة الخدمات المالية أمر من شأنه تحقيق منافع كثير لدول العالم، حيث يتيح الاتفاق للدول النامية فرص نفاذ خدماتها المصرفية إلى أسواق الدول المتقدمة، وكذلك الاستفادة من نقل التكنولوجيا المصرفية الحديثة والمتطورة لأسواق الدول النامية، وأيضا الاستفادة من الخبرات الأجنبية في تدريب وتأهيل العمالة الوطنية في أسواق الدول المستوردة للخدمة.

المحور الثالث: دور سياسة التحرير المالي في إصلاح المنظومة المصرفية

     يمثل الجهاز المصرفي ركيزة اساسية ولازمة وهامة وحساسة بالنسبة للسياسات المالية والاقتصادية لكل الدول سواء كانت دولا صناعية كبرى ذات اقتصاد متشابك ومركب ، أو دولا نامية لا تزال آليات اقتصادياتها المالية في طور النمو و التطوير .

    ويمثل الجهاز المصرفي، في الدول النامية و في الدول التي تتحول من نظم اقتصادية شاملة الى نظم تتبع اليات السوق الحرة ، هذا الجهاز يمثل العصب الحيوي لتطوير الاسواق  النقدية والمالية فيها ، كما يمثل المصدر الرئيسي في القيام بالوسطات المالية المختلفة اللازمة في عمليات التنمية والتحول .

    ان البنوك لم تعد مجرد خزائن توعد فيها أموال الغير اذا ما فاضت عن حاجتهم وتسحب منه اذا ما رغبوا في ذلك ،بل أصبحت هذه البنوك تقوم بدور فعال في خلق النقود وفي التحكم في الكمية المعروضة منها، و أصبح لها تاثير كبير على حجم الاستثمارات واسعة في النطاق ، وعملية الاستثمار تستلزم الادخار أو الاقتراض من الداخل او الخارج ،  ثم استخدام هذه المواد في مباشرة العملية الانتحارية . ويتطلب الاستثمار إيجاد المؤسسات التي تتوافر لها القدرة على استغلال الفرص المتاحة للاستثمار ( سواء باقامة مشروعات جديدة أو بالتوسع في المشروعات القائمة ) ، وتوجيه المواد المالية نحو استغلال هذه الفرص وتحمل المخاطر الناتجة عن ذلك .

     واصبحت البنوك تنشط في بيئة دولية تتميز بالتغيير و التحسين المستمر الامر الذي عكسه التوجه نحو توسيع نطاق اعمال البنوك من حيث نوع الخدمات التمويلية و الاستشارية و الاوعية الادخارية و الاستثمارية التي توفرها لعملائها حيث تمثلت اهم قوى التغيير الاستراتيجية في مجال الخدمات المالية و المصرفية فيما يلي :

* الضغوط التنافسية : حيث برزت ثلاثة اتجاهات تمثل اولها في تزايد حدة المنافسة بين البنوك التجارية ، ثانيها تزايد درجة المنافسة بين المؤسسات المالية المختلفة، ثالثها تزايد حدة المنافسة في السوق لتقديم بعض الخدمات المالية من قبل مؤسسات غير مالية و كل ذلك من نتائج التحرير المالي و المصرفي.

* القواعد و القيود التنظيمية الخاصة بأعمال البنوك: اذ شهدت مختلف الاسواق المصرفية في الدول المتقدمة خلال فترة التسعينات عمليات تخفيف القواعد التنظيمية الهيكلية و تتخفيف القواعد التنظيمية الاشرافية (اساليب الرقابة ).

* الابتكارات المالية: و التي تتمثل في التبدل الكبير الادوات المالية و المصرفية باتجاه ظهور تشكيلة متنوعة من الاوراق المالية التي تجمع بين سمات المالكية و سمات الدين.

* التطور التكنولوجي : حيث اصبحت وسائل الدفع تواكب هذا التطور فتعددت اشكالها و انواعها على مستوى العالم، كما تعرضت مختلف البنوك لغزو تقني حديث غير من مفاهيمها التقليدية.

1- مفهوم و أهمية امتلاك القدرة التنافسية:

    تجتهد المؤسسة في بيئة تنافسية؛ قصد التـفوق على منافسيها ضمن قطاع النشاط، ولن يكون لها ذلك إلا إذا حازت على عنصر أو عناصر تميِّزها عنهم. كما يعرفها PORTER، تنشأ الميزة التنافسية « بمجرد توصل المؤسسة إلى اكتشاف طرائق جديدة أكثر فعّالية من تلك المستعملة من قبل المنافسين. حيث يكون بمقدورها تجسيد هذا الاكتشاف ميدانيا. وبمعنى آخر بمجرد إحداث عملية إبداع بمفهومه الواسع(...)». ان الميزة التنافسية تتمثل في ذلك الإختلاف والتميز الذي تملكه المؤسسة عن منافسيها، والذي سيؤهلها إلى تحقيق مزايا عدة منها الحصول على هوامش مرتفعة، وتطبيق أسعار جد منخفضة، وحصول على حصة سوقية أكبر، والنمو والبقاء أطول ما يمكن.

2- أنواعهــا :

 ا- ميزة التكلفة الأقل:نقول عن مؤسسة ما أنّها تحوز على « ميزة التّكلفة الأقل، إذا كانت تكاليفها المتراكمة بالأنشطة المنتجة للقيمة  أقل من نظيراتها لدى المنافس» .

ب- ميزة التميز:تتميز المؤسسة عن منافسيها، « عندما يكون بمقدورها الحيازة على خصائص فريدة تجعل الزبون يتعلق بها» .

3- مصادر الميزة التنافسية :

      إن الخصائص والصفات التي تتميز بهما المؤسسة عن منافسيها ذات طبيعة متغيرة ونسبية، وتمس الأنشطة التي تقوم بها، كالمنتوج، والخدمات بأنواعها (الأساسية والمكملة)، وكيفية الإنتاج، والتنظيم، والأنشطة التسويقية، …إلخ.وإن هذا التفوق النسبي الناتج عن عدة عوامل أو مصادر مختلفة. وقد نجد عدة مؤلفين قاموا بتحديد مصادرها، فمنهم Jean Jacques Lambin  الذي أعتبرها إما أن تكون داخلية أو خارجية.

إن M.Porter يعتبر من المؤلفين الأكثر شيوعا الذين قاموا بتحديد مصادر الميزة التنافسية، وحصرها في التكلفة والتمييز، إلى جانب المعايير الكلاسيكية مثل: الوفورات الاقتصادية، زيادة من إنتاجية عوامل الإنتاج، تخفيض التكاليف. إن معيار التمييز نجده في بعض المراجع مرادف لجودة المنتوج، والتي على أساسه يتم التفضيل بين المنتجات المطروحة في السوق.إن الشكل رقم (1) أدناه، يوضح مصادر الميزات التنافسيةالشكل(1) : مصادر الميزات التنافسية أو القيمة

 

 المصدر:Tugrul Atamer et Roland Calori, « Diagnostic et Décisions Stratégiques », Dunod, Paris, 1998, P.13                                

 

  أن للميزة التنافسية دورة حياة مثلها مثل المنتج كما يبينه الشكل الآتي، وهذه المراحل متمثلة في:

أ. مرحلة التقديم: تعد أطول المراحل بالنسبة للمؤسسة المنشئة للميزة التنافسية، لكونها تحتاج إلى الكثير من التفكير والاستعداد البشري، المادي والمالي. وتعرِف عندها الميزة التنافسية مع مرور الزمن انتشارا أكثر فأكثر؛

ب. مرحلة التبني: تعرف الميزة هنا استقرارا نسبيا من حيث الانتشار باعتبار أن المنافسين بدءوا يركزون عليها؛

ج. مرحلة التقليد: يتراجع حجم الميزة وتتجه شيئا فشيئا نحو الركود، لكون المنافسين قاموا بتقليد ميزة المؤسسة، وبالتالي تتراجع أسبقيتها عليها؛

د. مرحلة الضرورة: تأتي هنا ضرورة تحسين الميزة الحالية وتطويرها بشكل سريع، أو إنشاء ميزة جديدة على أسس تختلف تماما عن أسس الميزة الحالية. وإذا لم تتمكن المؤسسة من التحسين أو الحصول على ميزة جديدة، فإنها ستفقد أسبقيتها تماما وعندها يكون من الصعب العودة إلى التنافس من جديد.          

 الشكل 02 : دورة حياة الميزة التنافسية  

 المصدر: عرابة رابح ؛ بنافلة قدور ؛ التسويق البـنكي و قدرته على إكسـاب البنوك الجزائرية ميزة تنافسية ؛من الملتقى الدولي الاول حول  المنظومة المصرفية الجزائرية و التحولات الإقتصادية المنظم في يومي 14و15 ديسمبر 2004 جامعة شلف .

     يقصد بالقدرة التنافسية للبنك الوضع الذي يتيح له التعامل مع مختلف الأسواق المصرفية و مع عناصر البيئة المحيطة به بصورة أفضل من منافسيه، بمعنى أن الميزة التنافسية تعبر مدى قدرة البنك على الأداء بطريقة يعجز منافسيه عن القيام بمثلها.

    إن  M. Porterقام بإعداد مصفوفة تعتمد على بعدين يتمثلان في مصادر الميزة التنافسية من جهة والمجال التنافسي من جهة أخرى، مما يعطي الإختيارات الإستراتيجية الممكنة.

الجدول (1):  الإستراتيجيات النوعية

 

الميزة التنافسية

الحقل التنافسي

التكلفة المنخفضة

التميز

حقل واسع

إ. السيطرة بالتكاليف

إ.التمييز

حقل ضيق

إ.التمركز

Source :C.Marmuse, «Politique Générale, langage, Intelligence, Modèles et Choix Stratégiques », 2Edition, Economica, 1996, p382

     أما "جيفري ساكس" فيعتبر أن التنافسية تمثل قدرات البنك على إنتاج خدمات مصرفية بأقل تكلفة مقارنة بالمنافسين، و تسويقها على أن يؤدي إنتاج و تسويق هذه الخدمات زيادة في ربحية البنك.

   كما يعرف آخرون القدرة التنافسية على أنها تمثل قدرة البنك على اكتساح السوق المصرفية من خلال التحكم في التكاليف و أسعار عرض الخدمات مع المحافظة على جودة الخدمات المقدمة.

   و يعرف الدكتور علي السلمي القدرة التنافسية بأنها مجموعة من المهارات و التكنولوجيا و المواد والقدرات التي تستطيع الإدارة تنسيقها و استثمارها لتحقيق أمرين أساسيين و هما:

- إنتاج قيم و منافع للعملاء أعلى مما يحققه لهم المنافسون.

- تأكيد حالة من التميز و الاختلاف عن بقية المنافسين.

    إن القدرة التنافسية عملية دينامكية تتغير باستمرار بتغير مكوناتها الذاتية و التي تشمل الموارد التقنية والبشرية و النظم و النتائج، و يمكن اعتبار البنك قادر على المنافسة إذا أستطاع المحافظة على حصته في السوق أو زيادتها عبر الزمن.

الجدول رقم 02 : القدرات التي تتشكل منها القدرة التنافسية للبنك.

   القدرات المتاحة للبنك

النتيجة

1- قدرات معلوماتية: تتمثل في نظم المعلومات و الاتصالات الفعالة، ورصيد المعرفة المتاح عن عناصر نظام الأعمال و متغيرات السوق.

2- قدرة تنظيمية: التنظيم الهيكلي المرن الذي يساعد على الاتصال وسهولة تدفق المعلومات، و المنفتح على البيئة.

3- قدرة إنتاجية: القدرات الإنتاجية و النظم و الإمكانيات البحثية والتطويرية القادرة على إنتاج خدمات متميزة.

4- قدرة تمويلية: الموارد المالية المناسبة.

5- قدرة تسويقية: أساليب و إمكانيات الاتصال بالسوق و الوصول إلى العملاء لتحقيق تدفق الخدمات إليهم بحسب متطلباتهم و وفقا لتوقعاتهم.

6- قدرة بشرية: الموارد البشرية المدربة و المؤهلة و المتحمسة والطاقات الذهنية المبدعة و الرغبة في المشاركة من طرف الجميع.

7- قدرة قيادية: القيادات ذات الرؤية الإستراتيجية و الالتزام بالابتكار والتطوير والتحسين المستمر.

 

قدرة تنافسية تحقق التميز على المنافسين و تخلق مركز و قيمة تنافسية البنك.

المصدر: د. بريش عبد القادر ، التحرير المصرفي ومتطلبات تطوير الخدمات المصرفية وزيادة القدرة التنافسية للبنوك الجزائرية مرجع سابق . ص272 .

4- عوامل زيادة القدرة التنافسية في ظل التحرير المالي و المصرفي :

      يتطلب تحرير القطاع المصرفي التفتح على العالم الخارجي ، وبالتالي يجب أن يتسم بالكفاءة والقدرة على المنافسة العالمية ، خاصة في الخدمات المالية ، و من بين العوامل التي تساعد على زيادة القدرة التنافسية :

أ-الابداعات المالية ( الابتكار المالي ):

     لقد قامت البنوك و المؤسسات المالية في النصف الثاني من التسعينات بتطوير عدد وافر من الابتكارات المالية و ذلك لمقابلة احتياجات و رغبات العملاء دائمة التغير سواء في مجال الاعمال المصرفية بالتجزئة او الاعمال المصرفية للمؤسسات و قد تميزت اهم مظاهر نمو تلك الابتكارات في الاسواق المالية فيما يلي :

* النمو في استخدام التمويل ذو الحساسية لسعر الفائدة حيث بدات البنوك في الحصول على الكثير من مواردها المالية من خلال اسواق النقد الدولية هذا من ناحية ، و من ناحية اخرى بدا العملاء المودعون يبحثون على عوائد افضل لودائعهم من خلال ايداعها لدى المؤسسات المالية التي تقدم خدمات ادارة النقد ( صناديق الاستثمار).

* الزيادة في قيمة ادوات الدين ذات الفائدة المتغيرة او المعومة و تقصير الاجال ، فقد بدات معظم البنوك في الاقراض بمعدلات فائدة متغيرة و يعتبر هذا الوضع مستقرا منذ عدة سنوات في المملكة المتحدة ، بينما نجد ان مؤسسات الادخار في الولايات المتحدة قد عانت من مصاعب كثيرة نتيجة الاقراض باسعار فائدة ثابتة

* نمو الاسواق المالية و كذا الادوات المالية القابلة للتسويق خلال النصف الثاني من التسعينات  توسعا في احجامها و زيادة كفاءتها ، فضلا عن ذلك فقد تم تطوير الاسواق التي تتعامل في الادوات المالية الجديدة مثل الخيارات و المبادلات و العقود المستقبلية ؛ و الجدير بالذكر ان العديد من تلك الابتكارات تعرف عادة ببنود خارج الميزانية .

    وقد ساهم التطور التكنولوجي في تقارب المسافة بين الحاسبات الالية و وسائل الاتصال الرقمية بصورة كبيرة مما ادى الى التوجه نحو العالمية و اختراق الوقت و المسافة .

  هذا وقد تأخذ عملية الابتكار شكلين الأول هو ابتكار منتجات جديدة، والثاني هو ابتكار أساليب جديدة، وهذين الشكلين قد يكونا مكملين لبعضهما البعض، وفي هذا السياق نود الإشارة إلى أن ابتكار الخدمة المصرفية قد يكون بمثابة إجراء عملية تغيير أو تعديل أو تبديل في الخصائص والمميزات للخدمة المصرفية المقدمة إلى السوق. ومن ناحية أخرى فإن ابتكار الأساليب الجديدة تتناول إجراء عملية تغيير في طبيعة واستخدامات المدخلات في إطار إنتاج خدمات فريدة في السوق، كما أن الابتكار على المستوى الإستراتيجي للبنك، فإنه يهتم بكل من الابتكار في مجال الخدمات المصرفية، والابتكار في الأساليب، والابتكار الإداري والتنظيمي، هذه المستويات الإستراتيجية الثلاث ذات علاقات تكاملية.  

ب- المزيج التسويقي للبنك :

      المزيج التسويقي هو عبارة عن عملية دمج للعناصر الأربعة : المنتج (الخدمة المصرفية ) ، السعر ، الترويج والتوزيع ،لكن ومع التطورات التكنولوجية التي يشهدها المحيط فإنه يتحتم على المؤسسة التلاؤم مع هذه الوضعية الجديدة لأن بقاءها واستمراريتها مرتبطان بذلك وخاصة في ظل المنافسة الحادة .وفي هذا الشأن فإن البنوك مدعوة لتغيير أساليب تسييرها وذهنياتها من أجل مواكبة هذه التطورات . لذلك فإن التسويق يجب أن يؤكد دورة الإستراتجي والتنظيمي ويحفز إدخال التكنولوجيات الجديدة، ولتحقيق هذا الأمر تم تطوير المزيج التسويقي التقليدي الى ما يسمى بالمزيج التسويقي المتطور والذي يتكون من العناصر الأربعة التالية: المعلومة ، التكنولوجيا ، التوزيع أو الإمداد والموارد البشرية ، إذ أن المبدأ الأساسي هو التفاعل بين  هذه المتغيرات من أجل تحقيق أهداف البنك .

    ولنجاح المزيج التسويقي المتطور، فإن الأمر يتطلب تدخل العناصر الثلاثة التي هي موجهة لتكملة متغير التكنولوجيا، فالمعلومة تمثل مصدرا هاما للتطور من خلال إيجاد منتجات وقنوات توزيع جديدة . بالنسبة للمورد البشري  فهي  عبارة عن ثروة بالنسبة للمؤسسة . وكل إتجاه تسويقي  تكنولوجي لا يأخذ بعين الإعتبار الكفاءات الحالية و المستقبلية للمستخدمين ولا يدمج قدرتهم على التلاؤم  و التغيير ويهمل تأثيرات التجديدات على المنظمة يمكن أن يؤدي الى الفشل . كذلك  فإن التكنولوجيات المستقبلية تشترك الانفتاح  نحو أكبر تقارب ممكن بين النشاطات وبذلك تحقق أمثلية الاتصال من خلال إقتراح كسب وفاء الزبون.

الجدول رقم03 : الاستراتيجيات التنافسية الثلاث

 

 

الاستراتيجية التنافسية

الميزة التنافسية

 

حـجـم

 

 

جـميـع

قـطـاعات

القيادة في التكلفة

إدراك الزبائن لانخفاض أسعار منتجات المؤسسة عن منافسيها.

السـوق

السـوق

التمييز

إدراك الزبائن للشيء الفريد الذي تقدمه المؤسسة.

المـسـتـهدف

قـطـاع مـعـيـن مـن السـوق

التركيز

إدراك الزبائن في قطاع المؤسسة للشيء الفريد الذي تقدمه المؤسسة.

المصدر : عرابة رابح ؛ بنافلة قدور ؛ مرجع سابق .

ج- تبني البنوك للمعايير العالميةفيما يخص الجودة: أصبحت البنوك مطالبة بتبني المعايير العالمية في خدماتها المصرفية من خلال الجودة، وفي نمط تعاملاتها مع العملاء، وهذا ما يعني ضرورة قيام البنوك المحلية بأقصى الجهود لتحسين منتجاتها ووضعها في المصف العالمي.    

    في الوقت التي ظهرت في أوروبا ومن بعدها في العديد من دول العالم خلال العقدين الآخرين من القرن الماضي، إذ بدأت البنوك في تلك الدول في الابتعاد عن التخصص المصرفي وكذا تقليل التركيز على الأشكال التقليدية للإقراض والاستثمار، وبذلك أصبحت تلك البنوك تقوم بتقديم تشكيلة شاملة من الخدمات المصرفية من أجل مقابلة الاحتياجات المتنوعة للعملاء، وكذلك من أجل مواجهة ضغوط بنوك الدول الأجنبية التي كانت تقدم تشكيلة متنوعة من الخدمات المصرفية. وعليه ففي كافة أنحاء أوروبا أصبحت البنوك تتحرك باتجاه النظم المصرفية الشاملة والتي تمكنها من ممارسة نشاطها في أسواق كانت من قبل محظورة عليها، كما أن الأخذ بمبدأ التخصص في فلسفة العمل المصرفي أدى إلى محدودية أنشطة البنوك وبالتالي التأثير على مبيعاتها ومن ثم على نتائجها وقدراتها التنافسية.

د- التوريق أوالتسنيد: إن عملية التسيد أو التوريق ظاهرة جديدة استخدمت في الثمانينات من القرن الماضي، وصارت تشكل حاليا واحد من أهم ملامح أسواق المال الدولية، ويشير مصطلح التسنيد أو التوريق إلى عملية تحويل القروض المصرفية إلى أوراق مالية تطرح للتداول، ويعني ذلك أنه يتم تحويل ديون المؤسسات والهيئات المقترضة من المقرض الأساسي – وهو البنك – إلى مقرضين آخرين – وهم مشترو الأوراق المالية- وهو ما يطلق عليه بعملية التمرير المالي.

وهذا وقد نشأت ظاهرة التسنيد في البنوك التي فقدت ميزتها النسبية بالقياس إلى أسواق الأوراق المالية في مجال الوساطة المالية في عمليات الائتمان الدولية، كما حمل أسلوب التسنيد تغيرا في الدور الذي يقوم به المصرفيون، حيث أن الربحية الآن تحولت من كونها تعتمد على إجراء الدراسات والأبحاث فيما يتعلق بهامش أسعار الفائدة إلى التركيز باتجاه تحقيق الإيرادات من العمولات عن الأنشطة الخاصة بتقديم أدوات الدين.

ه- التجمع والاندماجية: يعد الاتجاه نحو ظاهرة التجمع والاندماجية الأكثر أهمية من بين الاتجاهات التي تلائم العمل المصرفي في غالبية دول العالم ومن بينها البنوك الجزائرية، ولعل حركة التجمع والاندماجية تحددت ملامحها واكتسبت خصائصها وصفاتها المميزة من خلال رغبة البنوك التي تعمل على نطاق واسع في الحـفاظ على تواجدها عالميا، بالإضافة إلى قدرتها على تقديم تشكيلة شاملة من الخدمات المصرفية، هذا ويمكن القول أن من أهم الأسباب الرئيسية التي تفسر حدوث عمليات التجمع والاندماجية ترجع إلى دوافع إستراتيجية مرتبطة بالتنويع وكذا الدوافع الاقتصادية المرتبطة بعلاقة العمل والتعاون.

     ومع تسارع وتيرة العولمة والتحرر المالي في الأسواق المالية، أصبحت ظاهرة الاندماج بين البنوك والمؤسسات المالية مثيرة للانتباه، خاصة لكونها قد تعاظمت مؤخرا إلى الدرجة التي وصفها المحللون الماليون بأنها ظاهرة العصر، ويسود الاعتقاد بأن المؤسسات المصرفية الكبيرة الحجم تعمل وفق الأعراف المصرفية السليمة ومن ثم يمكنها مواجهة المنافسة الشديدة في السوق المصرفي، كما يمكنها خفض المخاطر التي يتعرض لها نشاطها المصرفي.

    يعرف الدمج المصرفي بأنه العملية المالية التي تؤدي إلى الاستحواذ على بنك أو أكثر بواسطة مؤسسة مصرفية أخرى، حيث قد يتخلى البنك المندمج عن اسمه وينضوي تحت اسم المؤسسة المصرفية التي قامت بعملية الدمج.

و- الالتزام بالمعايير الدولية (مقررات لجنة بازل): من أهم التحديات التي أصبحت تواجه كل البنوك في العالم ومنها البنوك الجزائرية ضرورة تبني المعايير الدولية التي أقرتها لجنة بال في مختلف اجتماعاتها فيما يتعلق بملاءة رأس المال وقواعد الحذر والالتزام بالشفافية، حيث أصبح القائمون على هذه الهياكل ملزمين الحذر والاحتياط ومجابهة هذه الآثار وذلك عن طريق تدعيم رؤوس أموال البنوك واحتياطاتها، كما أصبح لزاما على البنوك الالتزام بالمعايير العالمية في هذا الشأن للدلالة على متانة مراكزها المالية مما يزيد على تقوية ثقة المتعاملين معه ويقيه من الهزات المالية التي تعصف بالبنوك الضعيفة. 

    وفيما يتعلق بصناعة الخدمات المالية العربية فإنها تواجه تحديات مضاعفة، منها ما يتعلق بضرورات التكيف مع المتغيرات الدولية ومنها ما يتعلق بمواجهة المشكلات ومواطن الضعف الخاصة بهذه الصناعة. وتتعلق هذه الأخيرة بتركيبة القطاع المصرفي العربي وبالبيئة الاقتصادية والسياسية التي يعمل فيها.
    فإذا كانت الصفة العائلية والحكومية لملكية عدد كبير من المصارف العربية قد وفرت في الماضي فرص العمل والنمو الآمن والمريح داخل أسواق محمية، فان هذه الصفة ستشكل عاملاً سلبياً في ظل انفتاح الأسواق واشتعال المنافسة مع مصارف دولية عريقة، ولعل ذلك يفسر تأكيد المؤتمر السابع لرجال الأعمال والمستثمرين العرب بالسعي على أهمية "قيام مؤسسات مصرفية عربية كبرى لزيادة قدرتها على المنافسة وتطوير خدمات مصرفية جديدة بمفهوم البنك الشامل".   

    وتجدر الإشارة إلى أن هناك عدداً من المميزات في بيئة العمل المصرفي العربي أهمها السيولة العالية التي تتمتع بها غالبية المصارف بما في ذلك مصارف الدول غير المصدرة للنفط، يقابل ذلك ضآلة فرص التوظيف المجدي والآمن بسبب التراجع في حجم اقتراض الحكومات المباشر من الأسواق المحلية واستبدالها بإصدار أدوات الدين، بعد تمكن العديد من الدول من السيطرة النسبية على عجوزات الموازنات العامة، ونجاح تنفيذ برامج الخصخصة مما رفع عن كاهل الحكومات أعباء تشغيل المؤسسات المباعة ووفر في الوقت نفسه موارد مالية إضافية. وقد ترافق كل ذلك مع انخفاض هوامش الإقراض لا سيما للمقترضين الجيدين وللقروض الكبيرة.  

   الخـــاتمة: 

      يعتبر الجهاز المصرفي الركيزة الاساسية لدفع عملية التنمية ،فقد اصبحت البنوك التجارية تلعب دورا مهما في توفير التمويل ، نظرا للأهمية الكبرى للجهاز المصرفي ، يجب تكيفه مع كل التغيرات والظروف ، خاصة مع الدخول في إقصاد السوق كإقتصاد لبيرالي حر ، الذي يستدعي رفع القيود الحكومية على تصرفاته ونشاطاته .

 فإذا كانت الصفة العائلية والحكومية لملكية عدد كبير من المصارف العربية قد وفرت في الماضي فرص العمل والنمو الآمن والمريح داخل أسواق محمية، فان هذه الصفة ستشكل عاملاً سلبياً في ظل انفتاح الأسواق واشتعال المنافسة مع مصارف دولية عريقة،ففي التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم و خاصة في ظل العولمة الاقتصادية التي اصبحت تداعياتهل تهدد مصالح الدول المتخلفة ؛ و ان استخدام التكنولوجيا الحديثة جعل العالم كقرية صغيرة يسهل من خلالها الاتصالات السريعة و ازدادت نوعية الشركات و حتى البنوك العابرة للقارات (المتعددة الجنسيات) مما انعكس سلبا على البنوك و المؤسسات في الدول النامية التي كانت تنشط في ظل الحماية ، في ظل هذه التغيرات ، وجدت الأجهزة المصرفية في الدول النامية نفسها أمام عدة تحديات، تخص ندرة الموارد ، إستخدام التكنولوجيا ، متطلبات الزبائن ، مصداقية الإعلام ، شدة المنافسة، تطبيق اللامركزية والتخصص ، تطوير التشريعات أو القوانين المنظمة لأعمالها، رفع المستوى المهني للعمال والإطارات،مواجهة مخاطر الإستثمارات،وتحديث وسائل الإتصال.

     وقد يكون الوقت قد حان لأن تأخذ المصارف العربية المبادرة لدخول هذه الميدان والسعي إلى تطوير أسواق رؤوس الاموال محلية . ولعله من المؤكد ان عملية الاندماج في الاقتصاد العالمي والتكيف مع مستجداته المتسارعة، تتطلب تصميم حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات في مختلف مجالات وقطاعات صناعة الخدمات المالية وتنفيذها ورصد نتائجها وتكييفها لمواجهة المتغيرات التي تطرأ على القطاع ، ومن بين أهم هذه الإجراءات تقوية المراكز المالية للمصارف العربية من خلال زيادة رؤوس أموالها بما يتلاءم مع معايير اتفاقية بازل المتعلقة بنسبة الموارد الخاصة للبنوك إلى القروض الخطرة، كذلك تعميق الاتجاه إلى المساهمة في تمويل مشروعات البنية الأساسية وكذلك المشروعات الاستثمارية الخاصة، وتشجيع المبادرة بين البنوك العربية للاندماج الطوعي وبتشجيع ومباركة من المصارف المركزية، كذلك مبادرتها لتطوير وتفعيل الإطار القانوني الذي ينظم النشاط المصرفي بما يتلاءم مع التطورات الجارية.

 

المراجع المعتمد عليها:

-   رونالد ماكينون، ترجمة، طيب بطرس وسعاد الطنبولي، النهج الأمثل للتحرير الاقتصادي، الجمعية المصرية لنشر الثقافة العالمية، الطبعة الأولى، 1996.

- ايهان كوزي و اخرون ؛ العولمة المالية ، مجلة التمويل التنمية مارس 2007 ، صندوق النقد الدولي .

- بريش عبد القادر ، التحرير المصرفي ومتطلبات تطوير الخدمات المصرفية وزيادة القدرة التنافسية للبنوك الجزائرية، أطروحة لنيل شهادة  الدكتوراه في العلوم الإقتصادية غير منشورة، فرع نقود ومالية، جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2005/2006.

- عبد المطلب عبد الحميد، العولمة و اقتصاديات البنوك، ، الدار الجامعية  طبعة 2002/2003 الإسكندرية.

- بن بوزيان محمد؛ شكوري سيدي محمد؛التحرير المالي و اثره على النمو الاقتصادي – حالة الجزائر – من الملتقى الوطني الثاني حول المنظومة البنكية في ظل التحولا الاقتصادية المركز الجامعي بشار .

- طارق عبد العال حماد ، التطورات العالمية وانعكاساتها على اعمال البنوك، الدار الجامعية  الإسكندرية ،مصر ، 2001.

- حريري عبد الغني  اثار التحرير المالي على اقتصاديات الدول العربية ؛ مذكرة ماجستير غي منشورة ، جامعة حسيبة بن بوعلي شلف 2007 .          

- عبد الغفار حنفي، عبد السلام أبو قحف، الإدارة الحديثة في البنوك التجارية، المكتب العربي طبعة 2001.

- تشارلز فريلاند ، المتطلبات اللازمة لتحديث القطاعات المالية فـي البلدان العربية وتطويرها ، بحث مقدم إلى ندوة  القطاع المالي في البلدان العربية وتحديات المرحلة المقبلة، صندوق النقد العربي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، أبوظبي2001 .

- جميل سرمد كوكب ، الاتجاهات الحديثة  في مالية الأعمال الدولية ، الحامد للنشر والتوزيع، بغداد، 2001، جلة الاهرام، العولمة المالية ‏..‏ مميزاتها ومخاطرها، الأثنين/13/سبتمبر/ 2004، العدد 43015  

- عرابة رابح ؛ بنافلة قدور ؛ التسويق البـنكي و قدرته على إكسـاب البنوك الجزائرية ميزة تنافسية ؛من الملتقى الدولي الاول حول  المنظومة المصرفية الجزائرية و التحولات الإقتصادية المنظم في يومي 14و15 ديسمبر 2004جامعة شلف .

- طارق طه، إدارة البنوك و المعلومات المصرفية، دار الكتب للنشر، القاهرة، 2000.

- عبود نجم ن.، (سبتمبر 1999)، "الابتكار مصدر متجددا للميزة التنافسية"، أخبار الإدارة: نشرة فصلية، العدد 28، تصدر عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية.

- أ. زيـدان محــمد، دريس رشيد، متطلبات اندماج البنوك الجزائرية في الاقتصاد العالمي ؛من الملتقى الدولي الاول حول  المنظومة المصرفية الجزائرية و التحولات الإقتصادية المنظم في يومي 14و15 ديسمبر 2004 جامعة شلف.

-  Saoussen Ben Garma, Libéralisation financière et crises bancaire le cas des pays émergents, à partir du site d'internet : http://www.ahram.org.eg/Archive/2004/9/13/FACE5.HTM

- Tugrul Atamer et Roland Calori, « Diagnostic et Décisions Stratégiques », Dunod, Paris, 1998, P.1www.univParis13.13/CEPN/BenGarma.pdf

- C.Marmuse, «Politique Générale, langage, Intelligence, Modèles et Choix Stratégiques », 2Edition, Economica, 1996.

LMF : libéralisation du marché financier ؛ LSFI : libéralisation du secteur financier interne  ؛LCC : libéralisation du compte courant  

 

Télécharger l'article